تنبيه! إذا أردت تقييم المقال، تأكد من تسجيل الدخول أولاً. بالضغط هنا
عبودية الانكسار
53
منصة المستشار أفياء تربوية

ربما نفتقد اليوم السكينة التي تتجلى في محراب العابدين ، تقلب ناظريك علها تظفر بمنظر مهيب ، تراه في جاثم على ركبتيه ، مطرق الرأس ، منكسر القلب ، يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه ، لترشف منه ابلغ ما تصل له البشرية من عزة و استعلاء ، و سمو وارتقاء ، حينها ترى مدنية البشر و ضجيجهم كعالم الذر ، و يدرك بأن واحداً من معاني العبودية لله تبذره في نفسك ، و تتعاهده و تسقيه ، توقن من خلاله بأن ما سواه كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، أو كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء !

إن أجمل لوحة يمكن رقمها في هذا الكون و أصدقها ، هي ذاك العبد المنكسر بين يدي ربه ، يبكي ذنوبه و يئن ، أو يثني و يمدح صاحب العطاء و المن ، فهو يراوح بين استغفار و دعاء ، و تعظيم لله و ثناء ، يريق ماء وجهه بين يدي ربه ، و يمرغه بين يديه ، و يجود بما يملكه من عينيه ، قد اقشعر جلده ، و انكسر قلبه ، حتى لم تبق فيه بقيه ، و لا ادخر شيئاً من كيانه و لا جنانه ، إلا و هو يبذله و يستعمله ، و يجاهد أن يظهره بين يدي ربه و يعرضه ، ليقول بلسان الحال و المقال : يا رب هذا بفضلك ما أملكه ، قد بذلته و صرفته ، و دفقته بين يديك و اهرقته ، و هو يقر و يعترف ، بكل ما اكتسب و اقترف ، يستحضر بأن الله له الخلق والملك و التدبير ، و أنه العلي الكبير ، ثم ينكسر بيت يدي ( غافر الذنب و قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا اله إلا هو اليه المصير )

إنها لوحة يقف الكون مشدوها أمامها ، و هو يرى هذا العبد يجسد غاية الوجود ، متمثلا في ذاك المنكسر ، الذي استبشرت له الأرض بسهولها و جبالها ، و تلألات السماء بجلالها و جمالها ، و اتسق الكون بسعته و عظمته مع ذاك القلب في الجسد النحيل.

فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، حين يمرغ وجهه بين يدي فاطر السموات و الأرض ، في ابلغ ما يفعله البشر للتعبير عن صدق العبودية و التذلل ، و يعلل ابن القيم – رحمه الله – سبب هذا القرب " بأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه ".

إنها معادلة سهلة و قريبة ، يفهمها كل أحد ، بأن العبد كلما تذلل و انكسر بين يدي الله عز وجل ، كلما كان اقرب له، فلتفتح على نفسك مصاريع هذا الباب، لتهب عليك نسائم القرب.

و تأمل قول النبي صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه : إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك، وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي، رواه مسلم.

قال ابن القيم : فقال في عيادة المريض " لوجدتني عنده " و قال في الاطعام و الاسقاء " لوجدت ذلك عندي " ففرق بينهما، فإن المريض مكسور القلب و لو كان من كان، فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمناً قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده.

وهذا – و الله أعلم – هو السر في استجابة دعوة الثلاثة : المظلوم ، والمسافر، و الصائم ، للكسرة التي في قلب كل واحد منهم ، ، فإن غربة المسافر و كسرته مما يجده العبد في نفسه ، و كذلك الصوم فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية و يذلها ا.هـ

و جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد أن موسى عليه السلام قال : أي رب ، أين ابغيك ؟ قال : ابغني عند المنكسرة قلوبهم ".
و تفسير هذا الحب و القرب و الفرح الإلهي ، أن هذا الذل و الانكسار هو " روح العبودية ، ومخها و لبُّها " ، و بها تتحقق الغاية من ايجاد الجن و الانس ، و الذي جاء بكل وضوح و ابلغ بيان ( و ما خلقت الجن و الانس إلا ليعبدون ) فالعبودية هي قطب الرحى ، و هي السبب الوحيد الذي لا ثاني له في ايجادنا و خلقنا ، و مخها و لبها هو : الذل و الانكسار.

فحقيقة العبادة ترجع إلى معان قلبية مخصوصة و هي غاية الحب و نهاية الذل و التعظيم ، و ما يلزم عن ذلك من الأعمال الظاهرة ، فتأمل قولهم في تعريفها بأنها " نهاية الذل و التعظيم " ، فكأنها طريق كلما اوغلت فيه و شمرت اقتربت من الهدف ، ثم يتفاوت السائرون في هذا الطريق ، فالحياة الطيبة و الانوار و الطمأنينة و الراحة و الانشراح و السعادة ينالها كل من له حظ في هذا الطريق ، و كلما اوغلت اكثر و اكثر ، نالك النصيب الأكبر ، فمقل و مستكثر.

و هذا الذل و الانكسار الذي هو لب العبودية ، اشارت اليه آيات القرآن ، فجاءت في مقام المدح و الثناء ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغباً و رهبا و كانوا لنا خاشعين ) و في مقام ذم من ترك التضرع و الاستكانة و الذل لله ( و لقد اخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم و ما يتضرعون ) في آيات كثيرة تظهر جلية لمن تدبر القرآن ، و لعل من الدقائق في هذا الباب ، ما جاء في مقام البيان و الاحتجاج على المشركين ، كقوله في سورة لقمان ( و إذا غشيهم موج كالظلل دعو الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الى البر فمنهم مقتصد ..) و في يونس ( .. جاءتها ريح عاصف و جاءهم الموج من كل مكان و ظنوا أنهم احيط بهم دعو الله مخلصين له الدين ....) فتأمل قوله ( مخلصين له الدين ) فعندما تفزع القلوب في وقت الشدة لله ، و لا يكون هناك أي تعلق أو رجاء للمخلوقين أياً كانوا ، و تنطلق الاستغاثات و الدعوات لله حتى لا يكون في الضمير غيره ، يعبر القرآن عن هذه الحال بكل وضوح و توضيح ( مخلصين له الدين ) فهذا الفزع و الانقطاع و الانكسار و الاستغاثات و التضرع و التعلق و الرجاء و الأمل هو اخلاص الدين لله ، و لكنه لم ينفع المشركين لأنها كانت عندهم حالة مؤقته لحين انتهاء الكرب ( فلما نجاهم الى البر إذا هم يشركون ) بخلاف المؤمنين الذين يستصحبون هذه الأحوال و العبادات في كل حين ، ثم يتفاوتون في مراتبها ، و لكن إشارة القرآن بأنهم ( مخلصين له الدين ) جديرة بالتأمل و الوقوف ، لاستصحاب هذا الحال في كل وقت و حين ، و ليس وقت الشدائد فقط ، كما يصنع المشركون.

ثم يستفيض القرآن في شرح أحوال المؤمنين و صفاتهم و أعمالهم و عباداتهم و محبتهم و خضوعهم و انكسارهم لتحقيق العبودية لله عز و جل و يدعوهم للمزيد و المزيد ، و المسارعة و المسابقة ، و السعي و المنافسة ، وانهم يبتغون اليه الوسيلة ( ايهم اقرب ) و عجلتهم لنيل مراضي الرب - جل و علا - ( وعجلت اليك ربي لترضى ) و انهم يبتغون فضلا من ربهم و رضوانا ، بل و دعاهم الى أن يقتطع العبد وقتاً من يومه أو ليلته ، للانقطاع و الخلوة بالله و الانس به ، و الذل و الانكسار بين يديه ( و تبتل اليه تبتيلا ). " مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها " معرفة الله و محبته و التذلل له ، و الانكسار بين يديه ، وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة.

فخذ هذا الأمر بقوة ، و تدرج فيه حتى تتمكن ، و داوم على السداد و المقاربة ، و المنشط و المكره ، و المصابرة و المجاهدة ، حتى تتشربه نفسك ، و يصلب عودك ، قال ابن الجوزي : أتعتقد أن التوبة قول باللسان ! إنما التوبة نار تحرق الانسان ، جرد قلبك من الأقذار ، ثم البسه الاعتذار ، ثم حله حُلة الانكسار ، ثم أقمه على باب الدار.

قال ذو النون المصري : مضيت إلى أحد العباد فسألته : كيف كان بدء أمرك مع ربك تبارك وتعالى ؟ قال لي: يا فتى كنت إذا عملت بمعصيته صبر علي وتأنى بي ، فإذا عملت بطاعته زادني وأعطاني ، وإذا أقبلت عليه قربني وأدناني ، وإذا وليت عنه صوت بي وناداني ، وإذا وقفت لفترة رغبني ومناني ، فمن أكرم من هذا مأمولاً ؟!

و الله إن شرف الدنيا و الآخرة هو الذل و الانكسار بين يديه ..

-----------------------------
بقلم أ. فرحان العطار

تقييم المقال
مشاركة المقال11
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

أولادنا بين الرعاية والتربية

هل ستكفي تلك الفائدة الرائعة التي تداولها الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحل معضلة الفهم الخاطئ، ...

شاركنا الرأي

هل تؤيد طلب الاستشارة؟

استطلاع رأي

ما رأيك في فترة الرد على الأستشارات حالياً ( خلال 5 - 7 أيام )؟

المراسلات