فتاة عشرينية
11
الإستشارة:

السلام عليكم
أخي/أختي المستشار/ة هذه استشارة من مسترشدة نصها:


انا فتاة عشرينية، اريد الحرية في حياتي لكن مشكلتي مع والدي لا يفهمان شعوري و حالتي مثلا اريد الخروج لمكان ما يجب ان استشير و اين و لماذا و متى و كيف ، لدرجة توقفي عن الخروج لاني اكره من يشرف و يتحكم في حياتي و اريدهما ان يتوقفا و يتركا لي حريتي في حياتي دون جرح شعورهما .

مشاركة الاستشارة
يناير 16, 2020, 08:11:07 صباحاً
الرد على الإستشارة:

أهلاً وسهلاً بكِ يا ابنتي الكريمة في منصة المستشار ؛ وأشكرك على بوحكِ واستشارتك الطيبة... والحمد لله رب العالمين أن وهبنا ( الحرية ) في الاختيار! فالله تعالى يقول : ( إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ). ويقول جلّ شأنه في موضع آخر: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ). والبطولة يا ابنتي ليست في أخذ القيمة نفسها والتي هي ( الحرية ) وإنما فيما تكون! ومع من تُصرف !! ففي قوله: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) أي نجد الخير، ونجد الشرّ.

الحرية يا ابنتي موضوعها كبير وشائك على الكثيرين! وقد التبس عليهم حتى أصبح المجون والفسوق وحتى الكفر بالله تعالى وسب رسولهِ صلى الله عليه وسلم!! من الحرية!! والحريةُ بريئة منهم براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام... وقبل أن أقول لكِ رأيي في الموضوع.. اسمحي لي بأن أوضح لكِ مفهوم ( الحرية ) وكما يقول فيه علماء التربية والاجتماع .

يُعدّ مفهوم الحريّة مفهوماً نسبيّاً؛ إذ يختلف تعريفها وفهمها باختلافِ الزّمان والمكان، ولذلك؛ وُضعت تعاريفٌ كثيرة لوصفها، فأشهرُها هو تعريفُ إعلان حقوق الإنسان الذي صدر إبّان الثورة الفرنسية سنة 1789م؛ حيثُ وصفَ الحريةّ بأنّها: (حقُّ الفرد في أن يفعل كلّ ما لا يضرُّ بالآخرين)،[١] وأنّ مفهومَ الحُريّة ككلمة: هي أنْ يكون الإنسانُ قادراً على فعلِ و اتّخاذ القرار الذي يُناسبه بإرادة منه دون إجبارٍ أو تأثيرٍ من طرفٍ خارجيّ -سواءً أكان القرار مادياً أو معنوياً- وعدم انقياده لأيّ فرد دونَ وعي وتفكير.[٢]
وبالرجوع إلى حالتكِ يا ابنتي - والله أعلم - وأيضاً حال الكثير من الفتيان والفتيات... نجدهم أحراراً في معظم حياتهم وتصرفاتها وأفعالهم... فأنتِ الآن قد كتبتِ استشارتكِ تلك بحريتكِ تقريباً... فغيركِ ربما لا يملك إنترنت! ولا حتى يستطيع الإدلاء برأيهِ ورغباته...

ابنتي الفاضلة... تأملي الحياة!! تجدين إن كل شيء فيها  لابد له من نظام يحكمه بعيداً عن عبث العابثين الذين يحاولون تغيير النظام الكوني الإلهي في هذه الحياة، ويوم أن يكون ذلك تختل الموازين، وتتبعثر أوراق الحياة، وتخرج بغير صورتها الحقيقية.

والناظر في حال معاشر الفتيات يجد تغايراً في التصرفات، واختلافاً في الاتجاهات ورغبة جانحة في التحرر من القيود التي قد تتعب النفس وترهقها، وهذه هي طبيعة النفس البشرية إذ لا يمكن أن يتحد جميع الخلق على فعل واحد أو تصرف ولكن قد يجمعهم أي البشرية غاية واحدة ألا وهي عبادة الله عز وجل، التي تحرر العابد من كل عبادة إلا عبادة الله عز وجل يقول الله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }. وهذه العبادة جاءت وفي طياتها موافقة تامة للفطرة البشرية دون أن تتصادم مع الحقائق الثابتة والأصول الراسخة .
لهذا فإن الإنسان يعيش في هذه الرحلة يأمل ويرجو ..

يظل إنساناً بمعنى الإنسانية ومسلماً متميزاً بتنظيم وقته وبالتحكم في حريته وباحترامه لغيره وما غايته بذلك إلا الكمال الدنيوي حتى ينال الأجر الأخروي من الله عز وجل. ولأجل هذه الغاية السامية تعيش الفتاة المسلمة في معترك الحياة وهي تملك الطاقات التي تحتاج إلى مزيد من الحرية المعتدلة التي تنتج فتاة صالحة وزوجة تمهد طريق المجد لزوج صالح، وأماً ترسم جيل المستقبل.

فلم تعد مجتمعاتنا منغلقة على نفسها بل أصبحت أكثر انفتاحاً من ذي قبل حيث بدأت عوامل التأثر واضحة في كل لون وميدان سواءً كان منها النافع أو الضار وهذا يدعونا إلى بعض من المراجعة وإعادة النظر. فنحن نحتاج يا ابنتي الكريمة - إلى أن نعيد النظر في مفهومها! منها  ( الحرية ) وبالذات لدى بعض فتياتنا الحرائر العفيفات نحتاج إلى أن نعيد النظر فيما قدمته لنا هذه الحرية من إيجابيات وسلبيات وغير ذلك يوم سرنا على طريقها وتبع بعضنا كل من دعا إليها .

إذاً يا ابنتي...
حتى يرتقي الإنسان في هذه الحياة لا بد له من شيء يثبت به ذاته ويحقق به أمانيه مستعيناً قبل ذلك بالله عز وجل ثم بكل ما يرضيه ومنها هذه ( الحرية ) التي تعني خلوص الإنسان من قيود الحجر عليه وتمتعه بكل حق إنساني سوغه العقل وقضى به الشرع، وهي أحد الحقوق الطبيعية للإنسان إذا حرم منه فقد إنسانيته وسلبت منه إرادته، ومن هذا المنطلق نقول إن الحرية حق لكل إنسان على وجه الأرض - ولكن بحدود وتحت أطر شرعية خاصة - إذا آمنا إيماناً لا شك فيه في أن الشريعة الإسلامية قد جاءت وهي موافقة لحاجة جميع الخلق الذين قد ولدوا من بطون أمهاتهم أحراراً إلا أنهم قد استعبدوا من غير رضاهم فأصبحوا عبيداً لأناس مثلهم أو أنهم استعبدوا برضاهم يوم أن صاروا عبيداً لملذاتهم وشهواتهم التي لا تعني حرية الذات، وإنما استعبادها وتطويقها ، وبنظرة فاحصة إلى حال فتياتنا يستطيع أن يعرف موقف كل فئة منهن من الحرية بعد أن نستبعد مسألة استعباد الخلق لغير خالقنا فنحن ولله الحمد مسلمات موحدات .

ومن الأمور المُسلم بها يا ابنتي - إننا كلما بعدنا عن المفهوم الرباني للحرية ازدادت تعقيدات الحياة وظلمتها وعمت المشاكل التي كثيراً ما يكون الفرد والمجتمع في غنى عنها.!

أخيراً... إن الحرية يجب أن تكون “مسؤولية”، أي أن يتحمل الفرد عواقب أفعاله إذا كانت إيجابية أو سلبية، فالإنسان مخير وليس مسيراً، على ألا يضر الآخرين بأفعاله أو اختياراته، ولكنه يجب التوقف في حالة إذا ما كانت هذه الحرية تؤذى الفرد ومن حوله، وفى هذه الحالة يجب تنبيهه وليس الحجر على حريته والتدخل فيها. ومفهوم الحرية يرجع إلى طبيعة كل شخص والبيئة التي نشأ فيها، فهو يعتمد على ما زرعه الأهل داخله، ويرجع إلى عادات المجتمع وتقاليده، فيجب أن يكون داخل كل فرد وازع ديني وأخلاقي، يرشده إلى الطريق الصحيح، رغم الانفتاح الذي نعيشه حاليا مع وجود التكنولوجيا الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي التي عززت حرية الاختيار، وجعلت من السهل على الفرد مخالطة ثقافات مختلفة، وهنا يأتي دور العقل والتفكير والوعى والانتقاء من بين هذه الثقافات “المفيد”، والبعد عن الأفكار السلبية التي تُبث من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية المختلفة..

أتمنى يا ابنتي الفاضلة ؛ أن يكون كلامي لكِ آنفاً توضيحاً لكِ لمفهوم ( الحرية ). ولتعلمي أنكِ في خيرٍ كبير يحسُدكِ عليه آلاف وربما ملايين الفتيات اللاتي خُدعوا بتلك الحرية المزعومة فأصبحوا سجينات بلا حول ولا قوة...

هذا وبالله التوفيق والسداد...

-------------------------------
* المراجع
-  جعفر عبد السادة بهير الدراجي‎ (2009)، التوازن بين السلطة والحرية في الأنظمة الدستورية (الطبعة الأولى)، عمان-الأردن: الحامد للنشر والتوزيع، صفحة 38. - بتصرّف
- أ ب ت علي ابو حبله (2-8-2016)، "المفهوم الخاطئ لمعنى ومفهوم الحرية .. فالحرية تعني الانضباط واحترام القوانين"، دنيا الوطن، - بتصرّف

مقال المشرف

إجازتنا إلى أين؟

تطل علينا الإجازة، بكل ما فيها من فراغ البال، وهدأة الأعصاب، والتطلع إلى الفسحة، ولكنها أيضا فرصة ثم...

شاركنا الرأي

ما مدى تأثير شبكات التواصل الاجتماعية على الأسرة

استطلاع رأي

ما رأيك في فترة الرد على الأستشارات حالياً ( خلال 5 - 7 أيام )؟

المراسلات