عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - مستشار نفسي

صفحات:
  • 1
  • ...
  • 37
  • 38
  • 39
  • 40
  • 571


     


    د.
    عبد الكريم عطا الجابري
    .
     
     
     

    يرتبط التكافؤ بالأهلية بحيث يكون كل من الزوجين أهلا للآخر. ويطرح هنا على صعيدين
    موضوعي وهو الذي يشيع الحديث عنه .ونفسي ذاتي وهو الذي يظل خفيا.
    يتمثل التكافؤ الموضوعي عموما في السن والوضع المهني والاقتصادي ومستوى التعليم.
    وتشكل هذه الثلاثية مقومات موضوعية لإمكانية إقامة علاقة زوجية متوازنة وقابلة
    للحياة. حيث يجد كل من الزوجين مكانة معقولة لا تكلفه أثمانا معنوية ونفسية أو حتى
    مادية باهظة. وإلا فان احتمالات بروز الصراع والتناقضات تكون هي الغالبة. فالتكافؤ
    الموضوعي هو الذي يوفر مقومات التوافق والتفاهم.

    إذا أخذنا السن مثلا من الهام جدا وجود حالة من التوازن العمري بين الزوجين حتى
    ينموان معا. وإلا فقد تنشا حالات من التفاوت في الحاجات والمتطلبات والرؤى
    والتوجهات . من مثل ما يحدث بين زوج مسن وزوجة صغيرة السن. فبينما يكون الزوج قد
    وصل مرحلة تبدأ حاجته فيها إلى الاستقرار وتكمن نزواته . تكون الزوجة مازالت في
    مقتبل مرحلة الحيوية والانفتاح على الدنيا والحاجة إلى إرضاء حاجاتها العاطفية
    والجسدية . وبعد مرحلة البدايات وتنازلاتها وتحملها أو فرحتها تأتي مرحلة إعادة
    حسابات الربح والخسارة من الطرفين معا .وقد يبدو كل منهما في نظر الآخر معوقا
    لحياته أو عبثا عليه نظرا لتفاوت المتطلبات والاحتياجات.

    وقد يفتح سجل صراع القوة والصراع على المكانة الذي يشكل ردود فعل للإحباطات
    المختلفة الناتجة عن عدم تناغم مستوى الحاجات ومتطلباتها . فسلطة الزوج الأكبر سنا
    والأكثر اقتدارا على الحياة والتي كانت غير منازعة من قبل زوجة تابعة قد يتسرب
    إليها الوهن تدريجيا وصولا إلى قلب الأدوار وقلب علاقات السلطة .يحدث ذلك تحديدا
    حين تنطفئ العلاقات العاطفية وحين ينضب الحوار والتفاعل والتجاوب والتلاقي.
    وقد يعاني الأبناء من هذه الحالة التي لا يندران تدخل في وضعية التصدع الخفي الحرب
    الزوجية الباردة حيث يصبح الزوج المسن غير متوفر عاطفيا وذهنيا أو حتى صحيا بما
    يكفي للتفاعل النفسي النشط.
    كذلك هو الحال في التكافؤ التعليمي .فالمستوى التعليمي يحدد من حيث المبدأ أفق
    الرؤية ونوعية النظرة إلى الذات والوجود. كما يحدد نوع الاهتمامات والعلاقات .

    ومن ابرز مكامن الصراع الزوجي تلك الحالات التي يرتبط فيها احدهما بآخر مدفوعا
    بنزوة أو رد فعل من نوع ما سواء كانت جنسية أو ردا على حالة إحباط وجودي. إلا أن
    النزوات كردود الفعل تظل عابرة ولو طال أمدها ويتعذر أن تكتب لها الحياة . بعد
    مرحلة الحماس سرعان ما تظهر التباينات على صعيد قضايا الحياة اليومية الصغيرة. إلا
    أن هذه قد تتجمع كي تتحول إلى تناقضات كبرى . وعندها يطل الشعور بالغبن أو الورطة
    برأسه وتتضاعف الخطورة إذا تلاقى التباين التعليمي مع التباين الاجتماعي هنا تطرح
    مسالة المكانة بكل حدتها بعد وقت ليس بطويل.
    أما التكافؤ الاجتماعي –الاقتصادي فهو غني عن البحث حيث يشكل موضوعا مطروحا بشكل
    دائم حين النظر في تكوين الروابط الزوجية

    على أن المسالة هنا تظل قابلة للكثير من الاستثناءات إذا توفرت مقومات التكافؤ على
    الصعد الأخرى. وإذا تمتع الزوجان بالقدر الكافي من النضج والتوافق العاطفي والقدرة
    على إيجاد الحلول الملائمة للمشكلات وخصوصا إرادة إنجاح الارتباط الذي يوفر الرضاء
    النفسي والوجود للطرفين
    يشكل التكافؤ النفسي الذهني احد مقومات نجاح الرباط الزوجي ولو انه يظل خفيا
    بالمقارنة مع بروز وعلنية التكافؤ الموضوعي.

    نحن هنا بصدد العديد من الحالات التي قد يعوض فيها التكافؤ النفسي التباينات
    الموضوعية أو هو يفاقم من حدتها . نقتصر هنا على الإشارة إلى التكافؤ على مستوى نمط
    العلاقات أما التكافؤ في مستوى النضج النفسي فله كلام مستقل .الكثير من الروابط
    الزوجية تنخرط في صراع على المكانة لمن السيطرة على الآخر ولمن التحكم والمرجعية
    وتبرز هذه الصراعات حين يكون احد الطرفين ميالا إلى التسلط العلني الصريح كما هو
    الحال عند بعض الرجال أو التحكم التملكي الخفي كما هو الحال عند بعض النساء بينما
    يحتاج الطرف الآخر إلى علاقة قائمة على الاستقلالية أو التكافؤ.

    نخلص من ذلك إلى القول بان الرباط الزوجي ابعد ما يكون عن الجمود والنمطية وخصوصا
    في الحياة المعاصرة .إنه حالة من التكون الدائم وتوازن وإعادة توازن دوريين وصولا
    إلى استقرار جديد من خلال إعادة تعريف الموقع العلائقي لكل من الزوجين في درجات
    مختلفة من التكامل والتباين في آن معا.

     
     
     
     
     
     


    572


     


    د.
    أيمن غريب قطب
    .
     
     
    إن
    الفرق بين الحلم العادي والكابوس فرق في الدرجة لا في النوع ولكل منهما دلالته
    النفسية وتأثيراته على شخصية وحياة الفرد وتصرفاته وانعكاساتها على الآخرين . إن
    الحلم والكابوس كلاهما نشاط نفسي صادر عن اللاشعور ولكن الكابوس أكثر وضوحا وأشد
    وطأة من الحلم العادي مما يجعل من دراسته وتفسيره مدخلا لدراسة وتفسير شخصية الفرد.

    وتؤدي وطأة الكابوس إلى فزع النائم والخشية من آثاره ومن تكراره وعدم نسيانه . ولا
    يختص الكابوس بالأمور التافهة إنما يكون مفعما بالمعاني والدلالات حيث يتخذ أشكالا
    وصورا كثيرة تنزع عادة إلى التكرار ومن أمثلتها أن يحلم الشخص أنه يدفن حيا أو يكون
    محشورا في نفق طويل مظلم أو انهيار جبل أو بناء فوقه أو سقوطه من علو شاهق أو
    انحداره في هوة سحيقة.

    وقد يتخذ الكابوس صورا خرافية أو رمزية مثل أن يأتي في صورة عفريت أو جان أو في شكل
    تنين أو وحش مفترس خرافي كما قد يتخذ صورا رمزية واقعية مثل الحروب أو القتال خاصة
    لدى الجنود والمقاتلين الذين مروا بخبرات مماثلة ومؤلمة. ويصاحب النائم في جميع
    الكوابيس شعور بفقدان القدرة على الحركة والعجز أو الشلل الجسمي والنفسي وقد يصرخ
    بأعلى صوته دون أن يسمع له صوت ويظل في براثن هذه المشاعر ليخرج منها بأعجوبة حين
    يستيقظ!!.

    ومن الأسباب التي تؤدي إلى الكوابيس الأسباب المتعلقة بجسم الإنسان مثل الحالة
    الصحية و الإضرابات الجسمية مثل عسر الهضم وإعاقة الدورة الدموية بسبب الوضع الغير
    ملائم للنائم ومنها الإصابة ببعض الأمراض أو تناول عقاقير مؤثرة .ومنها الأسباب
    الخارجية مثل البيئة الاجتماعية والثقافية للفرد ومعتقداته وحالته النفسية حيث
    تستثار مشاعر الفرد بقوة من قبل مؤثرات قوية وملحة على نفسية الفرد فتظهر الأحلام
    والكوابيس.

    ويقول ابن سيرين إن جميع ما يرى في المنام قسمان أما من الله وهو الرؤى الصالحة وهي
    بشرى من الله.وأما أباطيل الأحلام كما يقول فهي من النفس والشيطان. إن تحليل مثل
    هذه الأحلام والكوابيس يمكن أن تعين في فهم وتفسير الكثير من جوانب شخصية الفرد في
    كثير من المواقف والحالات والأحايين ولعل في تجنب أسباب الكوابيس ما قد يجنب الفرد
    من آثارها وعواقبها المؤلمة.وإن من العجب العجاب أن في بعض الواقع المعاصر ما قد
    يفوق في آثاره الكوابيس تأثيرا .

    وقانا الله وإياكم شرهما معا ورزقنا هدوء النفس وراحتها وسكينتها وحبانا بالسلامة
    والصحة النفسية الإيجابية آمين .

     
     
     
     
     

     


    573


     


    د.
    سليمان جار الله بن محمود
    .







    الغور في معالم النفس البشرية ، في خضم الفكر الإسلامي والاهتمام بالجذور النفسية
    بما أتاحته المعارف العلمية؛ البيولوجية منها والنفسية والفلسفية التي تساعدنا على
    البحث الواسع، وبإدخال شتى مناهج البحث المتعددة ، تبصرنا بما لا نعرف . لعل ما في
    كلمة < بسم الله> من أثر في تلطيف نفسية الفرد ، التي تولد من حيث يولد السرور
    والبهجة . فإذا كان كل القول الذي نقرأه أو نسمعه بدايته ابتسامة في أعماق أنفسنا ،
    فإننا نرغب في ذلك أكثر ، وتبقى البسمة تتبعه ، وما أدرانا بكل آثار كلمات القرآن
    الكريم في الأنفس ؛ وما هذه إلا واحدة تشفي الكثير من الأسقام النفسية .في ترديدها
    بسمة ، تسد مسالك الأحزان والاكتئاب ، فلا تتسول في الشعور. فتزيحها من مكان استولت
    عليه في فترة ضعف ووهن التفكير ، فيحل في عمق النفس أوامر رسم ملامح البسمات ، فلا
    تلبث مع الأيام أن ترتسم على الوجه إن شاء الله .

    الإعجاز اللغوي في القرآن يجذب اهتمام كل دارس له فإذا أدركنا بعض ما ظهر منه فإن
    ما خفي منه أكثر وأعمق. قراءته أو سماعه تثير في أنفسنا أحاسيس نشعر بها وأخرى لا
    نشعر بها مباشرة , فهو يخاطب أيضا أعماق هذه النفس ، تلك التي فطرها الله عليها.
    فعلينا أن نتدبر ألفاظه ومعانيه وما يصحبهما من إحساسات على مختلف أشكالها، انطلاقا
    من تحليل واستقراء كل حرف، والحروف في القرآن آيات ، وفى كل كلمة وآية معجزات...
    ومن جميع الجوانب العلمية التي يعرفها الإنسان .

    كل حرف وكل كلمة هي فكرة وكل فكرة تتداعى معها أفكار أخرى ، أولها الأقرب إليها من
    حيث الألفاظ المكونة للكلمة فيتم التمييز بين الكلمة الملفوظة والكلمات الأقرب
    إليها لفظا، وبالتالي إحضار الصورة الذهنية التي تعرّفها تلك الكلمة ( وإذا خطرت
    ببالنا صورة ذهنية آي المعنى أولا , تحضر معها الكلمة التي تعرفها حسب ما تعلمناه
    سابقا ) . مثلا كلمة حّسّنْ تتداعى معها الكلمات الأقرب لفظا منها حُسْنّ و حسان...
    وكذلك معنى حسن تتداعى معه الأفكار الأقرب إلى معناه . واقرب الكلمات ومعانيها التي
    تتداعى عند سماع أو لفظ كلمة بسم هي بسمة ، باسم ، بسمات . إضافة إلى باقي الأفكار
    التي توحيها إلينا تلك الكلمة ؛ وكلها تولد فينا فرحة وما يسر النفس .


    لنتدبر لفظ كلمة { بسم } ؛ أول كلمة نبدأ بها تلاوة القرآن الكريم مستقبلة كلمة
    الله سبحانه وتعالى ثم صفاته ، وندرسها من جانب وقعها في أغوار نفس الإنسان . وما
    استهلال كل سور القرآن بها إلا لأنها تحمل أسرارا عديدة والتي وردت في الكثير من
    تفاسير القرآن الكريم .

    أما في موضوعنا هذا ، سنتكلم عن قوة خفية تسر النفس تحملها كلمة بسم ، وهو من منابع
    حلاوة لفظها وتحبيذ قراءة القرآن وسماعه. بسم تُدخل في النفس بسمة خفية خافتة دون
    أن نشعر بها، فتنشرح لاستقبال اسم الله وما يلي تلك الكلمة من القول أو الفعل،
    ولذلك أيضا أوصانا الإسلام بأن نستهل بها كلامنا وكل أعمالنا . إذا تأملنا جيدا
    ملامح الوجه عندما نتلفظ بكلمة بسم . نلاحظ أن هناك تطابق بين الملامح التي ترتسم
    على الوجه أثناء لفظ هذه الكلمة، والملامح التي ترسمها البسمة أثناء الابتسامة .
    لكي نتأكد من ذلك نقوم بمقارنة الملامح التي ترتسم على الوجه عند لفظ حروف كلمة بسم
    ، بملامح البسمة على الوجه (في زمن يقايس الزمن اللازم للفظ كلمة بسم بهدوء وتأنّى)
    .

    لفظ الباء بالكسرة (بـِ): الباء من الأحرف الشفهية لأن مخرجها إلى الهواء من
    الشفتين . ضم الشفتين ثم فتحهما لإصدار صوت الباء يليه تمدد الشفتين عرضا لإظهار
    صوت الكسرة على الباء . هذه الملامح التي ارتسمت على الوجه تشبه تماما الملامح التي
    تبدأ بها البسمة .

    لفظ السين ساكنا (ـسـْ) : من الأحرف الأصلية ومخرجها ما بين رأس اللسان وبين صفحتي
    الثنيتين عند التقاء الأسنان ، . ضم الأسنان والشفتين مفتوحتين مع جريان الهواء ،
    هى أيضا من مكونات سمات البسمة عندما ترتسم على الوجه ، وخاصة ميزة ظهور الأسنان
    أثناء لفظها بعلامة السكون أكثر مما تكون عليه عند لفظها بالعلامات الأخرى ، وهي من
    المميزات الكبرى لملامح البسمة.

    لفظ الميم بالكسرة (ـِم ) : كما في لفظ حرف الباء بالكسرة إضافة إلى الغنّة لخروج
    صوت الحرف من الخيشوم المميزة له متمما لجريان الهواء الذي حدث أثناء لفظ حرف السين
    ساكنا ؛ وهذا كله نجده واضحا في الابتسامة مما يبرز تطابق الملامح أكثر ، التي
    يرسمها لفظ كلمة بسم على الوجه بالملامح التي ترسمها البسمة .

    إلى هذا كله نجد أن صفات حروف كلمة بسم تشترك في ميزتين هامتين جدا وضروريتين ،
    لدلالتهما على حالة اللسان الحركية أثناء لفظ حروف الكلمة وهما : الاستفال
    والاستفتاح .

    الاستفال : وهو تسفل اللسان أثناء النطق بالحرف وخروج صوت الحرف من أسفل الفم ,
    والاستفال ضد الاستعلاء الذي يكون فيه اللسان عند الحنك .

    الاستفتاح : وهو جريان النفس لانفراج ظهر اللسان عند النطق بالحرف وعدم إطباقه على
    الحنك الأعلى .


    هاتان الصفتان توضحان دور اللسان أثناء لفظ هذه الحروف ومنهما نجد أن دور اللسان لا
    يكاد يذكر تماما كم في حالة البسمة .

    أما الصفات الأخرى المميزة لها تخص الصوت الذي نسمعه ولا تزيد أو تنقص من الملامح
    التي ترتسم على الوجه عند لفظ كلمة بسم .
    فإذا كانت الملامح التي ترتسم على الوجه أثناء لفظ كلمة بسم ، متطابقة مع تلك التي
    ترسمها البسمة ؛ ونعلم أيضا أن لفظ كلمة ما هو إلا حركات لعضلات الوجه واللسان
    والجهاز التنفسي ، وكذلك الابتسامة ما هي إلا حركات لعضلات الوجه والجهاز التنفسي
    واللسان المحدودة كما في مخارج وصفات حروف كلمة بسم .

    فالأوامر التي تصدر من العقل لتعطي حركات ترتسم على الوجه أثناء اللفظ ، والأوامر
    التي تعطي حركات لرسم البسمة على الوجه : هي متطابقة إلى حدّ كبير ؛ وفى كلتا
    الحالتين هناك حالة نفسية تصحب الأمر الذي صدر؛ أي صورة ذهنية معبرة عنها ، وهي نفس
    الصورة الذهنية التي نكون عليها نفسيا أيضا، في حالة سماعنا لذلك اللفظ ، وإلا لما
    حدث إدراك اللفظ الذي نسمعه .

    بـما أن الأوامر هي نفسها، فمعناه أن لفظ بسم أو سماعه ، يثير في أعماق أنفسنا نفس
    الإحساس والصورة الذهنية الذي تثيره أيضا البسمة في أعماقنا؛ ونحن لا نشعر بها
    تماما (إضافة إلى معناه المتعارف عليه) . أما إذا استشعرنا ذلك فإننا نشعر بالنواة
    المولدة للبسمة في أعماقنا ، وهو من بين ذلك السر الذي يمنح اللفظ حلاوة .

    إنه حقّا خطاب للنفس من عند الذي سواها ، حتى في نفوس من لا يفقه اللغة العربية فهي
    تثير في أعماقهم الخفية إحساس بالبسمة وهم لا يشعرون بها كلية.

    الخلاصة:

    إذا حاولنا مقارنة ما يرتسم على الوجه من لفظ كلمة بسم , بما ترسمه البسمة ؛ نجد
    تطابقا كبيرا بينهما وحتى الإحساس بوجود نواة البسمة في اللفظ نستشعرها أيضا في
    أعماق أنفسنا, وإذا حاولت أن تستشعر ذلك بمقارنتك للفظ بسم ، ببسمتك ستجد قوة
    التطابق بينهما . إن القرآن الكريم يولد فينا بسمة كلما استضفناه.

     
     
     
     


    574


     


    أ.
    روحي عبدات
    .
     
     


    • ما هي الأسباب التي تؤدي إلي التمييز بين الأبناء داخل الأسرة الواحدة؟

    قد ترجع الأسباب إلى التمييز على أساس الجنس، حيث أن مجتمعاتنا العربية تحبذ الذكور
    على الإناث فيكون التعامل مع الولد من هذا المنطلق، وقد يكون التعامل على أساس
    تدليل الابن الأصغر، على اعتبار أنه لا يزال صغيراً على منظومة المحاذير والقواعد
    في الأسرة، فيتم تسهيل حركته وإتاحة المزيد من الحرية له، وتتاح له بعض المحاذير
    المحظورة على الأخ الأكبر، أو قد يكون التمييز بين صحيح الجسم و عليل، أو بين متفوق
    دراسياً وبليد، وما إلى هنالك من فروقات بين الأبناء قد تكون طبيعية واعتيادية
    فيأخذها الوالدين على أساس أنها أفضليات، ويتعاملون مع الأخوة على أساسها.

    • ما هي طبيعة المشاكل التي يمكن أن تنتج عن هذا التمييز بالنسبة للأبناء والأهل؟

    إن التمييز بين ابنين قد يخلق روح الكراهية والعداوة بينهما، وينظر كطرف بمنافسة
    نحو الآخر، والابن المميز ضده يتعامل مع أخيه على أنه أخذ مساحته المخصصة من الحب
    والمودة، وبأنه سرق حصته من والديه، إضافة إلى علاقة فاترة بين المميز ضده وبين
    والديه وإحساسه بالظلم والنقص، وفقدانه الحنان المنشود، مما يدفعه إلى تعويض هذا
    الحنان عبر طرف آخر قد يكون أحد الأقارب أو الأصدقاء وقد يصل الأمر إلى رفاق السوء،
    كبديل عن الأسرة ما دامت الأسرة لم تشبع له رغباته وحاجاته.

    • ما هي الكيفية التي يمكن أن تعالج بها هذه الإشكالية؟

    لا شك أن التعامل مع الأبناء لا بد أن يكون مختلفاً على أساس الجنس أو المرحلة
    العمرية التي يمر بها الابن، لكن هذا الاختلاف في التعامل لا ينبغي أن يصل إلى
    التمييز، فكل طفل له سمات مختلفة ينبغي التعامل معها
    لكن دون أن نهضم حقوقه في إشباع دوافعه نحو الحب والتقبل من الوالدين،وقد يفسر
    الأبناء هذا الاختلاف في التعامل على أنه تمييز في المعاملة لذا يجب توضيح ذلك
    للأخوة.
    قد يكون الابن المريض بحاجة إلى اهتمام زائد، وقد يكون الطفل الصغير بحاجة إلى ذلك
    أيضاً لكن دون أن نأخذ من حق ووقت الابن الآخر، ودون أن نشعر الطفل الأكبر بأن
    الصغير هو أفضل منه.كذلك فإن تعاملنا اليومي مع الأبناء ينبغي أن يكون على أساس
    بناء روح التعاون والثقة بينهم، والبحث عن القواسم المشتركة، والألعاب والأنشطة
    التعاونية الجماعية التي تنمي بينهم المحبة والحوار والتعاون، كأن يستعير الأخ
    أغراض وممتلكات أخيه ويعيدها له، أو المشاركة بلعبة جماعية مع بعضهم، أو أن يتحمل
    الأخ الأكبر بعض مسؤوليات أخيه الصغير، إن زرع المحبة بينهم منذ الصغر يستبعد عنهم
    أية تفسيرات خاطئة لتعامل الوالدين معهم على أساس أنهم يميزون.

    • هناك بعض الأبناء يستميلون الأهل إلى محبتهم وتمييزهم ,ما تعليقك على ذلك؟

    هناك بعض الأبناء يتميزون بالذكاء الاجتماعي والعاطفين ولديهم قدرات غريبة في إقناع
    الوالدين واستمالتهم والتعاطف معهم، وقد يكون هذا الأسلوب متوفر عند الإناث بشكل
    أكبر، إلا أن ذلك يجب أن يبقى في وعي الوالدين بـأن هناك أخوة آخرين قد لا يجيدون
    تسويق أنفسهم أمام الوالدين، أو أن كبرياءهم لا يسمح لهم باتباع ذات الوسائل في
    الاستمالة والتقرب، أو أنهم ليس من السهل عليهم الحديث عن مشاعرهم وما يجول في
    خواطرهم، لذلك يكون هنا دور الوالدين في مساعدتهم في التعبير عما يعج في صدورهم،
    والتعبير عن أنفسهم.

    • هل من نصائح يمكن توجيهه إلى الأهل والأبناء في هذا الصدد؟

    عدم التمييز بين الأبناء مهما كان السبب، وتقبل الطفل كما هو مهما اختلفت قدراته عن
    الآخرين، وأن يسلم الوالدين أن الاختلاف بين الأبناء هي ظاهرة طبيعية وصحية، وعلينا
    الاستفادة من هذا الاختلاف في الميول والاتجاهات والقدرات، وتوجيه الأنشطة وفقاً
    لهذه القدرات، كذلك لا بد من التركيز على الأنشطة التعاونية، وزرع المحبة منذ
    الصغر، وعلى الأخوة الكبار أن يدركوا أن طبيعة الرعاية المقدمة إلى الصغير هي واجبة
    ولازمة، وهي لا تعتبر على أساس التمييز.
     
     
     
     
     
     


    575
     


    د.
    محمد أيمن عرقسوسي
    .
     
     
     

    العنف من سمات البشر يتسم به الفرد والجماعة, ويكون حيث يكف العقل
    عن قدرة الإقناع أو الاقتناع مع الشعور الذاتي بأنه لا يحتاج للأخر فيلجأ الإنسان
    لتأكيد الذات بالعنف من خلال ضغط جسمي أو معنوي ذو طابع فردي أو جماعي فينزله
    الإنسان بقصد السيطرة أو التدمير .
    قال تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى ) ( 6-7 العلق ) .
    ويعرف العنف بأنه ممارسة القوة أو الإكراه ضد النفس أو الغير عن قصد . وعادة ما
    يؤدي العنف إلى التدمير أو إلحاق الأذى أو الضرر المادي وغير المادي بالنفس أو
    الغير .والسلوك العنيف نواة للإجرام .

    وقد أصبحت ظاهرة العنف في فترة المراهقة مركزاً للاهتمامات الثقافية في هذا العصر.
    ولا يكاد يمضي زمن إلا ونقرأ أو نسمع عن أحداث فردية أو جماعية من العنف. ( أنظر
    مثلاً ما حدث في يوم 21/3/2005م من المراهق الأمريكي الذي قام بقتل جديه وبعض من
    زملائه ومن ثم إقدامه على الانتحار) . لذا توزعت الاهتمامات بهذه الظاهرة بين
    المعالجين النفسانيين والأطباء النفسيين وعلماء الاجتماع والدين وكذلك الأجهزة
    الإعلامية والقضائية, فكلنا معنيين بهذه الظاهرة لأن المراهق ابن للمجتمع و هو صورة
    عن مستقبله. ولأن المراهق في مرحلة تكوين للشخصية فانه يمر بينه وبين نفسه بتساؤلات
    أساسية من أهمها : أية شخصية سوف يكون؟ مع أي مثال يجب أن يقلد لكي تتجسد به الهوية
    الوطنية؟ أي مواطن يجب أن يكون ليتوافق مع المعيار الاجتماعي؟ مع أية هوية جنسية
    يجب أن يتقمص, مع خطر, الابتعاد عن جنسه الطبيعي؟ في غياب " الأخ القدوة " الذي
    يجيب على تساؤلاته لم يعد له من وجهة نظره سوى اللجوء إلى العنف والإدمان كحل
    مستعجل!

    أسباب سلوك العنف :
    تقسم الأسباب التي تؤدي للعنف لدى الأطفال والمراهقين إلى ست مجموعات كما يلي :
    أ- أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى شخصية الفرد
    • الشعور المتزايد بالإحباط .
    • ضعف الثقة بالذات .
    • طبيعة مرحلة البلوغ والمراهقة .
    • الاعتزاز بالشخصية وقد يكون ذلك على حساب الغير والميل أحياناً إلى سلوك العنف.

    • الاضطراب الانفعالي والنفسي وضعف الاستجابة للقيم والمعايير المجتمعية .
    • تمرد المراهق على طبيعة حياته في الأسرة والمدرسة .
    • الميل إلى الانتماء إلى الشلل والجماعات الفرعية .
    • عدم القدرة على مواجهة المشكلات بصراحة .
    • عدم إشباع الطلاب لحاجاتهم الفعلية .

    ب – أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى الأسرة
    • التفكك الأسري
    • التدليل الزائد من الوالدين .
    • القسوة الزائدة من الوالدين .
    • عدم متابعة الأسرة للأبناء .
    • الضغوط الاقتصادية .

    ج – أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى الرفاق
    • رفاق السوء .
    • النزعة إلى السيطرة على الغير .
    • الشعور بالفشل في مسايرة الرفاق .
    • الهروب المتكرر من المدرسة .
    • الشعور بالرفض من قبل الرفاق .

    د – أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى المدرسين
    • غياب القدوة الحسنة .
    • عدم الاهتمام بمشكلات التلاميذ .
    • غياب التوجيه والإرشاد من قبل المدرسين .
    • ضعف الثقة في المدرسين .
    • ممارسة اللوم المستمر من قبل المدرسين .

    هـ – أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى مجتمع المدرسة
    • ضعف اللوائح المدرسية .
    • عدم كفاية الأنشطة المدرسية .
    • زيادة كثافة الفصول الدراسية .

    و- أسباب سلوك العنف التي ترجع إلى طبيعة المجتمع
    • انتشار سلوكيات اللامبالاة.
    • وجود وقت فراغ كبير وعدم استثماره إيجابياً .
    • ضعف الضبط الاجتماعي
    • ضعف التشريعات والقوانين الاجتماعية .
    • انتشار أفلام العنف .

    عوامل تكوين الشخصية العنيفة :
    • تعددت الدراسات حول تكوين الشخصية العنيفة وتمخضت عن تحديد عدد من العوامل أكثر
    تكرارية لدى من تحولوا إلى شخصيات إجرامية أو عنيفة ومن أهم ما توصلت إليه هذه
    الدراسات أن الشخص الذي يمكن أن يقوم بأعمال عنف لديه مشكلات في التفاعل مع أقرانه
    ولديه مهارات اجتماعية ضعيفة وغالبا ما يميل للبعد عن الواقعية وتكثر لديه
    الاندفاعات ويميل للمواقف العنادية ويشعر دائما بانتقاص في قدر الذات فيشعر بالنبذ
    والتوتر مع عدم ألقدره على التعامل مع الضغوط بالإضافة إلى انخفاض في مستوى الذكاء
    اللفظي والاجتماعي ولتحصيلي مع شعور بعدم الأمان والاضطهاد بالإضافة لوجود خلل
    مستمر دائم في التوازن بين الدافع والمانع في حياته الشخصية فيزداد لديه أفكار مثل
    الانتقام ، فعل الأذى حبا في الأذى ، الغيرة، الشعور بالنقص الجسماني أو النفسي ،
    الغرور, التعصب لجنس أو نوع أو مذهب .....

    وترى تلك النظريات المفسرة للسلوك الإجرامي أو العنيف أن السلوك الإجرامي أو العنيف
    يخضع في تكوينه إلى العوامل التالية :

    1. الانحراف الشخصي ويتمثل في فشل الفرد في التوافق مع القيم والمعايير ومختلف
    أشكال السلوك المقبول مما يؤدي للخروج عنها بصورة انحرافية واضحة .
    2. الصراع القيمي ويظهر من خلال صراع قيم متضاربة في المجتمع حول بعض الجوانب
    السلوكية حيث تظهر فرص لوجود السلوك الانحرافي من خلال اتخاذ البعض لتدابير وقائية
    او علاجية او عقابية تجاه تلك السلوكيات
    3. التفكك الاجتماعي وتتمثل في زيادة معدلات التغيير الاجتماعي سبب مباشر لنشأة
    العنف والجرائم وانتشارها . وسرعة التغيير في المجتمع يقلل من تمسك أفراده بالقيم
    والتقاليد مما يحدث تفككا في بناء المجتمع وفي نماذج العلاقات السائدة . حيث تظهر
    مواقف جديدة تعطل الضبط الاجتماعي والتحول في الثقافة نحو معتقد سيادة العنصرية
    والأنانية ( أنا أولاً) يؤدي إلى تأثير مستوى الأفراد ويساهم في زيادة معدلات العنف
    والجريمة في المجتمع .
    4. العلاقات الأسرية كما أن عدم اكتراث الآباء بأبنائهم ، أو تناقضهم في معاملة
    أطفالهم ، أو قلة الخبرة لدى البعض في أسلوب تقديم الثواب والعقاب ، يمكن أن يؤدي
    للسلوك العنيف والإجرامي . إذاً ليست المشكلة فقدان الأب ولكن المشكلة فشل القيم في
    تعليم الأبناء عواقب الأمور أو مترتبات أفعالهم
    5. التكوين البيولوجي الذكاء وجنس الفرد واندفاعيته ونمط تكوينه الجسمي من الأمور
    التي تساهم في ظهور السلوك العنيف لما لذلك من علاقة بقدره الفرد على فهم قوانين
    المجتمع وما يترتب على أفعالهم من عواقب بالإضافة إلى اتسامهم بالاندفاعية ( أي عدم
    القدرة على تأجيل إشباع حاجاتهم مقارنة بمعظم الناس )

    العوامل المشجعة لممارسة العنف :
    - التدريب الاجتماعي الخاطئ أو الناقص ويظهر في المجتمعات التي تتناقص فيها القيم
    والأهداف التربوية العامة وتتفكك فيها الأسرة بصورة ملحوظة .
    - الجزاءات الضعيفة سواء بالنسبة للامتثال أو الانحراف تؤدي إلى خلق حالة متميعة
    عند الأفراد وكذلك ضعف الرقابة فقد يكون الجزاء شديد ولكن القائم على تنفيذه لا
    ينفذه بدقة
    - سهولة التبرير ويحدث هذا عندما تحاول جماعة التقليل من حدة الاعتداء على المعيار
    أو تلمس المعاذير ويتم هذا بشكل إرادي من بعض الأفراد بقصد التخريب الاجتماعي.
    - عدم وضوح المعيار ويؤدي ذلك إلى بلبلة الأفكار والاتجاهات وخاصة عندما يعني
    المعيار بالنسبة لفردين أو أكثر شيئاً مختلفاً.
    - قد تتناقض نواحي الضبط الاجتماعي فتتجمد القواعد القانونية ولا تساير التغير
    الاجتماعي والثقافي في الوقت الذي يتطور فيه المجتمع بصورة تعطل فاعلية هذه القواعد
    وتجعلها عقيمة من وجهة نظر الأفراد
    - بعض الجماعات الانحرافية في المجتمعات تكون من القوة بحيث تضع لنفسها ثقافة خاصة
    تزين الانحراف وتخلق في نفس الأفراد مشاعر الولاء له .

    ظاهرة العنف في وسائل الإعلام :
    إننا نواجه اليوم حملة إعلامية شرعية تتضمن ما تعرضه بعض الوسائل الجماهيرية
    والتليفزيونية بوجه خاص من مواد تحتوي على مشاهد من الرعب والعنف والجريمة والسادية
    والعدوان بشكل هائل وفي زيادة مستمرة لا نجد في الأفق ما يبشر بنمط تنازلي يشير إلى
    الاعتدال أو النقصان والمشاهدة المثمرة لمشاهد العنف الجسماني والقسوة البدنية
    والمواقف المركبة تؤدي على المدى الطويل إلى تبلد الإحساس بالخطر والى قبول العنف
    كوسيلة استجابية لمواجهة بعض مواقف الصراعات أو ممارسة السلوك العنيف ذاته.

    الأثر الذي يولده العنف على الأطفال :
    • عدم القدرة على التعامل الايجابي مع المجتمع والاستثمار الأمثل للطاقات الذاتية
    والبيئية للحصول على إنتاج جيد.
    • عدم الشعور بالرضا والإشباع من الحياة الأسرية والدراسية والعمل والعلاقات
    الاجتماعية.
    • لا يستطيع الفرد أن يكون اتجاهات سوية نحو ذاته بحيث يكون متقبلا لنفسه .
    • عدم القدرة على مواجهة التوتر والضغوط بطريقة ايجابية.
    • عدم القدرة على حل المشكلات التي تواجه الفرد دون تردد أو اكتئاب.
    • لا يتحقق للفرد الاستقلالية في تسيير أمور حياته.

    أشكال السلوك العنيف :
    - تتراوح أشكال السلوك من الانفعالات البسيطة المصاحبة للغضب إلى حالات المهاجمة
    للآخرين
    - الأصوات العالية المصاحبة للصياح وإحداث الضوضاء.
    - استخدام الألفاظ النابية كالشتائم والسباب.
    - التلويح باستخدام العنف.
    - تحطيم الأشياء والحاجات.
    - إشعال الحرائق وإتلاف الممتلكات.
    - إيذاء النفس بتجريح الجلد بأداة حادة أو نتف الشعر وإيذاء النفس باليد أو آلة
    حادة.
    - ضرب الرأس باليدين أو بآلات مؤذية.
    - حرق الجلد بالسجائر أو بالنار.
    - إيذاء الآخرين بدفعهم أو ضربهم وإلحاق الأذى بهم.
    - مهاجمة الآخرين إلى حد إيذائهم أو قتلهم

    ويصنف الطب النفسي حالات العنف بالطريقة التالية :
    أ‌- حالات عنف صريحة وتقسم إلى :
    • عنف جسدي ( كدمات رضوض . تكسير .. الخ ) .
    • عنف معنوي ( كلامي شتائم .. الخ )
    • سلوك هجاني مصاحب للأذى .
    • مواقف سلبية مؤذية ( رفض الطعام أو الكلام )

    ب‌- حالات عنف مستترة وتقسم إلى :
    • عنف مستتر بمحاولات السخرية والتحقير .
    • عنف مستتر بمحاولات الحماية .
    • عنف مستتر يصعب استشفافه ويظهر فجأة .

    بعض من أساليب الوقاية من العنف وأسس معالجته :
    ينطلق أسلوب التصدي للعنف من بعدين أساسيين:
    أولاً : البعد الوقائي.
    ثانياً : البعد العلاجي.

    البعد الوقائي :
    • عمليات التنشئة الاجتماعية والتعليم
    • زيادة الوعي بخطورة العنف والتحذير منه
    • إبراز أهمية المحبة والعطف في التعامل بين الناس
    • وضع قوانين وتشريعات مضادة للعنف والجريمة
    • بناء مفاهيم اعتقادية نفسية واجتماعية للقضاء على كل أنواع الظلم
    • تنشيط مفاهيم مثل حل النزاع بالتفاهم وبوسائل بعيدة عن العنف
    • تغيير النظرة للعنف
    • التوعية بالأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية الناجمة عن العنف.

    البعد العلاجي:
    • تجريم العنف وكفالة الحرية والتكريم للإنسان
    • توظيف أساليب العمل النفسي والاجتماعي للنظر في متابعة مسببات العنف وحوادثه بشكل
    مستمر ومعالجتها أولا بأول.
    • تأمين العلاج النفسي والجسدي والاجتماعي لضحايا العنف
    • تأمين مؤسسات أو نظم بديلة في حال احتياجها لمعالجة مشكلات الحجر على الولي ووضع
    نظم تساعد على تقنين ذلك
    • تأمين مراكز للعلاج
    • عدم التهاون في معاقبة مرتكبي العنف ومسبباته وإعلان ذلك.

    بعض التوجيهات الإسلامية الوقائية :
    • أهتم الإسلام بالتحصين والوقاية ليمنع العنف من جذوره ويجنب المجتمع من ويلاته
    حيث ارتكز مبدأ الوقاية والعلاج على مفهوم الإيمان .
    قال تعالى :( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)(
    الأنعام 82 ) .
    وقال تعالى: ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله
    واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى
    والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون
    بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا
    وأولئك هم المتقون) ( البقرة 177 ) .

    • وعلى أرضية مفهوم الإيمان وضع الإسلام مبادئ التنشئة الاجتماعية للفرد بتربيته
    تربية متوازنة سوية وبالعدل مما يمنع ظهور نمط السلوك العدواني لدى الأطفال
    والمراهقين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”..إن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك
    حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزورك عليك حقاً“ رواه البخاري
    كما قال :“ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم“
    وقال:ـ “لا يحل لمسلم أو مؤمن أن يروع مسلما“ رواه الطبراني.
    وقال:ـ“..إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش“رواه أبو داوود .

    • والتنشئة الاجتماعية مرتبطة بالحب والبعد عن الأخلاقيات السيئة والالتزام بالخلق
    الصحي والسليم وبجو البيت الصحي . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :” لا تباغضوا
    ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق
    ثلاث“ . وقال عليه الصلاة والسلام ”إن أراد الله تعالى بأهل بيت خيراً أدخل عليهم
    الرفق ، وإن الرفق لو كان خلقاً لما رأى الناس خلقاً أحسن منه وإن العنف لو كان
    خلقاً لما رأى الناس خلقاً أقبح منه“ .

    •كما أهتم الإسلام بتعليم الأبناء وتأديبهم وبتوعيتهم بخطورة العنف وضرره فاهتم
    الإسلام بتنشئة الطفل على مزاولة الرياضة وتقوية جسمه حيث قرر الرسول صلى الله عليه
    وسلم أن : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

    • كما حث على النظافة وحسن الهيئة ” إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ”
    • وأهتم الإسلام بتربية المسلم علىالألفة في علاقاته كلها فقال صلى الله عليه وسلم
    : ” المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف“رواه أحمد .
    • وأبرز الإسلام المحبة والتراحم والعطف في جو المجتمع الإسلامي وشجع علية من خلال
    أسلوب نبذ الخلق السيىء والترغيب بالخلق الحسن من خلال مفهوم الحب في الله يقول صلى
    الله عليه وسلم:” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه
    مما سواهما , وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن
    أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار“ متفق عليه
    • والإيمان ومقتضياته يمكن الفرد بما يحتاجه من مهارات سلوكية تبعد عن العنف وتضمن
    السلوك الصحي حيث إن من مقتضيات الإيمان الإيمان باليوم الآخر والذي يكون فيه
    الحساب ومن مقتضيات الفوز في ذلك اليوم اتباع ما جاء به الإسلام من تعليمات بخصوص
    علاقات المسلم مع كل من:ـ والديه قال تعالىواعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً
    وبالوالدين إحسانا“ً النساء36
    والمعاملة الحسنه في بيته: من خلال تحمل الفرد لمسؤولياته ابتداء من اختيار زوجته
    وحسن القوامة عليها ومع أبنائه وباستخدام أفضل الوسائل التربوية وإشاعة الحب داخل
    بيته وعدم التفريق في معاملة الأبناء وغرس الأخلاق العالية فيهم والإنفاق عليهم
    طالبا بذلك رضا الله ”كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ...“متفق عليه
    • وقد حث الإسلام على تحمل مسؤولية صلة الأرحام حتى غير المسلمين ومن خلال الحث على
    حسن معاملة الجوار والأسرى وتنشيط مفهوم العدل والنهي عن الغش والغدر والحسد
    والسباب والفحش وظن السوء والغيبة والنميمة والتكبر والأنانية وما يثير الضغينة
    وأمر بالحرص على منفعة الناس ودفع الضر عنهم ونهاهم عن الشماتة وحثهم على الإحسان
    إليهم
    يقول صلى الله عليه وسلم:”اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ،
    ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به “
    • ووضع الإسلام قوانين لاجتثاث العنف فوضع حدا للزنا ووضع حدا للسرقة ووضع حدا
    للحرابة.... وغيرها من التشريعات السماوية التي تكفل إيقاف العنف والجريمة .
    • كما أن الإسلام بنى مفاهيم اعتقادية قوية للمساهمة في التعامل بأساليب راقية في
    حل المنازعات دون اللجوء للعنف
    • وتوجه إلى تأصيل النظرة التي تربط العنف بالإثم يقول صلى الله علية وسلم :”إن شر
    الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشه“

    البعد العلاجي :
    • جعل الإسلام العنف جريمة يحاسب عليها في الدنيا والآخرة قال تعالى في الحديث
    القدسي :”يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا....“

    * وضع الإسلام نظام الحسبة ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” بهدف متابعة مسببات
    العنف وحوادثه ومعالجتها أولا بأول.
    * أمن الإسلام نظام كفالة اليتيم ونظام الزكاة بهدف تمكين ولي الأمر من تأمين
    الاحتياجات المادية والمعنوية للعلاج
    * نهى الإسلام عن التهاون في الحدود للحد من العنف

    • أمن الإسلام مفاهيم علاجية لرفع مستوى احتمال الظلم في حالة وقوع عنف عليه مثل :ـ
    مفهوم الصبر، مفهوم القضاء والقدر، مفهوم العفو والإصلاح ، ومفهوم الحرية “ لا
    إكراه في الدين“، ومفهوم التكافل والتعاطف بين المسلمين : قال صلى الله عليه وسلم :

    • ”المسلم أخو المسلم لا يخونه ، ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام
    عرضه وماله ودمه، التقوى هاهنا ، بحسب إمرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم“
    • وأصل لحسن التعامل مع غير المسلمين يقول تعالى:ـ
    ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها
    تفجيراً ، يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيراً ، ويطعمون الطعام على حبه
    مسكيناً ويتيماً وأسيراً ، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكورا )
    .
     
     
     
     
      

    576


     
     



    أ.د. قاسم حسين صالح .
     
     
     
     
     
     


    كلنا تواجهنا الحياة بضغوطها ، غير أننا نختلف في أساليب استجاباتنا لهذه الضغوط .
    فهنالك من لا يكترث لها وكأنه " محصّن " ضدها ، وهناك من تعكّر الضغوط مزاجه ،
    وهناك من ينهار تحت شدتها وقسوتها، فيفقد عقله ، فيما هناك الكثير من الناس
    العاديين (Normal) الذين يستجيبون لحالات الإجهاد والضغط النفسي بأساليب تشبه
    السلوك الهوسي . وعندما تأخذ هذه الأساليب صيغة الاستجابات السلوكية التي لا يمكن
    السيطرة عليها ، وتتسم بالتطرف والديمومة ، عندها يصطلح على تسميتها طبياً بـ "
    الهوس Mania " ، حيث يتسم الأفراد المصابون به بالحساسية العالية وكثرة الكلام
    والنشاط الذي لاينتهي . فيجدون المتعة الكبيرة في أشياء ما كانت أبدا تثيرهم في
    السابق، وما كانوا قد وجدوا فيها أية متعة. وينشغلون بشكل كبير بنشاطات متنوعة
    وبأشخاص متعددين. وتصبح صورة الذات لديهم (Self-Image) متضخمة أو منتفخة بشكل كبير،
    فيتجاهلون حدودهم ويأخذون بحب ذواتهم والإعجاب بها من دون تحفظ. وهم يعتقدون أن
    باستطاعتهم عمل أي شيء، وغالباً ما يفعلون أشياء طائشة او متهورة. فضلاً عن ذلك فهم
    غالباً ما يكونون مزعجين للآخرين ، وبخاصة أولئك الذين يحاولون تقديم النصح لهم .


    وبالمثل ، فانه ما من أحد منا ما كان قد مر بخبرة الكآبة في حياته اليومية . ومعظم
    الناس يفيدون بأنهم قد مرت بهم أحداث حياتية قاسية او صعبة ، وان خبراتهم بها كانت
    مشابهة لما يذكره الأفراد المشخصون طبياً على انهم مكتئبون ، من قبيل : اضطرابات
    النوم ، فقدان الشهية ، انخفاض الدافع الجنسي ... والأكثر منها : مشاعر الحزن ،
    والذنب ، واللاجدوى . وفي الواقع ، فأن أعراض الكآبة المشخصة طبياً قد لا تختلف من
    حيث النوع عن تلك التي تظهر على المكتئبين " العاديين Normal " . غير أنها تختلف
    بالتأكيد من حيث درجة حدتها . فخبرة الإحساس باليأس في حالة الكآبة الحادة تكون
    غريبة على غير المصاب بها . فالشخص المصاب بكآبة حادة تنطفئ فيه الومضات المتبقية
    من الأمل . وتغلق أمامه مصادر المتعة والسرور ، وقد تنتهي الى الاقتناع بأنه ما من
    سبب يدعوه لأن يستمر بالحياة .


    وهناك عرض آخر قد تتصف به الحالات الحادة من الهوس والكآبة ، وعندها تفرز هذه
    الحالات عن المزاج " العادي " ذلك هو الأوهام والهلوسات. وتعني الأوهام ، المعتقدات
    الكاذبة ، فيما تعني الهلاوس الادراكات الحسية الكاذبة . وغالباً ما تكون أوهام
    الشخص المصاب بالهوس تدور حول نفسه ، وكم هو إنسان " رائع " ، وانه سيحل مشاكل
    العالم الاقتصادية ، وان جائزة نوبل بانتظاره وهو في طريقه إليها ، كما تصور له
    أوهامه ذلك . بل قد يقول لك بأنه صاحب ملايين، وسيعطيك واحداً من ملاينه ، او يشتري
    لك طائرة ، تنقلك وأصدقاءك ومن تحب الى اجمل بقعة في العالم تتمناها .


    أما على الجانب المضاد من هذه الحالة ، فهناك المصاب بالهلاوس الاكتئابية ، الذي
    ربما سيقول لك بأنه مضطهد ويشعر بالتبرم بسبب خطاياه وآثامه ، وانه مصاب بالسرطان
    او مرض خطير آخر ، او انه مقتنع بان العالم سينتهي الى خراب .
    غير أن الخاصية المميزة للاضطرابات الوجدانية الحادة هي نوعية حدوثها . ففي أسابيع
    قليلة ، واحياناً في أيام معدودة ، يتحول الفرد الذي كان يتصرف بالأمس بشكل عادي ،
    الى حالة أخرى من اليأس والقنوط ، او قد يصل الى أقصى حالات الهوس . وقد يحصل أن
    يعود الفرد الى حالته الطبيعية ، او القريبة من الطبيعية .
     


    الخصائص العامة للهوس
    تتصف حادثة الهوس بمدة مميزة من سيطرة السلوك الهوسي بالخصائص التي أشرنا في أعلاه.
    وقد تبدأ حادثة الهوس بصورتها النموذجية فجأة وفي خلال أيام قليلة . وقد تستمر لعدة
    أيام او لعدة اشهر . وقد تنتهي بشكل غير متوقع كما بدأت .
    وسنعتمد هنا في تحديد خصائص الهوس البارزة على التصنيف الطبي النفسي الأمريكي ،
    الذي وصفها بالآتي :


    1. مزاج مرتفع ، صريح ، نزق ، سريع الانفعال او التهيج :
    إن تغير المزاج هو الخاصية " التشخيصية " الجوهرية في حادثة الهوس . ويشعر الأشخاص
    الذين يشكلون حالات نموذجية في الهوس أن العالم مكان مدهش ، وانهم أشخاص رائعون .
    ويملكون حماسة لا حدود لها بخصوص ما يفعلون او في التخطيط لما يفعلون . وهذا الشعور
    غير المتحفظ المتسم بوهم العظمة او الدال عليه يمتزج في العادة بالتهيج او سرعة
    الانفعال. وعندما يكونون في أعلى حالات الغبطة والزهو فأنهم ينظرون الى الآخرين على
    انهم بطيئون او متوانون، ومفسدون للمتعة . وهم قد يصبحون عدائيين تماماً ، وبخاصة
    عندما يحاول أحد ما التدخل بسلوكهم . وفي بعض الحالات قد تكون سرعة الانفعال او
    التهيج هو المزاج المسيطر على الهوسي، مع الشعور بالغبطة والزهو سواء بشكل متقطع او
    من دونه .


    2. الحساسية العالية :
    قد يصاحب المزاج العالي والصريح نشاط متزايد سواء كان جسمياً او اجتماعياً او
    مهنياً ، واحياناً جنسياً .


    3. كثرة الكلام وسرعته :
    يميل الهوسيّون الى الكلام بصوت عالٍ ، وسريع ، وبصورة مطرّدة ، وغالباً ما تمتلئ
    أحاديثهم بالتورية او التلاعب بالألفاظ ، وبالتفاصيل غير المترابطة، والنكت التي لا
    تضحك سواهم .


    4. تطاير الأفكار :
    غالباً ما يمتلك الهوسيّون أفكارا تتطاير بسرعة وتتسابق فيما بينها . وهذا أحد
    الأسباب الذي يفسر سرعة الكلام لديهم ، لكي يتواصلوا بغير انقطاع مع تدفق الأفكار
    لديهم . كما يميل كلام الهوسي الى الانتقال بشكل مفاجئ من موضوع الى آخر .


    5. التضخم في تقدير الذات :
    يميل المصابون بالهوس الى أن ينظروا الى ذواتهم بإعجاب متطرف، وبأنهم أناس مهمون،
    وممتلئون قوة، وقادرون على تحقيق إنجازات عظيمة، في ميادين هم في الواقع لا يمتلكون
    أية موهبة فيها. وهكذا فانهم قد يبدءون بتأليف سيمفونيات موسيقية، أو روايات أو
    قصائد شعرية، او تصميم أسلحة نووية، او الاتصال بكبار المسؤولين في الدولة لنصحهم
    في كيفية إدارة أمور البلاد .*

    6. قلة النوم :
    يتصف المصاب بالهوس بتناقص الحاجة الى النوم . فهو قد يكتفي بساعتين او ثلاث ساعات
    نوم في الليلة . ومع ذلك يمتلك من الطاقة ضعف ما يمتلكه الأشخاص الآخرون من حوله .


    7. عدم الاستقرار على موضوع واحد :
    ينصرف ذهن الهوسي بسهولة من موضوع الى آخر . فعندما يفعل شيئاً او يناقش موضوعاً
    معيناً مثلاً ، ويرى شيئاً آخر من حوله ، كأن يكون طيراً او مجلة ، فانه يحول
    انتباهه فجأة الى هذا الشيء ويأخذ بالحديث عنه .


    8. السلوك الطائش أو المتهور :
    إن الشعور بالغبطة والزهو والصورة المتكلفة للذات، غالباً ما يقود المصاب بالهوس
    الى أفعال متوهجة وتصرفات طائشة، ما كان يقوم بها قبل استيلاء الهوس عليه، من قبيل
    سياقته لسيارته برعونة، وتبذير أمواله، وتصرفات جنسية حمقاء ، وما الى ذلك. كما انه
    يصبح غير مكترث بحاجات الآخرين ، ولا يهمه أن يصيح بأعلى صوته على عامل مطعم ، او
    يطلب بالهاتف صديقاً له بعد منتصف الليل ، او يصرف ما ادخرته العائلة لأيام الشدة .
     


    الخصائص العامة للاكتئاب


    إن السياق الذي تحدث فيه الكآبة الكبرى (Major) او الحادة يأخذ منحنى " هادئاً "
    بالمقارنة مع حالة الهوس . غير انه تحصل في بعض حالات الصدمة النفسية الحادة أن يقع
    الفرد بالكآبة في غضون ليلة واحدة . غير أن بداية الإصابة بالكآبة تكون في العادة
    تدريجية ، تستمر لعدة أسابيع او اشهر . ولكن الحالات السائدة في الكآبة تستمر لفترة
    أطول من حالات الهوس ، كما انها تنتهي كما بدأت ، بصورة تدريجية أيضا. وعندما يقع
    الفرد في شرنقة الكآبة تظهر عليه تغيرات ليس فقط فيما يخص مزاجه ، إنما في وظائفه
    الجسمية والحركية أيضا . وفيما يأتي خصائص الكآبة الرئيسة (Major) .


    1. المزاج المكتئب :
    يعد المزاج المكتئب الصفة الضرورية اللازمة لتشخيص حالة الكآبة الكبرى . فمعظم
    الراشدين المصابين بها أفادوا بأحاسيسهم بالحزن وفقدان السعادة ، والشعور بالنكد
    الذي يصل الى حالة الإحساس بالعجز التام ، إذ يصف الفرد نفسه بأنه يشعر بالضجر
    والسأم واليأس والعزلة النفسية .
    أما الفرد المصاب بكآبة معتدلة (صغرى) ، فأنه غالباً ما تنتابه
    حالة البكاء التي يستسلم لها ، فيما لا يستطيع أن يبكي الفرد المصاب بـكـآبة حـادة
    رغـم رغبته في البكاء ، فيما يرى الشخص الذي وقع في أعماق الكآبة الحادة بأن حالته
    ميؤوس منها وبالتالي فأنه يكون غير قادر على مساعدة نفسه، ولا بإمكان أحد آخر أن
    يساعده . ويطلق على هذا النوع من التفكير " العجز - اليأس .


    2. اضطراب الشهية :
    معظم المكتئبين يعانون من ضعف الشهية ونقص الوزن ، غير أن بعضاً منهم ، وبخاصة
    أولئك الذين كانوا قد اتبعوا نظاماً غذائياً (ريجيم) يميلون الى أن يأكلوا أكثر
    فيزداد وزنهم.


    3. اضطراب النوم :
    يعد الأرق الصفة العامة البارزة في الاكتئاب . وأكثر حالاته شيوعاً هي الاستيقاظ من
    النوم بعد مدة قصيرة، وعدم القدرة على العودة لمواصلته . أما الحالات الأخرى فهي
    عدم قدرة المكتئب على النوم عندما يضع رأسه على الوسادة، او الاستيقاظ عدة مرات في
    الليلة الواحدة .
    وكما تحصل في اضطراب الشهية ، فأن بعض المكتئبين ينامون لمدد طويلة قد تصل الى خمس
    عشرة ساعة في اليوم أو أكثر .


    4. البطء النفسي الحركي أو الإثارة :
    يمكنك أن " تقرأ " الكآبة في شخص صاحبها من سلوكه الحركي وتحمله البدني . وأكثر
    أنواعها شيوعاً ما يطلق عليه " الكآبة المعوّقة Retarded Depression " ، اذ يبدو
    على المريض تعب ثقيل وشامل ، يمنعه عن القيام بأفعال نشطة أو تلقائية كما يفعل
    الناس العاديون .
    ويمكنك أن " تقرأ " الشخص ما إذا كان مكتئباً عندما : يكون جسمه في وضعية منحنية
    (يكوّر رأسه على جسمه) ، وحركاته بطيئة ، وتحديقاته في أقل حالاتها ، وكلامه بطيئاً
    ومتلعثماً ، وتوقفات طويلة قبل الإجابة عن سؤال أو استفسار. وفي حالات الكآبة
    الحادة ، يكون حال المصاب بها مثل حال الأصم الأبكم.
    غير انه تظهر في حالات نادرة أعراض بالضد من هذه تماماً ، يطلق عليها " الكآبة
    الهيجانية Agitated Depression " تتصف بالنشاط المتواصل وعدم الراحة من قبيل : عصر
    اليد أو لويها ، ذرع المكان جيئة وذهوباً ، التململ المصحوب بحركات عصبية ، الشكوى
    ، والنواح والعويل .


    5. فقدان المتعة أو الميل الى النشاطات العادية :
    يصاحب الكآبة في الغالب نقصان في الدافعية ، سواء في مجال العمل أو رعاية
    الأطفال... وحتى المناقشة مع الأصدقاء. كما ينخفض وبشكل واضح وكبير الدافع نحو
    الجنس . أما بداية انخفاض الدافعية بشكل عام فقد تأخذ شكل الحالة الآتية لسيدة
    أصيبت بالكآبة ، حيث وصفت حالتها تقول :
    " بدأت غير قادرة على عمل أشياء كنت أعملها ببساطة . مثل الطبخ ، وغسل الملابس ،
    والعناية بالأطفال ... وهناك شيء آخر أخافني جداً ذلك هو عدم قدرتي على القراءة .
    كما إنني أخذت أستيقظ مبكراً قبل المعتاد . وفي بعض الأوقات ، أنطرح في فراشي
    لساعتين أو أكثر محاولة أن أكون قادرة على النهوض ، لأنني لم استطع حتى أن أضع قدمي
    على الأرض . وعندما استطيع ذلك وانهض أشعر تماماً بأنني غير قادرة على ارتداء
    ملابسي ... ومهما تكون الخطوة التي تكون بعدها، فأنا أشعر غير قادرة عليها.
    إن بداية انخفاض الدافعية تُظهر في النشاطات المتعلقة بالمسؤوليات الاجتماعية ،
    واللجوء الى البقاء في الفراش لمدة أطول أو مشاهدة التلفاز ، أو قراءة الصحف
    والمجلات والاستمرار عليها حتى لو كانت مثل هذه الاستجابات الأنسحابية تميل لأن
    تصبح غير مجدية . وقد يمر المرضى المصابون بكآبة حادة بخبرة " شلل الإرادة " ، أي
    عدم القدرة على تحريك أنفسهم أو عمل أي شيء ، كما في حالة المرأة التي ذكرناها قبل
    قليل .


    6. فقدان الطاقة :
    يصاحب انخفاض الدافعية في العادة انخفاض حاد في مستوى الطاقة . فالمريض المكتئب قد
    يشعر بأنه منهك طوال الوقت بالرغم من أنه لم يفعل شيئاً .


    7. الشعور بعدم القيمة (التفاهة) والذنب :
    يشعر المكتئبون بالفزع ليس فقط من الحياة ، بل ومن أنفسهم أيضاً . وهم يعدّون
    أنفسهم ضعيفين أو عاجزين مهما نسب إليهم من خصائص ذات قيمة من قبيل، الذكاء، الصحة،
    الجاذبية الجسمية ، والمهارة الاجتماعية . كما أن شكواهم المتكررة بخصوص فقدانهم
    للحب أو النقود أو المكانة الاجتماعية، قد يعكس إحساسهم بعدم كفاءتهم الشخصية .
    وغالباً ما يصاحب هذه المشاعر انعدام القيمة أو الإحساس بالتفاهة ، وشعور حاد
    بالذنب. فالمكتئبون يبالغون في الحديث عن ما أصابهم من فشل في الماضي أو الحاضر ،
    ويظلون يدققون في البيئة بحثاً عن دليل للمشكلات التي خلقوها لأنفسهم .


    8. صعوبة التفكير :
    كما هي الحال مع العمليات الجسمية، فأن العمليات العقلية تنخفض عادة في الكآبة.
    وغالباً ما يذكر المكتئبون بأنهم يعانون من صعوبات في التفكير والتركيز والتذكر.


    9. أفكار بخصوص الموت أو الانتحار :
    تراود الكثير من المكتئبين أفكار بخصوص الموت أو الانتحار ، وهذا أمر لا يثير
    الدهشة كثيراً بسبب حالتهم الانفعالية.فغالباً ما يقولون بأنهم (وأي واحد آخر) من
    الأفضل لهم لو كانوا ميتين . وفي الواقع فأن بعضاً منهم يصلون الى حالة مأزقية لا
    يجدون مخرجاً منها إلا بقتل النفس.. ويقتلونها!.




     
     
     
     
     


    577


     

    د . عمار المصري  .

     
     
     

    إذا كان الهدف الأول للعلاج
    التقويمي هو تحقيق التوازن الإطباقي, و تأسيس علاقات إطباقية سليمة, فإن ذلك لا
    يخفي الاهتمام الكبير للمقوم بالناحية الجمالية التي يسعى إليها من خلال تأمين
    انسجام, و تناسق لثوي سني يحقق التوازن النفسي للشخص, و يجعله واثق و فعال
    اجتماعياً .إلا أن بعض المشاكل التي تصيب النسج حول السنية من أذيات بعد تطبيق
    الأجهزة التقويمية تسيء و بدرجة كبيرة إلى نتائج العلاج التقويمي . لتقويمية..The
    Injuries Due to Orthodontic
    تشير الدراسات للبنى حول السنية أن المعالجة التقويمية يمكن أن تسبب أذية على مستوى
    الجذور والأنسجة المحيطة بالأسنان هذه الأذيات تتظاهر على عدة مستويات فقد يكون
    السبب في ظهورها هو تطبيقها بيد غير خبيرة حيث تنامت في الفترة الأخيرة نسبة
    الممارسين العامين الذين يطبقون الأجهزة التقويمية مما أدى إلى ظهور العديد من
    المشاكل للجهاز التقويمي, فالجهاز التقويمي عند تطبيقه بيد غير خبيرة يأتي بنتائج
    عكسية على المستوى التقويمي و النسيجي .

    كما أن الجهاز التقويمي بحد ذاته قد يكون سبباً في إحداث الأذية من خلال بعض
    الأجزاء ..
    لكن عند الأخذ بعين الاعتبار التحسن الكبير الذي طرأ على المواد السنية, و تقنيات
    الأجهزة كما أن تطور طرق الإلصاق والحاصرات لتشمل المناطق الخلفية من الحفرة
    الفموية كان له أثر كبير في الحد من انتشار الأطواق بما تحمله من إمكانية تخريش
    للنسيج اللثوي, و أثرها السلبي في تراكم اللويحة تحت اللثوية العامل الأساسي في بدء
    المرض حول السني كل ذلك جعل من هذه الأذيات تنخفض إلى حدها الأدنى .

    إلا أن هذه الآثار الجانبية قد تنتج عن إجراءات تقنية غير مدروسة جيداً بالنسبة
    لعدم إجراء التحضيرات حول السنية المناسبة قبل البدء بالمعالجة, وقد يكون السبب في
    إحداث الأذية هو المريض بسبب إهماله للعناية الفموية أو بسبب نقص كفايتها .

    لقد أجرى كل من : Steven ، Arther ، Nanda دراسة لتقييم أثر المعالجة التقويمية على
    الأنسجة الداعمة هذه الدراسة شملت 140 مريض مراهق أثناء المعالجة الفعالة حيث تم
    اختبار المتغيرات التالية :
    • كمية اللويحة الجرثومية Microbial Plaque
    • الالتهاب اللثوي Gingivitis
    • الضخامة اللثوية Gingival Enlargment
    • عرض اللثة الملتصقة Attached Gingiva
    ولقد تم تطبيق برنامج وقائي يشتمل على تعزيز إرشادات العناية الفموية خلال فترات
    دورية أثناء المعالجة التقويمية, وقد تم تسجيل المتغيرات السابقة عند الزيارة
    الأولى، بعد 6أشهر، بعد 12 شهر .
    و قد تم استنتاج ما يلي :

    • إن الأجهزة التقويمية و خاصة الثابتة لا تزيد الالتهاب اللثوي .
    • الدور الفعال للارشادات الشهرية للعناية الفموية في انقاص اللويحة و الضخامة و
    الالتهاب اللثوي .
    • لم يتغير عرض اللثة الملتصقة خلال الدراسة .
    كثيراً ما تسبب الأجزاء الحادة من الجهاز و بشكل خاص أسلاك الربط وخطافات الحاصرات
    المطبقة على الأنياب حدوث تخريش للشفاه و الخدود و المخاطية المجاورة ما ينتج عنه
    قرحات مؤلمة تساهم في إهمال المريض للعناية الفموية بسبب الألم المرافق للتفريش مما
    يتسبب في حدوث الالتهاب اللثوي, لكن من حسن الحظ أن هذه القرحات غالباً ما تكون
    سريعة الشفاء .




    إن الامتداد تحت اللثوي للأطواق يقودنا إلى ظهور التهاب لثوي تكون أولى علاماته
    زيادة في كمية السائل اللثوي وقد تسبب المبالغة في دفعها باتجاه اللثة إلى حدوث
    تمزق للارتباط البشري مما يؤمن مدخل للانتان يمكن أن يتطور باتجاه الخراج اللثوي,

    كما أن اختيار الأطواق غير المناسبة يساهم في مشكلة انفكاك الأطواق, و حدوث حركتها
    بالاتجاه الشاقولي أثناء الأكل مما يتسبب في حدوث تخريش للنسيج اللثوي و يساهم
    المريض هنا في تفاقم المشكلة من خلال إهماله في إعلام الطبيب .

    بالنسبة لمطاط الفصل الذي يفيد في تأمين مدخل مناسب للطوق يمكن أن ينحصر ضمن
    الميزاب تحت نقطة التماس مشكلاً مكان أكثر من مناسب لتوضع و جذب اللويحة مما يقود
    لحدوث الالتهاب اللثوي و التقيح .
    لوحظ أيضاً ترافق الأجهزة التقويمية مع الضخامة اللثوية Gingival Enlargment في 5
    –10 % من الحالات, و يمكن رد هذه الضخامة إلى عوامل التهابية مسببة باللويحة
    الجرثومية .
    Boyd et al عام 1989 وجد أن الضخامة المرافقة للأجهزة التقويمية قد تسبب حدوث فقد
    في الارتباط .اعمة .. Orthodontic Treatment and
    إن كل أشكال التهابات الأنسجة الداعمة تبدي خسارة في الارتباط البشري مع فقد عظمي
    يكون بشكل فترات نشاط, و فترات كمون غير محددة وإن القيام بالمعالجة التقويمية عند
    مريض لديه حالة التهاب أنسجة داعمة يسبب فقد عظمي إضافي قد يكون خطير .

    في هذه الحالة يجب أن لا نبدأ بالمعالجة التقويمية عند تواجد مواضع تخرب نشيطة, و
    يجب أن يبقى أمثال هؤلاء المرضى تحت المراقبة لمنع تطور وثبة نشاط جديدة يمكن أن
    تسبب فقد عظمي سريع .
     
     



     


    المصدر : كلية طب الأسنان – جامعة دمشق
     
     
     
     


    578


     



    د. لطفي بن عبد العزيز
    الشربيني .
     
     
     

    يعيش العالم اليوم " عصر الاكتئاب " .. ولم يعد المرء بحاجة إلى المزيد من الدلائل
    على صدق وصف عصرنا الحالي بأنه عصر الاكتئاب النفسي ، وذلك مقارنة بما أطلق عليه في
    الماضي " عصر القلق " وهو الفترة التي سبقت وصاحبت ثم تلت الحرب العظمى الأخيرة .

    ولقد شهدت الحقبة الأخيرة مع بداية النصف الثاني من هذا القرن زيادة مطردة في
    انتشار حالات الاكتئاب في كل أنحاء العالم . ولدى شرائح واسعة في المجتمعات
    المختلفة ، من الرجال والنساء ، وفي كل الأعمار من شيوخ وشباب وحتى الأطفال .

    ولكن ما هو الاكتئاب ؟

    يجب في البداية أن نجيب عن هذا التساؤل بشأن تعريف الاكتئاب ، والواقع أنه من
    الحكمة ألا نندفع بسرد ما تذكره الكتب والمراجع من تعريفات علمية دقيقة وضعها
    المتخصصون ، وصاغوها في عبارات ومصطلحات تحتاج بدورها إلى الشرح والتفسير ، فنحن
    حين نتحدث عن الاكتئاب إنما نذكر شيئاً يعرفه جيداً كل الناس ، أما إذا حاولنا وضع
    تعريف علمي محدد فإننا في هذه الحالة نكون كمن يتحدث عن أشياء يفهمها الجميع جيداً
    بكلمات لا يعرفها أحد .
    والاكتئاب هو بغير شك أكثر الظواهر النفسية شيوعاً ، فأغلب الظن أن أياً منا قد
    تملكه في وقت من الأوقات شعور بالحزن أو الضيق ، أو قد أحس باضطرابات في نمط
    ممارسته لأنشطته المعتادة كالعمل والنوم وتناول الطعام . وإن ذلك في الغالب من
    علامات الاكتئاب النفسي ، غير أن هناك خطأ شائعاً يقع فيه عامة الناس حيث يتوقعون
    أن الشخص لا يعاني من الاكتئاب إلا  إذا كان في حالة من الحزن والأسى الشديد
    تبدو للجميع . فإن لم يكن الأمر كذلك فإنه في مفهوم عامة الناس لا يعاني من
    الاكتئاب . ولا ينطبق ذلك على العامة وحدهم بل يمتد إلى الأطباء أيضاً ، والواقع أن
    مظهر الحزن وحده ليس مرادفاً للاكتئاب في كل الحالات ، بل قد تظهر أعراض أخرى
    مختلفة تخفي هذا المظهر التقليدي للاكتئاب .


    ومن ناحية أخرى فإن هناك فرقاً بين مشاعر الحزن التي يشعر بها أي منا كرد فعل طبيعي
    لموقف يتطلب ذلك مثل وفاة عزيز أو التعرض لحادث ، وبين الاكتئاب كاضطراب نفسي . ولو
    تم الخلط بين الحالتين فإنه ما من إنسان على وجه الأرض إلا قد تعرض لهذه التجارب
    الأليمة ، ولكن لا يمكننا الإدعاء بأن كل الناس قد أصيبوا بالاكتئاب لمجرد معاناتهم
    في وقت من الأوقات من هذه التجربة .
    ولنحاول مرة أخرى أن نعرف الاكتئاب من خلال نقيضه ، وهو السعادة حيث " تعني ذلك
    الشعور المحبب إلينا والذي يتضمن الرضا عن ما حولنا " ، ولكن الشعور بعدم السعادة
    أيضاً إنفعال طبيعي ، ولا يعني بحال وجود الاكتئاب ، بل لا نستطيع أن نعتبره ظاهرة
    مرضية .
    وتستخدم الكلمة المقابلة للاكتئاب في اللغة الإنجليزية وهي Depression على نطاق
    واسع وللتعبير عن معان أخرى غير مرض الاكتئاب النفسي ، فهي تحمل عند استخدامها
    معاني مختلفة في علم

    الاقتصاد ، وعلوم الأرصاد الجوية ، وعلم وظائف الأعضاء ، أما في الطب النفسي ، وهذا
    هو موضوع حديثنا الآن ، فإن لمصطلح الاكتئاب أكثر من معنى ربما تشابهت ولكنها لا
    تتطابق تماماً ، فالاكتئاب أحد التقلبات المعتادة للمزاج استجابة للمواقف الأليمة
    التي نصادفها ، وهو أحياناً علامة من علامات مرض ما ، بل هو موجود في الغالب لدى كل
    المرضى أيا كان المرض الذي يعانون منه ، فمقولة " كل مريض مكتئب " لها نصيب كبير من
    الصحة . أو كل مريض يجب أن يكون كذلك ، والمفهوم الأهم للاكتئاب هو أنه حالة من
    الاضطراب النفسي ، وهو موضع اهتمامنا .
    ومن واقع مفهوم الاكتئاب كحالة اضطراب نفسي مرضي ، فقد شهدت الحقبة الأخيرة زيادة
    هائلة في حدوث هذه الحالات في كل أرجاء العالم ، فمن واقع إحصائيات عالمية متعددة
    تبين أن مالا يقل عن مائة مليون شخص يصابون بالاكتئاب كل عام في مختلف البلدان
    وذكرت تقارير لمنظمة الصحة العالمية أن من 2 - 5 % من سكان العالم يعانون من حالة
    شديدة أو متوسطة من الاكتئاب ، أي أن لدينا حوالي 300 مليون من البشر في حالة
    اكتئاب نفسي ، ألا يكفي ذلك دليلاً على أننا نعيش الآن بالفعل " عصر الاكتئاب " .

    ولعل أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة هو قول " ميلاني كلاين " من أشهر علماء الطب النفسي
    بأن المعاناة التي تسببت للإنسانية من أثار الاكتئاب النفسي تفوق تلك التي نتجت عن
    بقية الأمراض الأخرى مجتمعة ، وفي هذا السياق نطرق سؤالاً هاماً هو :

    كم يتكلف مريض الاكتئاب النفسي ؟

    وقبل أن أحاول الإجابة على هذا التساؤل فإنني أوضح أن المقصود بالتكلفة هنا ليس
    التكلفة المادية فحسب ، بل تشمل كذلك أبعاداً اجتماعية وصحية ونفسية أيضاً ، فقد
    ثبت أن مرضى الاكتئاب النفسي خصوصاً المزمن منه هم من أقل الفئات إنتاجية في العمل
    ، وأكثرهم استهلاكا للخدمات الطبية دون طائل ، كما يشكل مريض الاكتئاب عبئاً على كل
    من حوله حيث يؤثر سلباً في أفراد أسرته ، ويمتد تأثيره إلى أصدقائه ، وإلى زملاء
    العمل ، بل حتى إلى الطبيب المعالج ، ولنا أن نعلم أن الحياة برفقة مريض الاكتئاب
    هي بكل المقاييس محنة وتجربة سيئة لا يمكن أن ينبئك بقسوتها إلا من عايشها بالفعل .


    واستكمالا للإجابة على تكاليف وأعباء مريض الاكتئاب علاوة على العبء الاقتصادي
    والاجتماعي والصحي ، هناك السنوات الطويلة من المعاناة واليأس القاتل في ظل هذا
    المرض ، وهناك خطر التعرض لأمراض أخرى ثبت علاقتها بالاكتئاب ربما

    من خلال ما يحدثه من تأثير سلبي على مناعة الجسم مثل أمراض القلب والسرطان بل إن
    الاكتئاب قد يكلف الإنسان حياته إذا أقدم على التخلص من معاناته بالانتحار .

    نعم هو " عصر الاكتئاب " وهناك ما يدفع على الاعتقاد بأن انتشار الاكتئاب يفوق
    كثيراً كل ما ذكر من أرقام مهما كانت هائلة . فالحقيقة الثابتة أن هناك في مقابل كل
    حالة حادة أو متوسطة من الاكتئاب يتم التعرف عليها ، يوجد العديد من الحالات الأخرى
    تظل مجهولة ، وتبقى بمنأى عن التشخيص والعلاج ، وقد ثبت ذلك من خلل دراسات ميدانية
    أكدت وجود الاكتئاب والميول الانتحارية في شرائح من عامة المجتمع ، وفي أناس يبدون
    وكأنهم طبيعيون وأسوياء .

    ومن علامات " عصر الاكتئاب " أيضاً وجود أسباب عديدة تدفع إلى التنبؤ بزيادة أعداد
    البشر الذين يعانون من حالة الاكتئاب النفسي ، من ذلك أن الإنسان يعيش اليوم في
    بيئة اجتماعية سريعة التغيير ، وما ومن علامات " عصر الاكتئاب " أيضاً وجود أسباب
    عديدة تدفع إلى التنبؤ بزيادة أعداد البشر الذين يعانون من حالة الاكتئاب النفسي ،
    من ذلك أن الإنسان يعيش اليوم في بيئة اجتماعية سريعة التغيير ، وما يحدث على مستوى
    الكرة الأرضية من فقد للاستقرار ، والتفكك الاجتماعي الذي يصاحب التقدم الحضاري
    ومنها أيضاً زيادة حدوث الأمراض العضوية واستخدام الأدوية المختلفة بما لذلك من
    علاقة بحدوث الاكتئاب . وكذلك تقدم وسائل الرعاية الصحية الذي نتج عنه زيادة متوسط
    العمر وهذا في حد ذاته يبدو ميزة طيبة . غير أنه يتضمن زيادة فرصة التعرض للاكتئاب
    في السن المتقدم ‍‍‍ .
     
     
     


    579


     



    د.
    محمد الحسن خالد .

     
     
     

    أهمية هذا الموضوع :

    • الشك الغير سوي سواء كان سمة شخصية أو عرضا لاضطراب عقلي يؤدي إلي مشاكل في العمل
    وبين الأصدقاء وعلي مستوي الأسرة بين الإخوة ,الآباء والأبناء وبين الزوجين وكل هذه
    المشاكل تقع في دائرة اهتمام المستشارين بمركز التنمية الأسرية:-

    • الشخصية الشكاكة ومرضى الشك المرضي ( الضلالي) يبدون أسوياء, يتسمون بالرزانة
    وحسني المظهر ومعاملتهم حسنة لمن حولهم إلا مع من يقعون في دائرة شكوكهم وضلالاتهم.
    • عادة الشكوك تكون متحوصلة أو مخفية عمدا ولا يبوحون بها ولديهم من الحيل الدفاعية
    والمنطق والقدرة علي التبرير مما يؤدي لتصديقهم.
    • الشك المرضي له مضاعفات خطيرة مثل
    - الطلاق والتفكك الأسري.
    - مشاكل مع الجهات الرسمية وإزعاج السلطات الأمنية والقضائية.
    - مشاكل في العمل تؤدي لفقد الوظيفة بسبب الاستقالة أو الفصل نتيجة سلوكه المضطرب.
    - العنف الجسدي وربما ارتكاب جريمة القتل أو الانتحار.

    وضع الشك المرضي في الحسبان عند دراسة الحالة يساعد في سرعة اكتشافه والعمل علي
    التحقق من التشخيص وذلك يساعد في اختيار الوسائل المناسبة في التعامل معه أو معها
    ووضع الحلول المناسبة واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.

    الشك السوي

    يعتبر الشك وظيفة ذهنية وظاهرة صحية ودلالة علي التمتع بالصحة النفسية إذا مورس
    بغير إفراط وعكسه هو التصديق الساذج. كل شخص يحتاج إلي درجة بسيطة من الشك لحمايته
    من الوقوع في بعض الأخطاء والتأكد والتيقن من الأمور أي أنه لحظة مؤقتة ننتقل بعدها
    للحقيقة.
    سمات الشك السوي:-
    • اعتماد الشك علي واقع موضوعي ويجب أن يجد الشاك في الموقف ما يجعله يشك.
    • عدم المبالغة في الشك
    • أن يكون الشك نوع من التفكير المنطقي والموضوعي وخال من الحالات الوجدانية وبعيدا
    عن الذات. أما إذا اصطبغ الشك بالوجدان والانفعال فانه يكون إسقاطا لما يعتمل في
    النفس من اعوجاج وانحرافات نفسية.
    • يجب أن ينتهي بانتهاء الموقف الداعي للشك وموظفا بإزاء الموقف.
    • أن يكون الشك مخصصا وليس معمما, أي مبني علي موقف أو شخص أو فكرة واحدة.


    هناك ثلاثة أنواع من الشك غير السوي:-
    1. الشك الوسواسي:-
    الشك ألوسواسي إما أن يكون سمة للشخصية الو سواسية أو عرض لاضطراب الوسواس القهري
    وهو نوع من الشك القهري وعادة يكون الفرد متأكد من عدم صحة شكه أو ظنه في موضوع ما
    مثل الشك في الطهارة وتكرار الوضوء أو الشك في عدم إغلاق أنوبة الغاز أو الخزانة أو
    أبواب السيارة وتكرار الفعل أو التأكد من فعله بصورة قهرية رغم تأكده من عدم صحة
    شكوكه أو سخافة الفكرة ويختلف من الشك الملازم للشخصية الزورانية والشك المرضي (
    الأوهام) وهما موضوع هذه المحاضرة في أن المصاب بالشك ألوسواسي هو الذي يعاني
    ونادرا ما يعاني من حوله ولكن النوعيين التاليين عادة ما يؤديا لمعاناة من حولهم
    وينتج عنهما مشاكل اجتماعية متعددة ويكون من يعاني منهما غير مستبصر بخطأ شكوكه .



    2. الشك الملازم للشخصية الزورانية:-
    هذا النوع من الشك يكون سمة ملازمة للشخص لدرجة مؤثرة في سلوكه وعلاقته بالآخرين
    وتسمي هذه الشخصية بالشخصية الشكاكة أو الزورانية (Paranoid Personality).

    3. الشك المرضي ( الأوهام):-
    هو عرض مرضي نتيجة لاضطراب في التفكير و فيه يعاني الفرد من أوهام أو ضلالات أو
    شكوك مرضية.

    ما هي الأوهام (الضلالات)Delusions؟
    هي معتقدات خاطئة لا تتفق مع الواقع ولا يمكن تبريرها أو تصحيحها بالمنطق ولا يتخلي
    عنها المريض ويمكن تقسيمها إلي نوعين:-
    1. أوهام منظمة ومرتبة: تبدو الأفكار منطقية وواقعية ويمكن تصديقها ومثال لها حالات
    الاضطراب الضلالي مثل الاعتقاد بأنه مراقب أو مصاب بمرض معدي أو أن زوجته تخونه أو
    ضلالات العظمة.
    2. أوهام غير منظمة : تكون الأفكار غير منظمة وغير مرتبة وغير مقنعة وينقصها المنطق
    والترابط ومثال لها أوهام وضلالات الفصام العقلي مثل راعي أو مزارع يتوهم وجود جهاز
    في جسمه متصل بالأقمار الصناعية لمتابعة حركته والتجسس عليه.

    الاضطرابات النفسية التي تتميز بأوهام أو شكوك مرضية:
    1. اضطرابات ضلالية نتيجة مرض عضوي أو تعاطي للمخدرات
    2. اضطراب الشخصية الزورانية
    3. اضطرابات ضلالية غير معروفة السبب
    4. الفصام الزوراني.
    5. اضطرابات وجدانية ذهانية
    6. الاضطراب الذهاني المشترك أو مشاطرة الذهان.


    الشخصية الزورانية:-

    تتميز هذه الشخصية بالشك وعدم الثقة بالآخرين بصفة مستمرة وعادة ما يكون عدواني
    ومتوتر ويتصف بالتعصب وعدم العدالة وكذلك الغيرة المرضية واللجوء كثيرا للقضاء
    حجم المشكلة:-
    حوالي نصف إلي اثنين ونصف في المائة في المجتمع ونسبتها أكثر بين الرجال مقارنة
    بالنساء. ونسبتها أكثر بين أقرباء المرضي الفصامييين والنسبة أيضا عالية بين
    المهاجرين واللاجئين والأقليات وضعيفي السمع.
    لا يوجد دليل أنها وراثية.
    سمات الشخصية الزورانية:-
    • تبدأ هذه السمات منذ بداية البلوغ
    • تتميز هذه الشخصية بالجدية وتفتقد لروح الدعابة وكلامهم منطقي ومحدد الأهداف رغم
    عدم منطقية ما يقدمونه من حجج.
    • يهتمون بالرتب والمناصب.
    • التفكير يتميز بالإسقاط أي اتهام الآخرين بما يجيش في صدورهم من مشاعر ونزوات
    والتحيز مع وجود أفكار الإشارة أي الإحساس بأن الآخرين يتحدثون أو يتغامزون عليه.
    • الشك بدون دليل بأن الآخرين يستغلونهم أو يريدون لهم الأذى بطريقة أو أخري.
    • الشك في ولاء أو إمكانية الاعتماد أو الثقة بالأصدقاء من دون داعي أو دليل.
    • الغيرة والشك في ولاء وشرف الزوجة دون دليل.
    • الاتصاف بالسرية وعدم اطلاع الآخرين بأسراره خوفا من أن تستغل يوما ضده.
    • الحقد المستديم مع عدم القدرة علي الغفران.
    سلوك الشخصية الزورانية يشمل جميع نواحي الحياة ويتأثر كل من حولهم ولكن الزوجة
    والأبناء والأصدقاء وزملاء العمل أكثر المتأثرين.
    مآل الحالة:-
    لا توجد دراسات موثقة عن مآل الشخصية الزورانية ولكن تستمر مدي الحياة وربما تكون
    نذير لحدوث فصام زوراني.
    ربما مع التقدم في السن والنضج وزوال الضغوط ينتقل ذوي الشخصية الزورانية إلي
    الاهتمام بالأخلاق ويكون توجههم غير أناني مع حب الخير للآخرين.
    العلاج:-
    1. الجلسات النفسية هي العلاج المفضل ويجب علي المعالج أن يكون واضح في التعامل
    معهم وأن الثقة والتحمل والانتماء مضطرب لديهم.
    –الجلسات الفردية تحتاج لمعالج متمرس ويجب أن يبتعد من إقامة علاقة حميمة.
    2. العلاج الدوائي:-
    يحتاج التوتر والقلق لعلاج دوائي من مضادات القلق.
    ربما يحتاج لعلاج من مضادات الذهان بجرعة صغيرة ولفترة محدودة لعلاج الأفكار
    الضلالية.
    الاضطرابات الضلاليةDelusional disorders

    هي نوع من الاضطرابات الذهانية تتميز بضلالات أو أوهام دائمة وراسخة تحدث غالبا في
    منتصف العمر والضلالات عادة متحوصلة و لا يوجد أي اضطراب في الوظائف العقلية الأخرى
    ولا تؤثر في قدرته علي العمل أو إقامة علاقات اجتماعية رغم أن الأوهام قد تؤدي إلي
    خلل في علاقاته الاجتماعية والأسرية.

    حجم المشكلة :
    تعتبر من الحالات النادرة في الطب النفسي. إحدى الدراسات أظهرت إن نسبة وجودها بين
    مراجعي العيادة النفسية حوالي 0.83% وهي نوعا ما أكثر بين النساء مقارنة بالرجال
    ومتوسط عمر المصابين 42 سنة.
    حوالي 5% من المرضي الذهانين المنومين بالمستشفيات يعانون من اضطراب ضلالي.

    أنواع الاضطرابات الضلالية:-

    1. الاضطراب الضلالي نوع هوس العشق( Erotomania):-

    هي التوهم بأن شخصية مرموقة أو مشهورة علي علاقة حب سرية مع المريض وهذا النوع أكثر
    بين النساء.
    حالة توضيحية:

    شاب يبلغ من العمر 29 عاما ويعمل محلل اقتصادي وعندما كان يتناول غداءه بأحد
    المطاعم دخلت سيدة مشهورة إعلاميا جذابة المظهر وعند دخولها تلاقت نظراتهما وبعدها
    مباشرة ساورته قناعة راسخة أن هذه السيدة الجميلة وقعت في حبه فأصبح يرسل لها
    الورود والخطابات ويتصل بها تلفونيا وقام بعدة محاولات لمقابلتها في مكان عملها
    فقاومت محاولاته وأخيرا استنجدت بالشرطة وتم إلقاء القبض عليه أثناء متابعته لها
    وهي ذاهبة لمنزلها وقاوم الاعتقال وكان عنيفا مع الشرطة واتضح أنه اقتني حديثا
    لمسدس وتقرر حجزه بقسم للطب النفسي الشرعي وأعطي العلاج المناسب وبعد استقرار حالته
    تم الإفراج عنه مع قرار من المحكمة بوضعه تحت المراقبة.

    2. الاضطراب الضلالي المميز بضلالات العظمة:
    هي حالة من التوهم والاعتقاد الراسخ أن المريض يمتلك قدرات خاصة أو خارقة أو امتلاك
    ثروة أو معرفة.
    3. الاضطراب الضلالي النوع الاضطهادي:-
    هو حالة من التوهم أن هناك من يراقبه ويحيك ضده المؤامرات ويسبب له الأذى.

    حالة توضيحية:


    مهاجرة لدولة أوربية تبلغ من العمر 56 سنة وتعمل فنية أشعة , تزوجت في عمر متأخر.
    تمت معاينتها في عيادة إسعاف للأمراض النفسية وهي تشكو من ضلالات منظمة ومرتبة
    وبتفاصيل دقيقة مختصر فحواها أن شريك زوجها في عمل استثماري يسعي لدفع زوجها
    للاستقالة من عمله لتدمير أسرتهم ولعدة شهور أصبحت تلاحظ أن عدة سيارات تقف في شارع
    منزلها وتحس أنها متابعة عندما تقود سيارتها وأن هناك أناس تعرفهم يقابلوها في
    المطاعم كل تلك الملاحظات مؤامرة لتدمير حياتهما.
    المريضة لا تعاني من أي أعراض نفسية أخري خلاف مزاجها المتوتر.
    كانت تفسر سبب مجيئها للعيادة النفسية لمساعدة زوجها لتحمل الضغوط التي تمارس عليه
    وكان زوجها مصاحبا لها بالعيادة ويشاركها في بعض ضلالاتها .
    قاومت تلقي العلاج ولكن مع تكرار الزيارات والعلاج النفسي تناولت الأدوية النفسية
    المناسبة ولكن بصفة غير منتظمة ورغم ذلك بعد عام تحسنت حالتها وأصبحت نوعا ما
    مستبصرة بحالتها.
    4. الاضطراب الضلالي نوع توهم المرض العضوي:-
    هو نوع من التوهم والاعتقاد الراسخ أنه يعاني من مرض عضوي خطير أو معدي أو تشوه في
    جسمه.

    حالة توضيحية:


    رجل يبلغ من العمر 60عاما راجع العيادة النفسية مع أحد أقربائه بتوصية من طبيب
    جلدية وكانت الشكوى أنه مصاب بالجمرة الخبيثة نتيجة عدوي جلبها له أحد أقربائه الذي
    يعمل بالبريد. كانت هذه الحالة أثناء حرب الخليج الثانية والرعب الذي تناقلته وسائل
    الإعلام باحتمالية الحرب الجرثومية وخاصة الرسائل والطرود الملوثة بالجمرة الخبيثة
    عبر البريد.
    الوهم كان متأصل وثابت ولا يمكن تصحيحه بالمنطق ونتج عن ذلك الاعتقاد الراسخ بأنه
    مصاب بالجمرة الخبيثة الإحساس بحكة شديدة بالجسم مما أدي إلي التخلص من ملابسه
    وأغراضه ودخول الحمام بكثرة والمكوث به فترات طويلة وترك غرفة نومه والنوم بالتهوية
    أو في موقف السيارة وكانت هذه الحالة مصاحبة بشعور بالكآبة والتوتر ومشاعر عدائية
    تجاه ذلك القريب ولكن لم تكن هناك أي نزعة لإيذاء النفس أو إيذاء ذلك الشخص .
    أعطي العلاج اللازم واستقرت حالته نسبيا رغم وجود الوهم بالإصابة لكن بدون أي تفاعل
    معه مثل الاستحمام الكثير أو التخلص من أغراضه واختفت الأعراض الاكتئابية.

    5. الاضطراب الضلالي نوع الغيرة المرضية:-

    الغيرة السوية:-

    الغيرة السوية هي الغيرة المحمودة مثل غيرة الزوج علي زوجته من الأغراب والزوجة علي
    زوجها وهو حق مشروع وواجب وهي طبيعة متأصلة في النفس البشرية.
    أيضا الغيرة تكون غيرة سوية ومشروعة إن كانت نابعة من ريبة كما في حديث رسول الله
    صلي الله عليه وسلم(عن جابر بن عتيك: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقول: "من
    الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في
    الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة.) رواه أبو داود.


    الغيرة المرضيةPathological Jealousy:

    الغيرة المرضية أهم نوع لهذه الاضطرابات لأنها أكثر حدوثا مقارنة بالأنواع الأخرى
    وعادة تصاحبها درجة عالية من الخطورة.
    أهم علاماتها أن شريك الحياة غير مخلص له أولها أو يخونها وسميت مرضية لأنها من غير
    دليل ولا يمكن تصحيحها بالمنطق.
    نسبة حدوثها في المجتمع غير معروفة ولكنه كعرض ليست نادرة لأنها يمكن أن تكون ضمن
    أعراض المرضي الفصامين وحالات الاضطرابات الوجدانية واضطرابات الشخصية وتعاطي
    المخدرات وبعض الأمراض العقلية العضوية .
    أهمية هذه الحالات ليست بسبب ما تسببه من ضيق للمريض فقط بل لما يصاحبها من مشاكل
    زوجية وأسرية علاوة علي الخطر الكبير من العنف الذي قد يصل إلي حد القتل و أحيانا
    الانتحار.
    التقارير متضاربة حول نسبة حدوثها بين الرجال والنساء ولكن غالبا أكثر بين الرجال
    مقارنة بالنساء.
    علاوة علي الشك في إخلاص الشريك وشرفه قد يصاحبها أوهام أخري مثل الشك في نوايا
    الشريك في التخطيط لقتله أو تسميمه أو إصابته بمرض جنسي أو عجز جنسي .
    يميز سلوك المريض البحث الدءوب لأدلة للخيانة وذلك في البحث في المذكرات وحاليا
    الجوال وتسجيل المحادثات والمتابعة وأحيانا استعمال كاميرا الفيديو وفحص ملاءة
    السرير والملابس الداخلية وخلافه. عادة ما تحدث مشادات كلامية وأحيانا هياج مصحوب
    بعنف جسدي قد يؤدي إلي اعتراف الطرف الآخر بالخيانة كذبا لإنهاء المشكلة و عادة
    الاعتراف دون ارتكاب الخيانة في الحقيقة ما يؤدي لإشعال وتأزم المشكلة أكثر.
    الأسباب:-
    تركيب أو نوع الشخصية له دور في حدوث الغيرة المرضية فدراسة الشخصية مهم جدا. لقد
    وجد لدي المصاب شعور شديد بالنقص والعجز وعدم ثقة بالنفس وانجازاته في الحياة أقل
    من طموحاته وهذا النوع من الشخصيات أكثر عرضة لأي حدث يزيد شعوره بالعجز مثل فقد
    للوظيفة أو الوضع الاجتماعي أو التقدم في السن ونتيجة لهذه التهديدات ربما يسقط هذا
    الشخص اللوم علي الآخرين في شكل غيرة مرضية واتهام بالخيانة.
    لم تثبت أي دراسة لأي صلة بين الغيرة المرضية والجنسية المثلية كما كان يعتقد فرويد
    أن هناك صلة بين الشذوذ الجنسي والغيرة المرضية.
    يعتقد الكثير من الباحثين أن الغيرة المرضية قد تنشأ مع بداية عدم القدرة علي
    الانتصاب للرجل والعجز الجنسي للمرأة.
    مآل الحالة:-
    مآل الحالة عموما غير جيد في حالة الغيرة المرضية نتيجة اضطراب ضلالي غير معروف
    السبب ولكن إذا كان نتيجة مرض معروف مثل الاكتئاب أو تعاطي المخدرات فالمآل أحسن .
    أيضا مآل الحالة يعتمد علي نوع الشخصية قبل المرض.
    عوامل الخطر في الغيرة المرضية:-
    مرضى الغيرة المرضية يعتبروا من المرضى الخطرين لأن الغيرة قد تدفع لارتكاب جريمة
    الأذى الجسيم أو القتل وأحيانا الانتحار فقد أوردت إحدى الدراسات أن بين 81 مريض
    ثلاثة منهم ارتكبوا جريمة قتل. وفي دراسة أخري أجريت علي 138 حالة 25% منهم هددوا
    بالقتل أو الأذى للطرف الآخر.56% من الرجال و43% من النساء كانوا عنيفين وهددوا
    أزواجهم بالانتقام.
    أيضا هناك خطر الإقدام علي الانتحار خاصة الطرف المتهم يلجأ في النهاية للانتحار
    لوضع حد لمعاناته والعلاقة.

    تقييم الحالة :-

    • يجب فحص الحالة فحصا نفسيا شاملا و دراستها بصورة مفصلة.
    • مقابلة الشريك المتهم أولا ثم بحضور المريض. لأن الشريك قد يعطي تفاصيل عن
    معتقدات وأفكار المريض أكثر منه.
    • البحث والتقصي بطريقة لبقة مدي ثبات والي أي مدي المريض متيقن ومتأكد من الخيانة.
    • معرفة مدي غيظ وامتعاض المريض من أوهامه وما هي الإجراءات والأفعال التي ينوي
    اتخاذها.
    • ما هي العوامل التي تثير ثورة غضبه واتهاماته والأسئلة التي يوجهها للطرف الآخر
    كنوع من التحقق؟
    • كيف كانت استجابة الطرف المتهم لثورة غضب المريض؟
    • كيف كانت استجابة المريض لردة فعل الطرف الآخر؟
    • هل هناك عنف حتى مثول الحالة للعلاج ؟ إذا كان هناك عنف كيف تم؟ وهل هناك إصابات
    خطيرة؟
    • تقصي ومعرفة العلاقة الزوجية والتاريخ الجنسي من الطرفين.
    العلاج:-
    • علاج الغيرة المرضية دائما صعب لأن المريض غير مستبصر بحالته ويري العلاج نوع من
    التدخل في شأنه الخاص ولا يلتزم بتناول العلاج كما ينبغي.
    • إذا كانت الغيرة ناتجة من مرض عقلي آخر مثل الفصام أو الاكتئاب أو نتيجة تعاطي
    الكحول والمخدرات فيجب علاج الحالة الأساسية أولا.
    • أذا كانت الغيرة المرضية نتيجة اضطراب ضلالي غير معروف السبب يحتاج للعلاج
    بمضادات الذهان ولكن النتائج دائما مخيبة للآمال.
    • أذا كانت الغيرة لا ترقي لمستوي الضلالة أو الوهم أي نوع من الاعتقاد الخاطئ
    فإنها تستجيب لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرجاع السيروتونين .
    • العلاج النفسي:- من أهدافه خفض التوتر وإتاحة الفرصة للطرفين للتنفيس عواطفهم
    ومفيد إذا كانت الغيرة المرضية نتيجة لاضطراب في الشخصية.
    • العلاج السلوكي:- بتشجيع الشريك المتهم بالقيام بسلوك يؤدي الي لخفض غيرة المريض
    مثل عدم المجادلة في بعض الحالات.
    • العلاج المعرفي: - تحديد الافتراضات الخاطئة
    - تدريبه علي استراتيجيات للسيطرة علي العواطف
    - أفادت بعض التقارير بفائدة هذا النوع من العلاج.
    • إذا لم تكن هناك استجابة للعلاج بالعيادة الخارجية أو هناك خطر من سلوك عنيف فيتم
    تنويم المريض للعلاج وكإجراء وقائي.
    • علي الطبيب إبلاغ وتنبيه الطرف الآخر إذا تأكد أن المريض يشكل خطر عليه ويمكن في
    حالات خاصة النصح بالانفصال.
    • أعراض الغيرة قد تختفي بالانفصال ويمكن أن تعاود المريض مرة أخري إذا تزوج أو
    ارتبط بأخرى.

     
     
     
     


     


    580
    أفياء نفسية / الأوهــام .
    « في: 1532704381 »





    أ.د. قاسم حسين صالح .
     
     
     

    تعني الأوهام وجود معتقدات أو أفكار لدى الفرد لا يوافقه عليها المجتمع بشكل عام،
    أو قد ينظر إليها الناس على أنها تفسيرات خاطئة للأحداث أو الأشياء لا تستند إلى
    أسس واقعية. وهذه ابرز خاصية يتصف بها الفصامي، وربما كانت من أصعب صفات السلوك
    الذهاني، ليس من حيث اقتناع الفصامي بمعتقتداته الخاطئة فحسب، وإنما لكونه يسعى
    جاهداً لإقناع الآخرين وحملهم على التصديق بهذه المعتقدات. وبرغم أن هذه الأوهام
    يمكن أن تصاحب اضطرابات نفسية متنوعة مثل: الهوس، الاختلال العضوي، الحالات الناتجة
    من تناول جرعات كبيرة من العقاقير.. وما إلى ذلك ، إلا أنها تكون شائعة بين
    الفصاميين .
    ومن أمثلة هذه الأوهام ما قاله مريض بالفصام كان يرقد في مستشفى الرشاد (الشماعية)
    للأمراض العقلية في مدينة بغداد، إلى طلبة علم النفس بجامعة بغداد  الذين كانوا
    يقومون بزيارة علمية بصحبة أستاذهم (المؤلف)... قال لهم بصوت ممتلئ يقيناً (يقينه
    هو):
     
    (انفجار جالنجر كان بسبب خطئهم) ، ( وجالنجر سفينة الفضاء الامريكية التي انفجرت
    بعد إطلاقها بثوان وعلى متنها سبعة رواد ، في كارثة فضائية حدثت في ثمانينات القرن
    الماضي)؛
    سألوه كيف ؟
    أجاب : كان عليهم أن يستشيرونني .
    وسألوه : لماذا ؟
    أجاب : لأن أنا الذي وضعت برنامج جالنجر!) .
     
    وفي الواقع أن محتويات أوهام الفصاميين متنوعة وغنية جداً بالخيالات والتصورات ،
    وبعض أخيلتها تفوق ما تظهر في بعض أفلام الصور المتحركة (الكارتون) من خيالات غير
    معقولة ، ولكنها غنية بالأفكار. ومع ذلك فأن التصنيفات الحديثة لهذه الأوهام مالت
    إلى وضعها في أنماط معينة، على وفق الآتي :
     
    1- أوهام الاضطهاد: اعتقاد الفرد بان هناك من يتآمر عليه أو يتجسس عليه ، أو يهدده
    ، أو يسيء معاملته .  ويميل أكثر إلى الاعتقاد بأن من يتدبر له هذه الأمور، ليس
    شخصاً واحدا بل جماعات.. اتحدوا في مؤامرة ضده.
     
    2- أوهام السيطرة (أو التأثير) : وتعني الاعتقاد بوجود أشخاص آخرين ، أو قوى ، أو
    ربما كينونات بعيدة ، تسيطر على أفكار وأحاسيس ، وأفعال الفرد ، بوسائل غالباً ما
    تكون أجهزة إلكترونية ترسل إشارات مباشرة إلى دماغه .
    مثال : في زيارة علمية لطلبة قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة بغداد إلى مستشفى
    أبن رشد للأمراض العقلية في العاصمة بغداد بصحبة كاتب هذا الموضوع ، قال لهم أحد
    الفصاميين بأنه على اتصال بالقمر.. وانه يتلقى إشارات منه ، وهو بدوره يرسل له
    إشارات أيضا . وفي أثناء كلامه اعترته هزة  ورجفة جفل منها الطلبة (لا سيما
    الطالبات ). وبعد ثوان قال انه كان قد تلقى إشارة من القمر!.
     
    3- أوهام المرجع (أو الصلة): وتعني الاعتقاد من أن أحداثا أو تنبيهات ليست لها أية
    علاقة أو صلة بالفرد ، ويرى أنها تعنيه هو بشكل خاص . فقد يفكر المريض بأن حياته قد
    جرى تصويرها في فلم سينمائي أو تمثيلية تلفازية . أو أن ما أذاعه المذياع من أخبار
    كانت بخصوصه هو.
     
    4- أوهام الشعور بالخطيئة والذنب: وتتضمن هذه اعتقاد الفرد بأنه ارتكب خطيئة لا
    تغتفر. أو انه تسبب في إلحاق أذى كبيراً بالآخرين . فقد يدعي بعض الفصاميين- على
    سبيل المثال- بأنهم قتلوا أطفالهم .
     
    5- أوهام المراق (الوساوس) : وتعني الاعتقاد الذي لا أساس له من  أن الفرد يعاني من
    أمراض بدنية شنيعة . وهذه الأوهام تختلف عن المخاوف التي لا أساس لها لدى المصابين
    بالوساوس المرضية ، ليس من حيث كونها لا تشير إلى أمراض محددة وفعلية ، بل إلى
    غرابة هذه (الأمراض) .
              فبينما قد يشكو المصابون بالوساوس المرضية من مرض الكبد أو ورم خبيث في
    الدماغ ، في سبيل المثال ، فأن الفصاميين يدعون بأن أكبادهم قد تقطعت إلى قطع صغيرة
    وأزيلت من أبدانهم ، أو أن أدمغتهم ملأى بالتراب .
     
    6- أوهام العدم (النهلستية): وتعني اعتقاد الفرد بأنه، أو الآخرون أو العالم
    بأكمله، قد توقف عن الوجود. فقد يدعي الفصامي، مثلاً، من انه روح قد عادت من الموت.
     
    7- أوهام العظمة (والفخامة): اعتقاد الفرد من انه شخص مشهور جداً، ومهم جداً، وصاحب
    قوة عظيمة. وقد تتجمع أوهام من هذا القبيل في كينونة أو شخصية يثبت عليها المريض ،
    غالباً ما تكون شخصية تاريخية معروفة ، كاعتقاده بأنه (المسيح) الجديد ، أو نابليون
    الجديد ، أو هتلر مثلا.(في مدينة بغداد شخص يدّعي أنه هتلر ، لدرجة أنه لا يرد عليك
    السلام ما لم تقل له : هاي هتلر! ) .
     
    واخيراً ، فأن الكثير من الفصاميين يدعون بأن أفكارهم تكون متأثرة بطريقة ما. ومثل
    هذه الأوهام تكون مرتبطة بأوهام السيطرة ، وتشمل :
    1- بث الفكر: وتعني اعتقاد الفرد بان أفكاره يجري بثها (كما لو كان إذاعة) إلى
    العالم الخارجي ، وان الجميع يسمعها .
    مثال : أفاد طالب جامعي عمره (21) سنة قائلاً : ((عندما أفكر فأن أفكاري تغادر رأسي
    على شكل شريط مسجل ، ما على الجميع سوى أن يشغلّوه في أدمغتهم ويعرفوا أفكاري )) .
     
    2- إقحام الأفكار: وهذه عكس الأولى ، حيث يعتقد الفرد بأن الآخرين يقحمون أو يدخلون
    أفكارهم برأسه ، وبخاصة الأفكار الفاحشة .
    مثال : أفادت سيدة ربة بيت عمرها (29) سنة قائلة : ((أنظر من الشباك فأرى الحديقة
    جميلة ، والعشب لطيفاً . ولكن أفكار (إيمون أندريوس) تدخل في دماغي ... فقط أفكاره
    ... يتعامل مع دماغي كما لو كان شاشة يسقط عليها أفكاره،  تماماً كما يسقط الضوء
    على صوره)) .
    3- سحب أو جرّ الإبكار: وتعني اعتقاد الفرد بان الآخرين يسحبون أو يجرون أو يقتلعون
    الأفكار من رأسه .
    مثال : أفادت امرأة عمرها (22) سنة تصف هذه الخبرة قائلة : ((أنا أفكر بخصوص أمي ،
    وفجأة تطير الأفكار عن دماغي ، يقتلعها قالع متخصص في فراسة الدماغ عندما - لا يبقى
    شيء في دماغي ... يبقى فارغا )) .
     
    إن هذه الأوهام ، بالشكل الذي ذكرناه أعلاه ، قد تمثل بشكل جيد محاولة أو جهداً من
    المرضى في التفسير لأنفسهم حالة التشوش الكامل للأفكار التي في رؤوسهم . فالكثير من
    الفصاميين ، على سبيل المثال، يمرون بحالة الحاجز الذهني الذي يحدث في منتصف كلامهم
    ، إذ يتوقفون عن الكلام فجأة ويصمتون ، دون تمكنهم من إعادة تجميع الكلام الذي
    كانوا يقولونه .  وحالة الاضطراب هذه التي تحدث للفصاميين ، وتحدث أيضا لأي واحد
    آخر، ونعني بها التوقف عن الكلام فجأة، يمكن تفسيرها- افتراضاً- بأن أحد ما قد يسرق
    الأفكار من رأس الفرد.
     
    ويبدو من الصعب أحيانا على الطبيب القائم بالتشخيص التمييز بين ما هو وهم وما هو
    واقع ، مما يؤدي- دون شك- إلى خطأ في التشخيص . فقد ذكر) حالة امرأة (س) التي ادعت
    في أحد الأيام ، عندما كانت في غرفة الطوارئ بالمستشفى ، بوجود أبر في ذراعيها.
    ولدى الاستفسار منها كشفت المرأة عن أنها أمضت تسع سنوات في مستشفى الأمراض العقلية
    . وكانت في خلال ثمان سنوات من وجودها تندفع بعنف في حالة في تشويه الذات ، حيث
    كانت تطيع أصواتا تخبرها بأنها امرأة رديئة، وان عليها ان تقتل نفسها، فتندفع إلى
    تشريط معصمها وبطنها. وأفادت أيضا بأنها كانت تتعاطى المسكرات بكثرة لسبع سنوات .

    ولقد كشف البحث الطبي عن عدم وجود علامات للإبر على ذراعيها ، ولا أية أجسام غريبة
    في داخل ذراعيها ، مما اقنع الأطباء في ان هذه المرأة مصابة بالأوهام . ومع ذلك
    أرادوا ان يتحققوا أكثر فعمدوا إلى اخذ صور شعاعية لها. ولأشد ما كانت دهشة الأطباء
    عندما أظهرت هذه الأشعة وجود عدد من الإبر في داخل ذراعيها!. وتبين أنها كانت قبل
    سنة حاولت الانتحار بأن أدخلت إبرا في ذراعيها ، وأن هذه الإبر ظلت غير مكتشفة خلال
    ثلاث مرات لاحقة أدخلت فيها المستشفى للمعالجة . وأنها من المحتمل أن تكون في خلال
    هذه المرات كانت قد أفادت بوجود هذه الإبر، وان ما ذكرته كان قد جرى افتراضه من
    الأطباء المعالجين على انه نوع من الوهم .
     
     
     
     
     


    581


     



    د.
    مسفر بن يحيى القحطاني
    .
     
     
     

    أطفال الأمة هم أمل الغد، وبهم تنهض، وهم أساس استمرارها وعليهم تعلق الآمال، وعلى
    قدر ما يحصل عليه الأطفال من حقوق هـي لهم مشروعة وواجب على كل أب وأم، بقدر ما
    يتحقق على أيديهم نجاح مجتمعاتهم ورقيها. ومن هذه الحقوق والواجبات أن ينشأ النشأة
    السليمة في محيط أسري ينعم بالرحمة والهدوء ومحيط مجتمعي يوفر لهم الأمان
    والاستقرار ويدفعهم نحو الأمام بقوة وثبات ؛ حتى ينعموا بقدرٍ من الصحة النفسية
    بعيدًا عن خبرات الإساءة وكل ما يدمر الذات وينهي الشعور بالاطمئنان واستقرار
    النفس، وتتباين المجتمعات الإنسانية في منح الأطفال حقوقهم وما لهم من واجبات وذلك
    من ثقافة مجتمع إلى آخر بحسب المنطلقات العقدية والفكرية التي يقوم عليها كل مجتمع
    وظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
     
     والأطفال
    لا تقتصر حاجاتهم على الغذاء والملبس والمأوى والرعاية الصحية اللازمة فحسب بل
    يحتاجون أيضا إلى جانب ذلك كله إلى النمو النفسي والاجتماعي المتوازن المشبع لكل
    مرحلة من مراحلهم العمرية والتي تجعلهم أفراداً أسوياء ناضجين في كل ما يصدر عنهم
    من سلوك وفي طبيعة تفاعلهم مع أنفسهم ومع الآخرين. ولكن حين يتعرض الأطفال خلال
    عملية التنشئة الاجتماعية إلي خبرات سيئة ومواقف مؤلمة فإن ذلك سيجعلهم عرضة للكثير
    من المشكلات والاضطرابات النفسية، وهذا ما أكد عليه علماء نفس الطفولة وعلماء الطب
    النفسي وعلماء التربية من أن " طفولة الإنسان تعتبر من أكثر مراحل الحياة أهمية
    وخطورة وهي تلعب دوراً بارزاً في بناء قدرات الإنسان وتكوين شخصيته، وحتى وأن بعض
    مشكلات الكبار ترجع في أسبابها إلى مرحلة الطفولة وإلى التجارب القاسية التي تحيط
    بالإنسان في طفولته. ولقد أرجع فرويد حالات المرض في مراحل الكبر إلى تجارب السنوات
    الخمس الأولى من حياة الشخص. وأكد أن جميع اهتمامات الشخص البالغ وتفضيلاته
    واتجاهاته وضعت جذورها في مرحلة الطفولة.
     

    ولذا يجب على المحلل النفسي أن يتتبع الأعراض المرضية، وأن يرجع في دراسته إلى
    التجارب التي مارسها وعايشها الطفل، ولا يقف عند حد الفترة الزمنية التي تحدث فيها
    الحالة المرضية فبيئة الطفل الأولى ذات تأثير هائل في تعيين الطريق أمام التوافق في
    مرحلة الرشد. فشاب اليوم.. طفل الأمس، وأن نظرة على طفولته لجديرة بان تبين لنا
    الأسس النفسية لما عليه سلوكه اليوم من سواء أو شذوذ أو جناح، فلقد أشار علماء
    النفس لأثر الماضي المبكر من حياة الفرد في حاضره، ومن أثر الصدمات الانفعالية أبان
    مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة في التمهيد لاضطراب الشخصية في عهد الكبر. ولاشك
    أن خبرات الطفولة لها أهميتها بل خطورتها في المراحل المتأخرة من نمو الشخصية.
    فالإطـار الأساسي لشخصية الفرد يتشكل خلال الخمس أو الست سنوات الأولى من عمر
    الطفولة. لأن للطريقة التي يُربى بها الطفل في سنواته الأولى دور مهم في تكوينه
    النفسي فأسلوب التربية الذي يثير مشاعر الخوف وانعدام الأمن في مواقف التفاعل يترتب
    عليه تعرض الطفل لمشكلات نفسية أو اضطرابات نفسية.
     

    وتاريخياً فأن سوء معاملة الأطفال والقسوة في التعامل معهم لها تـاريخ طويل إذ
    تعددت صور إساءتهم وإهانتهم لدى معظم المجتمعات وعبر التاريخ الإنساني. ففي العصور
    القديمة كان الأطفال يقدمون كقرابين، كما كان غير المرغوب فيهم من قبل ذويهم ـ
    وبصفة خاصة البنات ـ يتم تركهم في العراء على سفوح الجبال حتى الموت، كذلك في
    العصور الحديثة ـ عصر الثورة الصناعيةـ كان الأطفال يعملون لساعات طويلة في المصانع
    وفي تنظيف المداخن وفي مناجم الفحم وقد كان للجروح والإصابات التي قاسى منها هؤلاء
    الأطفال الفضل في نشأة ودفع حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر.
     
     أما
    الاهتمام بدراسة وعلاج مشكلة إساءة معاملة الأطفال فهي حديثة نسبياً وخصوصاً في
    مجتمعاتنا العربية ودليل ذلك أن ما هو متوفر من الدراسات العربية في هذا الجانب
    كانت خلال العقدين الماضيين كما أنها قليلة ونادرة وقد يعزى ذلك إلى عدة أسباب منها
    أن السبب يعود إلى اعتقاد البعض بأن هذه الأمور خاصة لا تعنينا في كثير أو قليل وهي
    ليست تلك المشكلة التي تستحق عناء البحث، فهم يرون بأن الطفل سوف يتجاوز هذه
    المرحلة، وعندها تنتهي كل المشكلات، إلا أن من عانى منها لا يزال يذكرها وإن كان
    يحاول جاهداً نسيانها أو تناسيها.
     

    طفولة الإنسان كما يؤكد علماء النفس هي أهم مرحلة من مراحل حياته لأنها المرحلة
    التي يتحدد فيها مفهوم هذا الإنسان للحياة ونظرته إليها فإذا تعرض لخبرات مؤلمة
    أختل نموه النفسي وأصبح مهيأ للانحراف في أي مرحلة من مراحل حياته، هذه الخبرات
    المؤلمة مصدرها أسرة الطفل لأنها البيئة الوحيدة المحيطة به في هذه المرحلة. ورغم
    التأخر النسبي الذي حصل فيما يخص التنبيه على ظاهرة إساءة معاملة الأطفال، إلا أن
    دراسات سابقة حتى على صعيد المملكة نبهت إلى وجود هـذه الظاهرة في أوساط مجتمعاتنا
    العربية ودعت جميعها إلى عدم تجاهلها والبحث عنها لدراستها ووضع حلولاً مناسبة لها
    لتلائم بيئتنا وثقافتنا، خصوصاً وأن المملكة العربية السعودية كانت من أوائل
    الموقعين على معاهدة حقوق الطفل وهي بتبنيها الدين الإسلامي كمرجعية قانونية حصرية
    تتفوق على غيرها من البلدان وذلك لأن الدين الإسلامي كان سباقاً إلى حماية الطفل
    ولعل من أول السلوكيات التي حرمها الإسلام في هذا الجانب هي منع وأد البنات. حيث
    يقول الله تعالى: ( وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) ( التكوير: 8 ـ 9
     )
    .
     
     
     
     
     


    582





    صفحة جديدة 1




     


    د. محمد
    الحسن خالد .
     
     
     

    تختلف المجتمعات علي نطاق العالم في المستوي الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي
    والتوجه الاقتصادي والسياسي علاوة علي الاختلافات الحضارية والعقائدية في تربية
    الأطفال ومعاملة كبار السن وكثير من المضامين السلوكية والقيم الدينية. كل تلك
    التباينات والاختلافات تؤثر علي سلوك الفرد بصفة عامة بما فيه الإقدام على
    الانتحار.

    الانتحار هو إقدام الفرد على وضع حد لحياته دونما تحريض من آخر أو تضحية لقيمة
    اجتماعية ما. وكل الدراسات القديمة والحديثة أجمعت على تضافر العوامل النفسية
    والاجتماعية والطبية فيما بينها لحدوث الفعل الانتحاري, وتعتبر الاضطرابات النفسية
    والعقلية من المسببات الرئيسية للانتحار حيث أن 90% من المنتحرين يعانون من
    اضطرابات نفسية مشتملة على سوء استخدام العقاقير والكحول.

    عرف الانتحار من قديم الزمان و نجد كثير من المشاهير الذين وضعوا حدا لحياتهم
    بالانتحار مثل الفيلسوف سقراط ونيرون ومارك انطونيو وعشيقته كليوباترا وروميو
    وجولييت وأدولف هتلر والروائي المعروف ارنست همنجواي وقد ذكر في العهد القديم أن
    الملك شاؤول كان يعاني من مرض وجداني ومات منتحرا.


    حجم مشكلة الانتحار:-

    حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية التي تغطي نصف دول العالم تقريبا هناك مليون
    حالة انتحار سنويا بمعدل انتحار إنسان كل 26 ثانية ، ويشكل الانتحار 1.4% من العبء
    العام للمرض ويعتبر عدد المنتحرين أكثر من حالات القتل العمد والعمليات الإرهابية(
    500000) وقتلى الحروب (320000).
    المعدل العالمي للانتحار 14.5% عن كل 100000 فرد ويعتقد أن هذه النسبة أقل من
    النسبة الحقيقية بسبب أن الانتحار يظل في معظم دول العالم عملا سريا محاطا بهالة من
    التحريم والوصمة الاجتماعية.
    نسبة الانتحار أعلي بين الرجال مقارنة بالنساء وتبلغ 1:3. و أعلي نسبة انتحار بين
    الفئات العمرية المختلفة بين كبار السن 65 سنة وأكثر وخاصة في الدول المتقدمة فقد
    بلغ عدد المسنين في عام 1998 م حوالي 184 مليون ويتوقع أن ترتفع أعدادهم إلي 678
    مليون بحلول العام 2030 م.

    قسمت منظمة الصحة العالمية الدول إلي أربع مجموعات بناء علي نسبة الانتحار:-
    1. مجموعة الدول التي لا توفر معلومات عن نسب الانتحار وتضم غالبية الدول العربية
    والإفريقية والآسيوية وخاصة الإسلامية مثل اندونيسيا ونيجيريا وباكستان.
    2. المجموعة الثانية نسبة الانتحار أقل من 6.5 لكل 100000:
    مثل البرتغال 5.1 واليونان 3.6 والبحرين 3.5 والمكسيك 3.8 وإسرائيل 6 لكل 100000.
    3. المجموعة الثالثة من6.5 إلي 13 لكل 100000:
    مثل ايطاليا واسبانيا والهند
    4. أكثر من 13 لكل 100000: مثل فرنسا 17.5 وبلجيكا 21 وفنلندا 25.5 والمجر 40 وأعلي
    نسب للانتحار عالميا في دول الاتحاد السوفيتي السابق ففي روسيا 38.7 وأعلاها علي
    الإطلاق في ليتوانيا 51.6
    رغم أن معظم الدول الإسلامية ضمن المجموعة الأولي التي لا توفر معلومات عن نسب
    الانتحار لكن أعتقد أن نسب الانتحار فعلا منخفضة بها مقارنة بالدول الغربية لوجود
    الكثير من عوامل الوقاية من الانتحار في الإسلام .


    النواحي الاجتماعية:-

    عالم الاجتماع الفرنسي الكبير ايميل دوركايم الذي عاش في القرن التاسع عشر. أوضح أن
    العلاقات الاجتماعية الحميمة لها دور وقائي من الانتحار بينما العزلة قد تكون عاملا
    يؤدي للانتحار وحدد أربعة أنواع من الانتحار تحددها صلة المنتحر ورضاءه و قناعته
    بالمجتمع الذي يعيش فيه علي سبيل المثال الانتحار الأناني ويحدث في الحالات التي
    يكون فيها الفرد غير مندمج أو متكامل مع المجتمع الذي يعيش فيه وأفعاله تنطلق من
    دوافعه ونزواته وليس من منطلق مثل وقوانين المجتمع مقارنة بالنوع الفدائي الذي يكون
    الفرد محكوم كليا بقيم ومثل المجتمع ويكون الانتحار بالنفس تضحية في سبيل المنفعة
    المفترضة للمجتمع.

    المسائل الثقافية المتعلقة بالانتحار تتقاطع مع المراحل العمرية للفرد وعليه يجب
    الإلمام بمعرفة ومواقف وقيم وممارسات المجتمعات والمجموعات العرقية المختلفة في ما
    يخص الآتي:-

    • تربية الأطفال
    • سلوك المراهقين المقبول
    • الزواج
    • الكبر والتقدم في السن
    • وضع المسن في الأسرة والمجتمع.


    النواحي الدينية والعقائدية:-

    هناك ديانات مختلفة علي نطاق العالم مثل المسيحية و البوذية والهندوسية والإسلام
    واليهودية.
    بين بعض الديانات الكبرى الانتحار محرم قانونا ولكن يكون مقبولا لدي البعض في ظروف
    وحالات معينة .
    التفاسير الأرثوذكسية في الديانة اليهودية ترفض وتدين الانتحار بينما الانتحار غير
    ممنوع في العهد القديم.

    في الديانة الهندوسية يوجد ما يسمي بالسوتي وهو من الطقوس الدينية التي تقضي
    بانتحار الأرملة كطريقة لمحو ذنوبه وجلب المنفعة للأطفال. السوتي حاليا ممنوع
    قانونا في الهند ولكن ما زال هناك حالات نادرة من هذه الممارسة.

    يدعي البوذيون الانفصال عن الجسد ويدينون الانتحار وتنطلق هذه الإدانة من فلسفتهم
    بأن الانتحار يعني انفصال غير كامل عن الجسد وعدم مراعاة للجسد ومقاومة لما هو
    مطلوب من الناس أن يعيشوه من عمر وعدم محاولة تقصير أو منع نصيبهم من الألم
    والمعاناة من الحياة السابقة.
    الإسلام عموما ضد الانتحار والله وحده هو الذي يحدد نهاية ومصير ومتى يموت الفرد،
    ومن يقدِم علي الانتحار يخالف أمر الله تعالى ويعرّض نفسه لعقاب أليم، قال تعالى:
    [ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه
    ناراً]، والمسلم ممنوع شرعاً من مجرد المجازفة بحياته دون سبب وجيه [ولا تلقوا
    بأيديكم إلى التهلكة]، فما بالنا بمن يعمل على إنهاء هذه الحياة؟
    إن حكم الانتحار في الشريعة الإسلامية هو: حرام، ويعتبر كبيرة من الكبائر.


    اختلاف المفاهيم التالية بين الغرب والشرق:-

    - النظرة الفردية مقارنة للنظرة الجمعية أو نظرة المجتمع ككل لقيم الأسرة والتعامل
    مع كبار السن.
    - التقاليد.
    - العنف وحب التملك مقارنة بالتسامح والتعايش

    تقليديا هناك دول في آسيا وإفريقيا تعلي قيم الأسرة ويربون أطفالهم جماعيا ولهم بعض
    الطقوس الخاصة في الانتقال من مرحلة عمرية إلي أخرى وفي احترام وتوقير كبار السن
    والاعتراف بقيمتهم.
    الكثير من مواطني تلك البلدان يقصدون رجال الدين للعلاج ويستخدمون الوصفات الشعبية
    في العلاج قبل الذهاب للطبيب و يتم التعامل مع الشخص ككل أو بشكل كلي.

    أما في الغرب فنجد التوجه العام ينزع للفردية وأقل تقيدا بالتقاليد وحضارتهم تهتم
    وتعطي قيمة أكبر للشباب وأقل اهتماما بكبار السن بالمجتمع.

    الإسلام يحض علي التراحم والتواصل فقد أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام علي توقير
    الكبير وصلة الأرحام والإحسان إلي الجار وتظهر قمة الجماعية في التشديد علي صلاة
    الجماعة وعظم أجرها مقارنة بصلاة الفرد والدور الكبير الذي تلعبه في توطيد أواصر
    العلاقات الاجتماعية وما لذلك من أثر كبير في معالجة بعض الأسباب التي تعتبر من
    عوامل خطر الانتحار وخاصة بين كبار السن وكما هو موضح أعلاه أن أعلي نسبة انتحار
    بين كبار السن وقد ارجع علو هذه النسبة علاوة علي ارتفاع نسبة الاكتئاب والأمراض
    العضوية وآلامها بينهم, العيش بمفردهم والإحساس باليأس وتأنيب الضمير. قمة الاهتمام
    بكبار السن في قوله تعالي الذي ربط فيه عبادته بالإحسان للوالدين (وقضي ربك ألا
    تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل
    لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب
    أرحمهما كما ربياني صغيرا).- الإسراء 23و24


    تعاطي الكحول والمخدرات:-

    استعمال الكحول مسموح به في الكثير من البلدان ولكن إلي درجة معينة يكون تجاوزها له
    تبعاته السلبية ويستثني من هذا التوجه الدول الإسلامية وبعض الطوائف المسيحية حيث
    أن تعاطي الكحول محرما.

    بعض النباتات مثل أوراق الكوكا والأفيون والحشيش متوفرة في كثير من البلدان
    واستعمالها مقبول اجتماعيا في بعض تلك المناطق مثل مضغ أوراق الكوكا كمصدر للطاقة
    وشراب شاي القنجة للوقاية من نزلات البرد. ولكن عندما يتجاوز الاستعمال الحد
    التقليدي والمسموح به اجتماعيا ويصبح إدمانا وسوء استخدام, هنا تظهر المصاعب
    النفسية والاجتماعية والمهنية والتي لها مضاعفات خطيرة والباحثون منذ زمن اكتشفوا
    الصلة بين إدمان وتعاطي المخدرات والانتحار.
    والإسلام يحرم الخمر ويعتبر معاقرتها من الكبائر وكذلك المخدرات فالخمر هي ما خامر
    العقل ، وإن المخدرات هي ما يخامر العقل أيضاً وأنه صلي الله عليه وسلم ، قد أعطى
    لولي الأمر الحق في تأديب مجتمعه، فيما يناسبه في حينه, وقد شرع لذلك عقوبة حدية ..
    ففي عهد سيدنا عمر اكتفى بالجلد، ولكن لن يكفى جيلا من بعده الجلد والسجن، وهكذا
    دواليك حتى ارتفعت العقوبة في بعض الدول إلى الإعدام " فوضوح الحرمة و توضيح أضرار
    التعاطي وفرض العقوبة يساعد في الوقاية من تعاطي المخدرات وبالتالي الوقاية من
    الانتحار.

    مفهوم الموت:-

    علاقة الانتحار بالإيمان والاعتقاد بالموت من المنظور الفردي والثقافي .
    - ماذا يحدث للروح بعد الموت؟
    - هل الموت مرحلة انتقالية لمكان أفضل؟

    الإسلام أوضح أن بالموت يفني الجسد وتصعد الروح إلي خالقها والموت مرحلة انتقالية
    للحياة الآخرة إما لمكان أفضل وهو الجنة أو النار حسب عمل الفرد و أن المنتحر خالد
    في النار, وهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بعدله, وإن شاء عفا عنه بفضله.
    - بعيدا عن الاعتبارات الدينية هل يمكن قبول الانتحار كوسيلة لمساعدة الأفراد الذين
    يعانون من أوضاع طبية غير محتملة؟
    الموت الرحيم حاليا أصبح مسموح به وقانونيا في بعض البلدان مثل هولندا وبلجيكا
    والمساعدة في الانتحار مسموح به في ولاية اوريجون بأمريكا وسويسرا.

    أما عن رأي الإسلام في قتل الرحمة أو المساعدة الطبية في الانتحار أو تيسير الموت
    الفعال والتخلص من المريض بأية وسيلة محرم قطعاً ،ولا يزيل عنه صفة القتل وإن كان
    دافعه هو الرحمة بالمريض، وتخفيف المعاناة عنه. فليس الطبيب أرحم به ممن خلقه.
    وليترك أمره إلى الله تعالى، فهو الذي وهب الحياة للإنسان وهو الذي يسلبها في أجلها
    المسمى عنده. ومن يقدم عليه يكون قاتلاً عمداً لأنه لا يُباح دم امرئ مسلم ، صغيراً
    أو كبيراً ، صحيحاً أو مريضاً ، إلاَّ بإحدى ثلاث حددها رسول الله صلى الله عليه
    وسلم بقوله : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلاَّ
    بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمارق من الدين التارك للجماعة » .
    أخرجه البخاري ، والنص القرآني قاطع في ثبوته ودلالته أن قتل النفس محرم قطعا،
    لقوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ( الأنعام: الآية 159 )
    .

    إن الصبر على عظائم الأمور ومنها الألم هو انتصار للحياة، فالمسلم الحق لا يمكن
    بحال من الأحوال أن يُقدم على الانتحار لأنه في كل أوقاته خيرها وشرها، وحلوها
    ومرها يجب أن يتقبّل المصيبة على أنها ابتلاء لتمحيص إيمانه وإظهار صبره ورضاه.
    وها هو حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله
    له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته مصيبة صبر، فكان خيراً له وإن أصابته
    سراء شكر فكان خيراً له ) .

    أما عن مشروعية رفع أجهزة الإنعاش من المتوفى دماغيا يجوز رفعها إذا تعطلت جميع
    وظائف دماغه نهائياً، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء، أن التعطل لا
    رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آلياً، بفعل الأجهزة المركبة،
    لكن لا يحكم بموته شرعاً إلا إذا توقف التنفس والقلب، توقفاً تاماً بعد رفع هذه
    الأجهزة, بناء على الفتوى الصادرة من المجلس الفقهي التابع لرابطة العلم الإسلامي
    في دورته العاشرة في 24/2/1408هـ, وقرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر
    الإسلامي المنعقد في مدينة عمان العاصمة, رقم:5 في 3/7/1986م.


    علاج المقدمين علي الانتحار:

    في موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ذكر الباحث عبد الدائم الكحيل أن الآية
    29 من سورة النساء( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) وضحت حرمة الانتحار
    ورحمة الله بنا حيث ثبت حديثا جدوى المواساة والرحمة والتفاؤل والأمل في علاج
    المقدمين علي الانتحار وبما أن بعض الناس لا يستجيبون لنداء الرحمة ولا بد من
    تخويفهم من عواقب الانتحار كما ورد في الآية 30 من سورة النساء ( ومن يفعل ذلك
    عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك علي الله يسيرا ) وخلص الباحث إلي أن نسبة
    الانتحار في الدول الإسلامية منخفضة وأوضح إعجاز القرآن في مخالفته لما كان سائدا
    قبل الإسلام من معتقدات أنه لا ينبغي الحديث عن الانتحار لأن ذلك يشجع علي الانتحار
    فقد كشف لنا القرآن علاج الانتحار منذ 14 قرنا بإعطاء جرعة من الرحمة والأمل للشخص
    وإعطائه في نفس الوقت جرعة من الخوف من عواقب هذه العملية .

    الوقاية دائما خير من العلاج و مما تقدم يتضح أن واجبنا جميعا هو تعضيد العوامل
    الدينية والاجتماعية الواقية من الانتحار وتقديم يد العون بإنسانية وإسداء النصح
    وإبداء الرأي ساعة الحاجة أو في الوقت المناسب.
    بما أن 90% ممن أقدموا علي الانتحار يعانون من اضطرابات نفسية وهذا مؤشر خطير
    يستدعي الانتباه إلي أهمية النظر للاضطرابات النفسية كمشكلة أولية وليست شأنا
    ثانويا يمكن إرجاءه حتى حل المشاكل الصحية الأخرى فيجب إعطاء المرضي النفسيين
    الأولوية في الخدمات والرعاية.
    الاكتشاف المبكر للاضطراب النفسي وإعطاء العلاج الكافي وضمان الانتظام علي العلاج
    من أهم عوامل الوقاية من الانتحار.



    دكتور محمد الحسن خالد عبد الحليم
    اختصاصي الطب النفسي
    مستشفي الصحة النفسية بالاحساء

    ---------------------------

    المراجع:

    1. منشور الاتحاد العالمي للصحة النفسية – بمناسبة اليوم العالمي للصحة
    النفسية2006م ( WWW.fmh.org )
    2. د. أحمد عكاشة : الطب النفسي المعاصر مكتبة الانجلو المصرية
    3. عبد الرحمن بن ناصر البراك : من موقع صيد الفوائد ( WWW.saaid.net )
    4. عبد الدائم الكحيل موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن ( www.55a.net )
    5. غريزة الانتحار لدى الإسلاميين ) WWW.islamonline.net )
    6. د. يوسف القرضاوي : قتل الرحمة حقيقته وحكمه ) WWW.islamonline.net )
    7. د. عبد الرحمن بن أحمد الجرعي رفع الأجهزة عن المتوفى دماغياً (
    www.Islamtoday.net ) .
    8. منى محروس : الإيمان طوق نجاة للبشرية ( www.Islammemo.cc ) .





     




    583
     



    د. أيمن غريب قطب
    .

     
     
     

    الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف الضحك ولا وجود للضحك بين
    الكائنات الأخرى أو في الطبيعة وإنما يضحك البشر وحدهم .
    والضحك لا يعتمد على الكبار فقط إنما نراه حتى لدي الصغار من قبل أن يتعلموا
    الكلام . فالضحك ظاهرة إنسانية وفضيلة من الله بها على البشر.

    والضحك هو العلاج الناجع لكثير من مشاكل الإنسان ويقول احد الفلاسفة ( نيتشة
    ) : إنني لأعرف لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك فإنه لما كان
    الإنسان هو أعمق الموجودات ألما فقد كان لابد له من أن يكون اخترع الضحك وإذن فإن
    أكثر الكائنات تعسا وشقاء هو بطبيعة الحال أكثرها بشاشة وانشراحا.
    ويقول أحد الفلاسفة ( بيرون ) : يجب على الإنسان أن يتعلم كيف يضحك . ويقول آخر :
    ما ضحكت لمشهد بشري زائل إلا وكان ضحكي بديلا أستعين به على اجتناب الحزن أو البكاء
    .

    إن الابتسام والضحك والبشاشة والمرح والفكاهة والمزاح والدعابة والهزل والنكتة
    والملحة والنادرة والكوميديا إن هي إلا ظواهر نفسية من فصيلة واحدة ، وكلها إنما
    تصدر عن تلك الطبيعة البشرية المتناقضة التي سرعان ما تمل من حياة الجد والصرامة
    والعبوس فتلتمس في اللهو ترويحا عن نفسها وتبحث عن الفكاهة كمصدر للتنفيس عن آلامها
    وتسعي عن طريق النكتة نحو التهرب من الواقع الذي كثيرا ما يثقل كاهلها.
    إذا التقيت بشخص ما فانك قد تحييه بابتسامة مهذبة ، وإذا شممت زهرة نضرة عاطرة فإنك
    قد تعبر عن ارتياحك بابتسامة عذبة ، وإذا وجدت نفسك في مأزق حرج فانك قد تحاول
    تغطية الموقف بابتسامة متكلفة ، وإذا ما أدى إليك شخص ما إحدي الخدمات فقد تعرب عن
    امتنانك بابتسامة ، وهكذا ..... فإنها جميعا أشكال من التعبيرات النفسية
    والاجتماعية تختلف باختلاف المواقف والأحوال .

    وقد نجد من يفسر عملية الابتسام بأنها وسيلة للتواصل الاجتماعي أو ضرب من التعبير
    عن رغبات الفرد ومشاعره والارتباط بينه وبين الآخرين بعلاقة ما ، وهناك من يربط بين
    عملية الابتسام وفتح الفم للرضاعة أو امتصاص اللبن ( التحليل النفسي ) ، وهناك من
    يفسر عملية الابتسام بأنها في الأصل فتح الحيوان الصائد لفمه لابتلاع فريسته التي
    وقعت في براثنه ، وهم بذلك يربطونها بعملية الفوز والانتصار أو بعملية القنص
    والحصول على الغنيمة والنصر. وهناك من يربط بينها وبين عملية الرضا والإشباع بشكل
    عام .

    وهناك من يقول أن الابتسام هو ظاهرة تسبق الضحك أو هي ضحكة صامتة . ويؤكد بعض
    العلماء أن عملية الابتسام عند الطفل هي أولا وبالذات وظيفة اجتماعية تتولد عند
    سماعة لصوت بشري أو رؤيته لوجه بشري وتبدأ بصفة عامة في الشهر الثاني من العمر وقد
    ترتبط بعملية الارتياح بوجه عام .
    ولا شك أن الحالة النفسية أو الجانب الشعوري لدي الإنسان هو الجانب الأول لكل ضحك
    ولكل تفسير صحيح لعملية الضحك ، وهنا نجد الحالة المزاجية للشخص ومدي استجابته لهذه
    العملية كما يتوقف من جهة أخرى على سمات الشخص الثابتة كمدى تمتعه بالإحساس الفاكهي
    أو روح الدعابة التي يمكن من خلاها تذوق الفكاهة أو التعبير عنها .

    ولابد للإنسان من أن يعرف متى وأين يضجك أو يداعب أو يبتسم ؛ فقد يكون ذلك ضروريا
    وحاجة نفسية واجتماعية في بعض المواقف للتخفيف من الحدة النفسية وثقل التبعات
    والتنفيس عن الآلام والأوجاع وتوثيق العلاقات وزيادة الروابط . بينما يعتبر خروجا
    عن الآداب العامة في بعض المواقف والأماكن مثل أماكن العبادة والصلاة وأوقات العمل
    الجدي مما قد يؤدي بالنظر إلى من يرتكب ذلك بالاستنكار أو الاستياء أو حتى الطرد .


    والضحك والفكاهة ضرورة في الحياة الزوجية حيث يزيل التكلف ويجنب السأم والملل في
    الحياة الزوجية ، فليس أثقل على النفس من حياة يشيع فيها الملل والتكرار والرتابة .

    إن فكاهة صغيرة من خلال نزهة مرحة أو هدية تدعو للابتسام قد تدخل السرور والبهجة في
    الحياة الزوجية وعلي قلب الزوج أو الزوجة بما قد لا يحققه أي شيء آخر . فلا تدع
    الفرصة تفوتك دون أن تعمل على تجديد حبك من خلال ذلك وتقوي مظاهر الحب مع محبوبك
    ومن خلال ذلك تقوي العاطفة وتزداد المحبة ولا يعرف الموت طريقا إلى هذه العلاقة
    أبدا .
     
     
     
     

    584
     



    د. لطفي عبد
    العزيز الشربيني
    .
     
     
     

    مشاهد المذابح والقتل و الدمار عنوان الحرب الأخيرة .. ومشاعر الغضب
    والإحباط عنوان رد الفعل... وقد لاحظت بحكم عملي في مجال الطب النفسي زيادة ملحوظة
    في أعداد الناس من حولي من الذين صدمت مشاعرهم، وتأثروا نفسياً بعمق بالمشاهد
    المأساوية للأحداث الأخيرة في الحرب القذرة التي تعرض لها لبنان ومن فبل في فلسطين،
    ورغم لحظات الحقيقة مع الغضب والانفعال الهائل التي يعيشها الإنسان العربي في كل
    مكان بعد أن أصبحت كل الأمور مكشوفة، ومعالم الأزمة واضحة، وآثارها النفسية
    والإنسانية السلبية لا تخفي على أحد، إلا أننا وسط الأزمة والمأساة وما أصابنا من
    اليأس والانكسار نجد أمامنا بعض الإيجابيات في ما تفعله المقاومة التي تبعث الأمل
    في النفوس، وفي البداية يجب أن نرصد بعين التحليل النفسي دلالات ما يحدث، وما آل
    إليه الوضع نتيجة الأحداث المأساوية على ألارض العربية في لبنان و فلسطين.

    ومن وجهة النظر النفسية فإن العوامل وراء هذه الانفعالات والمشاعر السلبية التي
    تتملك الواحد منا وهو يتابع الأحداث الراهنة في أي موقع ومن أي مكان يمكن تحديدها
    في بعض النقاط:

     التساؤلات التي لا تجد إجابة ويطرحها كل منا على نفسه وعلى المحيطين به حول تفسير
    ما يجري بين قوات العدوان والاحتلال التي تملك كل الأسلحة الحديثة، وتتمتع بتأييد
    فاضح غير مشروط من القوة الكبرى في العالم من ناحية، وبين شعب مسالم في لبنان فرضت
    عليه الحرب وآخر أعزل قي فلسطين لا يملك سوى وسائل مقاومة بسيطة وبدائية تحت
    الاحتلال والقهر والظلم، واستمرار هذا الوضع وتفاقمه بصورة تثير الغضب.

     ما يحدث على الأرض العربية من حرب قذرة قي لبنان هو نموذج لصراع أو نزاع يحدث
    بصورة غير متكافئة، وأتصور أن المعنى اللغوي لتعبير الصراع يعني أن طرف ما لابد أن
    يتغلب على الآخر، أما النزاع فإنه أمر قابل للتسوية بين أطرافه، وفي كل الحالات
    فالطرف الأقوى يريد ان يفرض ما يريد دون اكتراث.

     لقد أثارت الأحداث الأخيرة مشاعر الإحباط العام وشعور الهوان والإذلال لدى
    الإنسان العربي نتيجة لمواجهة هجوم وعدوان شرس بما يشبه الاستسلام والعجز عن
    المواجهة، وهذا شعور قاتل يستفز المشاعر، وله آثار نفسية سلبية على الناس في كل
    المجتمعات في العالم العربي والإسلامي وغيرها.

     يدفع ذلك إلى تساؤل آخر لا يجد إجابة واضحة عما يجب عمله من الجانب العربي في هذه
    الظروف العصيبة التي تفرضها الأحداث الحالية، وفيما بين الاتجاه إلى الاكتفاء
    بالمراقبة وكبت شعور الغيظ والغضب، أو البحث عن وسيلة للتعبير في حدود ما تسمح به
    الظروف يستمر الغليان الداخلي الذي يهدد بعواقب ومضاعفات وخيمة قد تظهر آثارها في
    المجتمعات العربية عاجلاً أو آجلاً.

    ورغم أن الموضوع الذي نتحدث عنه وهو الأزمة والمأساة التي يعيشها الإنسان وسط
    المسرح الذي يدور فيه القتل والتدمير قي لبنان و الشعب الفلسطيني والإنسان العربي
    والمنطقة بأسرها لا تبدو فيه سوى نذر السوء والتشاؤم، وأسوأ الاحتمالات إلا أنني
    بحكم عملي في مجال الطب النفسي أستطيع ملاحظة بعض الإيجابيات التي ظهرت كبقع من
    الضوء الخافت الذي يمكن رؤيته وسط هذا الواقع المظلم، وبعيداً عن السياسة أو الأمور
    العسكرية التي لا أفهم في تفاصيلها شيئاً فإنني أرى هذه الإيجابيات في بعض النقاط
    التي يجب أن تكون موضع تركيز لكل من يحاول التحليل الدقيق للوضع الحالي، ومنها:

    - رغم أن أهم الأهداف النفسية للتحرك العسكري الإسرائيلي كان إثارة الرعب والخوف
    لدى الجانب العربي واللبناني و الفلسطيني فإن ما حدث على مدى الفترة الماضية نتيجة
    للرد بأسلوب المقاومة وتوجيه الضربات دون خوف أو استسلام كان إعادة تصدير الهلع إلى
    إسرائيل، ونلاحظ أن انتقاد الشعور بالأمن له تأثير نفسي هائل على الجانب الإسرائيلي
    أكثر من جانب المقاومة.

    - من المكاسب الرائعة التي تحققت بوضوح كسر المقاومة لحاجز الخوف من إسرائيل، ودليل
    ذلك هو تحويل الإحباط إلى مقاومة تتسم بالجرأة في صورة شباب مقاتل يقدم دون تردد
    على الشهادة، أو يتحدى جندياً مسلحاً، لا يخشى دبابة أو قصف جوي، ويؤكد ذلك أن
    العقيدة أقوى من أي سلاح.

    - من الغريب أن أحد نتائج الخسائر البشرية من الشهداء أو الجرحى في الجانب اللبناني
    وقبل ذلك الجانب الفلسطيني والخسائر المادية من تدمير للمنازل والممتلكات والمرافق
    كان ارتفاع الروح المعنوية، والتماسك، وتقوية دوافع المقاومة، واستبعاد خيارات
    الخضوع والاستسلام، وابتكار أساليب جديدة للعمليات، ولاختراق العدو بضربات تسبب له
    أكبر قدر من الألم والرعب.

    عندما نرصد رد الفعل الذي أثارته الأحداث المأساوية ومشاهد الأزمة لدى الناس في
    العالم العربي والإسلامي وبقية أنحاء العالم، حيث بدت معالم هذه المأساة من خلال
    المشاهد التي تابعها العالم على مدى الأيام الماضية ونذكر منها:

     المشاهد القاسية للعدوان وما يسببه من خسائر بشرية وقتل وتحطيم للممتلكات من جانب
    قوة تتصرف وكأنها فوق القانون ولا تفهم إلا لغة واحدة هي فرض القوة، مع شعور بأنه
    لا يوجد في العالم من يستطيع التصدي لهذا العنف أو يوقفه.

     تسير وتيرة العنف من الجانب الإسرائيلي بصورة متصاعدة ورد مبالغ فيه على أي
    محاولة للمقاومة، ويشبه ذلك الجرائم المركبة مثل اللص الذي يسرق ثم يقتل ويقاوم
    الشرطة، حيث تبدأ العمليات بقصف أو غارات أو محاولات اجتياح ثم حصار ثم مزيد من
    القتل العشوائي للأبرياء..أو التدمير الهائل للمنازل والمرافق باستخدام كل الأسلحة
    غير المشروعة لإسكات المقاومة.. ويطلق على ذلك "الهروب إلى الأمام" أي إلى مزيد من
    العنف الوحشي، حتى أنه تم تشبيه ما يفعله جيش الاحتلال في لبنان وقبل ذلك في غزة
    وغيرها من المدن الفلسطينية بفيل دخل إلى محل للزجاج أو السيراميك وحطم محتوياته.

     في المشاهد الحالية من الجانب اللبناني والفلسطيني مقاومة عنيدة بإرادة أسقطت
    حواجز اليأس والخوف، وخلفية ذلك إقبال بلا تردد على الشهادة من جانب المقاومة وكل
    الفئات والقيادات التي وحدتها الأزمة بشكل غير مسبوق، ومن وجهة النظر النفسية فإن
    للمستغني عن حياته والمستعد للتضحية بها يمثل قوة غير محدودة يمكن أن تكون عامل
    توازن مع قوة السلاح الهائلة التي يملكها يمتلكها المعتدون ومن يقف معهم.

     المشهد العربي – العام غير الرسمي- بين تعبيرات الغضب والانفعال في صورة مظاهرات
    وخطابات وكتابات واجتماعات وتغطية إعلامية، وبين شعور لا يخفي على أحد بالسخط
    والإحباط العام، لكنه في النهاية يحمل بعض الإشارات الإيجابية في صورة اتفاق في
    الشعور العربي يرفض الواقع الراهن ويصل إلى حد الإجماع تقريباً لم يحدث منذ وقت
    طويل

     المشهد الإنساني للأزمة حرك مشاعر الناس في أنحاء مختلفة من العالم، ودليل ذلك أن
    أحداث هذا العدوان والمشاهد المأساوية للحرب جعلت الكثير من الجهات لا تستمر في
    موقف المتفرج، وعادة ما يتجه الناس إلى تجاهل الأحداث الأليمة بعد وقت قصير لكن
    صدمة مشاهد الأحدث دون قيود للغة أو الجغرافيا فكان التأثير الإنساني لها واسع
    الامتداد.

    وأعتقد أن مجرد متابعة نشرات الأخبار اليومية حالياً بما تتضمن من أحداث واقعية على
    أرض فلسطين يكفي لإثارة مشاعر اليأس والإحباط والاكتئاب الجماعي لدى قطاعات كبيرة
    من الناس، وهنا نذكر بعض الخطوات العملية التي يمكن أن تخفف علينا الآثار النفسية
    للأزمة، ومن أمثلتها:

    - الاستمرار في حالة الوعي والانتباه واليقظة لدى كل قطاعات المجتمعات العربية
    وخاصة الشباب الذين اعتادوا على الغياب عن المواقف الوطنية لفترات طويلة، ويمكن
    اعتبار الانشغال بهذه الأزمة بداية للتخلي عن الاستهتار واللامبالاة، والانصراف إلي
    اللهو والاستهتار والحياة بلا هدف... إلى المواقف الإيجابية الجادة لتغيير واسع
    يشمل كل نواحي الحياة.

    - لتكن الأزمة الحالية بداية لأسلوب عربي جديد للتفكير فيما يدور حولنا من أحداث،
    والفهم الجيد لما يصادفنا من أزمات، والتشخيص الواعي لها حتى يمكن معالجتها بصورة
    ملائمة، وهذا هو أسلوب الذين سبقونا في التقدم العلمي والحضاري، وأصبح علينا أن
    نلحق بهم، ولا نسمح لهم بالسيادة المطلقة علينا والتحكم في مقدراتنا كما هو الحال
    الآن.

    - لا داعي لليأس القاتل والإحباط الجماعي الذي يمنع الناس من القيام بأية خطوات
    إيجابية، فهناك الكثير من البدائل لا تزال ممكنة أهمها رفض هذا الواقع، والتخلص من
    الخوف الذي تحاول الحروب النفسية للأعداء أن تبثه في نفوسنا برسالة غير مباشرة
    مضمونها هو أنه "لا طاقة لنا بالعدو وجنوده"، أو أن هناك قوة عظمى تحكم العالم ويجب
    التسليم والاستسلام لها لتفعل ما تريد.

    - ولا بد يل عن تبني بعض الأفكار على المستوى الفردي والجماعي تسهم في مقاومة مشاعر
    اليأس والانكسار التي تعتبر – من وجهة النظر النفسية – أقوى أثراً من كل جوانب
    الأزمة الأخرى بما فيها الخسائر في الأرواح والممتلكات، وأرى أن المنظور الإسلامي
    في هذه المواقف يتفق تماماً مع الصحة النفسية، فالإيمان القوي والعودة إلى الله،
    وما تتضمنه تعاليم الدين الإسلامي من تعظيم قيمة الصبر، والإشارات الأخرى التي وردت
    في آيات القران الكريم مثل قوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن
    كنتم مؤمنين" من شأنه أن يضمن الاحتفاظ بحالة معنوية عالية مهما كانت تداعيات
    الأزمة ومضاعفاتها.

    وبعد ذلك فإنني أتوجه إلى نفسي أولاً ثم إلى إخواني العرب والمسلمين وإخوان
    الإنسانية في كل مكان من الذين فجعتهم المشاهد المأساوية التي شهدتها لبنان و
    فلسطين مؤخراً بأن يتجاوزوا صدمة هذا الواقع الأليم، وأقول لهم مرة أخرى: "لا
    تبتئسوا"، فمن خلال مثل هذه الأزمات والمواقف الأليمة يأتي الانفراج بأوضاع جديدة
    تعد بأمل في حياة أفضل، وفيها تعويض عن كل صعوبات الواقع الراهن.
     
     
     
     

    585


     

       
       
       
       أ.د. قاسم حسين صالح .
     
     
     

    يعرف هذا النوع من الاضطرابات بأنه (( اضطراب نفسي تنفصل فيه أفكار الفرد ومشاعره
    وذكرياته عن وعيه أو درايته )) . بمعنى أن العقل الواعي للفرد يفشل في الوصول إلى
    أفكاره ومشاعره .
    وتعرف أيضا بأنها (( صنف من الحالات تتضمن تغيرات معرفية مفاجئة في الذاكرة
    والإدراك والهوية )). بمعنى أنها تتضمن اكثر من اضطراب لكل منها أعراضه التشخيصية .


    هذا يعني أن الاضطرابات الانشطارية ( التفككية ) تأتي على أكثر من حال أو وصف أو
    صورة ، وأنها ذات طبيعة نفسية ، وأنها تحدث خللا انشطاريا أو تفككا في نشاط محدد
    لدى الإنسان هو عملياته العقلية المتمثلة بالذاكرة والإدراك والهوية وما يرتبط بها
    .
    والواقع أن كثيرين منا خبروا أحيانا هذا النوع من الاضطرابات ولكن بشكلها الخفيف .
    فأحلام اليقظة هي خبرة انشطارية ، ذلك أننا عندما نستغرق في هذه الأحلام فإننا نفقد
    وعينا فلا نعود شاعرين بأين نحن وبما يدور من حولنا .


    وغالبا ما يكون هذا النوع من الاضطرابات شائعا في حالات الحرمان من النوم أو التعرض
    لضغوط نفسية ، مثل الحالات التي يتعرض لها الطلبة في أثناء امتحانات مهمة أو مصيرية
    ، حتى أن بعضا منهم يشعر كما لو أن ( روحه ) صارت تطوف خارج جسمه . غير أن هذه
    الاضطرابات بحالتها المرضية تتضمن قلقا أو صراعا حادا بحيث إن جزءا من شخصية الفرد
    ينفصل عن وظيفتها الواعية ، ويعيش المصاب بها خبرة التغير الوقتي أو المستمر في
    الوعي أو الشعور الذي يتضمن فقدانا للهوية الشخصية ، وتناقضا في الرواية بما يدور
    من حوله ، فضلا عن حرمانات جسدية شاذة أو غريبة .


    أنواع الاضطرابات الانشطارية ( التفككية )
    تضم هذه الاضطرابات أربعة أنواع هي :
    اضطراب الهوية الانشطاري .
    اضطراب الهيام النفسي .
    اضطراب فقدان الذاكرة .
    اضطراب اللاشخصانية او الإحساس باللاانية أو تبدد الشخصية .
    وفيما يأتي تعريف وعرض مركز لها .


    1- اضطراب الهوية الانشطاري (Dissociative Identity Disorder “ DID " ) . الصفة او
    العرض الرئيس في هذا الاضطراب هو أن الفرد يعيش بشخصيتين أو أكثر ، وان هذه
    الشخصيات قد تكون على دراية ببعضها البعض أو قد تكون في حالة فقدان الذاكرة النفسي
    .
    كان هذا الاضطراب يعرف في السابق بتعدد الشخصية Multiple Personality . والفرد في
    هذا النوع من الاضطراب ، يملك في الأقل هويتين أو شخصيتين مميزتين ( وقد يصل العدد
    الى العشرات والمئات ! ) لكل واحدة أسلوبها الخاص بها في السلوك والإدراك والتفكير
    والتاريخ الشخصي وبالصورة التي تحملها عن ذاتها ، و تعابير الوجه والتحديق ، وطريقة
    الكلام ، وعلاقاتها بالآخرين، وقد تكون بعمر مختلف ، وجنس أو نوع مختلف Gender وحتى
    باستجابات فسيولوجية مختلفة .


    وللإيضاح فان ما يحدث في هذا الاضطراب ( الفانتازي ) ، الذي ما يزال يثير الجدل
    ويرى فيه البعض انه نوع من التمثيل أو التزييف يقوم به من يرتكب عملا يخالف القانون
    ليتخلص من المسائلة ، أن الشخصية الأصلية أو المضيفة (Host ) يحل أو ينزل عندها
    ضيوف هي الشخصيات البديلة ( Alters ) . فإذا كانت هنالك شخصيتان في الفرد ( الأصلية
    والضيفة ) فأنهما تتناوبان السيطرة . والمثال الكلاسيكي على ذلك هو رواية ستيفنسن
    الموسومة : ( دكتور جاكيل ومستر هايد ) " المحولة إلى فلم سينمائي " حيث يمارس
    الدكتور جايكل في النهار عمله الاعتيادي كطبيب ، فيما يتحول في الليل إلى مجرم سفاح
    باسم هايد .
    واللافت أن الشخصيات البديلة غالبا ما تكون على ثلاثة أنواع :


    الأول يظهر عند الأطفال وتأخذ الشخصية البديلة هنا دور الأخ الأكبر أو الأخت الكبرى
    التي تقوم بمهمة حماية الشخصية الأصلية من الصدمات Traumas . وعندما تكون الشخصية
    البديلة للطفل هي المسيطرة او خارج سيطرة سلوك الفرد ، فان الأخ الأكبر او الأخت
    الكبرى يتكلم ويتصرف بطريقة مشابهة لسلوك الطفل .
    والنوع الثاني هو الشخصية الاضطهادية Persecutor Personality . إذ تقوم الشخصية أو
    الشخصيات البديلة بإيقاع الأذى أو العقوبة بالشخصيات الأخرى ، سواء بالحرق أو
    الإيذاء الجسدي ، وحتى محاولات الانتحار . وقد تقوم بأعمال أخطر مثل القفز أمام
    شاحنة ثم العودة الى الرصيف ، وكأنها بهذه العملية الدرامية تريد إيذاء الشخصية
    الأصلية أو التخلص منها دون إيقاع الأذى بنفسها . فاعتقاد الشخصية المضطهدة هو أنها
    تستطيع أن تؤذي الشخصية الأصلية من دون أن تؤذي نفسها ، وهو اعتقاد خاطئ بالطبع ،
    لأن كلا الشخصيتين هما في شخص واحد.
    أما النوع الثالث فيأخذ نمط الشخصية المساعدة Helper Personality ، تكون وظيفتها هي
    تقديم النصيحة للشخصيات الأخرى ، أو تقوم بالأعمال التي لا تستطيع الشخصية الأصلية
    إنجازها .
    النظريات المفسرة للاضطراب


    يتفق معظم المنظرين الذين درسوا اضطراب الهوية الانشطاري(( DID)) على أنه ناجم عن
    أحداث صادمة : ( اعتداء جنسي ، أو إيذاء جسدي ، أو ضغط انفعالي) وقعت للفرد خلال
    مرحلة الطفولة ، في حالة يكون فيها (الطفل) عاجزا أو مسلوب الإرادة أو غير قادر على
    الهرب منها . والتفسير الرئيس لهذا الاضطراب يركز في الأحداث المزعجة أو تلك التي
    لا يمكن تحملها التي يتعرض لها الفرد في مرحلة الطفولة وتؤثر في نمو أو تطور مفهوم
    الذات لديه . فمعظم الأطفال يطورون الإحساس بالذات من خلال التفاعل مع الوالدين
    والأقران ، ويعملون على استمرارية هذا الإحساس عبر الزمن . غير أن المصابين باضطراب
    الهوية الانشطاري يفشلون في تطور وتكامل واستمرارية الإحساس بالذات . ويفيد
    المعالجون لهذا الاضطراب بأن معظم المصابين به أفادوا بأنهم كانوا في طفولتهم ضحايا
    اعتداء جنسي أو جسدي.
    والسؤال الذي يثار هنا هو : وما الرابط بين الصدمة في الطفولة وانشطار الهوية ؟
    والجواب : إن تلك الصدمة ربما تدفع بالطفل إلى (أنا بديلة ) كوسيلة للهرب ( في حالة
    فنتازيا) من الواقع اليومي . ويتعلم – من خلال دخوله حالة الانشطار، كما لو كان
    منوما مغناطيسيا ، وغارقا في الخيال (فنتازيا) – الأفكار التي يشعر من خلالها بأنه
    شخص آخر.


    وهنالك من يرى أن المصابين بهذا الاضطراب يميلون إلى أن يكونوا من النوع الذي
    يستجيب للإيحاء بسهولة ، وأنهم ربما يستعملون التنويم الذاتي self-hypnosis بوصفه
    وسيلة للهروب من أحداث صادمة تعرضوا لها . وهم بخلقهم شخصية أو شخصيات أخرى بديلة ،
    فذلك لغرض مساعدتهم على التعامل مع هذه الصدمات . وعلى وفق هذا التفسير تكون
    العملية واعية ، بوصفها إستراتيجية يبتكرها الفرد للتعامل مع الصدمات النفسية بما
    يجعله يشعر بالأمن ، لأنه ((يكون)) شخصية أخرى وليس الشخصية المستهدفة.


    وهنالك بعض الأدلة التي تفيد بأن هذا الاضطراب يكاد يكون محددا بأسر معينة من خلال
    دراسات أجريت على التوائم ، مما يشير إلى أن النزعة نحو التفكك أو الانشطار ، بوصفه
    وسيلة دفاعية ، ربما يكون له أساس وراثي .
    أما علاج هذا الاضطراب فيكون باعتماد العلاج النفسي Psychotherapy ، والتنويم
    الإيحائي Hypnosos للكشف عن وظائف الشخصيات البديلة والعمل على إعادة تكاملها مع
    الشخصية الأصلية . فضلا على استعمال مضادات الاكتئاب والقلق.


    2. اضطراب فقدان الذاكرة الانشطاري Dissociative Amnesia


    في هذا الاضطراب ، الذي كان يسمى سابقا (فقدان الذاكرة النفسي Psychogenic Amnesia
    ) ، يكون الفرد غير قادر على تذكر خبرات ومعلومات شخصية مهمة مرتبطة عادة بصدمة
    نفسية أو أحداث ضاغطة جدا .
    هذا يعني أن سبب هذا الاضطراب لا يعزى إلى خلل عضوي في الدماغ ، أو ضرر أصابه ، أو
    إلى تناول أدوية أو مخدرات ، ولا إلى ما اعتدنا تسميته بالنسيان . فما يحدث للفرد
    المصاب به هو وجود فجوة أو سلسلة من الفجوات في ذاكرته بخصوص أحداث سابقة مزعجة أو
    مقلقة .
    ولهذا الاضطراب أربعة أنواع ، كل واحد منها يرتبط بطبيعة الفقدان الذي يصيب الذاكرة
    . وأكثر هذه الأنواع شيوعا هو ( فقدان الذاكرة الموضعي ) ، وفيه ينسى الفرد كل
    الأحداث التي حصلت له خلال فاصل زمني محدد ، غالبا ما يكون هذا الفاصل بعد حدث ضاغط
    جدا ومباشر مثل التعرض إلى حادث سيارة ، أو حريق أو كارثة طبيعية ، كالمد البحري
    والزلازل المدمرة التي اجتاحت بلدان جنوب شرق آسيا في نهاية عام 2004 ومطلع عام
    2005 .


    والنوع الثاني هو : (فقدان الذاكرة الانتقائي ) وفيه يفشل الفرد في تذكر بعض وليس
    كل التفاصيل المتعلقة بالأحداث التي وقعت خلال مدة زمنية معينة . فالذي نجا من حريق
    ، قد يتذكر سيارة الإسعاف التي نقلته إلى المستشفى ، ولكنه لا يتذكر رجل الإطفاء
    الذي أنقذه .


    والنوع الثالث هو : ( فقدان الذاكرة العام) وفيه لا يتذكر الفرد أي شيء بخصوص حياته
    .


    أما النوع الرابع فهو : ( فقدان الذاكرة المستمر ) وفيه لا يستطيع الفرد تذكر
    أحداث، بدءا من تاريخ أو زمن محدد إلى اللحظة التي هو فيها الآن . فالجندي مثلا قد
    يتذكر طفولته وشبابه إلى اللحظة التي دخل فيها الخدمة العسكرية ، ومنها ينسى كل شيء
    حدث له بعد اشتراكه بأول معركة حربية .
    وينبغي الانتباه إلى أن بعض الأفراد قد يعمد إلى التظاهر بأنه مصاب بهذا الاضطراب ،
    سعيا منه للحصول على منفعة خاصة ، أو التخلص من مسؤولية ، لا سيما في مجال الجريمة
    . وقد يلتبس الأمر على المحكمة وحتى على الاختصاصيين النفسيين ، كما حدث في حالة أم
    قتلت وليدها في يوم ولادته . أو كما ادعت (Lorena Bobbit) بأنها كانت في حالة
    (Amnesia) عندما قطعت العضو الذكري لزوجها ! .


    3.اضطراب الهيام الانشطاري Dissociative Fugue


    في هذا الاضطراب الذي كان يسمى في السابق (الهروب أو الهيام النفسي ) ، يغادر الفرد
    بيته فجأة في سفر أو ترحال ليس له هدف ، ولا يعود قادرا على تذكر هويته الشخصية
    وتاريخه الحياتي . وقد يتخذ لنفسه هوية جديدة . وفي هذه الحالة تكون الشخصية
    الجديدة ( البديلة ) اكثر حركة وانطلاقا من الشخصية الأصلية للفرد . ويقوم بابتكار
    أسم جديد له ، وقد ينجح في الحصول على عمل جديد ومكان جديد للعيش ، يتعامل فيه مع
    الآخرين بشكل طبيعي ، ويبدو للذين لا يعرفون حقيقة أمره إنسانا عاديا مثلهم .


    وهذا النوع من الاضطرابات يكون نادرا ، وغالبا ما يحدث في أوقات أو ظروف معينة
    كالحرب والكوارث الطبيعية . غير أنه يحدث أحيانا عندما يتعرض الفرد الى أزمات أو
    ضغوط حادة من قبيل مشكلة مالية كبيرة ، أو الهرب من عقوبة ، أو التعرض الى خبرة
    صادمة . واللافت في حالة الهرب أو الهيام هذه أنها إذا انتهت فأن الفرد لا يتذكر ما
    حدث له في أثنائها .


    4. اضطراب اللاآنية أو اللاشخصية أو تبدد الشخصيةDepersonalization


    في هذا الاضطراب تحدث للفرد حالات أو خبرات متكررة من الشعور بالانفصال عن جسمه
    وعملياته العقلية ، ويكون كما لو أنه خارج جسمه يتفرج على نفسه ! أو أنه في حالة
    غربة عن الواقع بسبب تبدل إدراكه للواقع.
    ومثل هذه الخبرات يمكن أن تحدث للناس العاديين عندما يواجهون ضغوطا نفسية شديدة ،
    أو يحرمون من النوم ، أو يتناولون أدوية أو مخدرات معينه مثل (LSD ) والحشيشة ،
    فتبدو لهم الحياة كما لو كانت مسرحا يتبادل عليه الناس تمثيل الأدوار .


    واللافت ، أن المصاب بهذا الاضطراب يشعر كما لو أنه ليس حقيقة ، أو غير موجود ، أو
    أن جسمه تغير في الشكل أو في الحجم ، أو أنه صار مسيطرا عليه من قوى خارجية ، أو
    أنه صار أشبه بالإنسان الآلي . وفي الوقت نفسه يدرك بأنه ليس إنسانا آليا بل أن شيء
    ما غريبا حدث له في جسمه وعقله . ومع أنه يدرك بأن هنالك شيء ما خطأ فيه ، فأن
    درايته هذه بحالته تشكل له مصدرا إضافيا لمعاناته ، تضطره الى أن يتحاشى البوح بما
    أصابه للآخرين ، خوفا من أن يقول عه الآخرون أنه صار( مجنونا ).
    وغالبا ما تكون بداية الإصابة بهذا الاضطراب في المراهقة أو بداية الرشد . ويميل
    الاضطراب الى أن يكون مزمنا ، مع خفوت أحيانا أو استثارة يقدح زنادها تعرض الفرد
    إلى قلق أو ضغوط نفسية .
     
     
     


    صفحات:
  • 1
  • ...
  • 37
  • 38
  • 39
  • 40