عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - أمير المدري

صفحات:
  • 1
  • 2
  • 1
    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا عزّ إلا في طاعته، ولا سعادة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في ذكره، نسأله الرضا بعد القضاء، والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، والقناعة بما قسم لنا، وأُصلي وأُسلم على محمد المصطفى، والرسول المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

    وبعد...
    فإن طرق الوصول إلى الله تعالى كثيرة كما قيل :( الطرق إلى الحق بعدد أنفاس الخلق)، والعبد يبحث عن أقربها وصولا، وأسرعها إلى رضاه سبحانه، ومن هذه الطرق أعمال القلوب، فهي أفضل من أعمال الجوارح، ومن أجلّ أعمال القلوب وأسرعها وصولاً إلى البارئ سبحانه: الرضا.
    إنه مصباحٌ  يُضيء لك السعادة ما حييت، بل هو نسائم تهبّ على قلبك؛ فتملأه سكينةً وسروراً وراحة.
    الرضا "أعلى درجات التوكل، وباب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين".[ مدارج السّالكين، ج2، ص172].
    الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين.
    الرضا تلك العبادة القلبية التي نحن أحوج إليها؛ لعظم البلاء والمصائب الّتي حلت بنا، فكلّ يومٍ نسمع من الأنباء والأخبار ما تقشعرّ له الأبدان، وتشيب لأجله  رّؤوس الولدان.
    الراحة هي الهدف التي نسعى إليها في الدنيا، والسعادة هي الغاية المأمولة من الحياة بأسرها، والرضا هو السبيل إليهما معًا..
    الرضا عبادةٌ عظيمة، ورزقٌ لا يُدركه إلا من أسلمَ قلبه بالكلية لله تعالى، وأصبح موقنا أن ما يأتيه من الله ـ إن كرهه وإن أحبه ـ.
    الرضا نعمة روحية جزيلة هيهات أن يصل إليها جاحد بالله، أوشاك فيه، أو مرتاب في جزاء الآخرة، إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله، وحسن اتصاله به.
    تعريف الرضا:
     جاء في تعريف الرضا بالقضاء أقوالٌ كثيرة، منها: «الرضا: ارتفاع الجزع في أي حُكمٍ كان» [مدارج السالكين 2/177 ] .
    وقيل: «سكون القلب تحت مجاري الأحكام» [المرجع السابق نفس الصفحة ] .
    وقال آخر الرضا: «سرور القلب بمُر القضاء»[التعريفات للجرجاني 2/148، وانظر: التعاريف للمناوي 2/366 ].
    وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «الرضا: أن لا تُرضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحداً على رزق الله، ولا تلم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط» [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان للبيهقي 1/222، هكذا من قول ابن مسعود، وفي الأربعين الصغرى عنه مرفوعاً (2/99)] .
    وقيل: الرضا: «ألاّ يتمنى العبد خلاف حاله» [الرضا لابن أبي الدنيا ص 34] .
      ومما سبق من هذه الأقوال جميعاً، وبما يوافق نصوص كتاب الله، وسنة رسوله يمكن تعريف الرضا بأنه : «التسليم بالقضاء، والقناعة بما قسم، قل أو كثر، والسكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك الندم أو الحسرة أو الحزن على ما فات من رزق، وعدم التسخط، أو الاعتراض على ما وقع من قضاء الله، وحب أمر الله، والعمل به، وترك معاصيه، واجتنابها، والغنى عما في أيدي الناس، واليقين بأن الله المعطي، المانع وحده لا شريك له».
    وكُن راضياً لا تسخطن لشدةٍ  ‍
    إذا المرء لم يرض بما ربه وهب  ‍
    فكُن راضياً تُرضي الإله بأمره  ‍

         كما الشوك لا يُعطي الرحيقَ ولا العنب
      فلن يُغنه مالٌ وإن زاد ما كسب
      فدرب الرضا نورٌ ونبت الرضا ذهب

    الرضا يتحقق بثلاث:
    يذكر ابن القيِّم رحمه الله تعالى، أنَّ الرِّضا عن الله تعالى يتحقَّق بثلاثة أمور: «باستواء الحالات عند العَبد، وسقوطِ الخصومة مع الخَلق، والخلاص من المسألة والإلحاح...؛ فإنَّ الرِّضا الموافق تستَوي عنده الحالات - من النِّعمة والبليَّة - في رِضاه بحسنِ اختيار الله له»  [مدارج السالكين، ج2، ص198 - 199].
    منزلة الرضا: في القرآن والسنة:
    لقد أثنى المولى -جل وعلا- على أهل الرضا في مواطن كثيرة وندبهم إليه، وجعله من صفات أهل الإيمان فهم يسعون لنيل رضا ربهم في كل عملٍ صالح يقْدمون عليه قال -تبارك وتعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]. 
    ورضا المولى جل وعلا هو أقصى ما يمتناه أهل الإيمان؛ فقد قال سبحانه وتعالى عن سليمان عليه السلام وقد أُعطي من الملك ما أُعطي: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
    ومنزلة الرضا منزلة عظيمة جعلها المولى -جل وعلا- فوق جنات عدن فقال -عز وجل-: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:72 ].
    وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في صلاته أن يعطيه الله الرضا بعد القضاء، كما في حديث عمار ابن ياسر - رضي الله عنه -: «وأسألك الرضا بعد القضاء» [أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ... ، باب ما جاء في الصبر على البلاء، وقال :{ وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه } ، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، وقال الألباني : حسن ] .
    وجاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وحسّنه الألباني عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «....إن الله - تعالى - إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط».
    الرضا يذوق معه المؤمن طعم الإيمان وحلاوته، وهو أيضا علامة على صحة الإيمان؛ ومصداق ذلك ما جاء عن العباس بن عبد المطلب-رضي الله عنه- في الحديث الصحيح من قوله- صلى الله عليه وسلم-: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا ». [أخرجه مسلم: 1/ 62، برقم: 34 ].
    وجاء في شرح النووي على مسلم: "معنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلُصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه ".    [شرح النووي على مسلم: 2/ 2 ].
    و الرضا يكون سبباً من أسباب غفران الذنوب فقد جاء في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا غُفر له ذنبه» [أخرجه مسلم: 1/ 290، برقم: 386.].
    والرضا بما عند الله تعالى يكفيك ما عند الناس، فعلى المسلم أن يلتمس رضى المولى جل وعلا تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  «من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس»  [أخرجه الترمذي: 4/ 609، برقم: 2414، وصحيح ابن حبان: 1/ 510، برقم: 276، وقال الألباني: صحيح لغيرة، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 271، برقم: 2250 ].
    أقسام الرضا:
    الرضا ثلاثة أقسام: رضا العوام بما قسمه الله وأعطاه، ورضا الخواص بما قدّره وقضاه، ورضا خواص الخواص الرضا به سبحانه بدلاً من كل ما سواه.
    وقال محمد بن خفيف: الرضا على قسمين: رضا به، ورضاه عنه؛ فالرضا به أن يرضاه مدبراً، والرضا عنه فيما يقضى[الرسالة القشيرية 2/424 ].
    ولما سُئل أحدهم عن الرضا قال: «الرضا بالحق، والرضا عن الحق، والرضا له:الرضا به: مدبراً ومختاراً، والرضا عنه: قاسماً ومعطياً، والرضا له: إلهاً ورباً» [شعب الإيمان للبيهقي 1/228 ].
    وقد تضمن الحديث السابق الذكر «ذاق طعم الإيمان... » أربعة أنواع من الرضا: الرضا بربوبيته سبحانه، وألوهيته، والرضا برسوله، والانقياد له، والرضا بدينه، والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة : فهو الصديق حقا .
     فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده ، وخوفه ، ورجائه ، والإنابة إليه ، والتبتل إليه ، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه . فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا . وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له .
    والرضا بربوبيته : يتضمن الرضا بتدبيره لعبده . ويتضمن إفراده بالتوكل عليه . والاستعانة به ، والثقة به ، والاعتماد عليه . وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به .
    فالأول : يتضمن رضاه بما يؤمر به . والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه .
    وأما الرضا بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له . والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه .
    وأما الرضا بدينه : فإذا قال، أو حكم ، أو أمر ، أو نهى : رضي كل الرضا . ولم يبق في قلبه حرج من حكمه . وسلم له تسليما.
      الفرق بين الرضا والصبر:
    الصَّبر: كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخط مع وجود الألم، وتمنِّي زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.
    والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمنِّي زوال ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسُ بالألم.
      ثمرات الرضا بالقضاء والقدر:
    كم من غني لم يفارق الشقاء جبينه، ولم يجد في ماله طعم الغنى الحقيقي، كم من صاحب جاهٍ ومنزلةٍ رفيعة لم يذق طعم الأنس والاستقرار، وكم من صاحب أهلٍ وولدٍ يتقلّب على رمضاءِ الحُزن والقلق والاضطراب النفسي وعدم الرضا بالحال، بينما نجد شخصاً لم يحظ بشيء من ذلكم البتة، لكنه يحمل صدراً واسعا، ويرفل في سعادة غامرة ، ما السبب في هذا التفاوت؟ إنها نعمة الرضا.
     منْ ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ اللهُ صدرهُ غِنىً وأمْناً وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبَّتِه والإنابِة إليه، والتَّوكُّلِ عليه . ومنْ فاته حظُّه من الرِّضا، امتلأ قلبُه بضدِّ ذلك، واشتغل عمَّا فيه سعادتُه وفلاحُه .فالرِّضا يُفرِّغُ القلب للهِ، والسخطُ يفرِّغُ القلب من اللهِ، ولا عيش لساخِطٍ، ولا قرار لناقِمٍ، فهو في أمر مريجٍ، يرى أنَّ رزقهُ ناقصٌ، وحظَّهُ باخِسٌ، وعطيَّتهُ زهيدةٌ، ومصائبهُ جمَّةٌ، فيرى أنه يستحقّ أكْثر منْ هذا، وأرفع وأجلَّ، لكنّ ربَّه – في نظرِهِ – بخسهُ وحَرَمَه ومنعَهُ وابتلاه ، وأضناهُ وأرهَقَه ، فكيف يأنسُ وكيف يرتاح، وكيف يحيا ؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .[28 سورة محمد].
    الرضا ينزِل على قلب العبد سكينةً تُصلح أحواله وتهدّئ باله،  وتخبره أنّه هنيئاً لك بما أنت فيه مهما كان.
    الرضا سلاحٌ فتاك يقضي على الجشع والطمع والسخط في النفس، ليحل محلها رضاً وطمأنينة وتسليم.
     الرضا بالحال يجلب لصاحبه طمأنينة النفس وهدوء البال، ويشيع البهجة في حياته، فرحًا بكل قليل. أما السخط فما يزيد الإنسان إلا اضطرابًا دائمًا، وتمردًا وحقدًا وحسدًا، وكآبة وقد يصل إلى الجنون، أو الوسوسة، أو تعاطي المسكرات، على اختلاف مستوياتها، أو قتل النفس، أو الانتحار.
     الساخط مهما تعددت عنده الخيرات، فهو دائما يريد المزيد، بل ويشعر داخل نفسه أنه لا يملك إلا القليل. ما أن يُصاب بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر، قلقاً؛ فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي - وأكبر منها - لو وقعت لمن هو أقوى منه إيماناً ورضاً بالقضاء لم يلق لها بالاً، ولم تحرك منه نفساً، ولنام ملء جفونه رضيَّ البال، قرير العين، "والعبد إذا رَضِي عن ربِّه في جميع الحالات، استقرَّت قدمُه في مقام العبوديَّة، فلا يزيل التلوُّنَ عن العبد شيءٌ مثل الرِّضا"[مدارج السالكين ، ص 201].
    الرضا ثمرة من ثمار الشكر، فصاحب السخط لا يشكر، فهو يشعر أنه مغبونٌ وحقّه منقوصٌ وحظّه مبخوسٌ! لأنه يرى أنه لا نعمة له أصلًا! السخط نتيجة كفران المنعم والنعم! الرضا نتيجة شكران المنعم والنعم.
    الرضا يُخرجُ الهوى من القلبِ، فالراضي هواهُ تبعٌ لمرادِ ربِّه منه، أعني المراد الذي يحبُّه ربُّه ويرضاهُ، فلا يجتمعُ الرضا واتِّباعُ الهوى في القلبِ أبداً، وإنْ كان معهُ شُعبةٌ منْ هذا ، وشعبةٌ منْ هذا ، فهو للغالِب عليه منهما .
    يقول الشاعر: محمد مصطفى حمام :
    الـرِّضـا يـخفِّف أثقالي  ‍
    والـذي أُلـهـم الـرِّضا لا تراهُ  ‍
    أنـا راضٍ بـكـل مـا كتب الله  ‍
    أنـا راضٍ بـكل صِنفٍ من الناسِ  ‍
    فـالـرضا نعمةٌ من الله لم يسعـد  ‍

         ويُلقي على المآسي سُدولا
      أبـدَ الـدهـر حـاسداً أو عَذولا
      ومُـزْجٍ إلـيـه حَـمْـداً جَزيلا
      لـئـيـمـاً ألـفيتُه أو نبيلا
      بـهـا في العباد إلا القليلا


    رضاً برضا
    الرضا طريق إلى الفوز برضوان الله تعالى، فالرضا في الدنيا تحت مجارى الأحكام، يورث الرضوان في الآخرة بما جرت به الأقلام.
    يقول ابن القيم -رحمه الله-: "رِضاه عن ربِّه سبحانه وتعالى في جميع الحالات يُثمر رِضا ربِّه عنه؛ فإذا رَضِي عنه بالقليل من الرِّزق، رضي ربُّه عنه بالقليلِ من العمَل، وإذا رضِي عنه في جميعِ الحالات واستوَت عنده، وجَدَه أَسرع شيء إلى رِضاه إذا ترضَّاه وتملَّقه» [مدارج السالكين، ج2، ص200].
    الرضا يفرّغ القلب، يصفّي الذهن للعبادة. . فالراضي في صلاته خالٍ قلبُه من الوساوس. . في الطاعة غير مشتّت الذهن. . فيستفيد من العبادة. .
    كيف تكون راضياً:
    الراضي يعلم يقينًا بأنَّ منْعَ الله تعالى عنه أي شيء هو عينُ العطاء، لأنه لا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو خِيرٌ له.
    الراضي يعلم أن الخلق كلهم متساوون في العطاء والمنع، يُعطي شيء ويمنع شيء سبحانه، ولذلك ينظر إلى من هو أدنى منه في الدنيا، فيعود إلى الله شاكراً حامداً راضيا.
     الراضي كلام الناس  لن يؤذيَه نفسياً و لن يبالي مادام الله راضياً عنه.
    الراضي يعلم أن رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، ويدرك كذلك أن الله  حسبه وكافيه ورازقه ، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، والإجمال في اطلب، وترك التكالب على الدنيا، والتحرر من رق المخلوقين ، وقطع الطمع مما في   أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين ، وهذا أساس فلاحه ورأس نجاحه.
     الراضي تصبح الآلام والشدائد عنده لذائذَ؛ لأنَّه يتعامل مع الأقدار الإلهية بلُغةِ الحب والرضا، لا بلُغةِ الاختبار والتحدي.
    الراضي يبتعد عن الألفاظ التي تتضمَّن التسخط على الأقدار، يُكثر من الحمد والشكر و الاسترجاع: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .
     الراضي مع رضاه عن الله في حاله يعمل بالأسباب للارتقاء بحاله، والسعي نحو الكمالات في كل شيء.
    الراضي صلته بالله قوية، يزداد من الطاعات والقربات؛ فتبث داخله الرضا والطمأنينة والسعادة .
    الراضي يعلم أنه ﻣﺎ ﻣﻦ ﻣﺤﻨﺔ ﺗﺼﻴﺐ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﺇﻻ ﻭﺭﺍﺀﻫﺎ ﻣﻨﺤﺔ، ﻭﻣﺎ ﻣﻦ ﺷِﺪﺓ تقع ﺑﺎﻟﻤﺆﻣﻦ ﺇﻻ ﻭﺭﺍﺀﻫﺎ ﺷَﺪﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺻﻞ ﺩﺍﺭ ﺍﺑﺘﻼﺀ ﻻ ﺩﺍﺭ ﺍﺳﺘﻮﺍﺀ، ﻭﻣﻨﺰﻝ ﺗﺮﺡ ﻻ ﻣﻨﺰﻝ ﻓﺮﺡ، ﻓﻤﻦ ﻋﺮﻓﻬﺎ ﻟﻢ ﻳﻔﺮﺡ ﻟﺮﺧﺎﺀ ﻭﻟﻢ ﻳﺤﺰﻥ ﻟﺸﻘﺎﺀ، ﻷﻥ ﺍﻟﺮﺧﺎﺀ ﻣﺆﻗﺖ، ﻭﺍﻟﺸﻘﺎﺀ ﻣﺆﻗﺖ، ﻗﺪ ﺟﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺩﺍﺭ ﺑﻠﻮﻯ. ﻭﻳﻮﻡ ﺗﻮﻃّﻦ ﻧﻔﺴه ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺩﺍﺭ ﺍﺑﺘﻼﺀ ﻻ يفاجأ ﺑﺎﻻﺑﺘﻼﺀ  .
    قال ابن عجيبة في تفسيره :  "إذا عَلِمَ العبدُ أن الله كافٍ جميع عباده ، وثق بضمانه، فاستراح من تعبه ، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه، فيدخل جنة الرضا والتسليم، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم، فيكتفي بالله ، ويقنع بعلم الله، ويثق بضمانه".[البحر المديد 5/320].
    الراضي يكثر من قوله : «اللهمَّ إني أسألك نفسًا مطمئنةً تؤمِن بلقائك، وترضى بقضائك، وتَقنَع بعطائك»   
    أخي الكريم :
    كنْ عن همومك معرِضا  ‍
    أبشِرْ بخيرٍ عاجل  ‍
    فلرُبَّ أمرٍ مسخطٍ  ‍
    ولربَّما اتَّسَعَ المضيق  ‍
    اللهُ يفعل ما يشاء  ‍
    اللهُ عوَّدك الجميل  ‍

         وكِلِ الأمورَ إلى القَضَا
      تَنسى به ما قد مضَى
      لك في عواقبِه رضا
      وربما ضاق الفضا
      فلا تكنْ متعرِّضًا
      فقِسْ على ما قد مضى



    أخي الكريم: أحصي البركات والنعم التي أعطاها الله لك، وغيرك محروم منها، واكتبها واحدة واحدة، وستجد نفسك أكثر سعادة مما قبل.
    مشكلتنا أننا نرى المتاعب والنواقص عندنا فنتذمر ولا نرى البركات والنعم التي وهبنا الله إياها.
    قف وتأمل كم شخصاً تمنى لو أنه يملك مثل: سيارتك, بيتك, جوالك, شهادتك, وظيفتك. . إلخ؟
    كم من الناس. . . . . يمشون حفاة وأنت تقود سيارة؟ !
    كم من الناس. . . . . ينامون في الخلاء وأنت في بيتك؟ !
    كم شخص. . . . يتمنى فرصة للتعليم وأنت تملك شهادة؟ !
    كم عاطل. . عن العمل وأنت موظف؟
    كم. . وكم. . وكم. . وكم. . ؟ !
    ألم يحن الوقت لأن تقول: ربي إني راضٍ عنك فارض عني. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك. . اللهم لك الحمد حتى ترضى، و لك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. ! ! 
    أخي الكريم: احمد ربك وارض به: فعسى تأخيرك عن سفر ..خير،  وعسى حرمانك من زواج. . بركة، وعسى ردك عن وظيفة. . مصلحة،  وعسى حرمانك من طفل. . خير، وصدق الله القائل: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]. لأنه يعلم وأنت لا تعلم. . فلا تتضايق لأي شيء يحدث لك. . لأنه بإذن الـلـه. . خير. . .
    نحنُ بخير. . . . . مَا دُمنٱ نستطيع النوم، دُون مُسكنٱت، ولآ نَستيقظ عَلى صَوت جهاز طِبي مَوصُول بأجسادنا. . . الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه.
    عبد الله: لا تنظر إلَى الْخلف، فَفِيه مَاض يزعِجك! ولَا تنظر إلَى الْأمام، فَفِيه مُسْتقبل يُقلقك! لَكن انظر إلَى الأعلـِْى، ، فَهناك رَب يُسعدك.
    هل أنت راضٍ عن ربك؟ سؤال صعب أليس كذلك؟
    دعني أُعيد صياغة السؤال: هل تعرف ما معنى أن تكون راضٍ عن ربك؟
    الرضا عن الله:
    هو التسليم والرضا بكل ما قسمه الله لك في هذه الحياة الدنيا من خير أو شر.
    الرضا عن الله:
    يعني إذا أصابك بلاء امتلأ قلبك يقيناً أن ربك أراد بك خيراً بهذا البلاء.
    الرضا عن الله:
    يعني أن تتوقف عن الشكوى للبشر وتفوض أمرك لله وتبث له شكواك.
    الرضا عن الله:
    يعني أن ترضى عن ربك في كل أحوالك: إذا أعطاك وإذا منعك، وإذا أغناك وإذا أخذ منك، وإذا كنت في صحة وإذا مرضت.
    اعلم علم اليقين أن الله لا يبتليك إلا ليغفر ذنوبك أو ليرفع درجتك في الجنة، فارض عن ربك.
    كلما أزداد العبد معرفةً بالله، كلما ازداد طمأنينة لأقداره وقضاءه، فتسكن روحه تحت مجاري الأقدار. ولا يأتي عدم الرضا إلا من قلة المعرفة بالله .
    قال تعالى: ﴿ و َلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ. . . ﴾[يوسف:22]، العطايا والهبات الربانيّة، لا تأتيك في الوقت الذي تختاره أنت، بل في الوقت الذي يكون نفعُها أعظم لك فاصبر، و ثق بالله وأحسن ظنك به.
    ‏حين تخبر الله أنك رضيت بقدره. كن واثـقاً أنه سيرضيك بسعادة أكبر ذات يوم. 
    ويكتبُ اللهُ خيراً أنتَ تجهلـهُ  ‍
    ولو علمتَ مـرادَ اللهِ من عِـوضٍ  ‍
    فسلِّم الأمرَ للرَّحمـٰن وارضَ بـهِ  ‍

         وظاهرُ الأمرِ حرمانٌ من النِّعـمِ
      لقلتَ حمداً إلـٰهي واسعَ الكرمِ
      هو البصيرُ بحالِ العبدِ من ألمِ


    متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟
    قيل ليحيى بن معاذ- رحمه الله -: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: "إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول:  يارب إن أعطيتني قبلت. وإن منعتني رضيت. وإن تركتني عبدت. وإن دعوتني أجبت".
    ثلاثة من أعلام الرضا:
    قال ذو النون: ثلاثة من أعلام الرضا: "ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء. وهيجان الحب في حشو البلاء".
     متى يكون العبد راضياً؟
     سُئلت رابعة العدوية: متى يكون العبد راضياً؟ فقالت: إذا سرته المصيبة كما سرَّته النعمة.
    وصايا لتكون راضيا:
    1- اقنع بما قدَّره الله عزَّ وجلَّ لك، فإن كنت معافى في جسدك من الأمراض، وتعيش في أمانٍ دون خوف، وتملك قوت يومك فلا تبيت جوعان، وجب عليك -بهذه النعم الثلاث- أن تحمد الله حمد الراضين، ولتتذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ©من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا®[ رواه الترمذي وقال حديثٌ حسنٌ ].   
    2- أرح نفسك من الهم بعد التدبير: فالمؤمن الحقيقي لا يفرح بدنيا تصيبه ولا يحزن على فواتها، ولكنه يفرح بالطاعة وتحزنه المعصية. .
    3-  توقف عن المقارنة، وهذه طريقة أخرى يمكن أن تشعرك بالسعادة في حياتك، فيجب عليك التوقف عن التفكير في ضخامة منزل جارك، أو صديقك الذي لديه منصب كبير؛ لأنك لن تحصل على شيء إذا قارنت نفسك بالآخرين بدلاً من التفكير في حياتك.
    4- المال ليس كل شيء في الحياة، إن المال بالتأكيد سوف يغير حياتك من الخارج، ولكن لن يشعرك بالسعادة من الداخل. فيمكنك أن تقود أجمل سيارة، وتمتلك أرقى الملابس، أو تحصل على منزل كبير وفخم، ولكن على المدى الطويل، لن يغير ذلك الكثير أو يجعلك تشعر بالرضا عن حياتك، فمجرد أن تملك ما يكفي من المال لدفع تكاليف احتياجاتك الأساسية وبعض المتعة كفيل بأن يشعرك بالرضا والسعادة.
    5- تأمل في المكروبين، عليك أن تنظر لأحوال الآخرين خاصة المهمومين والمكروبين وأصحاب المصائب المختلفة، فمن تفكر في أحوال هؤلاء هان عليه كل ما هو فيه من مشاق.
    6- أكثر من التسبيح في كل وقت، ولا يهمك كلام الناس: تأمل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾[طه:130]
    نجومٌ على طريق الرضا:
    -تَمرُّ برجل فاقدٍ لبصره، تتعجَّب من ابتسامة تملأ وجْهَه، وعبارات الشُّكر والرضا يَلهج بها لسانُه، لا يشكو لأحدٍ ولا يَضْجَر من حاله، فتتعجَّب: كم منَّا مِن مُبصرٍ يشكو من الدنيا وهمومها وهو سليم يُبصر!
    - تزور مريضًا لازَمَ السَّرير، لَم يَلزمه يومًا أو شهرًا، بل سنوات، لا يتحرَّك منه شيء سوى رأْسٍ يحرِّكه يمنة ويسرة، ولسانٍ ذاكرٍ شاكر، وتَشعر بانشراح صدْره وتقَبُّله لمرضِه، فتتعجَّب: كم منَّا معافًى يتحرَّك ويذهب، ويغدو ويتنقَّل في كلِّ مكان، ومع ذلك يَمقُت حاله، ويشكو ظروفه!
    - عامل نظافة بسيط، تحت أشِعَّة الشمس الحارقة يُمارس عمله برضًا تامٍّ، ورَجل في سيَّارته المُكَيَّفة المُريحة، تَجده يشكو من الحرِّ وأشعة الشمس، فسبحان الله!
    - موظف بسيط، يأخذ راتبًا قليلاً، ولكنَّه مُنظَّم في نَفَقاته، ويَستهلك حسب حاجته، شاكرٌ لله، ويتصدَّق من ماله؛ يَبتغي وجْه الله، وآخَرُ راتبُه أعلى، ومَنصبه أكبر، يشكو من النفقات واستهلاك الأبناء، ودائمًا الشكوى معه أينما ذهَب.
    -لا تستغرب حين تسمع من قُطعت يداه ورجلاه مقعد الفراش يقول وهو يدعو ربه: © وعزتك لو أمرت الهوام فقسمتني مُضَغاً ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبراً ».
    -رجلٌ فاقدٌ للبصر والرجلين يقول بعد أن سمعه أحدهم وهو يحمد الله ويشكره: " والله لو أمر الله الأرض فخسفت بي، والجبال فدكتني، والبحار فأغرقتني ما ازددت له إلا شكراً لأنه أبقى لي لساني أذكره به واشكره".
    -عمران بن حصين - رضي الله عنه - وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي أُصيب بشللٍ أقعده تمامًا عن الحركة، ويستمر معه المرض مدة ثلاثين سنة، حتى أنَّهم نقبوا له في سريره حتى يقضى حاجته، فدخل عليه بعض الصحابة. . فلما رأوه بكوا، فنظر إليهم وقال:" أنتم تبكون، أما أنا فراضٍ. . أحبُّ ما أحبه الله، وأرضى بما ارتضاه الله، وأسعد بما اختاره الله، وأشهدكم أنِّي راضٍ".
    - عروة بن الزبير، توفى ابنه وفاةً غاية في الصعوبة إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطِعت قدم عروة في نفس يوم الوفاة، فاحتار الناس على أي شيءٍ يعزونه. . على فقد ابنه أم على قطع رجله؟ فدخلوا عليه، فقال: "اللهم لك الحمد، أعطيتني أربعة أعضاء. . أخذت واحدًا وتركت ثلاثة. . فلك الحمد؛ وكان لي سبعة أبناء. . أخذت واحدًا وأبقيت ستة. . فلك الحمد؛ لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت، أشهدكم أنِّى راضٍ عن ربي".
    -لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا وكان مجاب الدعوة قاله عبد الله بن السائب فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال أنت قارئ أهل مكة قلت نعم فذكر قصة قال في آخرها فقلت له يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال:" يا بني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري". [ إحياء علوم الدين: 4/350].
       أسئلة مهمة:
    -هل الرضا يتعارض  مع الدعاء؟ لا يتعارض؛ لأن الدعاء يُرضي الله و هو مما أمر الله به. .
    -هل الإنسان إذا دعا أن يزيل الله عنه مصيبةً لا يكون راضياً؟ ! ! الجواب: لا. . ليس هكذا. . لأن الله قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60].و قال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:16] يدعون ربهم يريدون نعماً و دفعَ نقمٍ. والدعاء لا يتعارض مع الرضا. .     
    -هل الرضا يتنافى مع البكاء على الميّت؟ ! ! قال شيخ الإسلام: " البكاء على الميت على وجه الرحمة حسنٌ مستحبٌّ و ذلك لا ينافي الرضا، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه ". 
    -يجوز التألم من الأمراض، والأوجاع، والإخبار بما يجده الإنسان من ذلك، كالإخبار بما يجده من الجوع والفقر، من غير ضجر، أو جزع، أو سخط من ذلك كله، بل للتسلية والتصبر. [انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 13/212].

    إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الرضا، وأسأل الله أن أكون قد وفقت لإرسال رسائل إيمانية تجعلنا وإياك من أهل الرضا، والسعادة، فلا تنسى كاتب هذه السطور بدعوة خالصة.

    فإن كان من صواب فمن الله، وإن من خطأ أو نسيان فمن نفسي والشيطان، ورحم الله من أهدى إليّ عيوبي .
    اللهم إنا نسألك أنْفُسًا راضية بقضائك، مُحِبَّة للقائِك.
              وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    ---------------------------------------
    بقلم د.أمير بن محمد المدري
    السابع من ربيع الأول العام 1441هـ
    الموافق الرابع من شهر نوفمبر العام 2019م
    اليمن -  المهرة

    2
    بنيتي الكريمة، وعليكِ السلام ورحمة الله وبركاته .
    حياكِ الله وبارك فيكِ ورزقكِ الصحبة الصالحة .
    وبعد ..
    يظهر أن الله وهبك العديد من النعم والميزات؛ والتي جعلتك محبوبة لدى الآخرين، ومحط اهتمامهم فمبارك عليك هذه النعمة التي يتمناها الكثير .
    بنيتي الفاضلة : إن الصديق الصادق المخلص عملة نادرة، ومن المستحيل أن يكون كل من نصاحب كذلك، وفي المقابل لا أريدك أن تعممي عليهم جميعا أنهم أصدقاء مصالح، فهناك الصالح وهناك الطيب وهناك الصديق المخلص .
    وهذا الود منهم والاهتمام بك لا تفرطي فيه، قال أحد الصالحين : " إذا رأيت من أخيك ودا فتمسك به ".
    وقد تبدأ الصداقة لمصلحة ثم تصفو، فلا أنصح بالتخلص منهم لكن إذا اكتشفت أن شخصاً يتعامل معك من أجل مصلحته الشخصية فقط، يجب أن تتعاملي معه بالطرق التالية :
    1-   تجنبي الاقتراب منه إلى درجة كبيرة، وضعي دائماً بينك وبينه حدوداً لا يتخطاها .
    2-   عندما يطلب منك شيئاً، لا تستجيبي لكل ما يطلبه منك، وحاولي أن تنسحبي بأسلوب لطيف .
    3-   لا تتكلمي معه عن أسرارك، لأنه سوف يتخذها سلاحاً ضدك، وسوف تندمين في يوم من الأيام .
    4-   لا توافقيه على كل شيء، ولا تخجلي في أن ترفضي طلبه، لأنه في الأغلب يستغل طيبتك وحياءك من أجل مصالحه .
    وما ننصح به أن لا تتوقفي عن المساعدة لأصحاب المصلحة، وأحسني إليهم فلك الأجر، وعليهم ما عليهم من قبيح الصفات والأفعال؛ فنحن نتعامل مع الله قبل أن نتعامل معهم، الله هو من يجازي ويعطي .
     بل إنها من أكبر النعم أن يوفق الإنسان لأن يكون سببا في عون الآخرين ومساعدتهم، فلماذا لا يذهبون إلى غيركِ ؟! ولماذا لا يقصدون سواك ؟! فلا تقصري معهم ، والله وحده يكفيك ما أهمك .
    وأخيرا: ثقي أنَّ الصداقة إن كانتْ خالصةً لله فستبقى، أما غيرها فتلك صداقة لن تستمر طويلا .
    وفقك الله وأعانك وكفاك ما أهمك .

    3
    الأخت الكريمة . مرحبًا بك في موقع المستشار وشكرًا لثقتك الغالية . .
    لا شك أنك تعلمين أن معلم الصفوف الأولية هو صانع المجتمعات؛ فله أن يفخر ببناء الإنسان اذا افتخر الناس ببناء البنيان. فمبارك عليك هذه المكانة.
    أختي الكريمة ؛ إن حصيلة كل الدارسين التعليمية والتربوية هي في المقام الأول نتاج جهدك فأسعي إلى كماله وتمامه .
    وسؤالك مفتوح وفيه مؤلفات، ودورات تدريبية متنوعة، ولكني سأوجز لك ما اعتقد أنها طرقٌ مثلى للتعامل مع الصفوف الابتدائية الأولى، وأسأل الله أن ينفع بها.
     وهي كالتالي :
    1ـ عدم إهانة الطفل أو توبيخه أو تأنيبه وخاصة أمام الآخرين؛ فإن الطفل إذا عاش في جو من الانتقاد الدائم تعوّد الرفض العنيد .
    2ـ عدم وجود تفرقة في معاملة الأطفال؛ فإن الطفل إذا عاش في جو من الإنصاف تعوّد أن يكون عادلا .
    3ـ عدم تهديد الطفل بالوعيد والتنكيل .
    4ـ عدم تحطيم شخصية الطفل؛ فإن الطفل إذا عاش في جو من الرضى والقبول عرف شخصيته، وتصالح مع نفسه .
    5ـ عدم السخرية من الطفل؛ فإن الطفل إذا عاش في جو من السخرية مال إلى الخوف والعزلة والانطواء .
    6ـ تعويد الطفل على الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية وحب المثابرة .
    7ـ إدراك سيكولوجية الأطفال في هذه المرحلة وظروفهم الخاصة، وخصائص النمو عندهم؛ والتي من خلالها تضعين ما يُناسب من الأنشطة والوسائل التعلمية المناسبة لهم .
    8ـ الجلسات الخاصة مع الطفل مع الشغف إلى الاستماع لأحاديثه .
    9- التشجيع وزرع التنافس بين الطلاب بكل سهولة، فإن الطفلإذا عاش في جو من التشجيع تعوّد الثقة بالنفس .
    10- الرفق واللين وحسن التوجيه عند تقصير الطلاب في أداء الواجبات ومعالجة تلك الأخطاء أولا بأول ومعرفة همومهم .
    11- عدم إرهاق الطالب بالواجبات المدرسية الزائدة عن طاقته وإدراك حساسية التعامل مع هذه الفئة .
    12-مراعاة انتقال الطفل من محيط الأسرة إلى محيط آخر، فبانفصال الطفل عن أسرته ليذهب إلى مكان غريب مع أشخاص غرباء لم يسبق له أن رآهم من قبل أو تعامل معهم، وابتعاده عن أمه وأسرته يعتبر كل هذا بحد ذاته عاملاً مخيفاً ومقلقاً للطفل لذلك يجب التعامل مع هذا الانفصال بحكمة وذكاء و استخدام الطريقة التي يحبها الأطفال والتشجيع بما يعكس لهم بأن هذا المكان هو استمرار للأسرة وليس انفصالا عنها .
    13- كوني سمحة هاشة باشّة ليّنة سهلة، وأكثري من السلام عليهم، وإن كانوا صغارا .
    14-يشعر الطالب بشعور جميل عندما تناديه باسمه؛ فهو يشعر بالألفة، ويكسب الطالب الخجول الثقة بالنفس .
    15-تلاميذك مرآتك التي ترين فيها نفسكِ فانظري أي الصور تحب أن ترى نفسك فيها .
    16-تذكري أن الكلمات التي تتطابق مع السلوك ضعيفة الأثر .
    17-كوني مستمعة جيدة لهم؛ فحب الاستماع منهم يشعرهم بقبولنا لهم على طبيعتهم واحترامنا لشخصياتهم وتفهمنا لحاجاتهم .
    18-تقديم المكافآت على فترات تطيل عند الطفل مدة الشعور بالرضى، أو ما يسميه التربويين ( تعزيز السلوك الحسن ) .
    19-تعاملي معهم على أنهم أطفال مع مراعاة عدم إظهار ذلك لهم .
    20-الاحترام يغذي بعض حاجات الطفل النفسية، فالطفل يريد أن يشعر بالأمن، واحترام المعلم لشخصيته يؤدي إلى هذا الأمن والطمأنينة .
    21-المزاح والضحك لا يتنافى مع التربية الحسنة، ومن قال أن التربية لا تأتي إلا مع الوجه العابس .
    22-اشبعي حاجاتهم إلى الرحمة والحنان .
    23-عوّدي الطالب أن يبدي رأيه دون خوف أو خجل وشاوريه .
    24-لا تصرخي.. إن صوتا أهدأ من الصراخ ربما يكون أكثر فاعلية .
    25-اطلبي ما تريدين منهم بطريقة إيجابية، فلا تقولي: ذاكر حتى لا ترسب، ولكن قولي: ذاكر حتى تنجح .
    26-وفّري لهم النشاط الحركي( الجسماني )؛ فالطفل في مقتبل حياته لا يفضل الجلوس لفترات طويلة لتلقي العلم .
    27-تعاملي مع أخطاء الطفل بسياسة النفس الطويل، وتذكري أن إدارتك للصف بصورة أفضل حينما تكون أعصابك غير مشدودة .
    28-لا تشعري الطالب الضعيف بالإحباط كلما توصل إلى إجابة خاطئة، بل عرفيه أن الوقوع في الأخطاء طريق إلى الصواب .
    29-لا تعاقبي في حالة الغضب؛ لأنك عندما تعاقبي تربي ولا تنتقمي .
    30-التأديب جزء من حياتك اليومية مع طلابك... لذا تذكري أن التأديب لا يعني بالضرورة العقاب البدني .
    31-لا تعاقبي الطالب على خطأ سبب له ألما .
    هذه ثلاثون وسيلة ، ثلاثون طريقة للتعامل مع طلاب المرحلة الابتدائية الأولى، أسأل الله أن ينفعكِ بها، وأن تكون سببا لتربية جيل نافع لنفسه ولدينه ولوطنه .


    4
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وجنده، وبعد:
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    أخي الكريم سلطان: أشكر لك تواصلك مع موقع» المستشار» وأسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد.
    أهنئك بتوفيق الله لك بالعمل في الإشراف على حلقات القرآن؛ فخير الناس هم أهل القرآن، وحرصك على توجيه الطلبة التوجيه السليم السوي ينبئ عن شخصية محبة لله ثم للوطن وفقك الله وأعانك .
        والحقيقة أن الانحراف الفكري يُعد أحد أخطر المهددات على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول، وسبباً رئيساً في كثير من الأعمال الإرهابية والمتطرفة، من تفجير وتدمير وإزهاق للأنفس المعصومة وزرع للعداوات وتشويه للدين الحنيف، ولذلك فهو بحاجة ماسة إلى استراتيجية علاجية ووقائية لمكافحته وتحصين الأجيال منه، عبر خطط مدروسة ومحدَّدة الأهداف تقوم على دراية صحيحة بأنواع الانحرافات الفكرية ودوافعها، وعلى معرفة بطرق العلاج الناجع وأساليب الوقاية.
    و اعتقد أن من أهم الخطط والاستراتيجيات التي تعينكم في هذا الباب، وخاصة مع هذا الطالب وأمثاله: ما يأتي:
    أولاً: توعية الطلبة بالعقيدة الوسطية الصحيحة والثقافة الإسلامية المعتدلة، التي تنصبُّ في إعلاء مقاصد الشريعة وتحقيق مصالحها، وتحافظ على الفكر السليم والسلوك القويم، وتُصحِّح المفاهيم الخاطئة في مسائل الجهاد والتكفير والولاء والبراء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموقف من الحكام وغير ذلك؛ لأنَّ الفكر لا يعالَج إلا بالفكر. . والعقيدة المختلَّة لا يمكن أن تعالَج إلا بالعقيدة الناصعة السديدة.
     ثانياً: العناية بالبرامج العلمية الهادفة، وتكثيف الدور التوعوي والتربوي في المجتمع، خاصة في نفوس الطلبة. فالفراغ الفكريَّ من أخطر ما يُهدِّد الشباب، إذ يجعلهم عُرضةً لأيِّ تغذيةٍ فكريةٍ منحرفة. . 

    ثالثاً: احتواء المغرَّر بهم من أصحاب الفكر المنحرف، ومنهم هذا الشاب بمناقشتهم ومحاورتهم وبيان الحقِّ لهم، بالأسلوب الأمثل الذي يزيل عن أبصارهم الغشاوة ويُرشدهم إلى الطريق الصحيح، امتثالاً لقول الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[النحل: 125]، فكم رجع بالصَّبرِ وحُسنِ البيانِ أناسٌ غُرِّر بهم، فأصبحوا بعد أن علموا الحقَّ وعملوا به، برداً وسلاماً على أنفسهم ومجتمعهم.
    رابعاً: فيما يخص طاعة ولاة الأمر لابد من التوضيح لهذا الشاب وأمثاله أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله، وأن من استقراء النصوص الواردة والأحكام المسطورة يتبين أن الواجبات تجاه ولاة الأمر ترجع إلى أصلين مهمين هما: واجب السمع والطاعة، وواجب النصح.
    خامساً: ذكر المصالح المترتبة على السمع والطاعة لولاة الأمر: ولو مع الظلم والجور، لما في المخالفة من الشؤم والشقاء في العاجلة والآجلة، ولما يترتب على الطاعة في المعروف والصبر على الجور وأداء الحق لمستحقه من الفوائد الكثيرة واندفاع الشرور الكثيرة.
    فمن ذلك:
    1- أن طاعتهم في المعروف عبادة لله تعالى، وأخذ بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فهي من تحقيق مدلول الشهادتين.
    2- أنها تسبب وحدة الكلمة واتحاد الصف واجتماع الأمة على الخير والتعاون عليه بين رعاة الأمة ورعيّتها.
    3- بطاعتهم تستقيم الأحوال، وتنفذ الأوامر وتقام الحدود، وتحفظ الحقوق، وتصان الحرمات، ويحصل الأمن وينصف المظلوم، ويردع الظالم وتأمن السبل.
    4- ظهور الدولة وقوة السلطان وهيبة الأعداء وقطع أطماع أهل الأهواء.
    5-تحقق النصر على الأعداء، وعيشهم عيشة السعداء.
    6-أما إذا لم يُطاعوا فإنها تفسد الأمور ويأكل القوي الضعيف، فيقع الاختلاف وتنتشر الأحقاد وتشتعل نار الفتنة وتتوافر أسباب المحنة.
    7-امتثال لأمر الله تعالى وطاعته بشأن أولي الأمر فطاعتهم بالمعروف طاعة لله تعالى، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من أطاع أميري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله عز وجل » [ ابن حنبل في مسنده ج 2/ ص 245 حديث رقم: 7330].
    8- توفر الأمن والاستقرار في ديار الإسلام وهذا أمر ظاهر فإن طاعة ولي الأمر تقوي سلطانه على الناس، وقوة السلطان من أعظم أسباب توفير الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع.
    9- ظهور الدولة بمظهر القوة والهيبة وفي ذلك عز الولاية؛ وذلك مما يرهب الأعداء ويقطع أطماع أهل الأهواء.
    10- دفع مكائد الأعداء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، والحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق، والاجتهاد في إبعاد كل أسباب الفرقة والاختلاف بينهم فإن ولاة الأمور المسلمين مع أهل الإسلام في الاعتقاد والعمل؛ فإنهم وإن فسقوا وفجروا أو جاروا وظلموا فإنهم لا يوالون ولا يعادون إلا على رابطة الإسلام ولا ينصرون ولا يبقى سلطانهم إلا بالإسلام ومجتمع المسلمين.
    11- قوة الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل أحد وفي كل مكان على حسب الحال على هدى الكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح فإن اليسير من دعم الولاية خير وأقوى من كثير من دعم العامة.
    12-أن الولاة أقوى من غيرهم بل هم سند لأهل العلم والدين في المجاهدة على إحياء السنن وتجديد الدين ونفي البدع وإبطال المحدثات فيه، وردع أهل الأهواء والبغي، والسعي في إقامة حكم الله وشرعه في كل صغير وكبير.
    سادساً: التنبيه بعقوبة معصية ولاة الأمر والخروج عليهم، وضرب الأمثلة من الواقع المعاصر والتاريخ اللذان يشهدان بالمآسي لمن أخل بالسمع والطاعة لولاة الأمر من وقوع الفتن والفوضى وسفك الدماء وانتهاك الحرمات.
    سابعاً: العلم أن النصح لولاة الأمر واجب بما لا يخل بأدب النصيحة وتشويه سمعة البلاد، والجري وراء الباحثين عن زعزعة الأمن وإقلاق السكينة.
      وتكون هذه المناصحة بالرفق واللين والأسلوب الحسن، روى ابن أبي عاصم في السنة وفي مسند أحمد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:  «من أراد أن ينصح لسلطانٍ بأمرٍ فلا يبد له علانيةً، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الذي عليه له»[  أحمد (3/ 403 - 404)، وقال الألباني في تعليقه على كتاب ((السنن)) (2/ 507، 508 (1096): إسناده صحيح]. 
      وهذا الحديث أصل في إخفاء النصيحة للسلطان وأن الناصح إذا قام بالنصح على هذه الوجه فقد برئ وخلت ذمته من التبعة، وذلك لأن إخفاء النصيحة لولي الأمر والإسرار بها له من الشفقة عليه ومحبة هدايته، وإشهارها والتشهير به من إهانته، وأي فلاح يصيب قومًا أهانوا سلطانهم علانية، فقد جاء في مسند أحمد وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدُّنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدُّنيا أهانه الله يوم القيامة»[ ابن حنبل في مسنده ج 5/ ص 42 حديث رقم: 20450].
    ومن إهانة السلطان إظهار عيوبه وتقصيره والحديث عن جوره وظلمه أمام العامة ونصيحته مجاهرة، فإن الكلام في ولاة الأمر على هذا النحو من المنكرات والفتن فلا يغتر بمن يفعل ذلك ولو حسنت نيته واشتهر فضله؛ فإنه خلاف نصوص الشرع ومنهاج السلف وهو شؤم وفتنة ومن طريقة أهل الأهواء والبدعة، وإن الحق أحق أن يتبع وماذا بعد الحق إلا الضلال.
     ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه فقال: «إنكم لترونَ أنِّي لا أكلِّمه إلّا أسمعكم إنِّي أكلِّمه في السِّرِّ دون أن أفتح بابًا لا أكونُ أوَّل من فتحهُ »[ أخرجه البخاري برقم (3267)، ومسلم برقم (2989 )].
    وهو يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ لما في ذلك من الفتنة العظيمة من تنقص السلطان، وجرأة أهل الأهواء على الولاية وتهييج الغوغاء.
     قال النووي-رحمه الله-: "أما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق, وطاعتهم فيه, وأمرهم به, وتنبيهم وتذكيرهم برفق ولطف, وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين, وترك الخروج عليهم, وتألف قلوب الناس لطاعتهم, قال الخطابي -رحمه الله-: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم, والجهاد معهم, وأداء الصدقات اليهم, وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة, وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم, وأن يدعى لهم بالصلاح"[(شرح صحيح مسلم(2/227)].
    ثامناً: الحث والوصية بالصبر على جور الأئمة ,وأنه أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة لما فيه من جلب المصالح ودرء المفاسد وتقليل الشرِّ، وهو من جنس الصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي لما يرجى أن يتحقق به من المصالح الراجحة ودفع المفاسد الكثيرة، فأهل السنة والجماعة يقابلون جور السلطان بالتوبة إلى الله تعالى من الخطايا والضراعة إلى الله بالدعاء والصبر والاحتساب، ويرجون به حطِّ الخطايا وكثرة الثواب، مع انتظار الفرج القريب.
    وقد جاءت النصوص الكثيرة حاثّةً على الصبر على جورهم كقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه؛ فإنَّه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلّا مات ميتةً جاهليَّةً» [أخرجه البخاري برقم (7054)، ومسلم برقم (1849)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ]
    وقوله صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئًا فليصبر» [مسلم: (3/ 1478) (33) كتاب الإمارة (13) باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن - رقم (56)]. ، وقال صلى الله عليه وسلم: « إنَّكم سترون بعدي أثرةً فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» [أخرجه البخاري برقم (3163)، من حديث أنس رضي الله عنه، وأخرجه مسلم برقم (1061)، من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه ].
    فيجب الحذر من التحريض على السلطان والتعرض له بالتنقص من قدره أو الوقيعة في عرضه بسبب ظلمه وجوره، لما في الترمذي عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله»[سبق تخريجه]، وقال حذيفة رضي الله عنه: «ما مشى قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا»[ عبد الرزاق في مصنفه(11|344)].
    والواقع شاهد بذلك، فكل من سعى في تحريك فتنة على السلطان لابد أن يرى الذل والإهانة قبل موته، وهذا من العقوبات القدرية.
    تاسعاً: ترسيخ مبدأ الحوار الهادف والاستماع للآخرين واحترام آرائهم بقصد الوصول إلى الحق ومساعدة الطلاب على استخدام التفكير بطريقة صحيحة ليكونوا قادرين على تمييز الحق من الباطل والنافع من الضار وتنمية الإحساس بالمسؤولية لدى الطلاب.
     عاشراً: أما دور المعلم فهو عظيم ومهم، وتحمل الجزء الأكبر في تعزيز الأمن الفكري، فهو القدوة والمربي، والموجه والمحرك لفئة الشباب داخل الحرم المدرسي وخارجه، وكلمته مسموعة عندهم، بل يقلدونه في كثير من مناحي حياتهم، وسلوكهم ويعتبرونه المثل الأعلى لهم، لذا فإن مسؤولياته كبيرة، وتوجيهاته ضرورية وملحة، لذا مراعاة التالي:
    1 ـ يجب على المعلم أن يكون قدوة لعمل الخير والإصلاح والتوبة وتبني ما يسعد البشرية وخصوصاً ما يجب على هذا المعلم تجاه وطنه ومجتمعه فضلاً على أنه معلم الخير ويحمل مسؤولية جسيمة
     2 ـ ولكي يقوم المعلمون بدورهم في التوعية والوقاية من الانحراف، فلابدّ لهم أن يقوموا بتنشئة الطلبة تنشئة إسلامية صحيحة.
     3 ـ ومن الواجب على المعلمين أن يؤكّدوا على تمثّل الطلبة القدوة الحسنة في سلوكياتهم وتصرفاتهم، وفي الانسجام مع قيم المجتمع وقوانينه.
    أخي الكريم سلطان :
    أتمنى أن أكون قد أجبتك على ما تريد، ووضحت بعض العلاج لهذا الانحراف الفكري، وفقك الله لما يحبه ويرضاه، وحفظ الله البلاد والعباد من كل شر وبلاء.
    إن أردت الاستزادة فتواصل معي لأعطيك بعض المراجع المفيدة في هذا الموضوع ومنها رسالتي الدكتوراه، ولك التحية.

    5
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى،
    وبعد :
    الأخت الفاضلة /هناء حفظها الله
     السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
    وبعد :
    فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقع المستشار، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت، وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يبارك لك في وقتك.
    في البداية أودُّ أن أُحيِّي فيك ما بذلتيه من جهود ومحاولات لتحقيق التوازن في التزاماتك المتعدِّدة؛ مِمَّا يعكس نفسًا طموحًا، وتوقًا للنجاح والعطاء لدَيْك، أتَمنَّى أنْ تُحافظي عليه، وتستثمريه في كلِّ مَجالات حياتك... 
    كونك في كلية الطب، ولديك جدول مثالي للاستفادة من الوقت هذا يعكس رغبتك في التميز والنجاح؛ فأبشري بكل خير.
    من الجميل والمفيد جدا بل والمطلوب تنظيم الوقت بحيث يستطيع الإنسان استغلال وقته بالشكل المناسب والفعال، ليستطيع إنجاز ما يريد إنجازه
    وجود الجدول المثالي لا يكفي للنجاح، لكن لا بد أن يصحبه عزيمة وإصرار وتنظيم للوقت .
    وما ننصح به لحل مشكلتك والفوضى التي أشرت إليها ما يلي :
       عدم اليأس من الفشل المتكرر، فإذا حاول الإنسان ألف مرة، فلماذا لا يحاول مرات بعد الألف؟
       لا تؤخري أي مهمة مطلوب إنجازها منكِ في وقت محدد إلى وقتٍ آخر؛ فهذا يراكم عليك المهام  .
       كوني واقعية عند وضع الجدول، ولا تبالغي في الوظائف والواجبات، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، والمتسابق الذي يسرع جداً في بداية السباق يفشل وتهلك دابته .
       ابحثي عن صديقات مجتهدات منظمات في وقتهن مبدعات واستفيدي منهن .
       مما يعين على أن يكون البرنامج أو التوزيع الزمني ناجحا ' أن يكون برنامجا مرنا بعض الشيء، بحيث إن أحببتِ التغيير يكون ذلك سهلاً دون أن يسبب ذلك مشكلة .
       جدول الدارسة والدوام يتضمن (8) ساعات يعني بقي لك (16) ساعة؛  لا تستقلي أي فترة زمنية ولو كانت قصيرة، ولا تقولي إنها نصف ساعة ولا قيمة لها، وإلا فستجدي وقتك يضيع نصف ساعة هنا ونصف آخر هناك، وهكذا. استفيدي مما نسميه أحيانا فترات النوافذ( الفواصل )، فقد تكون هناك عشرون دقيقة بين عمل وآخر أو بين محاضرة وأخرى، استفيدي من هذه 20 دقيقة، وستجدي أن هذه "النوافذ" مكنتك من إنجاز الكثير. 
       عند وضع الجدولِ اليومي للأعمال يجب أن يَترك الفرد مَجالاً للتعديل في حال وجود مُؤثّر خارجيّ غير مُتوقّع حدوثه .
       عدم تحميل النفس ما لا تَستطيع تحمله، فلا يكون الفرد مثالياً أكثر من اللازم في وضعه لبرنامجه اليومي، فكُلّما اقترب الفردُ في خطّته من الواقع كان اقترابه من النّجاح أكبر .
       الحفاظ على الصلاة من أساسيات الحياة، والأمور التي يجب أن تندرج ضمن النظام الحياتي، هي الصلاة، فحتى يضع الإنسان جدوله اليومي يجب عليه أن لا ينسى الحفاظ على صلواته الخمس، وربط كثير من المهام وربما توزيعها بعد وقبل الصلوات.
       العلاقات الإنسانية الاهتمام بالعلاقات مع الناس، سواءً الأسرة، أو الأقارب، أو الأصدقاء، يجب أن يلقى نصيباً في نظام الحياة، بإمكانك جعل ساعة للتواصل معهم عبر وسائل التواصل للأباعد وجزء للعائلة .
       احذري مُلهيات الحياة المتنوعة: وفي مقدمتها المتابعة المُفرطة لتطبيقات التواصل الاجتماعي، وشبكة الإنترنت على الوجه العام، وكذلك القنوات الفضائية بشتَّى أنواعها، لذا وجب عليك أن تكوني فطنة لذلك، وأن لا تنجرفي وراء تلك الأمور التي من شأنها أن تأكل الوقت، وفي النهاية تجدي  نفسك على مقربة من الامتحانات دون أن تكون لديك الركيزة المعلوماتية التي تؤهلك لخوض الامتحانات بأريحية؛ ونحن لسنا بدُعاة لتقييد الحريات، ولكن ينبغي أن يأخذ كل شيء وقته دون إفراط، ومن الممكن أن يضع الطالب لنفسه ساعة في اليوم لمتابعة ما يرغب فيه، وفي الوقت ذاته لا يؤثر ذلك على تنظيم وقت للمذاكرة الجامعية.
        احرصي على وضع جدول مشترك مع الصديقات؛ حتى تكون عندك روح المنافسة.
       من المهم جدا ترك السهر، فهو الآفة القاتلة للوقت، ويُنهي شيء اسمه تنظيم الوقت، وحاولوا تركه تدريجيا؛ لتنامي مبكرا ، وتستيقظي مبكراٍ.
       الوقت الذهبي للحفظ والاستذكار السحر وبعد الفجر فلا تفرطي فيه .
        تحديد وقت الاستيقاظ، ليبدأ الجدول الزمنيّ وفقاً لهُ، فعليك التعوُّد على ساعة نوم واستيقاظ مُحدّدة، فباقي اليوم يترتّبُ وفقًا لساعة الاستيقاظ.
       كتابة الأمور التّي يجب إنجازُها في اليوم أو الأسبوع كاملًا، بدءًا من ساعة الاستيقاظ وحتّى وقت النوم.
       ساعة دعيها لغرفتك وشؤونك المنزلية؛ فتنظيم الغرفة معين على العمل والنشاط .
       يجب أن يتم تنظيم وقتك بالكامل (وقت الاستيقاظ – تناول الطعام – الخروج من المنزل والعودة) كلها وفق ما يناسب وقت دراستك .
         لابد من تقويمٍ للذات والإنتاج؛ لكشف مواطن الخلل، وهل المشكلة داخلية أم هي من عوامل خارجية، سببها كثرة الزيارات، أو طول الجلسات، أو كثرة استخدام الهاتف؟ وقد كان الإمام ابن الجوزي يجعل مجالس الثقلاء الذين يطلبون الجلوس لترتيب الدفاتر وتجهيز الأقلام، وربما طلب منهم أن يساعدونه في ذلك؛ حتى يحفظ وقته.
       امتلاك مفكرة شيء مهم لتنظيم الوقت والحياة، وتسجيل المهام اليومية وإنجازها أول بأول .
       ترتيب الجدول الزمني لتنفيذ المهام بصورة يوميّة، ومن المستحسن أن يتم وضع خطة العمل في الليلة السابقة من اليوم المحدّد. تحديد الوقت المخصّص لإنجاز المهام المعيّنة. تحديد الوقت النهائي لإتمام كل مهمة بشكل واضح.
       السعي لإنجاز المهام بوقت أبكر من المحدد لتسليمها؛ لتجنّب التأخير في حال التخطيط لإنجازها ضمن الوقت المحدد بالتمام. الاحتفاظ بوجود ساعة واضحة؛ للبقاء منتبهاً حول الوقت.
       أُحب أن أؤكد لكِ أن الجدول لكي يستمر عليه الإنسان لا بد أن تتوفر فيه شروط، أول هذه الشروط :
    1-   أن يكون هذا الجدول معقولا، وليس فوق الطاقة .
    2-    الأمر الثاني: أن يكون في هذا الجدول مساحات للراحة وللاستراحة؛ لأن الجسم بحاجة إلى أن يأخذ حظه من الطعام وحقه من الراحة .
    3-    الأمر الثالث: لا بد أن يكون الجدول موضوع بطريقة لا تجلب الملل، فلا يُكثّر من مادة أو وظيفة معينة، وإنما يكون الذي يميز هذا الجدول هو التنويع .
    4-   ينبغي أن يكون الجدول قريبا منك حتى تتذكري كل ما يجب القيام بفعله، ولتذكّري نفسك بـ كيف أُنظم وقتي للدراسة؛ سواءً في الهاتف الذكي أو الحاسوب الشخصي أو حتى الورقية.
    للاستزادة حول موضوع تنظيم الوقت ننصح بالكتب التالية وهي على سبيل الذكر وليس الحصر :
     فن إدارة الوقت": ديل كارنيجي.
    إدارة الوقت": ليستر أر. بيتل.
    إدارة الوقت": إبراهيم الفقي.
    أخيراً: لا تنسي ضرورة الإخلاص لله والاستعانة به، واجتناب المعاصي، ومحاسبة النفس، وقبول النصيحة، والتوبة والاستغفار.
    وبالله التوفيق .

     

    6
    بسم الله الرحمن الرحيم 
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
    و بعد:
    أخي الحبيب: أهلا وسهلا بك، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يفرج همك ويجعل في ما ننصح به العلاج الشافي بإذن الله .
    أيها الابن الكريم أحمد :
    وهبك الله ميزات ونعم احمد الله عليها، وثق بنفسك، ولا تجعل اليأس يحطمك ويدمر حياتك؛ فأنت قارئ نهم، ومثقف واضح من خلال كلماتك، ووهبك الله شكلا طيبا مقبولا ممدوحا عليه من الآخرين .
    تجاوزك كل ما وقع في الماضي، واستمرارك في الدراسة يدل على جلدك وقدرتك على تحمل الصعاب فلا تضعف ، والناجحين والمبدعين غالبهم بل كلهم خرجوا من رحم المعاناة ممن حولهم، وأصبحوا شامة في المجتمع بل والعالم فكن منهم.
    ابتعد عن العزلة؛ فهي موت بطيء، وابحث لك عن صحبة تعينك على مصاعب الحياة وتخفف من خوفك ورهابك.
    استمر في القراءة والاطلاع، واختر كتب تخرجك مما أنت فيه لا كتب تزيدك عزلة وإحجاماً .
    الأسرة والأهل والأحباب والأقارب هم زينة الدنيا؛ فزرهم بين الفينة والأخرى، ورد إساءتهم بالحسنى وأبشر بكل خير.

    علاقتك مع الله لا تهملها؛ فهو الذي بيده السعادة والشقاء، وهو وحده القادر أن يملأ قلبك نورا وسعادة وراحة وأمناً، فافتح للقرآن قلبك، وذكر الله بلسم للجراح، وأذكار الصباح والمساء دواء ناجع لكل الأوجاع بإذن الله .
    وفقك الله ودفع عنا وعنك كل بلاء .

    7
    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا عزّ إلا في طاعته، ولا سعادة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في ذكره، نسأله الرضا بعد القضاء، والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، والقناعة بما قسم لنا، وأُصلي وأُسلم على محمد المصطفى، والرسول المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
    وبعد...

    فإن طرق الوصول إلى الله تعالى كثيرة كما قيل :( الطرق إلى الحق بعدد أنفاس الخلق)، والعبد يبحث عن أقربها وصولا، وأسرعها إلى رضاه سبحانه، ومن هذه الطرق أعمال القلوب، فهي أفضل من أعمال الجوارح، ومن أجلّ أعمال القلوب وأسرعها وصولاً إلى البارئ سبحانه: الرضا.
    إنه مصباحٌ  يُضيء لك السعادة ما حييت، بل هو نسائم تهبّ على قلبك؛ فتملأه سكينةً وسروراً وراحة.
    الرضا "أعلى درجات التوكل، وباب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين".[ مدارج السّالكين، ج2، ص172].
    الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين.
    الرضا تلك العبادة القلبية التي نحن أحوج إليها؛ لعظم البلاء والمصائب الّتي حلت بنا، فكلّ يومٍ نسمع من الأنباء والأخبار ما تقشعرّ له الأبدان، وتشيب لأجله  رّؤوس الولدان.
    الراحة هي الهدف التي نسعى إليها في الدنيا، والسعادة هي الغاية المأمولة من الحياة بأسرها، والرضا هو السبيل إليهما معًا..
    الرضا عبادةٌ عظيمة، ورزقٌ لا يُدركه إلا من أسلمَ قلبه بالكلية لله تعالى، وأصبح موقنا أن ما يأتيه من الله ـ إن كرهه وإن أحبه ـ.
    الرضا نعمة روحية جزيلة هيهات أن يصل إليها جاحد بالله، أوشاك فيه، أو مرتاب في جزاء الآخرة، إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله، وحسن اتصاله به.
    تعريف الرضا:
     جاء في تعريف الرضا بالقضاء أقوالٌ كثيرة، منها: «الرضا: ارتفاع الجزع في أي حُكمٍ كان» [مدارج السالكين 2/177 ] .
    وقيل: «سكون القلب تحت مجاري الأحكام» [المرجع السابق نفس الصفحة ] .
    وقال آخر الرضا: «سرور القلب بمُر القضاء»[التعريفات للجرجاني 2/148، وانظر: التعاريف للمناوي 2/366 ].
    وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «الرضا: أن لا تُرضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحداً على رزق الله، ولا تلم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط» [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان للبيهقي 1/222، هكذا من قول ابن مسعود، وفي الأربعين الصغرى عنه مرفوعاً (2/99)] .
    وقيل: الرضا: «ألاّ يتمنى العبد خلاف حاله» [الرضا لابن أبي الدنيا ص 34] .
      ومما سبق من هذه الأقوال جميعاً، وبما يوافق نصوص كتاب الله، وسنة رسوله يمكن تعريف الرضا بأنه : «التسليم بالقضاء، والقناعة بما قسم، قل أو كثر، والسكون إلى الله، وحمده على ما قضاه، وترك الندم أو الحسرة أو الحزن على ما فات من رزق، وعدم التسخط، أو الاعتراض على ما وقع من قضاء الله، وحب أمر الله، والعمل به، وترك معاصيه، واجتنابها، والغنى عما في أيدي الناس، واليقين بأن الله المعطي، المانع وحده لا شريك له».
    وكُن راضياً لا تسخطن لشدةٍ  ‍
    إذا المرء لم يرض بما ربه وهب  ‍
    فكُن راضياً تُرضي الإله بأمره  ‍

         كما الشوك لا يُعطي الرحيقَ ولا العنب
      فلن يُغنه مالٌ وإن زاد ما كسب
      فدرب الرضا نورٌ ونبت الرضا ذهب

    الرضا يتحقق بثلاث:
    يذكر ابن القيِّم رحمه الله تعالى، أنَّ الرِّضا عن الله تعالى يتحقَّق بثلاثة أمور: «باستواء الحالات عند العَبد، وسقوطِ الخصومة مع الخَلق، والخلاص من المسألة والإلحاح...؛ فإنَّ الرِّضا الموافق تستَوي عنده الحالات - من النِّعمة والبليَّة - في رِضاه بحسنِ اختيار الله له»  [مدارج السالكين، ج2، ص198 - 199].
    منزلة الرضا: في القرآن والسنة:
    لقد أثنى المولى -جل وعلا- على أهل الرضا في مواطن كثيرة وندبهم إليه، وجعله من صفات أهل الإيمان فهم يسعون لنيل رضا ربهم في كل عملٍ صالح يقْدمون عليه قال -تبارك وتعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]. 
    ورضا المولى جل وعلا هو أقصى ما يمتناه أهل الإيمان؛ فقد قال سبحانه وتعالى عن سليمان عليه السلام وقد أُعطي من الملك ما أُعطي: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
    ومنزلة الرضا منزلة عظيمة جعلها المولى -جل وعلا- فوق جنات عدن فقال -عز وجل-: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:72 ].
    وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في صلاته أن يعطيه الله الرضا بعد القضاء، كما في حديث عمار ابن ياسر - رضي الله عنه -: «وأسألك الرضا بعد القضاء» [أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ... ، باب ما جاء في الصبر على البلاء، وقال :{ وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه } ، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، وقال الألباني : حسن ] .
    وجاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وحسّنه الألباني عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «....إن الله - تعالى - إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط».
    الرضا يذوق معه المؤمن طعم الإيمان وحلاوته، وهو أيضا علامة على صحة الإيمان؛ ومصداق ذلك ما جاء عن العباس بن عبد المطلب-رضي الله عنه- في الحديث الصحيح من قوله- صلى الله عليه وسلم-: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا ». [أخرجه مسلم: 1/ 62، برقم: 34 ].
    وجاء في شرح النووي على مسلم: "معنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلُصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه ".    [شرح النووي على مسلم: 2/ 2 ].
    و الرضا يكون سبباً من أسباب غفران الذنوب فقد جاء في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا غُفر له ذنبه» [أخرجه مسلم: 1/ 290، برقم: 386.].
    والرضا بما عند الله تعالى يكفيك ما عند الناس، فعلى المسلم أن يلتمس رضى المولى جل وعلا تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  «من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس»  [أخرجه الترمذي: 4/ 609، برقم: 2414، وصحيح ابن حبان: 1/ 510، برقم: 276، وقال الألباني: صحيح لغيرة، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 271، برقم: 2250 ].
    أقسام الرضا:
    الرضا ثلاثة أقسام: رضا العوام بما قسمه الله وأعطاه، ورضا الخواص بما قدّره وقضاه، ورضا خواص الخواص الرضا به سبحانه بدلاً من كل ما سواه.
    وقال محمد بن خفيف: الرضا على قسمين: رضا به، ورضاه عنه؛ فالرضا به أن يرضاه مدبراً، والرضا عنه فيما يقضى[الرسالة القشيرية 2/424 ].
    ولما سُئل أحدهم عن الرضا قال: «الرضا بالحق، والرضا عن الحق، والرضا له:الرضا به: مدبراً ومختاراً، والرضا عنه: قاسماً ومعطياً، والرضا له: إلهاً ورباً» [شعب الإيمان للبيهقي 1/228 ].
    وقد تضمن الحديث السابق الذكر «ذاق طعم الإيمان... » أربعة أنواع من الرضا: الرضا بربوبيته سبحانه، وألوهيته، والرضا برسوله، والانقياد له، والرضا بدينه، والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة : فهو الصديق حقا .
     فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده ، وخوفه ، ورجائه ، والإنابة إليه ، والتبتل إليه ، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه . فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا . وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له .
    والرضا بربوبيته : يتضمن الرضا بتدبيره لعبده . ويتضمن إفراده بالتوكل عليه . والاستعانة به ، والثقة به ، والاعتماد عليه . وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به .
    فالأول : يتضمن رضاه بما يؤمر به . والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه .
    وأما الرضا بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له . والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه .
    وأما الرضا بدينه : فإذا قال، أو حكم ، أو أمر ، أو نهى : رضي كل الرضا . ولم يبق في قلبه حرج من حكمه . وسلم له تسليما.
      الفرق بين الرضا والصبر:
    الصَّبر: كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخط مع وجود الألم، وتمنِّي زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.
    والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمنِّي زوال ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسُ بالألم.
      ثمرات الرضا بالقضاء والقدر:
    كم من غني لم يفارق الشقاء جبينه، ولم يجد في ماله طعم الغنى الحقيقي، كم من صاحب جاهٍ ومنزلةٍ رفيعة لم يذق طعم الأنس والاستقرار، وكم من صاحب أهلٍ وولدٍ يتقلّب على رمضاءِ الحُزن والقلق والاضطراب النفسي وعدم الرضا بالحال، بينما نجد شخصاً لم يحظ بشيء من ذلكم البتة، لكنه يحمل صدراً واسعا، ويرفل في سعادة غامرة ، ما السبب في هذا التفاوت؟ إنها نعمة الرضا.
     منْ ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ اللهُ صدرهُ غِنىً وأمْناً وقناعةً، وفرَّغ قلبه لمحبَّتِه والإنابِة إليه، والتَّوكُّلِ عليه . ومنْ فاته حظُّه من الرِّضا، امتلأ قلبُه بضدِّ ذلك، واشتغل عمَّا فيه سعادتُه وفلاحُه .فالرِّضا يُفرِّغُ القلب للهِ، والسخطُ يفرِّغُ القلب من اللهِ، ولا عيش لساخِطٍ، ولا قرار لناقِمٍ، فهو في أمر مريجٍ، يرى أنَّ رزقهُ ناقصٌ، وحظَّهُ باخِسٌ، وعطيَّتهُ زهيدةٌ، ومصائبهُ جمَّةٌ، فيرى أنه يستحقّ أكْثر منْ هذا، وأرفع وأجلَّ، لكنّ ربَّه – في نظرِهِ – بخسهُ وحَرَمَه ومنعَهُ وابتلاه ، وأضناهُ وأرهَقَه ، فكيف يأنسُ وكيف يرتاح، وكيف يحيا ؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .[28 سورة محمد].
    الرضا ينزِل على قلب العبد سكينةً تُصلح أحواله وتهدّئ باله،  وتخبره أنّه هنيئاً لك بما أنت فيه مهما كان.
    الرضا سلاحٌ فتاك يقضي على الجشع والطمع والسخط في النفس، ليحل محلها رضاً وطمأنينة وتسليم.
     الرضا بالحال يجلب لصاحبه طمأنينة النفس وهدوء البال، ويشيع البهجة في حياته، فرحًا بكل قليل. أما السخط فما يزيد الإنسان إلا اضطرابًا دائمًا، وتمردًا وحقدًا وحسدًا، وكآبة وقد يصل إلى الجنون، أو الوسوسة، أو تعاطي المسكرات، على اختلاف مستوياتها، أو قتل النفس، أو الانتحار.
     الساخط مهما تعددت عنده الخيرات، فهو دائما يريد المزيد، بل ويشعر داخل نفسه أنه لا يملك إلا القليل. ما أن يُصاب بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر، قلقاً؛ فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه، وهي - وأكبر منها - لو وقعت لمن هو أقوى منه إيماناً ورضاً بالقضاء لم يلق لها بالاً، ولم تحرك منه نفساً، ولنام ملء جفونه رضيَّ البال، قرير العين، "والعبد إذا رَضِي عن ربِّه في جميع الحالات، استقرَّت قدمُه في مقام العبوديَّة، فلا يزيل التلوُّنَ عن العبد شيءٌ مثل الرِّضا"[مدارج السالكين ، ص 201].
    الرضا ثمرة من ثمار الشكر، فصاحب السخط لا يشكر، فهو يشعر أنه مغبونٌ وحقّه منقوصٌ وحظّه مبخوسٌ! لأنه يرى أنه لا نعمة له أصلًا! السخط نتيجة كفران المنعم والنعم! الرضا نتيجة شكران المنعم والنعم.
    الرضا يُخرجُ الهوى من القلبِ، فالراضي هواهُ تبعٌ لمرادِ ربِّه منه، أعني المراد الذي يحبُّه ربُّه ويرضاهُ، فلا يجتمعُ الرضا واتِّباعُ الهوى في القلبِ أبداً، وإنْ كان معهُ شُعبةٌ منْ هذا ، وشعبةٌ منْ هذا ، فهو للغالِب عليه منهما .
    يقول الشاعر: محمد مصطفى حمام :
    الـرِّضـا يـخفِّف أثقالي  ‍
    والـذي أُلـهـم الـرِّضا لا تراهُ  ‍
    أنـا راضٍ بـكـل مـا كتب الله  ‍
    أنـا راضٍ بـكل صِنفٍ من الناسِ  ‍
    فـالـرضا نعمةٌ من الله لم يسعـد  ‍

         ويُلقي على المآسي سُدولا
      أبـدَ الـدهـر حـاسداً أو عَذولا
      ومُـزْجٍ إلـيـه حَـمْـداً جَزيلا
      لـئـيـمـاً ألـفيتُه أو نبيلا
      بـهـا في العباد إلا القليلا


    رضاً برضا
    الرضا طريق إلى الفوز برضوان الله تعالى، فالرضا في الدنيا تحت مجارى الأحكام، يورث الرضوان في الآخرة بما جرت به الأقلام.
    يقول ابن القيم -رحمه الله-: "رِضاه عن ربِّه سبحانه وتعالى في جميع الحالات يُثمر رِضا ربِّه عنه؛ فإذا رَضِي عنه بالقليل من الرِّزق، رضي ربُّه عنه بالقليلِ من العمَل، وإذا رضِي عنه في جميعِ الحالات واستوَت عنده، وجَدَه أَسرع شيء إلى رِضاه إذا ترضَّاه وتملَّقه» [مدارج السالكين، ج2، ص200].
    الرضا يفرّغ القلب، يصفّي الذهن للعبادة. . فالراضي في صلاته خالٍ قلبُه من الوساوس. . في الطاعة غير مشتّت الذهن. . فيستفيد من العبادة. .
    كيف تكون راضياً:
    الراضي يعلم يقينًا بأنَّ منْعَ الله تعالى عنه أي شيء هو عينُ العطاء، لأنه لا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو خِيرٌ له.
    الراضي يعلم أن الخلق كلهم متساوون في العطاء والمنع، يُعطي شيء ويمنع شيء سبحانه، ولذلك ينظر إلى من هو أدنى منه في الدنيا، فيعود إلى الله شاكراً حامداً راضيا.
     الراضي كلام الناس  لن يؤذيَه نفسياً و لن يبالي مادام الله راضياً عنه.
    الراضي يعلم أن رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، ويدرك كذلك أن الله  حسبه وكافيه ورازقه ، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، والإجمال في اطلب، وترك التكالب على الدنيا، والتحرر من رق المخلوقين ، وقطع الطمع مما في   أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين ، وهذا أساس فلاحه ورأس نجاحه.
     الراضي تصبح الآلام والشدائد عنده لذائذَ؛ لأنَّه يتعامل مع الأقدار الإلهية بلُغةِ الحب والرضا، لا بلُغةِ الاختبار والتحدي.
    الراضي يبتعد عن الألفاظ التي تتضمَّن التسخط على الأقدار، يُكثر من الحمد والشكر و الاسترجاع: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .
     الراضي مع رضاه عن الله في حاله يعمل بالأسباب للارتقاء بحاله، والسعي نحو الكمالات في كل شيء.
    الراضي صلته بالله قوية، يزداد من الطاعات والقربات؛ فتبث داخله الرضا والطمأنينة والسعادة .
    الراضي يعلم أنه ﻣﺎ ﻣﻦ ﻣﺤﻨﺔ ﺗﺼﻴﺐ ﺍﻟﻤﺆﻣﻦ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﺇﻻ ﻭﺭﺍﺀﻫﺎ ﻣﻨﺤﺔ، ﻭﻣﺎ ﻣﻦ ﺷِﺪﺓ تقع ﺑﺎﻟﻤﺆﻣﻦ ﺇﻻ ﻭﺭﺍﺀﻫﺎ ﺷَﺪﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺻﻞ ﺩﺍﺭ ﺍﺑﺘﻼﺀ ﻻ ﺩﺍﺭ ﺍﺳﺘﻮﺍﺀ، ﻭﻣﻨﺰﻝ ﺗﺮﺡ ﻻ ﻣﻨﺰﻝ ﻓﺮﺡ، ﻓﻤﻦ ﻋﺮﻓﻬﺎ ﻟﻢ ﻳﻔﺮﺡ ﻟﺮﺧﺎﺀ ﻭﻟﻢ ﻳﺤﺰﻥ ﻟﺸﻘﺎﺀ، ﻷﻥ ﺍﻟﺮﺧﺎﺀ ﻣﺆﻗﺖ، ﻭﺍﻟﺸﻘﺎﺀ ﻣﺆﻗﺖ، ﻗﺪ ﺟﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﺩﺍﺭ ﺑﻠﻮﻯ. ﻭﻳﻮﻡ ﺗﻮﻃّﻦ ﻧﻔﺴه ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺩﺍﺭ ﺍﺑﺘﻼﺀ ﻻ يفاجأ ﺑﺎﻻﺑﺘﻼﺀ  .
    قال ابن عجيبة في تفسيره :  "إذا عَلِمَ العبدُ أن الله كافٍ جميع عباده ، وثق بضمانه، فاستراح من تعبه ، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه، فيدخل جنة الرضا والتسليم، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم، فيكتفي بالله ، ويقنع بعلم الله، ويثق بضمانه".[البحر المديد 5/320].
    الراضي يكثر من قوله : «اللهمَّ إني أسألك نفسًا مطمئنةً تؤمِن بلقائك، وترضى بقضائك، وتَقنَع بعطائك»   
    أخي الكريم :
    كنْ عن همومك معرِضا  ‍
    أبشِرْ بخيرٍ عاجل  ‍
    فلرُبَّ أمرٍ مسخطٍ  ‍
    ولربَّما اتَّسَعَ المضيق  ‍
    اللهُ يفعل ما يشاء  ‍
    اللهُ عوَّدك الجميل  ‍

         وكِلِ الأمورَ إلى القَضَا
      تَنسى به ما قد مضَى
      لك في عواقبِه رضا
      وربما ضاق الفضا
      فلا تكنْ متعرِّضًا
      فقِسْ على ما قد مضى



    أخي الكريم: أحصي البركات والنعم التي أعطاها الله لك، وغيرك محروم منها، واكتبها واحدة واحدة، وستجد نفسك أكثر سعادة مما قبل.
    مشكلتنا أننا نرى المتاعب والنواقص عندنا فنتذمر ولا نرى البركات والنعم التي وهبنا الله إياها.
    قف وتأمل كم شخصاً تمنى لو أنه يملك مثل: سيارتك, بيتك, جوالك, شهادتك, وظيفتك. . إلخ؟
    كم من الناس. . . . . يمشون حفاة وأنت تقود سيارة؟ !
    كم من الناس. . . . . ينامون في الخلاء وأنت في بيتك؟ !
    كم شخص. . . . يتمنى فرصة للتعليم وأنت تملك شهادة؟ !
    كم عاطل. . عن العمل وأنت موظف؟
    كم. . وكم. . وكم. . وكم. . ؟ !
    ألم يحن الوقت لأن تقول: ربي إني راضٍ عنك فارض عني. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك. . اللهم لك الحمد حتى ترضى، و لك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. ! ! 
    أخي الكريم: احمد ربك وارض به: فعسى تأخيرك عن سفر ..خير،  وعسى حرمانك من زواج. . بركة، وعسى ردك عن وظيفة. . مصلحة،  وعسى حرمانك من طفل. . خير، وصدق الله القائل: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]. لأنه يعلم وأنت لا تعلم. . فلا تتضايق لأي شيء يحدث لك. . لأنه بإذن الـلـه. . خير. . .
    نحنُ بخير. . . . . مَا دُمنٱ نستطيع النوم، دُون مُسكنٱت، ولآ نَستيقظ عَلى صَوت جهاز طِبي مَوصُول بأجسادنا. . . الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه.
    عبد الله: لا تنظر إلَى الْخلف، فَفِيه مَاض يزعِجك! ولَا تنظر إلَى الْأمام، فَفِيه مُسْتقبل يُقلقك! لَكن انظر إلَى الأعلـِْى، ، فَهناك رَب يُسعدك.
    هل أنت راضٍ عن ربك؟ سؤال صعب أليس كذلك؟
    دعني أُعيد صياغة السؤال: هل تعرف ما معنى أن تكون راضٍ عن ربك؟
    الرضا عن الله:
    هو التسليم والرضا بكل ما قسمه الله لك في هذه الحياة الدنيا من خير أو شر.
    الرضا عن الله:
    يعني إذا أصابك بلاء امتلأ قلبك يقيناً أن ربك أراد بك خيراً بهذا البلاء.
    الرضا عن الله:
    يعني أن تتوقف عن الشكوى للبشر وتفوض أمرك لله وتبث له شكواك.
    الرضا عن الله:
    يعني أن ترضى عن ربك في كل أحوالك: إذا أعطاك وإذا منعك، وإذا أغناك وإذا أخذ منك، وإذا كنت في صحة وإذا مرضت.
    اعلم علم اليقين أن الله لا يبتليك إلا ليغفر ذنوبك أو ليرفع درجتك في الجنة، فارض عن ربك.
    كلما أزداد العبد معرفةً بالله، كلما ازداد طمأنينة لأقداره وقضاءه، فتسكن روحه تحت مجاري الأقدار. ولا يأتي عدم الرضا إلا من قلة المعرفة بالله .
    قال تعالى: ﴿ و َلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ. . . ﴾[يوسف:22]، العطايا والهبات الربانيّة، لا تأتيك في الوقت الذي تختاره أنت، بل في الوقت الذي يكون نفعُها أعظم لك فاصبر، و ثق بالله وأحسن ظنك به.
    ‏حين تخبر الله أنك رضيت بقدره. كن واثـقاً أنه سيرضيك بسعادة أكبر ذات يوم. 
    ويكتبُ اللهُ خيراً أنتَ تجهلـهُ  ‍
    ولو علمتَ مـرادَ اللهِ من عِـوضٍ  ‍
    فسلِّم الأمرَ للرَّحمـٰن وارضَ بـهِ  ‍

         وظاهرُ الأمرِ حرمانٌ من النِّعـمِ
      لقلتَ حمداً إلـٰهي واسعَ الكرمِ
      هو البصيرُ بحالِ العبدِ من ألمِ


    متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟
    قيل ليحيى بن معاذ- رحمه الله -: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: "إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول:  يارب إن أعطيتني قبلت. وإن منعتني رضيت. وإن تركتني عبدت. وإن دعوتني أجبت".
    ثلاثة من أعلام الرضا:
    قال ذو النون: ثلاثة من أعلام الرضا: "ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء. وهيجان الحب في حشو البلاء".
     متى يكون العبد راضياً؟
     سُئلت رابعة العدوية: متى يكون العبد راضياً؟ فقالت: إذا سرته المصيبة كما سرَّته النعمة.
    وصايا لتكون راضيا:
    1- اقنع بما قدَّره الله عزَّ وجلَّ لك، فإن كنت معافى في جسدك من الأمراض، وتعيش في أمانٍ دون خوف، وتملك قوت يومك فلا تبيت جوعان، وجب عليك -بهذه النعم الثلاث- أن تحمد الله حمد الراضين، ولتتذكَّر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ©من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا®[ رواه الترمذي وقال حديثٌ حسنٌ ].   
    2- أرح نفسك من الهم بعد التدبير: فالمؤمن الحقيقي لا يفرح بدنيا تصيبه ولا يحزن على فواتها، ولكنه يفرح بالطاعة وتحزنه المعصية. .
    3-  توقف عن المقارنة، وهذه طريقة أخرى يمكن أن تشعرك بالسعادة في حياتك، فيجب عليك التوقف عن التفكير في ضخامة منزل جارك، أو صديقك الذي لديه منصب كبير؛ لأنك لن تحصل على شيء إذا قارنت نفسك بالآخرين بدلاً من التفكير في حياتك.
    4- المال ليس كل شيء في الحياة، إن المال بالتأكيد سوف يغير حياتك من الخارج، ولكن لن يشعرك بالسعادة من الداخل. فيمكنك أن تقود أجمل سيارة، وتمتلك أرقى الملابس، أو تحصل على منزل كبير وفخم، ولكن على المدى الطويل، لن يغير ذلك الكثير أو يجعلك تشعر بالرضا عن حياتك، فمجرد أن تملك ما يكفي من المال لدفع تكاليف احتياجاتك الأساسية وبعض المتعة كفيل بأن يشعرك بالرضا والسعادة.
    5- تأمل في المكروبين، عليك أن تنظر لأحوال الآخرين خاصة المهمومين والمكروبين وأصحاب المصائب المختلفة، فمن تفكر في أحوال هؤلاء هان عليه كل ما هو فيه من مشاق.
    6- أكثر من التسبيح في كل وقت، ولا يهمك كلام الناس: تأمل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾[طه:130]
    نجومٌ على طريق الرضا:
    -تَمرُّ برجل فاقدٍ لبصره، تتعجَّب من ابتسامة تملأ وجْهَه، وعبارات الشُّكر والرضا يَلهج بها لسانُه، لا يشكو لأحدٍ ولا يَضْجَر من حاله، فتتعجَّب: كم منَّا مِن مُبصرٍ يشكو من الدنيا وهمومها وهو سليم يُبصر!
    - تزور مريضًا لازَمَ السَّرير، لَم يَلزمه يومًا أو شهرًا، بل سنوات، لا يتحرَّك منه شيء سوى رأْسٍ يحرِّكه يمنة ويسرة، ولسانٍ ذاكرٍ شاكر، وتَشعر بانشراح صدْره وتقَبُّله لمرضِه، فتتعجَّب: كم منَّا معافًى يتحرَّك ويذهب، ويغدو ويتنقَّل في كلِّ مكان، ومع ذلك يَمقُت حاله، ويشكو ظروفه!
    - عامل نظافة بسيط، تحت أشِعَّة الشمس الحارقة يُمارس عمله برضًا تامٍّ، ورَجل في سيَّارته المُكَيَّفة المُريحة، تَجده يشكو من الحرِّ وأشعة الشمس، فسبحان الله!
    - موظف بسيط، يأخذ راتبًا قليلاً، ولكنَّه مُنظَّم في نَفَقاته، ويَستهلك حسب حاجته، شاكرٌ لله، ويتصدَّق من ماله؛ يَبتغي وجْه الله، وآخَرُ راتبُه أعلى، ومَنصبه أكبر، يشكو من النفقات واستهلاك الأبناء، ودائمًا الشكوى معه أينما ذهَب.
    -لا تستغرب حين تسمع من قُطعت يداه ورجلاه مقعد الفراش يقول وهو يدعو ربه: © وعزتك لو أمرت الهوام فقسمتني مُضَغاً ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبراً ».
    -رجلٌ فاقدٌ للبصر والرجلين يقول بعد أن سمعه أحدهم وهو يحمد الله ويشكره: " والله لو أمر الله الأرض فخسفت بي، والجبال فدكتني، والبحار فأغرقتني ما ازددت له إلا شكراً لأنه أبقى لي لساني أذكره به واشكره".
    -عمران بن حصين - رضي الله عنه - وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي أُصيب بشللٍ أقعده تمامًا عن الحركة، ويستمر معه المرض مدة ثلاثين سنة، حتى أنَّهم نقبوا له في سريره حتى يقضى حاجته، فدخل عليه بعض الصحابة. . فلما رأوه بكوا، فنظر إليهم وقال:" أنتم تبكون، أما أنا فراضٍ. . أحبُّ ما أحبه الله، وأرضى بما ارتضاه الله، وأسعد بما اختاره الله، وأشهدكم أنِّي راضٍ".
    - عروة بن الزبير، توفى ابنه وفاةً غاية في الصعوبة إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطِعت قدم عروة في نفس يوم الوفاة، فاحتار الناس على أي شيءٍ يعزونه. . على فقد ابنه أم على قطع رجله؟ فدخلوا عليه، فقال: "اللهم لك الحمد، أعطيتني أربعة أعضاء. . أخذت واحدًا وتركت ثلاثة. . فلك الحمد؛ وكان لي سبعة أبناء. . أخذت واحدًا وأبقيت ستة. . فلك الحمد؛ لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت، أشهدكم أنِّى راضٍ عن ربي".
    -لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا وكان مجاب الدعوة قاله عبد الله بن السائب فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال أنت قارئ أهل مكة قلت نعم فذكر قصة قال في آخرها فقلت له يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك فتبسم وقال:" يا بني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري". [ إحياء علوم الدين: 4/350].
       أسئلة مهمة:
    -هل الرضا يتعارض  مع الدعاء؟ لا يتعارض؛ لأن الدعاء يُرضي الله و هو مما أمر الله به. .
    -هل الإنسان إذا دعا أن يزيل الله عنه مصيبةً لا يكون راضياً؟ ! ! الجواب: لا. . ليس هكذا. . لأن الله قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60].و قال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:16] يدعون ربهم يريدون نعماً و دفعَ نقمٍ. والدعاء لا يتعارض مع الرضا. .     
    -هل الرضا يتنافى مع البكاء على الميّت؟ ! ! قال شيخ الإسلام: " البكاء على الميت على وجه الرحمة حسنٌ مستحبٌّ و ذلك لا ينافي الرضا، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه ". 
    -يجوز التألم من الأمراض، والأوجاع، والإخبار بما يجده الإنسان من ذلك، كالإخبار بما يجده من الجوع والفقر، من غير ضجر، أو جزع، أو سخط من ذلك كله، بل للتسلية والتصبر. [انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 13/212].
    إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الرضا، وأسأل الله أن أكون قد وفقت لإرسال رسائل إيمانية تجعلنا وإياك من أهل الرضا، والسعادة، فلا تنسى كاتب هذه السطور بدعوة خالصة.
    فإن كان من صواب فمن الله، وإن من خطأ أو نسيان فمن نفسي والشيطان، ورحم الله من أهدى إليّ عيوبي .
    اللهم إنا نسألك أنْفُسًا راضية بقضائك، مُحِبَّة للقائِك.
              وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


    ------------------------------------
    * بقلم د.أمير بن محمد المدري
    - السابع من ربيع الأول العام 1441هـ
    - الموافق الرابع من شهر نوفمبر العام 2019م
    - اليمن -  المهرة


    8
    الجوال نعمةٌ جليلة، ومنحةٌ عظيمة؛ إذا أُحسن استخدامها واستثمارها فيما ينفع من تفريج كربٍ، أو صلة رحم، أو قضاء حاجة، أو دعوة إلى الله. . . وهلم جر من الفوائد.
    نحن بحاجة إلى أن نعي فقه التعامل مع الجوال ونعرف آداب استخدامه، ووقفتنا مع جزئية من الآداب وهي طريقة الرد على الاتصالات، والرسائل، والناس فيها على ثلاثة أقسام:
    القسم الأول: يُفضل عدم الرد والتطنيش سواءً بالإغلاق، أو التجاهل هرباً من الإزعاج كما يزعم، أو الانشغال. وهذا التجاهل لمكالمات الآخرين، ورسائلهم على وسائل التواصل يترك تذمراً لديهم، وربما شعوراً بالغضب.
    وعدم الرد على الهاتف ووسائل التواصل والتطنيش يشبه أن يطرق أحدهم على باب منزلك، بينما تنتظر أنت وراء الباب لا تُجيب الطارق، إنه لا شك أمرٌ لا يليق، وفعلٌ خارمٌ للمروؤة، ومفسد للأخوة.
    ولعل المتصل اختصك من سائر الناس لانجاز مطلوبه، ولقضاء حاجته، تلك الحاجة التي جعل النبي -صلى الله عليه وسلم -قضاءها يساوي اعتكاف شهرٍ في مسجده عليه الصلاة والسلام كما صح عنه.
    وهذا الأمر معيباً على عامة الناس، ويكون أكثر عيباً وفضاعةً عندما يكون من أهل الخير والصلاح والفضل والدعوة.
    وفي نفس الوقت ينبغي مراعاة أحوال الناس عند الاتصال، وتلمس العذر لهم، وعدم اقلاق راحتهم، فقد يكون من تتصل به، أو ترسل إليه مريضاً، أو مستعجلا، أو مشغولا بشيء؛ خاصةً من يستقبل اتصالات كثيرة لعلمٍ، أو لمسؤولية؛ ولذلك فإن فقه المسلم لقوله تعالى:
    ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾[النور: 28] يحمله على أن يتأدب الأدب وألا يُسيء الظن بمن يتصل.
    وقد أُلام لعدم الرد على الجوال، أو رسائل الوتس، أو لتأخرها، ولا يعرف أخي المتصل، أو المرسل أنه ليس الوحيد الذي لديه استفسار عن رؤيا، أو استشارة في أمرٍ ما، بل العشرات في كل يوم، لو ظللت أرد عليها لما بقي لي من يومي شيئا لفعل أمرٍ آخر، ولكنها المقاربة وتنظيم الوقت قد تصلحان الأمر بعد توفيق الله.
    القسم الثاني: أُصيب بالإدمان يرد على كل من اتصل عليه في كل وقت وفي كل ساعة، حتى لو كان في مسجد،تراه بعد منتصف الليل وقُبيل الفجر متصلاً في حالته على الوتس يستقبل الرسائل ويُعلّق عليها، وقد لا يحضر لصلاة الفجر فتضيع أوقاته، وتُهدر حياته.
    يفتح أي رابط، حتى لو كان فيه فيروس يُدمّر جواله وحاسوبه، ويُعلّق على كل منشور، ويقضي نصف يومه بل أكثر يُقلّب الجوال، وما قلّب كتاب ربه ثمُن تلك الفترة.
    القسم الثالث: وهو أكثرهم حكمة له أوقاتٌ للرد على الجوال، أو على وسائل التواصل.
    قد يتعذر عن ذلك لسببٍ ما، لكنه بعد نفاد الشغل، وزوال الظرف يرد على من طرق باب جواله باتصال، أو برسالة.
    وبالله التوفيق..

    9
    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
    أختي الكريمة أشكر لك ثقتك، وأسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق السداد. . وأشكر لك اهتمامك بأخي زوجك وهذا ينبئ عن شخصية محبة للخير صالحة مصلحة وفقك الله ونفع بك .
     أما استشارتك فتعليقي عليها ما يلي :
    أولاً- لا شك أن أخا زوجك يعيش مرحلة المراهقة بكل ما يعنيه ذلك من توتر وقلق وتقلب وتمرد واندفاع وتهور. . وبحث لا يتوقف عن هوية أو شخصية يعتمدها لنفسه ويلتزم بها. . ! ! وأحاسيس ومشاعر داخلية متباينة تختلج في نفسه وتتصارع في أعماقه. . وإن اختلف التعبير عنها بين مراهق وآخر. . وبين بيئة وأخرى ! !
    ثانياً - فهمنا لواقع المراهق ونفسيته يجعلنا نتعامل معه على هذا الأساس، ولا نستغرب منه بعض التصرفات التي- ربما - بدت لنا غريبة بعض الشيء. . ! ! ونتغاضى عن بعض هفواته البسيطة، ونشعره بذاته التي قد تتضخم لدى بعض المراهقين بصورة كبيرة ربما أساء التعبير عنها بتمرده ورفضه للتوجيهات وملاسنته لمن هم أكبر منه سناً وقدراً .
     ثالثاً: لا بد له أن يعلم أن هناك خطوطاً حمر لن يُسمح له بتجاوزها. . مهما كان : " مثل الغياب لأيام خارج المنزل ، أو صُحبة أقران قد أزكمت الأنوف سمعتهم. . . وغيرها "، ويترك هذا التحذير في آخر القائمة .
    رابعاً: أن تكون صلة أهله به صلة قوية، فيها تقدير لمشاعره، واعتبار لإنسانيته، وأن يكونوا على بيِّنة ودراية في كيفية التعامل معه، وذلك من خلال معرفة خصائص المرحلة، فمتى ما وجد منهم حُسن الصحبة وعدم العنف معه، وسمع منهم ذكر محاسن أخلاقه والثناء عليه لتعزيزها، وعدم الإكثار من اللوم والتعنيف، واختيار الوقت والحال التي يلزم توجيه النصح له فيهما. فإنه -والحالة هذه- سيبادلهم الاحترام، وتتهيأ نفسه لقبول ما يسمعه منهم .
    خامساً: الشاب في مثل هذا السن يحب أن تناط به المسؤوليات ليثبت لنفسه أولاً ولمن حوله ثانياً بأنه قادر على حمل المسؤولية فلماذا لا تشركوه في حمل عناء الاهتمام بالأسرة ، ادفعوا إليه مسؤولية بعض الأمور التي تحتاج إليها الأسرة وثقوا به ولا تقللوا من شأنه فيها خاصة في الأمور التي لا يحصل من جراء الفشل من القيام بها أي ضرر. وعلى الأخ الأكبر أن يكون لأخيه بمثابة الصديق، وأن يشعره بالاهتمام بآرائه فيستشيره ببعض الأمور، ويأخذ برأيه في بعضها، وإن كانت أقل في مستواها مما يرجوه ليشعر بالاعتزاز والتقدير.
    سادساً: لا شك أن انشغال أفراد الأسرة كلٌ بعمله ومشاغله جعله يبحث له عن آخرين خارج المنزل، ولذا عليهم الاقتراب منه كصديق. . مشاركته في اهتماماته. . والاستماع إليه. . واستشارته في بعض الأشياء الخاصة بالأسرة. . وإشعاره بأن الجميع يثق به. . وبأنه ـ فعلاً ـ رجل ناضج. . وأوعزي إلى أهله بأن يسندوا إليه بعض المهام. . ويشكروه على إنجازها. . ولا يستغربوا منه تقلبه في الصداقات وفي الرغبات. . فهذه سمة المرحلة كما أسلفت. . لأنه مازال يبحث عن ذاته. . ولم يحدد بعد ماذا يريد. . ! ! ! فأعينوه على ذلك. . من غير إفراط ولا تفريط. . وحبذا لو بدأتم معه " بهديه " تروا أنها مناسبة لاهتماماته. . ثم يشجع مع الوقت على تنمية هوايات معينه ومشاركته في بحثها والنقاش حولها، والمهم هنا ألا تنقطع شعرة معاوية بينك وبينهم بقدر المستطاع. . ولا تنتظروا منه الكمال .
    سابعاً:  وقبل هذا وبعده صدق الالتجاء إلى الله العلي القدير بالدعاء بأن يهديه ويصلحه ويحفظه من كل سوء، ويقر عيون أهله بصلاحه وتوفيقه وهدايته. ومواصلة الدعاء وتحري مواطن الإجابة.
    وبالله التوفيق .

    10
     وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    حياكِ الله أختي الفاضلةُ، ونشكر لكِ ثقتَكِ. .
    وجزاك الله خيرا على حرصك على ابنة الخالة، وهذا يدل على صلاحك وصفاء قلبك وحبك للخير ومنفعة الآخرين، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
    الأخت الكريمة /أروى
    أولاً: استمري في نصيحتها، ولو رفضت،  وأشعريها بحبك لها وحرصك على عفتها وسمعتها، وأشعريها أن شرف البنت وسمعتها أعز ما تملك والتفريط فيه يعني تفريط في حياتها.
    ثانياً: لا بد أن توضحي لها أن هذا الأمر محرم شرعاً، فلا يجوز للفتاة أن تصادق شاب أجنبي عنها، وذكّريها أن هذه الصداقة تجر إلى محرمات كثيرة من النظر، والحديث، والخلوة، والوقوع في الفاحشة -عافانا الله وإياكِ وجميع المسلمين- .
    ثالثاً: ابحثي عن شخصيات تُقدرها وتُحبها، وأخبريهم بطريقة غير مباشرة لنصيحتها .
    رابعاً: لا شك أن تغيرها راجع إلى صُحبة سيئة كما ذكرتِ، ولهذا من العلاج تغيير الصحبة والبيئة .
    خامساً: آخر الدواء الكي، التساهل في الأمر وعدم نصيحتها ربما يقع الفأس في الرأس ويقع ما لا يُحمد عقباه؛ ولهذا لا بد من إخبار أهلها برسالة أو بغيرها عبرك أو عبر آخرين بوسيلة لا تسبب لك مشاكل وتكون بحكمة.
    أسأل الله أن يجزيك خير الجزاء، وأن يهديها إلى سواء الصراط، ويبعد عنها الحرام وأهل الحرام.  آمين .

    11
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وبع :.
    أُختي الكريمة /أم منصور، أشكر لك ثقتكِ ، وأسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد .
    أختي الكريمة :
    دور الأم من أصعب الأدوار؛ حيث تحب أولادها، وتقلق عليهم، وترغب أن يكونوا خير أطفال على وجه الأرض، وأن تبني لهم مستقبلاً تفخر به، ما أروع الأحلام التي تحلم بها ! ثم ترتطم بأرض الواقع، لتُفاجأ بأنها عاجزة عن ضبط الأمور أحيانًا .
    لا شك أن التربية ليست عملية سهلة برغم متعتها، وتحتاج منا الكثير من الصبر، والجهد، والحب .
    أيتها الأم الفاضلة : لم تذكري في استشارتك عمر ولدك ، ولكن أعتقد أنه  بدأ في عمر المراهقة؛ حيث يشعر أنه كَبُرَ، ولم ينضمَّ بَعْدُ لعالَم الكِبار، وتُعَدُّ هذه المرحلة من أصعب المراحل في التربية؛ لأنه يحتاج توجيهًا، وفي الوقت نفسه يرفض دور الأهل المباشر .
    جيّد أنَّكِ انتبهتِ لمشكلتكِ مع ولدِكِ، وتَسعَيْنَ لإيجاد الحل قبل أن تستفحل المشكلة أكثر، ويصعب حلها .
    وما ننصح به لعلاج الأمر :
    أولاً: بداية تذكري احتساب الأجر في التربية، وأن دورك مع ولدك لن يستطيع أحد أن يؤديه عنك؛ فلذلك وضع الله لنا عاطفة الأمومة، لتكون التربية أولوية بحياتنا .
      ثانياً: بهذا العمر لا ينفع معهم لا الحماية الزائدة والدلال، ولا الشدة الزائدة أيضًا؛ حيث تؤدي للتمرّد حالما يتمكنون، وقد بدأت رؤية بوادر التمرد النفسي من ولدك بالضرب ، وعدم امتثاله لأوامرك؛ لأنه لا يجد لديك القوة كوالده، وربما لأنه يعرف طيبة قلب الأم .
    ثالثاً: كون والد ابنك بعيد عنه  فهذا يساعد ابنك كثيراً في التمرد والعصيان؛ لأن الأب هو الطرف الحازم في العائلة، وفقده يسبب للطفل معاناة قد يحاول دفعها بتمرده وعصيانه، وهذا يُلقي عليك مسؤولية أكبر .
    رابعاً: حاوِلي فَهْم ولدك، ومعرفة أسلوب تفكيره وما يهمه، فحتى تستطيعي تربيته لابُدَّ لك من معرفته، أيضًا لتعرفي مداخله، اقتربي منه، وابني معه صداقة قَدْر استطاعتك .
    خامساً:  أكثري من الحوار معه، الحوار الذي يجعلك تعرفين كيف يفكر، وتعطيه مجالاً ليعبّر عن نفسه .
    سادساً: حاولي قدر استطاعَتِك أن يكون هناك تنسيق بينك وبين والده  على التربية، وعلى المشكلات التي يتعرض لها الأولاد؛ لتُعالِجُوها معًا وَفْق نسقٍ واحدٍ؛ فَشُعورُ الأولاد باتّفاق والديهما على أسلوب التربية يجعلهما أكثر استقرارًا .
    سابعاً: حاولي أن تستخدمي وسائل التعزيز والصّحبة أكثر من العقوبات، بأن تزيدي مصروفه مثلاً بعد تسميعه القرآن، أو تَعِدِيه بأن تسمحي له بالخروج مع أصحابه لو انتهى من أمر يهمك أن يقوم به .
    ثامناً:  لو استطعتِ معرفة مَن يصادق أو أهلهم، فإن هذا سيساعدك كثيرًا على فهمه، حيث يتأثر الأولاد في هذا العمر بأصدقائهم أكثر من أيّ أحد، ولوِ استَطَعْتِ أن تجعليه ينضمُّ لجماعة تحفيظ، أو أصدقاء تثِقين بهم، يُسهِّل هذا عليك التربية أكثر؛ فالصحبة الصالحة مهمة جدًّا .
    تاسعاً: إن كان هناك من أقارب ابنك من له سلطة عليه وتثقين أنت به فلا بأس من الاستعانة به على تربيته، كأن يعاقبه عند التدخين، أو يعنفه إذا سبك أو عصاك .
    عاشراً: من الأساليب الأولية النافعة، نصيحة الابن من الجميع بترك التدخين، منعه من الدخول به في البيت، معاتبته بالحسنى، وإظهار عدم الرضى إذا شُمت منه رائحته، والتنفير من مرافقته لفلان وعلان ممن يدخنون، ومنع بعض الأمور المحببة إليه إذا دخن، وإظهار الامتعاض من والديه تجاه المشكلة .
    الحادي عشر: ما يتعلق بالدراسة : كثيرون هم أولئك الذين يعانون مما تعانين - صدقيني- والأسباب كثيرة جداً لا تتحمل الأسرة أو الطالب إلا جزءاً منها .
    لذلك ليكن همك الأول أخلاقه وتربيته وحسن تعامله .. ونوعية أصدقائه ؛ فهي الاستثمار الأساس ، وأما دراسته فيمكنك تجربة ما يسمى بـ" التعاقد الشرطي" معه أي أنه إن جد في دراسته واجتهد فستحققين له بعضاً من مطالبه ، مع حثه كما أسلفت وتشجيعه ، ومساعدته في تنظيم وقته ومشاركته في همومه وآلامه وآماله قدر المستطاع .
    ولا تترددي إن احتاج الأمر أن تنقلوه إلى مدرسة أخرى، ليرتبط بصحبة طبيبة، وليكن عليها أحد من الناس الذين تثقون به .
     أخيراً:  أكثري من الدعاء له  بالصلاح؛ فدعاء الأم بابه لا يغلق.
    وفقك الله وأعانك.
     
     

     
     
     
     
     

     
     
     
     


    12
      الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    الأخت الفاضلة /أم عبد العزيز وفقنا الله وإياك إلى كل خير وأصلح لنا ذرياتنا.
    وبعد:
    أختي الكريمة ؛ بالنسبة لمشكلة طفلكِ، فتعليقي عليها من وجوه :
    أولاً: في الغالب أن ما يعاني منه طفلكِ هو ما يسمى علمياً بـ " النشاط الحركي الزائد " ، ويعرف بأنه عدم الاستقرار في مكان واحد لأكثر من لحظات والجري بسرعة من مكان إلى آخر بشكل ـ ربما ـ فوضوي وخطر على الطفل. . ! وكثرة الكلام. . وإثارة الضجيج. . وعدم الالتزام بالأوامر والنواهي. . أو بالنظام. . وما إلى ذلك من أعراض المشاكسة المستمرة . 
    ثانياً: لا تلومي نفسك إذا التقط صغيرك بعض الألفاظ غير الملائمة والسيئة، فالأطفال معرضون لعدة مصادر للغة والمعلومات، ومن النادر أن لا يسمع طفلك كلام سيء قبل أن يكبر.
    ثالثاً: قد يكون ما يعاني منه الطفل. . نوع من التدليل الزائد. . وربما الرغبة في لفت الانتباه إليه وهي من الأشياء الواردة بقوة لدى بعض الأطفال. . ! !
    رابعاً: التوجيه واللوم والتخويف والتهديد والضرب المبرح. . كلها مراحل وخطوات لتقويم السلوك وأمور قد نضطر إليها أحياناً. . ولكن أهم ما فيها هو عنصر التوقيت والمتابعة! ! بمعنى ألا استخدم التهديد في وقت التوجيه. . أو الضرب في وقت التخويف. . إلخ.
    ومنة ثم  قد لا التزم بوعدي ( ووعيدي. . ! ! ) فالأطفال عامة أذكياء. . ويعرفون ما لدى والديهم. . ومدى جديتهم في تنفيذ ما يقولون .
    خامساً: لعلاج مثل هذه الحالات تستخدم عادة أساليب وفنيات تعديل السلوك. . بنجاح كبير. . واقترح عليك من هذه الفنيات في مثل موضوع طفلك ما يلي :
    1- كوني قدوة؛ وانتبهي لألفاظك في مواقف معينة، فالكلمات السيئة قد تخرج منكِ وأنتِ غاضبة أو محبطة في مواقف مثل أن تكوني في طريق مزدحم أو أحدهم اعترض في طريقك، أو غير ذلك.
    2- راقبي ماذا يشاهد طفلك على التلفاز، تجنبي العروض التي قد تحتوي على ألفاظ أو حوارات سيئة، أو محتوى سيء حتى لا يكتسبها طفلك.
    3-عرفي طفلكِ أن هناك كلمات تجرح وتؤذي الآخرين، وتُحزنهم وتُسيء إليهم.
    4- لا تنعتي طفلك ب" بطفل سيء " إذا تكلم بكلام سيء، بل يجب أن توضحي أن الكلام هو السيء وليس طفلكِ، وأعطيه البدائل، أعطيه كلمة بديلة يستخدمها.
    5-لا تبالغي في ردة فعلكِ، فالأطفال دائماً يكررون ما يسمعون بدون معرفة المعنى، فلا تعاقبية ولا تصرخي في وجهه، فذلك سيجعله يركز أكثر على تلك الكلمة السيئة.
    6-  لتكن ـ أختي الكريمة ـ لغتكِ واضحة مع طفلك سواءً في الأوامر أو النواهي. . وتجنبي قدر المستطاع مزج الجد بالهزل في توبيخك وتهديدك. . فالطفل لا يميز بينهم 00! ! . . وسيأخذ الأمور على أنها هزل دائماً. . وربما استغرب تناقض والديه ، ولذلك فالوضوح مطلب ضروري وهام جداً. . في الوعد والوعيد. . والصدق أساس كل ذلك.
    7- امدحي الكلمات والأفعال الجيدة التي يقوم بها طفلك، فالابتسامة أو قول : " هذا شيء لطيف " يكفي، وسيعلم أنه على الطريق الصحيح، وأن ما يفعله أو يقوله يلقى تشجيعا واستحسانا منك .
    8- فيما يخص كرسي العقاب أو التأديب للأطفال فهو نوع من أنواع السيطرة على سلوك الطفل وعزله في مكان ثابت بشكل ساكن حتى يستجيب لقوانين الآداب التي وضعت له في المنزل، كما تعد من الطرق الحضارية لتعليم الطفل الطاعة والاحترام بطريقة لا تشكل عليه خطراً نفسياً ولا جسدياً، بعيداً عن العنف والإهانات للأطفال الأشقياء وله شروط لاستخدامه ليس مكانها هنا.
    وأخيراً: ولا تنسى ـ أختي الفاضلة /أم عبد العزيز قبل هذا وبعده الدعاء الصادق بأن يصلح الله لك ولدك ويجعله قرة عين إنه ولي ذلك والقادر عليه .


    13
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن وآلاه، أما بعدُ :
    الأخت الفاضلة، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد :
    فإن مِن نِعَم الله على المسلمة أن تحرص على تَحَرِّي طريق الحق، وتسأل عن أمور دِينِها ودنياها، وتطلب النصح، وتعملَ على معرفة سُبُل الكسب الحلال، وهذا ما لَمَسْتُه في رسالتك، التي يظهر في ثناياها صدق توبتك وحبُّكِ للخير والحرص على إرجاع الحقوق إلى أهلها ، فأسأل الله لكِ التوفيق والسداد.
    أختي الكريمة/هبة الله : يطيب لي أن أقف مع رسالتك الوقفات التالية :
    أولاً: احمدي الله على الهداية ومعرفة الصواب؛ فهذا من توفيق الله وحبه لك؛ فلو لم يحبك ما هداك ووفقك لمعرفة الخير من الشر، والحلال من الحرام، ويسّر لك أُمّا لديها من الحكمة والسماح.
    ثانياً: من علامات صدق توبتك إعادة المال إلى أصحابه، والبحث عنهم بشتى الوسائل فأبشروا بفضل الله ورحمته .
    ثالثاً: ما أخذتموه من الأب والأم إن استطعتم طلب السماح منهم فذلك خير، وإن لم تستطيعوا فتصدقي إلى نيتهم، وكذلك غيرهم من الناس الذين أخذتم عليهم .
    رابعاً: من وسائل إطفاء غضب الرب سبحانه وتطهير المال الحلال الصدقة،فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " داوُوا مرضَاكم بالصّدقة" [أخرجه البيهقي السنن الكبرى (3/382) عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط (1963) والكبير (10/128)، وابن عدي في الكامل (6/341)، وأبو نعيم في الحلية (2/104، 4/237)].
    خامساً: الرجوع إلى الذنب، ثم التوبة ثم الرجوع هذا من طبيعة ابن آدم الذنب والخطيئة؛ فلا عليك فرحمة الله واسعة ولا تيأسي من رحمة الله وفضله، فالياس والقنوط من الكبائر، ولكن ثقي في الله وأحسني الظن فيه .
    سادساً: استمري في الدعاء وطرق أبواب السماء فمن أدمن طرق الباب يُوشك أن يُفتح له، والله يحب من عبده الالحاح في الدعاء .
    وفقَّكِ الله لما يُرضيه، ومرحبًا بك في موقع (المستشار) .

    14
    الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
    الأخت الكريمة :
    إنه ليسرنا أن نرحب بكِ في موقعك المستشار، فأهلا وسهلا ومرحبا بك،  ونسعد بتواصلك معنا، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك إلى كل خير .
    وبخصوص طفلتك العنيدة التي أسأل الله أن يصلحها ويجعلها قُرة عين لك ولأبيها فأقول وبالله التوفيق :
    أولاً: العناد سلوك قد يهدد الأسرة أحيانا ويقودها نحو طريق مسدود، فالآباء والأمهات يبذلون ما بوسعهم لتنشئة ورعاية أطفالهم، إلا أن الإخفاق في إيجاد الحلول المناسبة قد يسبب مشاكل عديدة. ويتضح العناد في عدم قبول الطفل الوضع القائم ويرى أن الوضع الآخر أكثر مناسبة وراحة له .
    ثانياً: يرى بعض علماء النفس على أهمية التعامل مع الطفل العنيد بطريقة الاستجابة لتصرفه بمعنى ألاّ تقوم بالصراخ، ولا توجه له عبارات جارحة إذا استخدم عبارات عنيفة. بل الذي يجب هو الكلام والحديث الذي يناسب موقف وعقلية الطفل، وبذلك نجعله ينتقل من حالة الهجوم إلى الدفاع فتخف حدة انفعاله .
    ثالثاً: قد يستخدم الطفل العناد ليلفت الانتباه لوالديه خاصة مع وجود طفل آخر في الأسرة وهي أختها التي قد تكون سحبت منها بعض الحنان والحب منك ومن والدها .
    رابعاً:  أهم ما أوصيك به هو الصبر وعدم التذمر من عنادها وعدوانيتها فلا زالت في سن مبكر تحتاج منكما حضن دافيء وقلب حنون، وعاقبة الصبر خير .
    خامساً: الوقت مبكر للحديث والتثقيف الجنسي .
    سادساً وأخيراً: من أهم احتياجات الأطفال التقبل والتفهم، وإظهار الحب لهم، وهنا المعالجة واضحة بعد إرادة الله، وهي التقرب إلى الطفلة، وتقديم الحب والاهتمام لها من قبل الوالدين، والصبر في ذلك وإشعارها بالاحترام الذي يشعرها بالانتماء للأسرة والحب لها. وفقك الله .


    15
    وعليكم والسلام ورحمة الله وبركاته .. أما بعد ..
    أختي الكريمة .. أشكر لكِ ثقتك، وأسأل الله تعالى لنا ولكِ التوفيق والسداد والرشاد ..
    فما يتعلق باستشارتكِ
     فتعليقي عليها من عدة وجوه :
    أولاً : هناك أسباب كثيرة ومتباينة قد يُفسر من خلالها كذب الأطفال :
     _ فبعض الأطفال قد يكذب لكي يضفي على نفسه نوع من الأهمية التي - ربما - شعر بفقدانها ..! وبعض الأطفال قد يكذب رغبة منه في تحقيق غرض شخصي أو مطلب خاص يشعر حياله بالنقص بين أقرانه .. ويشعر في قراره نفسه أنه لا يمكن أن يحقق هذا الشيء إلا بهذه الوسيلة .. إما لعدم ثقته بوالديه أو أخوته الكبار .. أو ليقينه - الخاطئ غالباً - بأن هؤلاء يقفون في طريقه وأنهم لن يحققوا أهدافه .. بل وربما عاقبوه عليها ..!! فيضطر حينها للكذب !!!
    _ وقد يكذب الطفل من باب العناد .. وتحدي السلطة .. كسلطة الأبوين أو المعلم .. وهذا الكذب يشعره باللذة والسعادة .. لمجرد استطاعته الكذب عليهما .. خاصة إذا كانت هذه السلطة شديدة الرقابة والضغط .. ولا تتيح المجال للحوار الإيجابي ..!!
    _ وبعض الأطفال يكذب انتقاماً .. حيث يتهم غيره بأمور معينة انتقاماً منه .. وذلك لشعوره بالغيرة تجاهه .. وغير ذلك من الأسباب التي تنشأ عموماً من إحساس غامض بالدونية .. وإن اختلفت أسباب هذا الإحساس أو أعراضه !
    ثانياً : هناك من الأطفال من يكذب لخصوبة الخيال لديه ..!! ولأنه في مرحلته العمرية القريبة من عمر ابنتك .. لا يفرق عادة بين ما يتصوره في خياله .. وما يراه حقيقة أمامه فيتداخل لديه الخيال والواقع .. ويذكرهما جميعاً على أنهما قصة واحدة !!
    _ وقد يكذب الطفل بسبب ممارسة القسوة معه منذ الصغر بدون مناقشة عن أسباب خطئه مما يجعله يلجأ للكذب كي يتجنب العقاب !!!
    ثانياً : من الأسباب الهامة التي يغفل عنها كثير من الناس .. أن الأطفال يقلدون و يحاكون الكبار .. ويتأثرون بهم إلى حد كبير فترى الطفل يرى والديه أو أحدهما .. وربما أحد أقاربه أو مدرسيه يكذب لسبب أو لأخر .. أما لكي يعتذر عن مناسبة أو موقف معين ... أو غير ذلك ..فيكتسب هذا الطفل هذا الأمر .. !! وهو لا يفرق عادة بين الأسباب والدوافع والمواقف ..بل يتأثر بها و ربما أصابته الحيرة الشديدة و الاضطراب من هذا التناقض الذي يراه أمامه .. أناس ينهونه عن الكذب ويعاقبونه عليه .. ومع ذلك هم يكذبون ؟!!
    ثالثاً :أما طرق العلاج التي أرى أنها مناسبة مع ابنتك بعون الله تعالى فهي :
    1-ساعدي ابنتك على التعلم بواسطة التجربة وبيِّني لها أن الصدق أفضل من الكذب وعقوبة الكاذب في الدنيا والآخرة .
    2-شجعيها على الصدق ولو كانت قد أخطأت في المنزل أو أخفقت في أي شيء وأخبريها أن صدقها يقابله ثناء وتشجيع وتحفيز مادي لأنها قد ذكرت الحقيقة وإن اعترافها أفضل بكثير من إخفاء الحقيقة !! ومارسي معها تلك الطريقة وكرريها عدة مرات وتجنبي بتاتاً إظهار الغضب لأي خطأ تعترف فيه !! فالنتيجة ستكون إيجابية بإذن الله .
    3-تجنبي مقارنتها بأقاربها أو أصدقاءها فقد تزيد المشكلة إلى تنامي الكذب والعدوانية في نفسها تجاه من تقارنيهم معها !!
    4-اسردي لها بعض القصص المفيدة مبيّنة فيها فضل الصدق ونتيجة الكذب السلبية بدون إشعارها بأنها هي المعنية بذلك !
    5-وفري لها بعض الأفلام الكرتونية الهادفة لتتعلم قيمة الصدق وما يؤول بصاحبه !!
    6-تفقدي وضعية زملائها في الروضة والحارة فقد يكونوا من أسباب تنامي تلك الخصلة وحاولي إبعادها أو إصلاحهم بالتأثير المباشر وغير المباشر !
    7-ليكن العقاب آخر المراحل بعد أن تعملي ما سبق وتصبري على تحقيق النتائج ويكون العقاب بعدة صيغ ! مثل :
    أ - الحرمان : بحيث يتم حرمانه من الخروج من المنزل أو اللعب في ألعابها المفضلة بمقدار عدد أكاذيبها !!
    ب- العزل ويتم عزلها في غرفة لمدة ربع ساعة تزيد أو تنقص بمقدار الكذب !!
    أخيراً : ُأختي الكريمة لا تنسي الدعاء .. بأن يصلح الله لك ذريتك وأن يذيقك حلاوة بر أبناءك وهدايتهم أنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير ، وفقكِ الله وسدد على طريق الخير و الحق خطاكِ .


    صفحات:
  • 1
  • 2