الرد على الاستشارة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما فهمته من كلامك أنكِ لا تتألمين من موقف عابر،
وإنما من سنوات عشتِ فيها وأنتِ تحتاجين إلى الأمان والاحتواء، بينما كان الخوف
والصراخ والتقليل حاضرًا في تعاملكم معه، ومن الطبيعي أن يؤثر ذلك مع الوقت على
ثقتك بنفسك وطريقة تعاملك مع الآخرين وقدرتك على اتخاذ قراراتك.
وأرغب أن أوضح لكِ أمرًا مهمًا: ما يوفره لكِ
والدك من احتياجات مادية أمر مهم، لكنه لا يُلغي حاجتكم إلى الكلمة الطيبة
والاحترام والاحتواء، وقد يكون لدى والدك قصة مؤلمة مرّ بها سابقًا، أو أسلوب
تربية اعتاد عليه، جعلت طريقة تعامله معكم بهذه القسوة، لكن معرفة السبب لا تعني أن
عليكِ تحمل أثر ذلك طوال حياتك.
لا تجعلي قسوته تعريفًا لشخصيتك :
أنتِ تستطيعين أن يكون لكِ رأي، وأن تعبّري عن
مشاعرك، ولستِ ضعيفة ولا بلا شخصية. ربما تعودتِ منذ الصغر على كبت نفسك خوفًا من
ردة فعله، فأصبح الخوف يسبق قراراتك ويجعلك تترددين في التعبير عن نفسك.
لذلك لا تجعلي هدفك الآن تغيير والدك، وإنما
ابدئي بتغيير ما تستطيعين تغييره في نفسك.
خذي قرارات صغيرة بنفسك، وعبّري عن رأيك في
الأمور التي تستطيعين التحكم بها، وتعلّمي أن الاختلاف لا يعني الخطأ، وأن من حقك
أن تكون لكِ مشاعر ورغبات وحدود تُحترم.
وعندما يبدأ بالصراخ أو التقليل منكِ ومن رأيك،
لا تدخلي في جدال معه لإثبات ذاتك، خصوصًا إذا كنتِ تعرفين أن النقاش سيتحول إلى
إهانة.
إذا كان الوضع هادئًا وأكثر أمانًا، اختصري
الحديث وابتعدي عن النقاش حتى يهدأ.، حماية نفسك من الاستنزاف ليست عقوقًا.
وأيضًا لا تحمّلي نفسك مسؤولية إصلاح العلاقة
وحدك، إذا كان هناك شخص حكيم من العائلة يستطيع التحدث معه بهدوء، فقد يكون وجود
وسيط مناسب مفيدًا، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى زيادة الأذى أو الضغط عليكِ.
اقرئي وتعلمي وطوري مهاراتك في الثقة بالنفس
واتخاذ القرار، وحاولي أن يكون حولك أشخاص إيجابيون وآمنون تستطيعين الحديث معهم
دون خوف أو حكم عليكِ، لا تستمري في كبت كل ما بداخلك؛ لأن تراكم المشاعر يجعل
الإنسان أكثر إنهاكًا مع الوقت.
وتذكري أن الحياة لا تتوقف عند الظروف التي
نعيشها الآن، قد تمر بنا مراحل صعبة جدًا، لكنها ليست بالضرورة الصورة التي ستبقى
عليها حياتنا إلى الأبد، المهم ألا نستسلم للظروف وألا نجعل الألم يدفعنا إلى
إيذاء أنفسنا أو تمني زوال حياتنا.
إذا شعرتِ أنكِ وصلتِ إلى مرحلة تفكرين فيها
فعلًا بإيذاء نفسك، فلا تبقي وحدكِ، وتحدثي فورًا مع شخص تثقين به، واطلبي مساعدة
مختصة، سلامتك أهم من أي مشكلة أو خلاف.
لا تجعلي الآخرين يفكرون عنكِ، ولا تسمحي للخوف
أن يلزمكِ الصمت طوال الوقت، تعلّمي كيف تعبّرين عن نفسك بهدوء، وكيف تختارين
قراراتك، وكيف تواجهين مصاعب الحياة بالتفكير السليم، والنظرة المتوازنة،
والاستعانة بمن يستطيع مساعدتك.
قد لا نستطيع تغيير كل من حولنا، لكننا نستطيع أن
نبدأ بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا، ونبني شخصيتنا من جديد خطوة خطوة.
أنتِ لستِ ما قاله الآخرون عنكِ،
ولستِ أسيرة لطريقة تعاملهم .