الرد على الاستشارة:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أشكر لكم ثقتكم الغالية بمنصة المستشار، وأسأل الله أن يجعل في كلماتي هذه نورًا في دربكم، و سكينةً تتنزّل على قلوبكم، وأن يعوّضكم عن كل ألمٍ صبرتم عليه خيرًا في الدنيا والآخرة.
أعلم أن ما مررتم به ليس سهلًا؛ فبعض المواقف تهزّ الثقة وتكسر الطمأنينة، ومن الطبيعي أن تتزاحم المشاعر بين غضبٍ وحزنٍ وحيرة.
وقد تحدّثتِ عن المشكلة التي تخص والدتك و والدك، ولذلك سأقسّم الحديث إلى جزأين:
جزء يخصكِ أنتِ و إخوتك، وجزء يخص والدك.
أولًا: ما يخصكِ أنتِ و إخوتك :
عليكِ دور مهم في احتواء والدتك، فهي تحتاج دعمًا من نوعٍ خاص… دعمًا يُقوّيها ولا يُضعفها.وجودكم حولها في هذه المرحلة ضرورة نفسية عظيمة.
قولوا لها: «وجودكِ بركة في حياتنا، وصبركِ ليس ضعفًا، بل قوة يراها الله قبلنا ، نحن معكِ، ونسأل الله أن يربط على قلبكِ.»
احرصوا على ألا تؤجّجوا النار في صدرها، ولا تحمّلوها عبء الانتقام أو ردّ الاعتبار، فكرامة المؤمن محفوظة عند الله، وليس كل حقٍّ يُؤخذ برفع الصوت، بل كثير من الحقوق تُصان بالصبر والحكمة.
وذكّروها دائمًا بأن الله لطيف بعباده، وأن الفرج يأتي من حيث لا نحتسب.
أما بالنسبه للتعامل مع والدك :
تذكّري جيدًا أن برّ الوالدين فريضة عظيمة لا تسقط بتغيّر الظروف.
قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ .
فحتى مع وجود الخلافات، تبقى المصاحبة بالمعروف واجبة.
. اجعلي كلامك مختصرًا مهذّبًا، بلا تحدٍّ ولا استفزاز.
. لا تدخلي في تفاصيل لا تجلب لكِ نفعًا؛ فليس كل نقاشٍ مفيد، وبعض السكوت حكمة.
. إذا ارتفع الصوت، فالانسحاب بهدوء خيرٌ من جدالٍ يورث القطيعة.
أعلم أن زواج والدك على والدتك مؤلم بالنسبة لكم، وقد يضعك بين طرفين تحبينهما معًا، لكن تذكّري :
علاقتكِ بوالدك شيء، وعلاقته بوالدتك شيءٌ آخر.
هو والدك قبل كل شيء، و حقّه عليكِ البرّ والطاعة والإحسان.
هذا حقٌّ ثابت لا يُقاس بمشاعر اللحظة.
وجودكِ في موقع الابنة لا يجعلكِ طرفًا في الخلاف، بل قد يجعلكِ جسرًا للإصلاح.
قربكِ منه، اهتمامكِ به، و كلمتكِ الطيبة قد تكون سببًا في تهدئة قلبه وإعادة توجيه بوصلته نحو أسرته وأبنائه.
وفي الوقت نفسه، لا تحمّلي نفسكِ ما يفوق طاقتك؛ فالإصلاح مسؤولية الوالدين أولًا.
ومع ما ذكرتِِه من صعوبة الظروف المادية، اجعلوا تركيزكم الأكبر على بناء مستقبلكم؛ تفوقكم و نجاحكم حمايةٌ لأنفسكم، و سببٌ – بعد الله – في استقرار حياتكم.
واعلموا أن الله يبتلي عباده ليرفع درجاتهم و يطهّر قلوبهم.
ثانيًا: فيما يخص والدتكم :
كونوا داعمين لها، و أسمعوها مثل هذه الكلمات: « نحن لا نراكِ ضعيفة، بل نراكِ امرأةً صابرة.نستمد قوتنا من ثباتكِ، ونرى فيكِ معنى الأم القوية المحبة.
قيمتكِ و مكانتكِ عندنا ثابتة لا تتغير.
خذي وقتكِ ليهدأ قلبكِ، و تذكّري أنكِ لستِ وحدكِ… نحن معكِ » .
ومن الأفضل أن تتوجّه والدتكِ بنفسها لطلب الاستشارة؛ فهي الأدرى بتفاصيل علاقتها وأسباب الخلاف.
يمكنها التواصل مع الهاتف الاستشاري لجمعية التنمية الأسرية، حيث يوجد مختصون يساعدونها على فهم الموقف والتعامل معه بحكمة.
أخيرًا :
نحن لا نبحث عن حلٍّ سحري، بل عن خطواتٍ متدرجة، بعد توفيق الله، إذا التزمتم بها هدأت الأوضاع واستقرت النفوس.
دوركِ يكمن في تهدئة الموقف، والوقوف مع أمكِ بدعمٍ و رحمة،
ومع والدكِ بإحسانٍ واحترام.
أسأل الله أن يُصلح الحال، ويجبر الكسر، ويكتب لكم من الضيق مخرجًا، ومن الهمّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عوضًا جميلًا.