الرد على الاستشارة:
بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ..
حيّاك الله أخينا الكريم ؛ ونشكر لك تواصلك معنا في منصة المستشار سائلين المولى -عزّ وجلّ- أن ينفعك بنا.
اطلعت على نصّ الاستشارة وما ذكرته من نقاط وللأسف هي موجة فتن تمرّ فيها الكثير من البيوت المسلمة ومشكلة لست الأوّل فيها -والله المستعان- .
ولكن قبل أن أدخل في تفاصيل ما قلته عنها هناك تساؤل مهم يُطرح : هل كانت هكذا منذ أن تزوجتها ؟ وما عمر زواجكما ؟
لو لم تكن هكذا منذ زواجكما ثمّ تغيّرت ، هل سألت نفسك ما أسباب هذا التغيّر ؟ هل هي صحبة لوثت عقلها وافتتنت معها ؟ أم أنّها كانت تشتكي من تصرفات منك أو قصور في مسؤلياتك وواجباتك وحقوقها لم تعالجاها معا فتراكمت حتى أدّى هذا إلى نشوزها ؟ أم هل صدمت منك من تصرّف معّين أو موقف عظيم في نفسها حتى انقلبت إلى هذا الوضع ؟ أمّ أنّها منذ زواجكما دخلت عليها وهي بهذا الفكر وهذه التصرفات وهذه الطباع و ولم تقصّر في حقوق بيتك وأولادك ؟
وكلّ هذه التساؤلات وما فيها ليست مبررا أبداً لتصرّفاتها ولكنّها أسئلة تثار لأنّ العلاج قد يكمن في الجواب عنها .
هل ناقشتها بحكمة وهدوء ومحبّة ولين عن سبب هذه التصرّفات ؟ وحاولت فهم ما وراء عقلها وقلبها ؟ وما الذي تحتاجه وينقصها لتلجأ إلى المتعة خارج المنزل وتهمل كلّ شيء داخله ؟
إن كنت لم تفعل فابدأ بهذا ، قم بحقوقك وواجباتك كاملة تجاه بيتك وأسرتك وأطفالك ليس من أجلها فقط بل من أجل الحفاظ على عائلتك فأنت الأعقل والأحكم ، اخرج معها يوما استأجر ليلة في فندق أو خذها لعشاء في مكان ممتع وابدأ معها بكلام طيّب وحنون ومحب واسألها عن سبب تصرّفاتها هذه وما الذي يدفعها لهذا وما الذي تحتاجه لتعود إلى قرارها وسكنها وتقوم بواجباتها وبيّن لها بكلّ حبّ ولطف أن هذا أمر الله ، والله لا يأمر بشيء إلاّ لحكمه وهي الحفاظ على البيوت المسلمة وناقشها بكلّ هدوء وحكمة وعقلانية ، فإن استجابت وتغيّرت فالحمد لله فكثير من النساء يكنّ فقط بحاجة إلى المحبة والاهتمام والاحتواء لتعود إلى المسار الصحيح وتعي حقيقة ما هي عليه ، فالعاطفة تغلب عند الكثيرات والكلمات الجميلة لها تأثير السحر على قلبها ليلين ويخضع .
فإن فعلت ولم تستجب ولم تخرج معها بحلّ يرجى فأقول لك أنّ ما عرضته أخينا الكريم؛ ليس خلافًا عابرًا بين زوجين، بل هو نمطٌ متكرر من السلوك الذي يميل – إذا ثبتت الوقائع كما ذكرت – إلى وصفٍ شرعي دقيق هو (النشوز) ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف نشوز المرأة: (هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه، بحيث لا تطيعُه إذا دعاها للفراش، أو تخرج من منزله بغير إذنه، ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجبُ عليها من طاعته) ، وما ذكرته كلّه يبيّن أنّ المشكلة ليست في حادثة واحدة، وإنما في مسارٍ طويل من المخالفات التي تمسّ أصل العلاقة الزوجية، وأمن البيت، وهيبة الزوج، واستقرار الأبناء.
فالخروج المتكرر من المنزل دون استئذان، والعودة يوميًا في ساعات متأخرة من الليل، ليس أمرًا بسيطًا يمكن تجاوزه بوصفه “اختلافًا في الطباع”، بل هو إخلالٌ بروح السكن والمودة التي قام عليها عقد الزواج، فالبيت ليس فندقًا للمبيت، والزوج ليس جهةً يُتجاهل رأيها، بل هو قِوامٌ على الأسرة، ومن حقه التنظيم بما يحقق الأمان والطمأنينة وحين يتحول هذا الخروج إلى عادة يومية مع تجاهل طلب الزوج، فإن ذلك يصبح قرينةً قوية على الاستهتار بحق القِوامة، لا مجرد سوء تقدير عابر.
ويزداد الأمر خطورة حين يقترن هذا السلوك بإهمال واضح للمنزل وللأبناء، سواء في النظافة أو العناية بملابسهم المدرسية وهيئتهم العامة فهذه ليست تفاصيل شكلية، بل هي مؤشر على اضطراب الأولويات، وضعف الإحساس بالمسؤولية الأسرية، فالأسرة تحتاج أمًّا حاضرة في بيتها تقوم بمسؤولياتها لا غائبة عنه بجسدها أو بقلبها، ومما يزيد الفجوة بينكما مدحها المتكرر للرجال أمامك وهو سلوك جارح نفسيًا ومنافٍ لأدب العشرة، ويغذّي الغيرة والقلق ويهدم الثقة ، وكذلك كثرة تدخلها في شؤون الآخرين، خاصة الأزواج، دليل على ميلٍ لإثارة المشكلات بدل السعي للسكينة، وهذا من أخطر ما يفتك بالعلاقات الأسرية ، وأما ركوبها مع رجل غريب رغم وجود سيارتها ووجودك، ودون استئذانك، فهو تصرّف بالغ الخطورة من الناحية الشرعية والاجتماعية؛ لأنه يفتح أبواب الريبة، ويهين مشاعرك، ويخالف العرف السليم، حتى لو لم يقع محرم صريح فالشرع يا أخي لا ينظر فقط إلى الفعل بل إلى ما يفضي إليه من مفاسد.
أيضا ما ذكرت من امتناعها عن إعطائك حقوقك الشرعية أو نفورها منك، وهو في ذاته نشوز صريح إذا كان بلا عذر معتبر، لأن عقد الزواج قائم على الحقوق المتبادلة، وليس على الانتقائية أو المزاج ، وما ذكرتَه من إدخالها صديقةً منعْتها أنت لأسباب معتبرة – تتعلق بالتحريض أو فساد الأثر- ، ليس مجرد خطأ، بل تحدٍّ مباشر لسلطتك في بيتك، وخرقٌ لحدود الطاعة في المعروف ، والبيت بيتكما، ولك فيه حق المنع شرعاً إذا كان في دخول شخص ما ضررٌ ظاهر.
ويتضح أنّك سعيت من أجل الإصلاح وتقويم حال البيت وهذا يدل على وعيك وحبّك واتزانك وحرصك على عدم تضييع بيتك عندما لجأت إلى بيت الطاعة ، لكن استمرارها حتى بعد الإنذار الرسمي وعدم اتعاظها يؤكّد أنّ المشكلة لم تعد سوء تفاهم بل مسارا ثابتا من المخالفة واللامبالاة .
وقد بيّن الله تعالى في كتابه طرق التعامل مع الزوجة الناشز فقال : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، قال سعيد بن جبير في هذه الآية : (يعظها، فإن هي قبِلت وإلا هجَرها، فإن هي قبِلت وإلا ضرَبها، فإن هي قبِلت وإلا بعث حَكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فينظران ممن الضرر) ، وهذه الحلول تكون على الترتيب فيعظها ويذكرها بالله ووجوب طاعته وأداء حقوقه وأنّ في ذلك استقرارها وسعادتها وغير ذلك ، فإنّ لم تستجب فيهجرها في مضجعها لفترة، فإن لم تستجب فيمكنه اللجوء إلى الضرب الغير مبرح والذي مثله العلماء كالضرب بالسواك إشارة إلى الزجر عن فعلها والذي يؤثّر عليها نفسيّا فقط لاجسديا أبداً، فإن لم تستجب فلتلجأ إلى طلب حكم من أهلك وحكما من أهلها وتختار الشخص الثقة الرشيد الحكيم من كلا الطرفين ليشهدوا على محاولة الإصلاح الأخيرة أو إنهاء العلاقة بالمعروف إذا تعذّر الإصلاح .
فإن أردت بعد هذا إعطاء فرصة أخيرة، فلتكن جلسة واحدة حاسمة، هادئة وحازمة، تضع فيها شروطًا واضحة ومكتوبة:(( ألا تخرج إلا بعلمك أو إذنك، وألا تتأخر بعد المغرب إلا لضرورة متفق عليها، وألا تدخل تلك الصديقة إلى البيت نهائيًا، وألا تركب مع رجل غريب مطلقًا، وأن تحترم خصوصيتك، وتعتني ببيتها وأبنائها، وتؤدي حقوقك الزوجية بلا نفور )) ، وفي المقابل لا تجد منك تقصيرا أو إهمالا في واجباتك وحقوق بيتك فالمعادلة تجري عليكما جميعا وسفينة الأسرة تحتاج إلى توازن من كلا الطرفين حتى تبحر بسلام وأمان ، فإن وافقت كتابةً والتزمت، تُمنح فترة اختبار محددة ترى فيها صدق حرصها على الحفاظ على زوجها وبيتها فإن لم تلتزم فأنت معذور أمام الله فيما تتخذه من قرار بالمعروف إذا تبين أن الحياة المشتركة أصبحت مستحيلة و حين تنسدّ أبواب الإصلاح.
ومع كل ذلك، أنصحك أنت كزوج أن تظل منضبطًا في خطابك، بعيدًا عن الإهانة أو التشهير أو الملاحقة الدائمة، وأن يكون موقفك ثابتًا ومحترمًا، لأن قوة الحق تظهر بالهدوء والحكمة لا بالانفعال ، وأكثر قبل كلّ شيء من الدعاء والاستخارة لعلّ الله أن يبدّل حالها معك إلى خير حال ، وما ذلك على الله بعزيز .
أسأل الله تعالى أن يصلحها لك ويصلحك لها ويصلح لكما دينكما وذرياتكما ويجعلكم أسرة هانئة مستقرّة .
هذا والله أعلم .. وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم .