الرد على الاستشارة:
بداية نرحب بك ويسعدنا تواصلك ؛ ونشكرك على ثقتك في منصة المستشار .
عزيزتي ؛ أبشرك أنك على خير صبرك واحتسابك على والدتك، فيها بر وأجر عظيم وإن كان انزعاجك خوفا من تقصيرك ورغبتك بالحصول على مكانة في قلب والدتك فهذا شعور إيجابي .
عذرا ؛ بداية الاستشارة ذكرتِ أن أمك مريضة نفسيا، وهذا مؤشر أن لديها وضعية خاصة لا نستطيع أن نتعامل معها معاملة عادية ولا تلام على تصرفاتها إن كانت فعلا مريضة على حد قولك، وليس أي مرض فالمرض النفسي أصعب من المرض العضوي .
كذلك أجد من كلامك في بعض المواقف تعمل خطوات تراجع إذا كان أحد منكن انتبه، هذا دليل أنها تشعر وتجاهد نفسها، لترضي البقية قدر الإمكان، هذا ما فهمت من كلامك.
لكن لا تقلقي الأمر يسير -بإذن الله-، ويمكنك أن تركزي على أمور لتحسين الوضع وهي كالتالي :
أولا: لا تجعلي جل تفكيرك في مشاعر أمك تجاه أختك ، وحاولي أن تتجاهلي هذا الأمر، وركزي قبل كل شيء على مرضاة الله، والبر وأنت في نعمة عظيمة إذ وفقك الله تعالى للبر بوالدتك، والحرص على رضاها وهذه نعمة تستحق الشكر. فقدمي الجميل الذي عندك.
ثانياً: لا شك في أن العدل بين الأبناء واجب على الآباء، وهذا أمر الله -سبحانه وتعالى- ولا ينكره عاقل، وقد جاء الشرع بالتوجيه بالعدل بين اللأبناء، والأمر بالتسوية بينهم في الرِّعاية والعطية وسائر الشؤون، بل إن بعض العلماء ذكر حتى في توزيع الابتسامة، وفق وصيَّة الله لعباده؛ إذ يقول سبحانه: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ ، [النساء: 11].
ولقد حسم الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمرَ وشدَّد فيه، فأنكر على مَن فضَّل بعضَ أولاده على بعض، وأمر بالعدل، وسمَّى التفضيل جورًا, حتى في المعاملة والعطف، فقد روى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحدِّث أصحابه إذ جاء صبيٌّ حتى انتهى إلى أبيه، في ناحية القوم، فمسح رأسه وأقعده على فخذه اليمنى، قال: فلبث قليلًا، فجاءت ابنة له حتى انتهَت إليه، فمسح رأسها وأقعدها في الأرض، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((فهلَّا على فخذك الأخرى))، فحملها على فخذه الأخرى، فقال -صلى الله عليه وسلم- : ((الآن عَدلتَ)) .
لكن قد يقع في قلب الأم حب أحد أبنائها حبا ً زائدا عن بقية الأبناء لبره أو تميزه في جانب من الجوانب وهذا أمر طبيعي يمكن أن يقع من بعض الناس .
وقد لا يكون عنده بوادر بر أو تميز ويحصل على مكانه عالية وحبا زائد، وهذا ابتلاء من الله يختبر صبرك وإيمانك .
ثالثا: في بعض الأحيان قد تعتني الأم بأحد الأبناء عناية زائدة لشعورها بضعفه في جانب ما، فتجدي الأم تركز على أحد الأبناء بحكم عاطفتها، وتجد إن هذا الابن أو البنت محتاج إلى دعم باهتمام زائد منها.
رابعا: لعلك تبحثين عن أقرب الناس لوالدتك ويستحسن أن يأتي هذا الكلام ممن له مكانة في قلبها وتقبل منه، فيوجه لها تنبيه بطريقة غير مباشرة ولا يجرح مشاعرها كأن تكون خالتك مثلا ، فتذكرها بالعدل بين الأبناء، و أن فعلها هذا يزرع الحسد والبغضاء في نفوس أولادها ويوقعها في الإثم. وأن لا يكون بطريقه جارحة بل نصح بمحبة وأسلوب ترغيب على استقرار بيتها وسلامة علاقتها بأبنائها جميعا، وتذكيرها بالأجر العظيم الذي ينتظرها .
جاء عند الإمام مسلم من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (( إنَّ المقسِطين عند الله على مَنابر من نورٍ عن يمين الرحمن -عز وجل-، وكِلتا يديه يمينٌ؛ الذين يَعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا ))أخرجه مسلم
خامسا: تحسين علاقتك بأختك التي تفضلها أمك، قد يستغرق الأمر وقتا طويلا لكن مع الأيام سيتغير الوضع، حاولي أن تجعليها مثل صاحبتك استشيريها وأشركيها في بعض أمور حياتك، حتى تجد نفسها قريبة منك ولا ترضى بما يزعجك أو يكدر خاطرك بل اجعلي مصاحبتك لأختك هو نقطة الانطلاق والبداية للتغيير . وسينعكس هذا تلقائيا على علاقة والدتك مع الجميع.
ختاما : تذكري أن هذا من الشيطان ،قال تعالى :( إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ، (10) المجادلة .
واعلمي أن الشيطان حريص على التفرقة والحزن للمؤمن، ويزين ذلك ويوقع البغضاء في نفوس الجميع .
استشعري نعمة وجودك في بيت مستقر وآمن، فنعمة الصحة والأمان أكبر نعمة، وتذكري هي فترة من مراحل عمرك ستنتهي وتنتقلي إلى بيت الزوجية ويكون لك عالمك الخاص بك، بعدها ستعرفين أن التصرفات التي كانت تزعجك بسيطة لا تستحق أن تحول الحياة لنكد وحزن ، وتذكري ( ليس هناك حال يدوم ولا حزن يستمر ) .
أنت صاحبة همة عالية وطموح ولو لم يكن هذا من سمات شخصيتك، لما كان لهذا الواقع أثر على نفسك، فكوني قوية بذاتك، وتذكري أن تتركي أثر جميل، ركزي على مستقبلك وكوني مثاليه وراقية في تفكيرك وتصرفاتك .
أسأل الله -العلي العظيم- بمنه وكرمه أن يرفع قدرك ويزيل همك ويجمع شتات أمرك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .