بمناسبة العودة إلى الدراسة: ما الذي يصنع الفارق الحقيقي داخل المدرسة؟
137
ليس المبنى المدرسي وحده، ولا كثرة المنصات الرقمية، ولا تكرار الشعارات عن جودة التعليم، ما يصنع الفارق الحقيقي. الفارق يبدأ من قائد المدرسة: من قدرته على إدارة الناس والبيانات والتغيير، وعلى تحويل الخطط المكتوبة إلى تعلم حقيقي يلمسه الطالب داخل الفصل.الدراسة الوطنية التي أجراها المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي بالتعاون مع هيئة تقويم التعليم والتدريب وضعت هذه الحقيقة في صيغة واضحة لا تقبل الالتفاف: القيادة المدرسية ليست تفصيلاً إدارياً ثانوياً. فكل تحسن بمقدار 10 نقاط في فاعلية قائد المدرسة يرتبط بتحسن يقارب 4% في نتائج تعلم الطلاب. الرقم قد يبدو فنياً في ظاهره، لكنه في جوهره رسالة حاسمة: تطوير القائد المدرسي ليس بنداً يمكن تأجيله،

بل هو أحد أقصر الطرق وأكثرها أثراً لتحسين مخرجات التعليم.لسنوات طويلة انصبّ كثير من النقاش التعليمي على ما يدخل المدرسة من مناهج وأجهزة ومبانٍ ومنصات وبرامج. لكن السؤال الأهم ظل أحياناً في الخلفية: من يقود كل ذلك داخل المدرسة؟ فالتقنية، مهما بلغت حداثتها، قد تتحول إلى أجهزة صامتة ومنصات مثقلة بالإجراءات إذا لم تجد قيادة تعرف لماذا تستخدمها، وكيف تربطها بتحسين التعلم، ومتى تعدّل المسار.القيادة المدرسية ليست وظيفة إدارية هامشية، بل رافعة مباشرة لجودة المخرجات التعليمية. هذا الارتباط يضع تطوير القيادات في موضعه الصحيح: استثماراً في الطالب قبل أن يكون تدريباً للمدير. فالقائد الفاعل لا يكتفي بضبط الحضور والعمليات الإدارية، بل يصنع بيئة تعلم عالية التوقعات، ويقود المعلمين نحو تحسين ممارساتهم الصفية، ويقرأ البيانات بوعي، ويحوّل التحديات إلى فرص للتحسين المستمر. ومن هنا يمتد أثره من غرفة الإدارة إلى كل فصل دراسي، ومن جودة القرار إلى مستوى التحصيل.هنا تكتسب جهود المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي قيمتها الحقيقية، عبر مسار أكثر نضجاً في بناء القيادات.

يبدأ المسار بتشخيص القدرات والاحتياجات بأدوات تجمع بين القياس السيكومتري واختبارات الحكم الموقفي والمقابلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتشمل المنظومة مسارات مهنية قائمة على الكفاءات، طُورت بالشراكة مع كلية لندن الجامعية (UCL)، وتستهدف تطوير نحو 40 ألف مدير ووكيل مدرسة عبر رحلة تمتد عشرة أشهر تجمع بين التدريب الحضوري والإلكتروني والتوجيه المهني والمشروعات التطبيقية داخل المدارس.أهمية هذا النموذج أنه يتجاوز المنطق التقليدي القائم على أعداد المشاركين وساعات التدريب، إلى سؤال جوهري: ماذا تغير فعلياً داخل المدرسة؟ وهل انعكس التطوير على أداء القائد والمعلم والطالب؟

هذا هو التحول الحقيقي من التدريب كنشاط إلى التطوير كأثر قابل للقياس.ومن هذا المنطلق جاء برنامج «بيئة مدرسية تقنية» الذي أطلقه المعهد بالشراكة مع وزارة التعليم ضمن مسار القيادات. البرنامج لا يتعامل مع التقنية كمهارة تشغيلية أو خيار ترفيهي، بل كجزء أصيل من الكفاءة القيادية. ويركز على بناء رؤية رقمية، واتخاذ قرارات مبنية على البيانات في البيئات الافتراضية، وقيادة فرق العمل عن بُعد بفاعلية.هذا هو المدخل الصحيح للتحول الرقمي: قائد يفهم التقنية قبل أن يطلب من الآخرين استخدامها، ويعرف كيف يوظف البيانات قبل أن يغرق في تقاريرها، ويستطيع إدارة فريقه مهما تنوعت أدوات التواصل وتباعدت بيئات العمل. فالمدرسة الحديثة لا تحتاج إلى مدير يراقب الإجراءات من مكتبه، بل إلى قائد يقرأ المؤشرات، ويزيل العوائق أمام المعلمين، ويصنع ثقافة مهنية تجعل التعلم مسؤولية جماعية لا عبئاً فردياً.إن استهداف مديري المدارس ووكلائها والمشرفين التربويين ليس قراراً تنظيمياً فحسب؛ إنه اعتراف بأن هؤلاء هم نقطة التحول الحقيقية.

هم من يمنحون السياسات حياةً أو يتركونها حبيسة التعاميم، وهم من يجعلون التقنية أداة تمكين أو طبقة جديدة من التعقيد. لذلك فإن الاستثمار فيهم هو استثمار في قدرة المدرسة ذاتها على التجدد.الجمع بين الدراسة الوطنية والبرامج التطبيقية لا يمثل مجرد تزامن بين البحث والتدريب، بل يعكس مساراً مؤسسياً متكاملاً: قياس علمي يكشف مواضع التأثير، ثم تدخلات تطويرية تعالجها، ثم متابعة تقيس الأثر في الميدان. وهذه هي المعادلة التي تحتاجها منظومة التعليم إذا أرادت نتائج أكثر استدامة: قائد مدرسي مؤهل، وبيئة تقنية فاعلة،

وقرار مبني على بيانات، وتركيز لا ينصرف عن الهدف النهائي؛ تعلم أفضل لكل طالب.في مسار تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، لا يكفي أن نطلب تعليماً منافساً ومخرجات أجود. علينا أن نضع القيادة المدرسية في مركز المعادلة حيث تستحق أن تكون. فالمدرسة التي يقودها قائد مؤهل لا تدير اليوم الدراسي فحسب، بل تصنع مستقبلاً أكثر قدرة لطالبها ولمعلميها وللوطن بأكمله.إن تطوير القيادة المدرسية يمثل أحد أكثر الاستثمارات التعليمية جدوى، لأنه يستثمر في الشخص القادر على مضاعفة أثر كل استثمار آخر داخل المدرسة. فحين يمتلك القائد الكفاءة والرؤية والأدوات، تصبح المدرسة أكثر قدرة على صناعة تعلم حقيقي، وعلى إعداد جيل يواكب طموح وطنه.

------------------
بقلم هيثم عبدالحميد
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

أخلاق الكبار

منذ أن أطلقها المقنع الكندي: (وإن كبير القوم لا يحمل الحقدا) قبل قرون، و(الكبار) يتحملون تبعاتها، بل ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات