«يا بُنَيَّ».. حين تسبق المحبةُ النصيحة
30
فؤاد عبدالله الحمدمدير النظام
ليست الوصية دائمًا كلمات يتركها الإنسان بعد رحيله، بل قد تكون منهج حياة يغرسه في أبنائه

.

قال تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۝ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.

إنها تربية تمتد من أعماق القلب إلى ظاهر السلوك؛ لأن الإيمان حين يستقر في الداخل، يظهر أثره في الكلام والمشي والنظر والتعامل. ولهذا بدأ لقمان بالأصل الأعظم: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ثم بنى عليه بقية المعاني. فالتربية الحكيمة لا تنشغل بتجميل الفروع والجذور ضعيفة، بل تصحح الأصل أولًا، ثم ترعى ما يتفرع منه بهدوء وصبر.

ولعل أجمل ما في هذه الوصايا ذلك النداء الحاني: ﴿يَا بُنَيَّ﴾. تصغيرٌ في اللفظ يحمل تكبيرًا للمحبة والشفقة والقرب. لم يجعل لقمان حديثه محاضرة ثقيلة، ولم يحوّل النصيحة إلى محاكمة، وإنما جعل كل وصية رسالة حب مستقلة. كان يعظه، لا يوبخه؛ ويقرّبه، لا يدفعه بعيدًا.

وهذا المعنى أكثر إلحاحًا في عصر الشاشات؛ حيث قد يجتمع الأبناء والآباء في منزل واحد، بينما يعيش كل واحد منهم في عالم منفصل. ليست المشكلة في التقنية وحدها، بل في أن تزاحم الحضور الإنساني، وتختصر العلاقة في تعليمات عاجلة وملاحظات متكررة. حينئذ يحتاج الأبناء إلى أبٍ يسمع قبل أن ينصح، ويقترب قبل أن يصحح، ويشاركهم عالمهم قبل أن يحاكمه.

فالنصيحة لا تبلغ القلب بقوة مضمونها وحده، بل بالطريق الذي تسلكه إليه. كم من أب يحمل نصائح عظيمة، لكنه يفقد الطريق إلى قلب أبنائه حين يقدمها بغضب أو رقابة خانقة. وفي المقابل، قد تصنع كلمة قصيرة أثرًا طويلًا؛ لأنها قيلت في وقت مناسب، وبصوت هادئ، ومن قلب محب.

ليس أفضل ما يمنحه الوالدان لأبنائهما مزيدًا من الرفاهية فحسب، بل بوصلة داخلية: توحيد يصحح الوجهة، ومراقبة لله تهذب القرار، وصلاة تحفظ الصلة، وصبر يقوي النفس، وأخلاق تجعل الإنسان رحمة في مجتمعه.

إن وصايا لقمان تذكّرنا بأن التربية ليست كثرة تعليمات، بل حسن ترتيب للأولويات، ودفء في العلاقة، وقدوة تُرى قبل أن تكون كلمات تُسمع.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

أخلاق الكبار

منذ أن أطلقها المقنع الكندي: (وإن كبير القوم لا يحمل الحقدا) قبل قرون، و(الكبار) يتحملون تبعاتها، بل ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات