العاطفة لا تعني فقدان الذات
93
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
خلق الله المرأة بقلبٍ رحيم، وعاطفةٍ جياشة، وقدرةٍ فريدة على الاحتواء والعطاء. فهي الأم الحنون، والزوجة الداعمة، والابنة البارة، والأخت السند. وتبقى العاطفة من أجمل ما يميزها، لأنها تصنع الدفء داخل الأسرة، وتغرس الطمأنينة في نفوس من حولها.
لكن هذه النعمة قد تتحول إلى عبء عندما تُدار بالعاطفة وحدها بعيدًا عن الحكمة والتوازن. فكم من امرأة انشغلت براحة زوجها وأبنائها حتى نسيت نفسها، وأهملت صحتها، وتخلت عن أحلامها، وأجلت احتياجاتها عامًا بعد عام، معتقدة أن هذا هو المعنى الحقيقي للحب والتضحية.
ومع مرور الوقت، يصبح العطاء الذي تقدمه أمرًا معتادًا، لا يلفت الانتباه ولا يُقابل دائمًا بالتقدير، ليس لأن الزوج أو الأبناء سيئون بالضرورة، وإنما لأن الإنسان يعتاد ما يُقدَّم له باستمرار إذا لم يتعلم قيمة هذا العطاء وحدوده.
إن الحب لا يعني أن تلغي المرأة شخصيتها، ولا أن تتنازل عن حقوقها، ولا أن تجعل الجميع أولوية بينما تكون هي آخر اهتماماتها. فالإسلام لم يدعُ إلى استنزاف النفس، وإنما دعا إلى التوازن والاعتدال، وإعطاء كل ذي حق حقه، حتى النفس لها حقها من الراحة والعناية.
المرأة الواعية هي التي تجمع بين رقة القلب وحكمة العقل. تُحب بصدق، وتُعطي بإخلاص، لكنها تعرف متى تقول: "هذا حقي"، ومتى تحتاج إلى الراحة، ومتى تطلب المساندة، دون شعور بالذنب. فهي تدرك أن الاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل ضرورة لتستمر في العطاء.

كما أن من حق الأبناء أن يتعلموا احترام أمهم، وتقدير وقتها وجهدها، وتحمل جزء من المسؤولية، ومن حق الزوج أن يدرك أن زوجته ليست آلة للعمل المتواصل، بل إنسانة لها مشاعر واحتياجات وطموحات. وعندما يرى الأبناء والدتهم تحترم نفسها وتحافظ على وقتها وصحتها وحقوقها، فإنهم يتعلمون عمليًا قيمة احترام المرأة وتقديرها.
إن الأسرة السعيدة لا تقوم على شخص يضحي بكل شيء، وإنما تقوم على التعاون، والمودة، والرحمة، وتقاسم المسؤوليات، واحترام الحقوق. فالعطاء الذي يقوم على التوازن يدوم، أما العطاء الذي يقوم على استنزاف النفس فقد يتحول مع الزمن إلى إرهاق، أو احتراق نفسي، أو شعور بعدم التقدير.

قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وهي قاعدة عظيمة تبني العلاقة الزوجية على الإحسان والعدل والاحترام المتبادل، لا على أن يحمل أحد الطرفين العبء كله.
وفي الحديث الشريف قال محمد بن عبد الله: «إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»، وهو توجيه نبوي يرسخ أهمية التوازن بين حقوق النفس وحقوق الآخرين.
ختامًا... أيتها المرأة، كوني حنونة، لكن لا تكوني مستنزفة. كوني معطاءة، لكن لا تتنازلي عن كرامتك وحقوقك. أحبّي زوجك وأبناءك بكل قلبك، لكن لا تنسي أن لك حقًا على نفسك. فحين تحترمين ذاتك، وتعتنين بها، وتوازنين بين العطاء والاهتمام بنفسك، فإنك تغرسين في أسرتك قيمة الاحترام والتقدير، ويبقى عطاؤك نابعًا من قوة، لا من استنزاف، ومن وعي، لا من تنازل.
تذكري دائمًا: العاطفة أجمل ما في المرأة، لكنها تزداد جمالًا عندما يقودها العقل، ويحفظها التوازن، وتصونها الكرامة.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

أخلاق الكبار

منذ أن أطلقها المقنع الكندي: (وإن كبير القوم لا يحمل الحقدا) قبل قرون، و(الكبار) يتحملون تبعاتها، بل ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات