.حين يصبح النجاح تهمة
40
ليس كل نجاح يُستقبل بالتصفيق، فهناك نجاحات تُقابل بالصمت، وأخرى تُقابل بالشك، وبعضها يتحول في نظر الآخرين إلى تهمة تستوجب التشكيك والتقليل. وما إن يخطو الإنسان خطوة إلى الأمام، حتى يجد من ينشغل بعدّ خطواته أكثر من انشغاله بالسير في طريقه.

المؤسف أن الإنسان لا يواجه خصومه الحقيقيين بقدر ما يواجه أولئك الذين أزعجهم نجاحه. فبدل أن يكون الإنجاز مصدر إلهام، يتحول عند بعض النفوس إلى مصدر ضيق، وكأن التفوق انتزع منهم شيئًا لم يكن يملكونه أصلًا.

النجاح الحقيقي لا يسرق فرص الآخرين، بل يثبت أن الفرص موجودة لمن يجتهد. لكنه يكشف أيضًا الفارق بين من يبني نفسه، ومن يقضي عمره في مراقبة الآخرين. فالأول يصنع مستقبله، والثاني يستهلك أيامه في تفسير نجاح غيره.

ولعل أكثر ما يؤلم الناجحين ليس النقد الصادق، بل التقليل المتعمد. أن تُختزل سنوات من التعب في عبارة: “كان محظوظًا”، أو “لديه واسطة”، أو “جاءته الفرصة”. وكأن الليالي الطويلة، والتضحيات، والانكسارات، والاجتهاد المستمر، كلها لا تستحق الاعتراف.

ومن الغريب أن بعض الناس لا يغضبون من فشلهم بقدر ما يغضبون من نجاح غيرهم. فينشغلون بإطفاء الضوء بدل أن يبحثوا عن مفتاح النور، ويهدمون المعنويات بدل أن يبنوا قدراتهم.

لقد أصبحنا بحاجة إلى ثقافة تحتفي بالنجاح بدل أن تحاكمه، وتشجع المتميز بدل أن تبحث عن ثغرة تقلل من شأنه. فالأمم لا تنهض بالحسد، ولا تتقدم بالتشكيك، وإنما ترتقي حين يصبح نجاح الفرد مصدر فخر للمجتمع بأكمله.

ولذلك، إذا وجدت من يضيق بإنجازك، فلا تجعل انزعاجه سببًا لتراجعك. واصل طريقك بهدوء، فالأشجار المثمرة هي أكثر الأشجار تعرضًا للرمي بالحجارة، لكنها لا تتوقف عن الإثمار.

فالنجاح ليس تهمة… بل مرآة تكشف النفوس؛ فمنهم من يرى فيه دافعًا ليبدأ، ومنهم من يراه سببًا ليهاجم، ويبقى الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يصنع الحياة، ومن يكتفي بمراقبتها.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

تربية الأولاد

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات