الاستشارات الأسرية والتربوية المعززة بالذكاء الاصطناعي... مخاوف وحقائق
43
فؤاد عبدالله الحمدمدير النظام

كلما ظهرت تقنية جديدة، انقسم الناس حولها بين مؤيد يرى فيها الحل لكل المشكلات، ومتخوف يتوقع منها كل المخاطر. والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً. فمنذ أن بدأ حضوره في مجالات التعليم والصحة والإعلام، كان من الطبيعي أن يطرق باب الإرشاد الأسري والتربوي، حاملًا معه أسئلة أكثر من الإجابات.

بحكم عملي في الإرشاد الأسري والتربوي لأكثر من خمسة عشر عامًا عبر منصة المستشار الإلكترونية، وجدت أن كثيرًا من التحديات لا تتعلق بندرة المعلومات، بل بسرعة الوصول إليها، وتنظيمها، وتقديمها للمستفيد بلغة واضحة، مع المحافظة على الأصول المهنية والأخلاقية. ومن هنا بدأت تجربة عملية لبناء نموذج استشاري معزز بالذكاء الاصطناعي، ليس ليحل محل المستشار، وإنما ليكون مساعدًا معرفيًا يعمل وفق ضوابط مهنية محددة.

ومع توالي التجارب، بدأت تتضح نتائج تستحق التأمل. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر وقت البحث، ويجمع المعارف المتفرقة، ويقترح بدائل متنوعة، ويساعد في صياغة الردود الأولية، كما يمكنه العمل على مدار الساعة، وخدمة أعداد كبيرة من المستفيدين في الوقت نفسه. لكنه، في المقابل، كشف حدودًا لا يمكن تجاوزها؛ فهو لا يشعر بمشاعر المسترشد، ولا يقرأ لغة الجسد، ولا يدرك الظروف الإنسانية الدقيقة، وقد يخطئ إذا بُني على معلومات غير دقيقة أو طُلب منه تجاوز اختصاصه.

ولعل أوضح مثال على ذلك موقف مررت به فعليًا؛ إذ ورد استفسار بدا في ظاهره تربويًا بسيطًا، لكنه كان في جوهره يحمل مؤشرات تستدعي تدخلًا نفسيًا متخصصًا. المساعد الذكي – بحكم الضوابط الموضوعة له مسبقًا – لم يحاول تقديم إجابة أو تشخيص، بل توقف عند حدوده، وأحال الحالة مباشرة إلى المراجعة البشرية. هذا الموقف بالذات هو ما أقنعني بأن قيمة الأداة لا تُقاس بمدى ذكائها، بل بمدى انضباطها عند حدودها.

وهنا تظهر الحقيقة الأهم: نجاح الإرشاد المعزز بالذكاء الاصطناعي لا يعتمد على قوة النموذج التقني وحدها، بل على جودة المنهج الذي يقوده. فكلما كانت قواعد العمل أوضح، وحدود الاختصاص أدق، وآليات المراجعة البشرية أكثر حضورًا، أصبحت النتائج أكثر موثوقية وفائدة.

ولعل أكبر المخاوف اليوم ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في استخدامه دون ضوابط. فمن الخطأ أن يتحول إلى مصدر للفتوى، أو التشخيص النفسي، أو إصدار الأحكام الأسرية، كما أنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن المختصين في الحالات التي تستوجب تدخلًا مهنيًا مباشرًا. وعلى الجانب الآخر، سيكون من الخطأ أيضًا تجاهل هذه التقنية، بينما تتطور بوتيرة متسارعة، وتصبح جزءًا من حياة الناس اليومية.

إن المستقبل – فيما أرى – لن يكون للمستشار التقليدي وحده، ولا للذكاء الاصطناعي وحده، بل للمستشار الذي يعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي بوعي ومسؤولية، فيجمع بين الخبرة الإنسانية، والدقة العلمية، والسرعة التقنية.

ولكي ننتقل إلى هذا النموذج بثقة، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى جملة من المرتكزات المهنية، من أهمها: وضع مواثيق أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإرشاد، وتدريب المستشارين على توظيفه بطريقة علمية، وضمان حماية خصوصية المستفيدين وبياناتهم، وإخضاع الأنظمة الذكية للمراجعة والتقييم المستمر، مع التأكيد على أن القرار الإرشادي النهائي يبقى مسؤولية الإنسان المختص.

فالذكاء الاصطناعي ليس منافسًا للمستشار، بل قد يكون أفضل مساعد له... إذا أحسنَّا توجيهه، وأبقينا الإنسان في قلب العملية الإرشادية.

وهذا يقودنا إلى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مستشار أو مربٍّ على نفسه اليوم: لو أتيح لك مساعد معرفي يعمل بضوابطك، ويلتزم حدود اختصاصك... كيف كنت ستوظفه في عملك؟ وأين ترسم الخط الذي لا ينبغي له تجاوزه؟

----------------------------------------------------------------------
= فؤاد بن عبدالله الحمد
مستشار أسري وتربوي، ومحلل نظم معلومات، وباحث في توظيف الذكاء الاصطناعي في الإرشاد والخدمات المجتمعية.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

تربية الأولاد

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات