سلطة اللقب: لماذا نصدق لقب الدكتور أكثر مما ينبغي؟
39
فؤاد عبدالله الحمدمدير النظام
في قاعةٍ مزدحمة، لا يحتاج المتحدث إلى أكثر من كلمة واحدة ليفتح الأبواب: “دكتور”.

تتبدّل نبرة الإصغاء، ويُعاد ترتيب المقاعد في العقول قبل القاعة. فجأة، يصبح للكلام وزنٌ إضافي، وللجملة صدى أطول. كأن اللقب لا يعرّف بصاحبه فحسب، بل يمنحه رصيدًا فوريًا من الثقة.

هذه ليست مبالغة، بل سلوك جمعي راسخ. نحن – بطبيعتنا – نبحث عن إشارات تختصر علينا الطريق، فنمنح أصحاب الألقاب الأكاديمية مساحة أوسع من التصديق. في علم الإدراك، هذا ما يُعرف بالانحياز للسلطة؛ حيث تتحول الصفة إلى مرجّح، لا مجرد تعريف.

لكن الإشكال لا يبدأ من اللقب… بل من اتساع دلالته في أذهاننا.

فالدكتوراه، في أصلها، شهادة تخصص عميق في حقل محدد. غير أن المجتمع كثيرًا ما يعيد تعريفها بوصفها “تصريحًا عامًا للفهم”، فيُسند لصاحبها ما لم يُسند له علميًا. هنا، يتحول المتخصص إلى مرجعية شاملة، ويتحوّل اللقب من دلالة علمية دقيقة إلى سلطة معرفية مفتوحة.

في المقابل، يقف على الهامش كثيرون لا يحملون هذا اللقب، لكنهم يملكون خبرةً مركّبة، وتجربةً ناضجة، وبصيرةً عملية. غير أن أصواتهم تُقرأ ببطء… لا لضعف ما يقولون، بل لغياب “الختم” الذي يريح المتلقي.

وهنا تقع المفارقة:

حين نُقدّم اللقب على المضمون، لا نُكرم العلم… بل نختصره.

ليس في هذا ما ينتقص من قيمة الدكتوراه؛ فهي منجز علمي رفيع، ومحصلة جهد طويل يستحق التقدير. لكن تقدير اللقب لا يعني توسيع سلطته خارج مجاله، ولا يعني أن نُعفي عقولنا من التمحيص.

المصداقية، في حقيقتها، لا تُعلّق على بطاقة، بل تُبنى في مسار:

في دقة الطرح، وأمانة النقل، واتساق الفكرة، والقدرة على الاعتراف بحدود المعرفة. هذه معايير لا يمنحها لقب، ولا يسحبها غيابه.

ربما نحتاج إلى إعادة ضبط ميزاننا البسيط:

أن نُحسن استقبال اللقب… دون أن نستسلم له،

وأن نُحسن الإصغاء للفكرة… حتى لو جاءت بلا ألقاب.

في النهاية، السؤال ليس عن قيمة “الدكتور” في المجتمع،

بل عن قيمة “الحقيقة” في وعينا.

فحين نستمع… هل نصغي للاسم؟

أم لما يُقال؟

دمتم بخير وسلام.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

عاقدو الأنكحة .. والدور المأمول

باتت قضية التنمية الاجتماعية والأسرية منها بخاصة، أبرز القضايا العالقة، التي تبذل فيها جهود متعددة، ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات