هدوء ما بعد المعاناة… حين يعود الحق بلا ضجيج
16
فؤاد عبدالله الحمدمدير النظام

في عالم العمل، كما في الحياة، تمرّ على الإنسان مواقف يختبر فيها صبره أكثر مما يختبر فيها قدراته. فليست كل التحديات والصعاب التي نخوضها صاخبة، ولا كل الانتصارات التي نحققها تُقاس بعلوّ الصوت أو كثرة الاحتفال. أحيانًا يكون أعظم الانتصارات هو ذاك الذي يأتي في هدوءٍ يشبه الطمأنينة.

كثيرون يمرّون بتجارب وظيفية معقّدة؛ تأخير في الحقوق، أو اختلاف في تفسير الأنظمة، أو اجتهادات إدارية قد تقود – دون قصد – إلى تعطيل بعض الاستحقاقات. وفي خضمّ هذه التعقيدات، يتسرّع البعض إلى اليأس، أو إلى تحويل الخلاف الإداري إلى خصومة شخصية. غير أن التجارب العميقة تعلّمنا أن الطريق الأجدى غالبًا هو طريق الصبر المنضبط، والمطالبة النظامية الهادئة بالحق.

إن من خصائص الدول التي تقوم على المؤسسات والأنظمة أن العدالة فيها لا تُبنى على المزاج أو الاجتهاد الفردي، بل على قواعد وإجراءات قد تأخذ وقتها، لكنها في النهاية تستقر على ميزان النظام. وقد يتأخر الحق، لكن تأخره لا يعني ضياعه، بل قد يكون جزءًا من مسارٍ مؤسسي يتطلب الصبر والثبات.

وفي التجارب الطويلة – خصوصًا تلك التي تمتد لسنوات – يحدث أمر لافت: حين يتحقق الحق أخيرًا، لا يشعر الإنسان دائمًا بالفرحة الصاخبة التي كان يتخيلها. بل قد يجد نفسه أمام حالة من السكينة الهادئة، كأن المعركة انتهت قبل أن يصل صوت الانتصار. ذلك لأن القلب، خلال سنوات الانتظار، يكون قد تدرّب على الصبر، وتعلّم أن يسلّم الأمر لله أولًا، ثم يثق بأن العدل سيأخذ طريقه في النهاية.

هنا يتجلّى معنى عميق في ثقافتنا الإسلامية: أن اليقين بالله لا يلغي العمل، بل يسانده. فالمؤمن يسعى ويطالب بحقه ويطرق الأبواب النظامية، لكنه في الوقت نفسه يوقن أن العدل الإلهي لا يضيع، وأن ما كُتب له سيأتيه في وقته.

ولعل أجمل ما في مثل هذه التجارب أنها تترك في النفس درسًا أبقى من أي مكسب مادي: أن الإنسان يستطيع أن ينتصر دون أن يحمل في قلبه ضغينة، وأن يستعيد حقه دون أن يسعى إلى كسر أحد. فالغاية ليست أن يُهزم الآخر، بل أن يستقيم الميزان.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم لكل من يمر بتجربة مشابهة: تمسّك بحقك بهدوء، سر في الطريق النظامي بثقة، وازرع في قلبك حسن الظن بالله. فقد تتأخر بعض الأبواب في الفتح، لكنها – حين تُفتح – تذكّرنا بأن الصبر لم يكن عبثًا، وأن العدل، مهما طال الطريق إليه، لا بد أن يصل.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

عاقدو الأنكحة .. والدور المأمول

باتت قضية التنمية الاجتماعية والأسرية منها بخاصة، أبرز القضايا العالقة، التي تبذل فيها جهود متعددة، ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات