الاحتراق النفسي: حين يتحول العمل من إنجاز إلى "وضع البقاء"
51
فؤاد عبدالله الحمدمدير النظام
الاحتراق النفسي لا يهبط فجأة كصاعقة، بل يتسلّل بهدوء… حين يستمر الجهد طويلًا بلا توازن، ويُصبح الإنسان يعمل أكثر مما يملك من طاقة، ويتحمّل أكثر مما يحتمل عقله. وعندما يغيب شعور السيطرة أو التقدير، يبدأ العقل بالانسحاب تدريجيًا من “وضع الإنجاز” إلى “وضع البقاء”. وهنا تبدأ المؤشرات الحقيقية.

أول أثر يضربك هو انخفاض التركيز: تجلس أمام العمل، لكن ذهنك متناثر، تُعيد نفس المهمة مرارًا بلا تقدم واضح، وكأن عقلك يرفض التعاون. ثم يأتي الأثر الثاني: ضعف اتخاذ القرار؛ قرارات بسيطة كانت تُحسم بسرعة تصبح متعبة، لأن الدماغ المُجهد يتعامل مع كل خيار كأنه عبء إضافي.

بعد ذلك يظهر فقدان الدافع: ما كان يحمّسك سابقًا يتحول إلى حمل ثقيل، وتبدأ تعمل فقط لتنجو من اليوم… لا لتصنع نتيجة. ومع الإرهاق تتراجع جودة الأداء؛ تنجز نعم، لكن بمستوى أقل، فيولد داخلك إحباطًا جديدًا يزيد الضغط بدل أن يخففه. ثم يكتمل المشهد بـ التسويف: ليس لأنك كسول، بل لأن عقلك ربط المهام بالتعب لا بالإنجاز، فيؤجل… ثم يضغط نفسه أكثر.

المفارقة أن كثيرين يظنون العلاج هو “زيادة الانضباط”، بينما الحقيقة أن العلاج يبدأ من إدارة الطاقة قبل إدارة الوقت. الإنتاجية ليست سباق ساعات، بل إدارة عقل وجسد وحدود.
توصيات عملية مختصرة:
راجع قائمة مهامك يوميًا واحذف "غير الضروري" بلا تردد؛ تقليل المهام أهم من زيادتها.
ركّز على مهمة واحدة عالية الأثر بدل تشتيت الجهد على عشر مهام منخفضة القيمة.
ضع حدودًا واضحة: وقت محدد للعمل، ووقت محدد للانفصال عنه.
اجعل أصعب مهامك في وقت نشاطك الأعلى، لا في وقتك الأضعف.
اعتبر الراحة صيانة للإنتاج لا تعطيلًا له؛ فترات الانقطاع القصيرة تعيد شحن العقل وتزيد وضوح العودة.

الاحتراق النفسي لا يعني ضعفًا… بل يعني أن “النظام” الذي تعيش به يحتاج تعديلًا. وعندما تعالجه بوعي، تعود الإنتاجية بشكل طبيعي: بلا ضغط زائد، وبلا جلد للذات. النجاح المستمر لا يحتاج استنزافًا… يحتاج توازنًا ونظامًا يحميك قبل أن ينهكك.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

عاقدو الأنكحة .. والدور المأمول

باتت قضية التنمية الاجتماعية والأسرية منها بخاصة، أبرز القضايا العالقة، التي تبذل فيها جهود متعددة، ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات