العمل السام لا يطرد أحدًا… لكنه ينجح دائمًا في خسارة الأفضل
23
فؤاد عبدالله الحمدمدير النظام
في كل بيئة عمل حكاية غير مكتوبة، لا تظهر في لوائح الموارد البشرية، ولا تُدرَّس في أدلة السلوك الوظيفي، لكنها تُقرأ بوضوح في وجوه العاملين، وفي مستوى الشغف، وفي صمت المبدعين وهم يحزمون حقائبهم بهدوء. تلك هي حكاية “البيئة السامة”؛ المكان الذي لا يطرد أحدًا رسميًا، لكنه يُتقن فنّ دفع الأفضل إلى الرحيل.

البيئات السامة لا تقوم على الصخب الظاهر بقدر ما تعيش على التآكل البطيء: تقليل مستمر، غيبة مُقنّعة، صراعات خفية، ومعايير مزدوجة في التقدير والمساءلة. في مثل هذه الأجواء، لا يكون البقاء مسألة كفاءة، بل قدرة على التعايش مع التشويه اليومي للمعنى. لذلك، يبقى من اعتاد الضجيج، ويغادر من يحمل جهازًا عصبيًا حيًا لا يحتمل هذا القدر من التناقض بين ما يُقال وما يُمارس.

المبدع لا يغادر لأنه ضعيف، بل لأنه حساس للمعنى. يرى العمل رسالة قبل أن يكون راتبًا، ويبحث عن القيمة قبل المنصب. وحين تتحول المؤسسة إلى مسرح لإدارة الصراعات بدل إدارة الإنجاز، يصبح الرحيل ـ في نظره ـ محاولة أخيرة للحفاظ على السلام الداخلي لا هروبًا من المسؤولية.

لكن هنا ينبغي التمييز بدقة: ليس كل ضيقٍ بيئةً سامة، وليس كل إحباط مبررًا للانسحاب. فجزء من النضج المهني هو القدرة على الصبر، وإدارة الاختلاف، وبناء التأثير من الداخل. الهروب المتكرر يصنع سيرة مهنية هشة، ويمنح البيئات الرديئة فرصة الاستمرار دون مقاومة. لذلك، لا يُفترض أن يكون الرحيل خيارًا أولًا، بل قرارًا مدروسًا يُتخذ في الحالات الحرجة التي يثبت فيها أن البيئة تُدمّر الإنسان أكثر مما تُنمّي العمل.

الإطار العملي للتعامل مع البيئات السامة يبدأ بالتشخيص الهادئ: هل المشكلة في أفراد أم في منظومة؟ هل السلوكيات طارئة أم نمطية؟ ثم تأتي مرحلة التحصّن المهني: وضوح الدور، توثيق الإنجاز، تقليل الانخراط في الصراعات الجانبية، وبناء شبكة دعم داخلية أو خارجية. بعدها فقط يُطرح سؤال القرار: هل يمكن الإصلاح من الداخل؟ وهل هناك أفق حقيقي للتغيير؟

وإذا كان الرحيل ضرورة، فيجب أن يكون انتقالًا إلى بيئة أفضل، لا مجرد هروب إلى فراغ آخر. بيئة أكثر استقرارًا، أوضح في قيمها، وأصدق في تقدير الجهد والإبداع. فالخروج من بيئة سامة لا يُعد إنجازًا بحد ذاته، ما لم يكن خطوة واعية نحو بناءٍ أوسع وعطاءٍ أعمق.

في النهاية، جوهر العمل الحقيقي ليس في البقاء أو الرحيل، بل في البناء. البناء للذات، وللمؤسسة، وللمعنى. أما البيئات التي لا تعرف إلا الهدم، فستبقى قائمة ما دام الأفضل يغادر بصمت، دون أن يُسمّي الأشياء نح محبأسمائها، ودون أن يحوّل التجربة إلى وعيٍ يُنقذ غيره من التآكل ذاته.
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

عاقدو الأنكحة .. والدور المأمول

باتت قضية التنمية الاجتماعية والأسرية منها بخاصة، أبرز القضايا العالقة، التي تبذل فيها جهود متعددة، ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات