المرونة النفسية في المدارس مرة أخرى!
36

◾️كتبتُ قبل مدة مقالاً عنوانه: «لماذا يجب تعليم المرونة النفسية في المدارس؟»، واستندت حينها إلى أرقام صادمة كشفتها مؤسسة «غالوب» عن تعاسة ملايين الموظفين حول العالم، بسبب افتقار معظمهم لمهارات المرونة النفسية اللازمة في العمل، وخلصنا في ذلك المقال إلى ضرورة تدريس هذه المهارة المهمة في مدارسنا؛ لإعداد أجيال تواجه أمواج الحياة العملية بذكاء ومرونة.

◾️عندما نطالب بتعليم مهارات (المرونة النفسية)، فنحن لا نقصد بالتأكيد أن نضيف لحقيبة الطالب كتاباً جديداً عنوانه: (الأزهار الندية في تعليم المرونة النفسية)، ولا أن نخصص حصة نظرية يحفظ فيها التلميذ «تعريف الأخلاق»، و»أركان التعامل مع الآخرين»، ليفرغها على ورقة الاختبار، ثم يخرج لـ(يتضارب) مع زميله عند باب المدرسة، بل نقصد أن تكون هذه المهارة أسلوب حياة وتعايش داخل المدرسة، وأن تدخل في كل المناهج من خلال ما يسمى بـ»المنهج المُضمّن»؛ الذي يطبع في داخل الطالب بطريقة غير مباشرة كيف يعيش، لا كيف ينجح أكاديمياً فقط.

◾️كثير من أبنائنا اليوم وبسبب العزلة (الاجتماعية)، وقل إن شئت (الأسرية) التي فرضتها عليهم أدوات عصرهم (التقنية)، أصبحوا يعانون من «هشاشة نفسية» لا تُخطئها الأعين في التعاملات الحياتية، فقد تجد من يجيد التعامل مع واقعه الافتراضي عبر البحار، لكنه يغرق في (شبر ماء) في واقعه المعاش، وقد تجد من يكتئب لأسبوع كامل بسبب تعليق سلبي (جرح مشاعره) في وسائل التواصل، أو يشعر بانهيار مستقبله لمجرد عدم قبوله في إحدى التجمعات الافتراضية! والحق أن هذه الهشاشة ليست ذنبهم وحدهم، بل هو إثم نشترك فيه جميعاً (آباء ومؤسسات) حين نتعامل معهم كـ «زجاج قابل للكسر» يجب ألا يُخدش، حتى تحول الأغلبية منهم إلى كائنات (هلامية)؛ لا تقوى على التعامل مع أبسط صعوبات حياتهم اليومية.

◾️إن جميع مهارات التعامل مع تحديات الحياة، كإدارة المشاعر الإنسانية؛ وتحمُّل الضغوط؛ والذكاء الاجتماعي؛ والقدرة على التكيف؛ واحترام الذات التي تندرج تحت مسمى المرونة النفسية، هي الجسر الذي لابد أن يعبر عليه طلاب المدارس من عالم «الدرجات» النظري، إلى عالم «التميز» في مرونة التعامل مع الواقع المعاش.. فالعالم الخارجي لن يسأل خريجينا عن حفظهم لتواريخ المعارك القديمة، بقدر ما سيمتحن قدرتهم على خوض معاركهم الشخصية.

◾️عندما فقد بطل الرماية المجري (كارولي تاكاكس) يده اليمنى التي يرمي بها؛ بانفجار قنبلة يدوية، لم ينكسر ويندب حظه، ويستسلم لدور الضحية، بل عكف سراً وبمرونة نفسية مذهلة على التدريب، حتى عاد وفاز بالميدالية الذهبية الأولمبية مرتين بيده اليسرى، مُقدِّماً للعالم درساً مفاده أن المرونة لا تعني ألا تُجرح في معارك الحياة، بل تعني أن تتواءم مع جرحك وتكمل المعركة بما تبقَّى لديك من أسلحة.

◾️فلنتوقف عن تخريج قوالب جامدة تنكسر عند أول ارتطام، ولنبدأ في بناء نفوس مرنة، تنحني للعاصفة، ثم تعود لتقف شامخة من جديد.

-----------------------------
بقلم أ. محمد البلادي
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

كبار السن

الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق، ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات