المرأة القوية
28

لماذا نرى المرأة المكافحة «قوية» بينما نرى الرجل المكافح مجرد «رجل»؟

ربما يكشف هذا التساؤل عن خلل في ميزان التوقعات بين الرجل والمرأة، لا عن خلل في قيمة الجهد نفسه. فالمجتمع يضع سقف توقع أعلى للرجل وأدنى للمرأة امتداداً لمفاهيم تاريخية ونفسية وثقافية عميقة ترسخت عبر الزمن.
في الماضي، بُنيت الأدوار الاجتماعية على القوة البدنية والبقاء، فكان الرجل في موقع القرار والسيطرة، بينما وُضعت المرأة في منطقة الرعاية والاحتواء. فأصبح المجتمع يُكافئ الرجل على الفعل، والمرأة على الامتثال. ومع مرور الزمن، تم إعادة إنتاج هذه الفكرة جيلاً بعد جيل دون أن ينتبه أحد. وهكذا، بقيت «قوة الرجل» مفهومة ومتوقعة، بينما «قوة المرأة» مفاجِئة واستثنائية. فإذا كان الرجل «مطالباً بأن يفعل»، فمن الطبيعي أن يرتفع سقف التوقعات منه. وإذا كانت المرأة غير مطالبة بالقدر نفسه، فإن أي تجاوز تتخطى به هذا السقف، تبدو «قوية» في عين المجتمع.

إذاً نعم، هناك خلل في ميزان التوقعات بين المرأة والرجل، لكنه يكشف شيئاً أهم: أن مفهوم المرأة القوية لم يُعرّف كما يجب، ولم يُفهم خارج إطار توقعات المجتمع.
ليس الحديث عن المرأة القوية مقارنة بين صفات رجولية وصفات أنثوية، ولا محاولة لإثبات أنها لا تحتاج الرجل في حياتها. الموضوع أبعد بكثير من هذا التصنيف السطحي.

الله عز وجل خلق الرجل بقوة فطرية في الجسد والبناء والتحمل البدني، والمرأة بقوة فطرية في الوعي، والمرونة، والعاطفة الناضجة، وهي صفات خُلق بها الجنسين ليُكملا بها منظومة الحياة، لا ليتفوّق بها جنس عن الآخر. وهذا ليس جدلاً ولا مقارنة بل حقيقة بيولوجية لا خلاف عليها. فلنتفق تماماً أنه من الجهل أن يُربط مفهوم المرأة القوية بالخشونة والصدام والجبروت، فالمرأة ليست مضطرة أن تتبنى صفات لا تشبهها لتثبت قدرتها، ولا تحتاج أن تظهر قوتها على حساب رقتها وهدوئها.

من وجهة نظري، القوة عند المرأة مرتبطة بما تحتمله وتتجاوزه، وتتجلى في قدرتها المذهلة على التوازن بين أدوارها ومسؤولياتها؛ وبين القلب والعقل، والنعومة والثبات، واللطف والصلابة، واللين والحزم، وأن تكون نفسها مهما تغيّرت الظروف، وتستمر على النهوض مهما أثقلتها الحياة. وهذا بحد ذاته يمثل طاقة هائلة لا يقدر عليها كثير من الناس، رجالاً كانوا أم نساءً.
ليس هذا فحسب، فالمرأة القوية هي أيضاً التي تمتلك شجاعة الاعتراف بضعفها. فالاعتراف بالضعف ليس نقيضاً للقوة، بل هو جزء منها. وعندما تقدّر قيمة ضعفها، وتعرف متى تستخدم قوتها ومتى تسمح لضعفها بالظهور، يصبح تأثيرها في حياتها وفي محيطها أعمق وأكثر حكمة.

ومع ذلك، يظل مفهوم «المرأة القوية» غامضاً بعض الشئ. والغموض هنا ليس نقصاً ولا إرباكاً، بل هو القيمة التي تجعل هذا المفهوم أوسع من أن يُختصر في شكل واحد؛ فلا يمكن للمجتمع أن يحدده بمعادلة جاهزة، ولا يمكن لأحد أن يقول لها «هكذا تكونين قوية.. وهكذا لا تكونين». فالمرأة القوية ليست نموذجاً واحداً؛ قد تكون قيادية في السياسة، أو ناجحة في عملها، أو داعمة في أسرتها، أو مؤثرة في مجتمعها.. ولكل مجال صورته الخاصة من القوة.

قوة المرأة تنبع من داخلها، وأن تعريف «المرأة القوية» يظل مساحة مفتوحة لكل امرأة لتحدد قوتها بطريقتها الخاصة.

----------------------------
بقلم منيرة السبيت
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

كبار السن

الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق، ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات