التنمر والبعد الثقافي
40
يعد سلوك التنمر شكلا من أشكال السلوك العدواني اللفظي أو الجسدي ويتصف بالتعمد في استخدام القوة وتكرارها على الشخص الضحية. وفي المجال المدرسي بخاصة يهدد سلوك التنمر سلامة الطلاب الجسدية والعاطفية، ويؤثر سلبا كذلك على نجاحهم الاجتماعي والأكاديمي. وفي العقود الأخيرة تزامن ظهور وتطور التنمر الإليكتروني بشكل وثيق مع الانتشار السريع لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ودمجه في الحياة اليومية. بيد أن لكل من التنمر التقليدي والإليكتروني عواقب وخيمة على جودة الحياة الأفراد والمجتمعات.
والجدير بالذكر فإن التأثير السلبي للتنمر لا يقتصر على الضحية وحسب، بل يطال أيضا مرتكب الجريمة، ويتمثل ذلك التأثير السلبي في تدهور في الصحة النفسية وانخفاض الرضا عن الحياة، وبالرغم من ذلك فتوجد بعض الفروقات بين المتنمر والضحية ، فعادة يظهر مرتكبي التنمر أعراضًا خارجية، مثل الغضب والإجرام والعدوان، بينما يظهر ضحايا التنمر أعراضًا داخلية، مثل الاكتئاب والقلق والخوف والانسحاب الاجتماعي. إلا أن طلاب المدارس المتنمرين وضحاياهم عادة ما يكونون أسوأ حالًا من حيث المشاكل الخارجية والداخلية.
وإذا كانت القيم الثقافية تشكل قناعات الأفراد وسلوكهم وأسلوب حياتهم من معتقدات دائمة وشاملة تنبثق من الأعراف المجتمعية والاحتياجات النفسية للأفراد (مثل السمو الذاتي، وتعزيز الذات، والشعور بالفردية مقابل الجماعية...إلخ)، فإن سلوك التنمر يمثل ظاهرة نفسية-اجتماعية تخضع إلى مفاهيم وتفسيرات متنوعة في الثقافات المختلفة. فمن خلال استقصاء عدد من الدراسات في هذا المجال أمكن التوصل إلى عدد من النتائج أهمها:
1- التنمر أكثر انتشارًا في الثقافات الفردية منه في الثقافات الجماعية، فضلا عن ذلك، حتى داخل الدولة الواحدة فإن الطلاب الذين يجسدون القيم الفردية الأفقية (الإيمان بالترابط والمساواة) أكثر ميلاً لأن يصبحوا ضحايا، في حين كان أولئك الذين يتبنون قيم الفردية العمودية (الذين يؤمنون بالتسلسل الهرمي للمكانة) أكثر عرضة لارتكاب التنمر.
2- أظهر المراهقون في المجتمعات التي تعطي الأولوية لقيم التعبير عن الذات الأعلى ميلًا أقل للانخراط في التنمر المدرسي، على عكس نظرائهم في المجتمعات ذات قيم التعبير عن الذات المنخفضة. ويمكن أن يعزى هذا الاتجاه إلى حقيقة أن المجتمعات ذات درجات التعبير عن الذات المنخفضة تميل إلى إظهار مستويات أقل من الثقة بين الأشخاص، وزيادة التعصب تجاه الأقليات.
3- إن المجتمعات ذات القيم الذكورية الواضحة، قد يكون التنمر فيها أكثر قبولا لأنه يُنظر إليه عادة على أنه جزء ضروري من النمو، وبخاصة بالنسبة للأولاد.
4- إن المجتمعات غير ذات القيم غير المتكافئة بين الجنسين، يمكن أن يظهر فيها التنمر تجاه المجموعات الأقل قوة.
5- إن المجموعات الذين ينتمون إلى صفات محددة، مثل أولئك الذين يعانون من زيادة الوزن، وأولئك الذين يعانون من إعاقات جسدية أو تحديات عاطفية/سلوكية، أفادوا باستمرار عن مستويات أعلى بكثير من الإيذاء مقارنة بأقرانهم العاديين. وإجمالا فإن جميع أشكال المشاركة في التنمر، سواء كانت تنمرًا تقليديًا أو تنمرًا إلكترونيا، وسواء كان الشخص مرتكبًا للتنمر أو ضحية، فإن لها آثارا ضارة على المجتمع وعلى جودة الحياة لدى الأفراد.
ولذلك، لا يكفي مجرد الإشارة إلى أهمية دور الثقافة في أحداث التنمر والوقاية منه وحسب، بل أيضا من الضروري تحديد الأبعاد المحددة للقيم الثقافية أثناء تصميم سياسات وبرامج مكافحة التنمر، حيث تشكل القيم الثقافية جزءً لا يتجزأ في فهم سلوك التنمر.

---------------------------------------------
للمزيد يمكن الرجوع لهذا المرجعhttps://doi.org/10.1016/j.socscimed.2023.116499
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

الرقابة الذاتية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله ف ....

شاركنا الرأي

للتنمر آثار سلبية على صحة الطفل وسلامه النفسي والعاطفي. نسعد بمشاركتنا رأيك حول هذا الموضوع المهم.

استطلاع رأي

هل تؤيد تحويل منصة المستشار إلى تطبيق على الجوال؟

المراسلات