شيئان لا تجرؤ على قولهما لشخص مكتئب
38
يُوجَدُ العديد من الأشخاص المكتئبين في العالم، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

عانى حوالي 21 مليون بالغ و 4.1 مليون مراهق في الولايات المتحدة في سنة 2020، من نوبة اكتئاب شديدة الوطأة مرة واحدة على الأقل، ناهيك عن المتضررين من أنواع الاكتئاب الأخرى.

من المؤسف أيضًا، أنه يوجد الكثير من الأشخاص الذين يكافحون للتحدث إلى أحبائهم من المكتئبين. إن أولئك الذين يعانون من الاكتئاب هم على دراية بما يرنو إليه الأشخاص من حولهم، وذلك قد يزيد من العبء الملقى على عاتقهم، ليولدوا أفكارًا مثل: “انظر إلى مدى عدم ارتياح الناس من حولي”.

ومما يزيد الطين بلة هي تلك التصريحات حسنة النية التي تؤدي في حقيقة الأمر إلى إبعاد المكتئبين عن الآخرين؛ لأنها ببساطة تشير إلى أن الأشخاص من حولهم غير قادرين على فهم ما يمرون به. فيشعر الشخص المكتئب في المقابل بمزيد من الاغتراب، والذي ينجر عنه العديد من النتائج، ما عدا الراحة النفسية.

إذا كنت تعرف شخصًا يعاني من الاكتئاب أو يتعامل مع زملاء عمل مكتئبين ولا يعرف كيفية التحدث معهم حول هذا الموضوع، فما عليه سوى تجنب هاتين العبارتين المؤذيتين على نحوٍ خاص، وتعويضهما ببدائل أكثر إفادة.
1. ما الذي يجعلك مكتئبًا؟

يوجد اعتقاد خاطئ شائع بأن الاكتئاب دائمًا ما يكون متعلق بشيء ما، وأن مثل هذه الحالة النفسية تمثل رد فعل على مواجهة غير مرغوب فيها. تؤدي في الحقيقة عدة ظروف إشكالية إلى انتشار مرض الاكتئاب خاصةً إذا كان يوجد تباين جيني، بحيث يشبه الاكتئاب ذلك القريب الكاشط الذي يحب الظهور مباغتة. ينطبق هذا خاصةً على الاضطراب الاكتئابي الحاد والاضطرابات ثنائية القطب.

حتى إذا كان شخص ما مكتئبًا بسبب أحداث الحياة، فإن السؤال عما يجعله يشعر بذلك هو تصرف مرفوض وغير صائب البتة. تزيد محاولاتنا لفهم موقفهم ووضع الأمور في نصابها الطين بلة، بحيث يكاد يكون الأمر أقرب إلى القول بأنهم مجرد حمقى للسماح بأنفسهم ببلوغ هذه المرحلة. بينما تؤثر طريقة تفكيرنا في الأحداث الحياتية حتمًا على حالتنا التفسية، فإن تعلم كيفية تغيير هذه الطريقة لتحسين مزاجنا لا يتحقق في طرفة عين.

إن فطرة الناس لا تجعلهم جميعًا مجهزين بزر لإعادة ضبط النفس، ذلك الزر الذي قد ينسون تشغيله بطريقة ما تحت الضغط. قد تساهم الصدمات النفسية المتجذرة منذ الطفولة، في فرض نوبات اكتئاب خاصة أثناء الإجهاد النفسي (أي بغض النظر عما أفعله، لن يكون الأمر صحيحًا، وهذا الارتباط هو مجرد تأكيد آخر لعدم كفايتي) أو الصراعات الوجودية المحتدمة كعدم وجود أهداف حياتية وعدم الشعور بالانتماء.

إذا أخذت بعين الاعتبار مدى اتساع نطاق هذه الأمثلة، فستلاحظ بوضوع مدى تواتر الاحتمالات. فحتى لو بدا لك أن الشخص يعيش حياة هنيئة فإجابته عن سؤال “ما الذي يجعلك مكتئبًا” ستكون غير متوقعة. فقط لأن شخصًا ما يظهر عَلَنِيًّا بأنه سعيد لا يعني بالضرورة أنه لا يشعر بالألم.

الخيارات البديلة: حاول البدء بمحادثة بسيطة مع الشخص المكتئب عوضًا عن سؤاله عما سبب له ذلك، مثلاً، “مرحبًا، أعلم أنك لست على ما يرام مؤخرًا، لذلك فكرت في الاطمئنان عليك، لمعرفة إذا كان بإمكاني مساعدتك في أي شيء”. تعتبر هذه العبارات مجموعة من الكلمات الودية الصادقة والداعمة تلقائيًا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن السؤال عن تجربتهم وإظهار رغبتك في فهمهم يمكن أن يكون مُرحبًا به من قبلهم، نظرًا لأنك أنت هو المبادر وليس هم. فقد يشعر المكتئب، إذا بادر بطلب المساعدة، بأنه عبء على من حوله، فيغمره الشعور بالذنب بسبب رغبته في الاهتمام. ضع في اعتبارك بداية المحادثة التالية: “لا أعرف الكثير عن الاكتئاب، لكنني على دراية بأن الأشخاص يعانون منه- كل على حدا- بشكل مختلف. كيف يبدو الأمر بالنسبة لك؟”.

يمكنك المتابعة برد مثل: “هذا كثير. أدركت لماذا كنت تقول أنك متوتر”. قد يؤدي هذا المسار الجديد من المحادثة إلى التعرف أيضًا على ما هو مفيد للشخص المكتئب على غرار العلاج النفسي الموجه نحو الحل، والذي سيتم التوسع في الحديث عنه أدناه.
2. هيا تجاوز الأمر وابتهج

أكاد أجزم أنه لا يوجد شخص مكتئب في هذا العالم قد سمع إحدى هذه التعليقات وقال لنفسه: “يا إلهي، لم أفكر في ذلك من قبل”. فلو كان الأمر عائدًا إليهم، لكانوا اتبعوا تلك النصائح دون معارضة.

تعتبر عبارة “فكر بإيجابية” نصيحة لا طائل من ورائها؛ فلو كان الحل مرتبطًا بمعدلات بسيطة تضم الصور الإيجابية في مقابل الصور السلبية، لا أصبح العالم خالِياً من المكتئبين. يساعد العلاج المعرفي، بدون شك، على إعادة تنظيم المعتقدات الأساسية السلبية السائدة والتي تديم الاكتئاب. لكن الأمر أكثر تَعْقِيداً من مجرد التفكير بإيجابية.

لَعَلَّ “الأفكار الإيجابية” تجعل الأمور أكثر صعوبة، فتفكيرهم في الأشياء التي تجعلهم سعداء يرتبط أَساساً بما يفتقدونه حالِيًّا، بسبب الاكتئاب. حينما ترتبط أنماط التفكير السلبية ارتباطًا وثيقًا بالاكتئاب، فإن محاولة تغيير هذه الأفكار السوداوية قد تكون نسبيًا عديمة الجدوى، خاصةً إذا نتجت عن التأثيرات العصبية/المعرفية مثل الخمول، والانفعال، ومشاكل النوم، والشهية، وعدم القدرة على التركيز.

فَمَثَلاً، يتأثر مرضى الاكتئاب الشديد بشكل كبير باضطرابات المحور الوطائي النخامي الكظري؛ أي أن الأعراض المذكورة أعلاه تُوَلَّدُ داخِلِيًّا في جسم المريض. يجعلنا هذا التفسير ننظر للاضطراب الاكتئابي الحاد من منظور طبي وحيوي. تعتبر عبارة “فكّر بإيجابية” بمثابة قطرة في المحيط، خاصةً حينما يشعر المكتئبون بآثار فقدان الوزن الناجم عن فقدان الشهية والأرق الشديد والهياج النفسي الحركي. من المحتمل جِدًّا، أن الأعراض الفسيولوجية لسمات الاكتئاب ساهمت في توليد الأفكار السلبية وترسيخ شعورهم بالتعاسة.
الخيارات البديلة

عِوَضًا عن استخدام عبارات مثل “ابتهج” أو “فكّر بإيجابية”، حاول أن تتبع تعليقات بناءة على غرار “كيف يبدو الأمر بالنسبة لك؟” أو “ما الذي ساعدك على التعامل مع هذه المَطَبّات؟”. يتضمن العلاج النفسي -القائم على إيجاد الحلول- عدة مناهج، فمثلًا، يمكنك جعل شخص ما يدرك أن جهوده للتغلب على الاكتئاب لن تذهب سُدى، لكونها تساعده على تجنب الوقوع في الأسوأ. تصرفك هذا سيجعله يشعر بأنه شخص مسؤول ومتمكن من السيطرة على المواقف.

يوجد نهج آخر يتمثل في غرس شعور الاطمئنان لدى المكتئبين، من خلال تجسيد نفسك كشخصية داعمة. لا يعني ذلك أنك تضمن أن الاكتئاب سيتبدد بطريقة سحرية، بل أنت تأكد أنك متاح لدعمهم معنويًا دون لعب دور المُتَعالِ.

إن وجود شخص ما يشاركك آلامك قد يمحي بعض الشيء سمات الكآبة، حيث أشار المقدم ديف غروسمان في كتابه On Killing إلى أن الألم الذي تشاركه مع الآخرين هو نصف ألم. يمكنك أيضًا طمأنتهم بأن حالتهم النفسية قابلة للعلاج، خاصةً إذا لم يسبق لهم خوض هذه التجربة، وأنك ستقدم لهم المساعدة في ترتيب جلسات علاجهم النفسي. وقد أكد على ذلك الدكتور فرانسيس مونديمرو قائلًا: “توقع التحسن”.

ولا يفوتنا أن ننوه، بأن التشجيع هو أمر ضروري في فترة العلاج. إذ غالبًا ما يتجه المكتئبون نحو التخلي عن هذه الجلسات، بسبب شعورهم باليأس أو الإحباط لعدم تحسن وضعهم على نحوٍ سريع. لذلك عليك الإشارة إلى أن التطويرات الصغيرة، مع مرور الوقت، تصنع نتائج مذهلة.

إذا كان شخص ما قد تعرض لنوبات اكتئاب سابقة، حاول أن تذكره بأن تلك الموجات تميل إلى محاكاة حركة المد والجزر. وتجدر الإشارة إلى أهمية الثناء على مجهودات الأشخاص الذين تمكنوا من تجاوز حالات الاكتئاب من قبل، لأن ذلك يذكرهم بأنهم قادرون على الانتصار مُجَدَّدًا. قد يكون هذا الانتصار نتيجة لارتباطهم بالآخرين أو لتحقيقهم الاتزان العاطفي. من نافلة القول، أن الشخص المكتئب في حاجة مستمرة إلى الدعم المعنوي ليواجه تلك الندبة العاطفية المسماة الاكتئاب.
معلومات إضافية

يهدف هذا المقال إلى توعية الناس بأهمية التوقف عن استخدام هذه العبارات الشائعة لتهدئة روع الشخص المكتئب، لأنها لا تسبب في حقيقة الأمر إلا في المزيد من الأذية. فلو كنت تعرف شَخْصاً مُصاباً بمرض الاكتئاب في محيطك، فمن المستحسن أن تظل مُطَّلِعاً على هذا المجال، وذلك من خلال الطرق التالية. أولًا، يوجد الكثير من الكتب الموجهة بالأساس إلى المكتئبين مثل كتاب The Mood Disease 2006 للطبيب النفسي فرانسيس مونديمرو، وكتاب A Guide for Parents and Caregivers 2015 للعالمة النفسية ديبورا سيراني.

تساعدك هذه العناوين على التعرف عما يمكن توقعه، ليس فقط فيما يتعلق بالأعراض بل حتى آثار الأدوية، وكيفية التعامل مع الأشخاص المصابين بالاكتئاب الانتحاري كمناقشة احتياجاتهم مع عائلاتهم وأصدقائهم. ثانيًا، يمكن أن يؤثر وجود شخص مقرب مصاب بالاكتئاب على صحتك العقلية، لذا فإن اللجوء إلى طبيب نفسي ضليع بشأن هذا الأمر قد يساعدك على البقاء في أفضل حالاتك أثناء الاعتناء به.
تنويه

تهدف المعلومات المذكورة أعلاه إلى التوعية فقط، ولا تسعى إلى تشخيص أو علاج أو منع أي مرض لدى القراء أو الأشخاص الذين يعرفونهم. لا ينبغي أن تحل هذه المعلومات محل الرعاية الشخصية أو الطبية المحترفة، خاصة إذا كنت طَبِيبًا مُمارِسًا أو طالِبًا.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: https://www.psychologytoday.com
ترجمة: أماني نوار
مراجعة وتدقيق: زينب محمد
تقييم اللقاء
مشاركة اللقاء
تعليقات حول الموضوع

مقال المشرف

في بيتي مدمن جوال

يا الله.. ما هذا الذي حال بين الابن وأبيه، والزوج وزوجه، والحبيب وحبيبه!! غرّبَ الإنسان في بيته؛ حتى ....

شاركنا الرأي

ما رأيك في منصة المستشار بشكلها الجديد؟

استطلاع رأي

هل تؤيد الاستشارات المدفوعة ( بمقابل مالي )؟

المراسلات