خطيبي وحيد أبويه ( 1/2 )
24
الإستشارة:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مشكلتى مع اهل خطيبى انه وحيد ابويه وهم يحبونه لدرجة الجنون لا يريدون احد ياخذه منهم ودائما التدخل بيننا اخر ما بينا انهم يريدون بعد الزواج الاقامة معنا على العلم انهم يسكنون بالقرب من الشقة التى سوف اسكن بها مع خطيبى ان شاء الله الرجاء افادونى بسرعة انى حائرة لا استطيع اتخاذ قرار

مشاركة الاستشارة
يوليو 27, 2018, 03:13:01 مسائاً
الرد على الإستشارة:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد :

أختي الفاضلة : إيناس حفظك الله ورعاك وسدد خطاك، ووجهنا وإياك للخير ...

 لا شك أنك تعلمين ما للوالدين من حقوق لازمة على أبنائهما، وقد تكرر الحث على برهما ورعايتهما، وذكر الله سبحانه وتعالى الإيصاء ببرهما مقترنا بالأمر بتوحيده؛ قال الله تعالى:  وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  {النساء:36}، وقال تعالى:  وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  {العنكبوت:8}.
وقال تعالى:  وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  {لقمان: 14} .
وقال سبحانه : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } الإسراء (24.23).

والنصوص كثيرة في الأمر ببر الوالدين والنهي عن عقوقهما . ولا يلام الولدان في ارتباطهما بولدهما فهو أمر فطري، وخاصة إذا كان وحيدهما، والزوجة الصالحة هي التي تعتني بوالدي زوجها وتكرمهما وتلتمس عطفهما، بل إن الزوجة العاقلة هي التي تسعى لتحصيل رضى والدي زوجها وتعينه على برهما وتذكره بما يجب عليه تجاههما، وقد رأيت امرأة صارت أقرب إلى والدي زوجها منه بجميل إحسانها وحسن تدبيرها، وكسبت قلبيهم.

وإكرام والدي الزوج وإن لم يكن واجبا عينيا على الزوجة؛ فإنه من مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، ونفس الأمر يتعلق بوالدي الزوجة من إكرام واحترام وخدمة.
ولأجل ذلك كوني عونا لخطيبك على بر والديه، و اسعي بما تقدرين عليه من أوجه العناية بهما والرعاية لهما، وستزدادين حبا من قبل خطيبك بعد الزواج، ولا تتضجري من سكناهما معكما بل اعتبري ذلك فرصة لتوطيد علاقتك بزوجك وتطوير علاقتكما ففي ذلك الخير الكثير، واحذري أن تكوني سببا في عقوق خطيبك لوالديه، وماذا ستجنين إذا كنت زوجة لرجل عاق لوالديه.

وينبغي أن تتفهمي وضعهما وكون خطيبك وحيدهما، ومما يكمن التنبيه عليه الاتفاق مع خطيبك على الطريقة المثلى للتعامل معهما وخدمتهما وكسب ودهما، واحرصا على معرفة حدود تدخلهما في علاقتكما، وما ينبغي أن تطلعاها عليه من أموركما وما لا ينبغي، وأهم شيء تعاونكما على تدبير أمر البيت في إطار من المودة والرحمة والأنس والتقدير والاحترام.

وأعتقد أن الأمر ليس مدعاة للقلق والحيرة مطلقا، ولا تتركي الفرصة للشيطان والوساوس، واقبلي على اتخاذ القرار مع استحضار ما ذكرت لك من مناقشة الأمر باهتمام مع خطيبك وأنك لا تمانعين في التعاون معه على برهما وأن يبادلك نفس المعاملة، وترفعي عن ما أصبح شائعا في بعض البلدان من ميل أغلب الزوجات إلى الانفراد بأزواجهن ودفعهم إلى القطيعة مع والديهم وأقاربهم فإن ذلك طريق مشئوم، لا تحمد عقباه، وأقلها ما قد يفعله الأبناء مع أبائهم العاقين لوالديهم والعياذ بالله؛  تقدمي وصلي صلاة الاستخارة واسألي الله الذي هو خير، والله يعينكما.

واستكمالا للفائدة أرسل إليك موضوعا مهما عن تهميش الوالدين :( تهميش الوالدين في حياتنا ) إعداد : موسى بن محمد بن هجاد الزهراني .

ظاهرة تهميش الوالدين !
يقول الله تعالى : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } الإسراء  (24).

يتعجب الإنسان _المسلم_ الذي مُنح ولو أقل القليل من العقل _ كيف أن الله تعالى لم يقرن شيئاً من العبادات في الإسلام .. بطاعته كما قَرَن طاعة الوالدين ، وفي ذلك إشارة خفيفة إلى أن المرء المؤمن إذا أحسن إلى والديه كما يليق بكونهما سبباً لوجوده في هذه الحياة ، فإنه من باب أولى أن يحسن في عبادة ربه لأن الله عز وجل هو السبب في وجوده هو وهم في هذه الحياة ..
 
كم نحن بحاجة إلى إيقاظ ضمائرنا من سباتها ، فنعرف للوالدين حقهَّما علينا ، فنجلّهما ونبجّلهُما ، ونُقدّرهما حق التقدير .

كم تحدَّث الأفاضل  عن هذه القضية، وكم خطب الخطباء، وقال الشعراء، وكنت أظن أنني لست بحاجة إلى طرق مثل هذا الموضوع لكثرة من تحدَّث فيه.. لكنني رأيت أن أتناوله من طرفٍ آخر .. من زاوية " قضية تهميش الوالدين في حياتنا "  ..

وعمدتي في هذه القضية هي تلك الآية الكريمة التي صدّرت بها هذا المقال ..
                                      نحن والوالدان :

الوالدان، اللذان هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان.. الوالد بالإنفاق.. والوالدة بالولادة والإشفاق.. فاللّه سبحانه نعمة الخلق والإيجاد، ومن بعد ذلك للوالدين نعمة التربية والإيلاد.
يقول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات مقرونات بثلاث، ولا تقبل واحدة بغير قرينتها..

1-  وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ  {التغابن:12}، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.
2-  وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ  {البقرة:43}، فمن صلى ولم يزكِّ لم يقبل منه.
3-  أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  {لقمان:14}، فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.

ولأجل ذلك تكررت الوصايا في كتاب الله تعالى والإلزام ببرهما والإحسان إليهما، والتحذير من عقوقهما أو الإساءة إليهما، بأي أسلوب كان، قال الله تعالى:  وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  {النساء:36}، وقال تعالى:  وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  {العنكبوت:8}.
وقال تعالى:  وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ  {لقمان: 14} .

فوضحت هذه الآيات ما للوالدين من جميل عظيم، وفضل كبير على أولادهما، خاصة الأم، التي قاست الصعاب والمكاره بسبب المشقة والتعب، من وحامٍ وغثيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما ينال الحوامل من التعب والمشقة، وأما الوضع: فذلك إشراف على الموت، لا يعلم شدته إلا من قاساه من الأمهات.

وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء التأكيد على وجوب بِرّ الوالدين والترغيب فيه، والترهيب من عقوقهما.

ومن ذلك: ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهم )رواه الطبراني في الكبير، وصححه العلامة الألباني.

وروى أهل السنن إلا الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما.)

وروى الإمام أحمد في المسند وابن ماجة - واللفظ له - عن معاوية بن جاهمة السلمي: ( أنه استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه، فأمره أن يرجع ويَبرَ أُمَّه، ولما كرر عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "ويحك.. الزم رجلها... فثمّ الجنة).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمّـك"، قال: ثم من؟ قال: "أمّك"، قال: ثم من؟ قال "أمّـك"، قال ثم من؟ قال: "أبوك). وهذا الحديث مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وجاءت الإشارة إلى هذا في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (لقمان:14.)

وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: { ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنّان بما أعطى }رواه النسائي وأحمد والحاكم.

وروى الإمام أحمد بسند حسن عن معاذ بن جبل  قال : (أوصاني رسول الله  بعشر كلمات قال: "لا تشرك بالله شيئاً، وإن قتلت وحرّقت، ولا تعقّنَّ والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك.." ) إلى آخر الحديث.

وكما أن بر الوالدين هو هديُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كذلك هدي الأنبياء قبله قولاً وفعلاً، وقد سبق بيان هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك من قوله. أما من فعله صلى الله عليه وسلم فإنه لما مرّ على قبر والدته آمنة بنت وهب بالأبواء حيث دفنت - وهو مكان بين مكة والمدينة - ومعه أصحابه وجيشه وعددهم ألف فارس، وذلك عام الحديبية، فتوقف وذهب يزور قبر أمه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - وأبكى من حوله، وقال: (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة  )رواه البغوي في شرح السنة، واصله في صحيح مسلم.

وهذا إبراهيم خليل الرحمن أبو الأنبياء وإمام الحنفاء عليه السلام يخاطب أباه بالرفق واللطف واللين - مع أنه كان كافراً - إذ قال: (يا أبت) وهو يدعوه لعبادة الله وحده، وترك الشرك، ولما أعرض أبوه وهدده بالضرب والطرد، لم يزد على قوله:  سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً  (مريم:47).
وأثنى الله على يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال تعالى:  وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً  (مريم:14).  
*               *              *
فالله تعالى يقول : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } الإسراء  (24).

نحن المخاطبون بهذه الآية ! مع أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ أن المعني بها بالدرجة الأولى هو نحن! لأن وقت نزولها لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أبٌ ولا أمٌ ، ولكن الله تعالى قد خاطبنا في شخص قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم .. فخاطب الأمة جميعاً بهذا الخطاب .

فالله تعالى يقول للولد _  في هذه الآية _{ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }...أيها الولد .. يا من جعل الله والديك سبباً في وجودك في هذه الحياة .. هل قدَّرت هذه النعمة حق قدرها ؟ هل خطر على بالك _ وأنت اليوم تسرح وتمرح وأصبح لك اسمٌ لامعٌ _ هل خطر على بالك أنك كنت يوماً من الدهر نسياً منسياً ! فأخذ والداك بيديك نحو آفاق الحياة ، تعِبا عليك تعباً لا يعلمه إلاَّ الله ! . سهرا لتنام أنت ، وبكيا لتضحك ، وجاعا لتشبع ، كانا يتلذذان بضمّك وشمّك ! بل لم يكونا يتضجران من كثرة إزعاجك أو أمورٍ تتعلق بنظافتك . كانت أمُّك تزيل عنك الأذى وهي فَرحةٌ مسرورة ، فلم تكن تتأفّف من رائحتك .. وكان أبوك .. لربما أخرج اللقمة من فيه ليطعمك إياها .. ويشعر ببالغ السعادة .. هل تعلم بذلك الآن أم أنك لا تريد أن تعلم ؟! ..
                                  *                 *                *
 وحول قوله تعالى : ({ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ }الإسراء23 .. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في كلام له نفيس – حذفت منه أسانيد الأحاديث عمداً خشية الإطالة -(خَصَّ حَالَة الْكِبَر لِأَنَّهَا الْحَالَة الَّتِي يَحْتَاجَانِ فِيهَا إِلَى بِرّه لِتَغَيُّرِ الْحَال عَلَيْهِمَا بِالضَّعْفِ وَالْكِبَر ; فَأَلْزَمَ فِي هَذِهِ الْحَالَة مِنْ مُرَاعَاة أَحْوَالهمَا أَكْثَر مِمَّا أَلْزَمَهُ مِنْ قَبْل , لِأَنَّهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَة قَدْ صَارَا كَلًّا عَلَيْهِ , فَيَحْتَاجَانِ أَنْ يَلِي مِنْهُمَا فِي الْكِبَر مَا كَانَ يَحْتَاج فِي صِغَره أَنْ يَلِيَا مِنْهُ ; فَلِذَلِكَ خَصَّ هَذِهِ الْحَالَة بِالذِّكْرِ . وَأَيْضًا فَطُول الْمُكْث لِلْمَرْءِ يُوجِب الِاسْتِثْقَال لِلْمَرْءِ عَادَة وَيَحْصُل الْمَلَل وَيَكْثُر الضَّجَر فَيَظْهَر غَضَبه عَلَى أَبَوَيْهِ وَتَنْتَفِخ لَهُمَا أَوْدَاجه , وَيَسْتَطِيل عَلَيْهِمَا بِدَالَّةِ الْبُنُوَّة وَقِلَّة الدِّيَانَة , وَأَقَلّ الْمَكْرُوه مَا يُظَهِّرهُ بِتَنَفُّسِهِ الْمُتَرَدِّد مِنْ الضَّجَر . وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُقَابِلهُمَا بِالْقَوْلِ الْمَوْصُوف بِالْكَرَامَةِ , وَهُوَ السَّالِم عَنْ كُلّ عَيْب فَقَالَ : " فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَلَا تَنْهَرهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا " . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَغِمَ أَنْفه رَغِمَ أَنْفه رَغِمَ أَنْفه ) قِيلَ : مَنْ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْد الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة ) . وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْوَالِدَيْنِ : ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( رَغِمَ أَنْف رَجُل ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ . رَغِمَ أَنْف رَجُل أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْد الْكِبَر أَوْ أَحَدهمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّة . وَرَغِمَ أَنْف رَجُل دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَان ثُمَّ اِنْسَلَخَ قَبْل أَنْ يُغْفَر لَهُ ) . ....وعَنْ سَعْد بْن إِسْحَاق بْن كَعْب بْن عُجْرَة السَّالِمِيّ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : إِنَّ كَعْب بْن عُجْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَحْضِرُوا الْمِنْبَر ) فَلَمَّا خَرَجَ رَقِيَ إِلَى الْمِنْبَر , فَرَقِيَ فِي أَوَّل دَرَجَة مِنْهُ قَالَ آمِينَ ثُمَّ رَقِيَ فِي الثَّانِيَة فَقَالَ آمِينَ ثُمَّ لَمَّا رَقِيَ فِي الثَّالِثَة قَالَ آمِينَ , فَلَمَّا فَرَغَ وَنَزَلَ مِنْ الْمِنْبَر قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه , لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْك الْيَوْم شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعهُ مِنْك ؟ قَالَ : ( وَسَمِعْتُمُوهُ ) ؟ قُلْنَا نَعَمْ . قَالَ : ( إِنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام اِعْتَرَضَ قَالَ : بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَان فَلَمْ يُغْفَر لَهُ فَقُلْت آمِينَ فَلَمَّا رَقِيت فِي الثَّانِيَة قَالَ بَعُدَ مَنْ ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَقُلْت آمِينَ فَلَمَّا رَقِيت فِي الثَّالِثَة قَالَ بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ عِنْده أَبَوَاهُ الْكِبَر أَوْ أَحَدهمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّة قُلْت آمِينَ ) . ....وعن سَلَمَة بْن وَرْدَان سَمِعْت أَنَسًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : اِرْتَقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَر دَرَجَة فَقَالَ آمِينَ ثُمَّ اِرْتَقَى دَرَجَة فَقَالَ آمِينَ ثُمَّ اِرْتَقَى الدَّرَجَة الثَّالِثَة فَقَالَ آمِينَ , ثُمَّ اِسْتَوَى وَجَلَسَ فَقَالَ أَصْحَابه : يَا رَسُول اللَّه , عَلَامَ أَمَّنْت ؟ قَالَ : ( أَتَانِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ رَغِمَ أَنْف مَنْ ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَقُلْت آمِينَ وَرَغِمَ أَنْف مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدهمَا فَلَمْ يَدْخُل الْجَنَّة فَقُلْت آمِينَ ) الْحَدِيث . فَالسَّعِيد الَّذِي يُبَادِر اِغْتِنَام فُرْصَة بِرّهمَا لِئَلَّا تَفُوتهُ بِمَوْتِهِمَا فَيَنْدَم عَلَى ذَلِكَ . وَالشَّقِيّ مَنْ عَقَّهُمَا , لَا سِيَّمَا مَنْ بَلَغَهُ الْأَمْر بِبِرِّهِمَا  )  .

*                           *                         *
 
.. فالله تعالى يقول { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ }الإسراء23 .. أليس الولد مُطالبَاً ببرَّ والديه على كل حال ؟ فلماذا إذن خصَّ الله تعالى حالة الكبر بالذكر ؟! ..
إن الإنسان _ أيها الأفاضل _ إذا تقدم في السنّ كَثُرتْ همومُه وغمومُه ، وزفيره وآلامه .. ويشتد حنينه إلى الماضي ، وتعتمل الذكريات في مخيلته كالضباب الذي يكسو أعالي الجبال ، فتراه يأتي تارةً  ويذهب أخرى، يشعر بأسفٍ شديدٍ على أيامه الخوالي عندما كان بكامل صحته وقد امتلأ شباباً ،ونشاطاً ، وقوةً .. واليوم ! اليوم لم يبق له من ذلك كله إلاَّ الذكريات والحسرات ! ، فمن يشعرُ به ؟ ومن يواسيه ؟ .
 يجلس في المجالس فيحف به الناس فيحلو له الحديث عن ماضيه ، وتجاربه في الحياة ، فلا يحضر مجلسه ويسمعه إلاّ شبابٌ لا يفقهون من حديثه إلاَّ أنه عاش في حِقبٍ مضت في الجوع والفقر ! ، لا يعنيهم ذلك في شيء ! أما هو فيتألم أشدَّ الألم ؛ لأنَّ الذين كانوا يُعظِّمون كلامَه _ من أقرانه وأترابه _  قد ذهبوا إلى الله وسبقوه .. وتركوه في قومٍ لا يحَفَلون به وبكلامه وذكرياته ، بل قد يعتبرونه كلاماً على هامش الحياة ، أمراً قد عفى عليه الزمن ! .

*                        *                         *

.. ومن المعلوم أيضاً .. أن الإنسان إذا تقدم في السنّ ، وبلغ من الكبر عتياً .. فإنه تكثر أمراضه  وأوجاعه ، فيعاني آلآم مرض الشيخوخة ، ولربما أُصيبَ بمرض ارتفاع ضغط الدم ، و" السكري " .. وانحناء الظهر ، وترهّل الجِلْد ... فيحتاج إلى من يهتم به ؛ ويراعي مشاعره وأحاسيسه ، فقد يغضب لأِْتفَهِ الأسباب ، وتستفزُّ مشاعره أبسط التصرفات .. فهو بحاجةٍ إلى مزيدٍ من العنايةِ والرعايةِ ،والأخذ بخاطره كما يقال .
 وإذا تقدم به  السنُّ ، فإنه يكثر اشتغاله بمن حوله ، وبما لايعنيه  ، وتكثر أسئلته ، ولربما إذا سمعته – أيها  الولد – قلتَ ما جدوى كثرة هذه الأسئلة ؟ فهو يسأل من حوله :
 من هذا الذي طرق الباب ؟!
من الذي جاءكم ؟
فيماذا كنتم تتحدثون ؟
لماذا لا تسمعونني كلامكم ؟
من أعطيت سيارتك ؟
لماذا  تأخذ سيارة فلان ؟
أراك تلبس ثوبك ! أين تريد أن تذهب ؟
لماذا  لا تستأذن إذا  أردت الخروج من المنزل ؟
لماذا لا تقبّل رأسي ويدي كما يفعل أولاد فلانٍ بأبيهم ؟
لماذا تجلس في غرفتك وتتركني لوحدي ؟
لماذا لا تتحدث معي ! وتخبرني بأمورك أو تأخذ رأيي ؟ ..
ولماذا .. ولماذا .. ولماذا ..
أسئلة كثيرة .. لربما لو سمعها الابن ولم يكن لديه إيمانٌ قوي ، أو رجولة وشهامة ، أو بقية من عطف وحنان وشفقة ... لربما نهر هذا الوالد ، أو الوالدة ، أو رفع يده وهزها في وجهه ، أو ارتكب أعمالاً لا تليق ، وكان الواجب عليه أن يصبر .. ويتحمّل أسئلته، بل ويجيب عنها بكل ارتياح ، و يريه ابتسامة الرضى والسرور  ، ويشعره بعدم التبرّم والتضجر ، فإذا فعل هذا ؛ فإنَّ والده بلا شكٍ سيُكبر منه هذا الفعل .. ومع مرور الزمن سينقلب الحال ، وسيكون قربه من والده كفيلاً بعلاج أمورٍ كان يظن أنها مستعصيةٌ على العلاج ..
*                        *                         *
ومن المعلوم أيضاً .. أن الوالد إذا تقدم به العُمُر ..فإنه سيعجز عن إثبات وجوده _ كما يقال _ في بيته .. كما كان يفعل قبل أن يصل إلى ما وصل إليه . كان كالملكِ في بيته ، يقوم بما يقوم به كرماء الرجال وذوو الشهامة والمروءة .. من إكرامٍ ضيفٍ ، أو مواساة قريب أو صديق .. أو زيارة مريض .. أو السفر لأداء ما يرى أنه واجبٌ القيامُ به .. من تعزية قومٍ أو مشاركتهم في أفراحهم ، أو صلة رحم ، أو زيارة قريب ،  ..  يقوم بذلك كله دون أن يستشير أحداً ، أو يلتفت إلى أحدٍ ، وكان هو المنفق المتكفل بأمور المنزل ، ومعلوم أن السيادة والريادة تكون غالباً في الناس لمن كان باذلاً ، ولهذا يقول الله تعالى عن هذه القضية- أعني الإنفاق -  : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } النساء (34) فالرجل إنما ساد المرأة بهذه الأمور ، بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء.

ولعل هذا سر قوله: { وَبِمَا أَنْفَقُوا } وحذف المفعول ليدل على عموم النفقة. فعلم من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته، وهي عنده عانية أسيرة خادمة،فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به .  
هذا حال الرجل مع المرأة في أمور النفقة ، ولكن المنفق عند الناس في كل ما من شأنه التسابق في الإنفاق فإنه يكون هو المقدم والمعظم والذي تشرأب إليه الأعناق بالإكبار والإجلال ، وليس هذا بالأمر الهين ، فقديما قال المتنبي :
لولا المشقة ساد الناس كلهم
 الجود يفقر والإقدام قتّال
فلا يقدم على الجود والإنفاق إلاّ كرماء الرجال ، فالأب كان يعيش بهذه النفسية العظيمة التي تجعله متربعاً على عرش الكرم ، ينفق على البيت وأهله وغيرهم كيف يشاء .
 واليوم .. قد وصل إلى حالٍ .. يرى نفسه فيها عاجزاً عن القيام بأي أمرٍ دون أن يساعده أحد .. فهو يأمل من أبنائه أن يتفطَّن أحدُهم لهذا الأمر فتأتي المبادرة منه قبل أن يسمعها من الوالد ؛ ليحفظ الأب مكانته وماءَ وجهه ، فإذا غفل الأبناء عن هذا فإن أعراضَ الاكتئاب ،  والهمَّ ، والغمَّ ،وطول التفكير وإشغال البال ، ستعتري قلب هذا الأب ، ولربما كان حييّاً ، ذا وقار ، وأدبٍ .. فيستحيي من أبنائه أن يعرض عليهم الأمر .. فيعيش منزوياً ، معزولاً ، مهمشاً في منزلٍ كان هو سيده في يوم من الأيام ، وقد يريد أحد الأبناء البِرَّ به ، فيخطيء التصرف ، ويسيء العرض ، فقد يقول لأبيه :

 يا والدي ! لماذا  تشغل نفسك  بمن طرق الباب ؟ ومن جاء ومن ذهب ؟! لو كنتُ أنا مكانك لما اشتغلتُ بهذه الأمور .. ولعمدتُ إلى العبادة ؛ فأشتغل بها وأدعُ ما سواها .. وقد يقول له ما هو أقسى من هذا .. كأن يقول :_ لو كنتُ أنا مكانك وتقدم بي السنُّ .. لقمتُ إلى سجادة الصلاة  فأفرشها على الأرض وأدقّ عليها مسماراً ، أربط به حبلاً ثم أربطه في رجلي ، فأعبد الله تعالى وأتفرغ للعبادة .. وأريح بالي ! ..

فإذا سمع الوالد هذه العبارات فإنه سيتألم ، وتنجرحُ مشاعره  ، ويشعر أنه أصبح عالةً على أهل البيت .. وأنهم إنما يتنظرون أن يأخذ الله أمانته _ كما يعبرّون _ كناية عن الموت! .. فتنهار نفسيته .. ويدب الوهن إلى جسده .. ونحن بعدها نذهبُ بهذا الأب إلى الطبيب .. ونذهب بتلك الأُمَّ إلى الطبيبة ! أو إلى من يرقيهما الرقية الشرعّية! وفي واقع الأمر ليس بهما علةٌ تحتاج إلى علاج ! وإنما أمراضهما نحن سببها بهذا التهميش الذي هو في كثير من الأحيان ليس مقصوداً لذاته .. وإنما نروم به البرَّ بالوالد أو الوالدة ..

وكما قال الشاعر :_
رام نفعاً فضرَّ من غير قصدٍ
 ومن البِِرِّ ما يكون عقوقاً  .

*                           *                          *
 
الطريقة المثلى في التعامل الصحيح مع الوالدين :

والطريقة الصحيحة التي يجب اتباعها للتعامل مع الوالدين إذا بلغا هذه الحالة من الكبر والضعف .. أن نبحث عن رغباتهما فنلبّيها لهما ، حتى ولو لم نعقل معناها !! إليك أمثلة وقس عليها:
•تريد أن تتزوجَ .. فما المانع أن تأتي إلى هذا الأب أو هذه الأمّ .. بأدب وخفض جناح .. وتقبل رأسه _ أو رأسهما _ ثم تستشيرهما في هذا الأمر .. قل له _ ولنجعل كلامنا عن الوالد كمثال ويقاس عليه الأمُّ _:
 يا أبتِ : هذه امرأة صفتها كذا وكذا ، وأهلها هم أولئك القوم .. من ذلك البلد .. أو تلك القبيلة .. ما رأيك ؟ أأتزوجها أم أن لك رأياً آخر ! ..
•تريد .. أن تشتري سيارة _ مثلاً _ استشره ، واعرض عليه هذا الأمر .. قد لا يُحسن المشورة في مثل هذه الأمور ..وقد لا يعرف أنواع السيارات ، ولا الغالي منها من الرخيص ! ، وقد يكون شيخاً هرماً لا يحسن إبداء الرأي ، لكن هذا التصرف منك يجعله يشعر أن قيمته في البيت _ بصفته أباً _ لا زالت قائمة ويؤخذ رأيه ..وقد لا تعمل بمشورته أخيراً ! لكن عرضك عليك الأمر قبل أن تتخذ أي قرار يجعله يوافق على رغباتك دون عناء .. ولربما ظن أنك إنما أخذت برأيه فاشتريت أو بعت أو تزوجت .. فتبعث فيه الروح ، والأمل ،  وترتقي بنفسيته إلى مستوى ترى آثارها تلوح على صفحة محياه وعلى شفتيه !.
•تريد أن تبني بيتاً ، اسأله :
كم نجعل الغرف ؟
أين نجعل غرفتك الخاصة ؟
أين نجعل مجلس الرجال ؟ ومجلس النساء ؟
هل لك رأي في تخطيط المنزل ؟
•تريد أن تسافر لأداء العمرة ، أو الحج ، أو غير ذلك ، حتى انتدابات عملك الخاص .. فإنه لا مانع أن تستأذنه وتأخذ رأيه ... أشعره أنه صاحب الكلمة الأخيرة .

وهكذا الأمُّ .. اجعلها تشعر بأنك تقيم لها أعظم وزنٍ .. تجعلها تشترك معك في كل أمر وتبدي رأيها .. وأنت تتقبل ذلك كل من دون غضاضة .. ثم انظر بعدها كيف سيكون الحال ، وكيف أنك استطعت الوصول إلى قلب الأب والأم بأيسر السبل .
 
ألم أقل لك إن هذا يحتاج إلى فنٍ ، ولا يتقنه كل أحد ؟! .

*                        *                         *
 
فالوالد يجب أن تكون له الكلمة النافذة في البيت ، لا أن نذهب ونأتي ونسافر ونفعل ونفعل .. وهو كأنه قطعةٌ من أثاث المنزل .. لا يستشار .. ولا يؤخذ رأيه بحجة أننا لا نريد أن نشغله أو نقحمه في أمور لا شأن له بها ، أو نهمشه قصداً بُغية إراحته وعدم إزعاجه .. وقديما قال الشاعر  _ يصف ضعف قبيلة _  :
ويقضى الأمرُ حين تغيب تيمٌ
 ولا يُستأذنون وهم شهود !

هذه قبيلة لا وزن لها عند القبائل الأخرى .. فحضورها وغيابها سيان ! . والوالد يشعر بأعظم مما تشعر به هذه القبيلة من الألم والحسرات ! لأن الذي يمارس عليه هذا التهميش هو أحب الناس إلى قلبه .. ولده الذي _ ربما _ مكث سنوات طويلة ينتظر ولادته وكم كان يدعو الله كثيراً في حجه وصلاته { رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ }  الأنبياء(89)  " .. فجاء الولد بعد لأيٍ ! فإذا به يُسمع أباه تلك الكلمات التي لم يكن والده يتوقع سماعها منه يوماً !.

 ويعجبني أحد الإخوة الذي زاملتهم سنوات ، وهو اليوم برتبة ( عقيد )  .. قال لي :_
أتعلم أنني لم أتسلم مرتبي كاملاً إلاّ بعد أن وصلت إلى رتبه ( رائد ) ؟
قلت:_ لماذا ؟

قال :_ لأننا _ ونحن أربعة إخوة _ كنا نعطي رواتبنا لوالدي الذي أُحيل على التقاعد ، فكان هو الذي يُصرّف أمورنا .. فقام ببناء بيوتٍ لنا ، وتزويجنا .. بل كان هو الذي يقوم على شؤون بيوتنا وزوجاتنا ! حتى إذا كان يومٌ ، جمعنا فيه .. فأعطى كل واحدٍ منا مبلغاً ليس بالقليل .. ثم قال :_
يا أولادي .. أنا قد كبرت ، ولم أعد استطع القيام بما كنت أقوم به من رعاية بيوتكم .. وهذا المال هو ما تبقى لكل واحدٍ منكم من مرتباتكم التي كنت أخذها منكم .. بنيتُ لكم بيوتاً .. وزوجتكم ولم أُقصرَّ معكم ! ، والآن دعوني أتفرغ لربي !

قلت له ( لصاحبي ) :_ لا شك أنكم ستفرحون بهذا ؟
قال لي :_ من قال هذا ؟.. بل لقد سالت دموعنا على خدودنا من الحزن .. فقد أحسسنا بأنه يودعنا . لم تمض سنوات طويلة على هذا الموقف حتى توفاه الله وهو راضٍ عنهم وهم راضون عنه فيما أعلم.

*                    *                     *

 ومن المعلوم أيضاً  .. أن كبير السنَّ قد يحتاج من أولاده _ الذكور والإناث _ إلى أمور تتعلق بنظافته ، والعنايِة به .. كما كان يفعل بهم وهم صغار ! فهذا يحتاج من الولد إلى صبر عظيم .. وتحملَّ واحتساب أجر وطول دعاء .. قد يحتاج الأبُ _ أو الأم _ إلى من يُدخله ( دورة المياه ) فيزيل عنه الأذى بيده .. فمن يستطيع ذلك ؟ إلاَّ من آتاه الله إيماناً ورحمة ! .

أثناء كتابتي هذه الأسطر ، ألقيت كلمة حول هذا الموضوع   وعلق عليها فضيلة الشيخ : حمد المرشد القاضي بمحكمة الخبر ، وذكر هذه القصة :

إني لأعرف شاباً ابتلي ابتلاءات عظيمة في بره بوالديه ، ذلك أن أمّه كانت عمياء ، فمشت يوماً في المنزل فسقطت على وجهها في تنور مليء بالجمر ، فأقعدت عن المشي سنوات طويلة ، فكان يغسل لها ثيابها ويصنع طعامها ، وينظفها ، حتى توفاها الله ، ثم قام بخدمة أبيه ، خمسة عشر عاماً بعد وفاة أمّه حتى أصابه الخرف ، فكان  لا يميز ما حوله ، فإذا غضب على أحد بشدّة على وجهه ، إلاّ هذا الشاب فقد كان والله يرفع يده ليضربه فلا يستطيع ، فيعود يبكي ، وكأنه يعلم أن هذا فلان ابنه البار . فقلت في نفسي هذا والله من ثمرات البرّ في الدنيا قبل الآخرة . ثم صبر عليه حتى توفاه الله ، فوالله لا أعرف أحداً موفقاً مثل هذا الرجل اليوم .  

*              *               *
 
من أعجب قصص البر  التي سمعتها في هذا الزمن :
وإنه ليحلو لي الآن أن أجعلكم تعيشون معي أحداث قصة لا أذكر أنني سمعت أجمل منها في حياتي _ حدثني بها رجلٌ من أحبابي  من لا أشك في صدقه طرفة عين _:_
أبٌ كبير في السنَّ .. كان يعاني من آلآمٍ تعصره عصراً ، في المسالك البولية إذ كان يشكو من جود حصاة سدّت مجرى البول حتى  جَعلته يتلوى من الألم ، ومن جرب عرف ، فهذا بشهادة الأطباء من أقسى الآلآم التي يشعر بها  من ابتلي بها .. حتى إذا  اشتد عليه الألم في إحدى الليالي .. طلب من أبنه أن ينقله إلى المستشفى  في مدينة الخبر _ وكانوا يسكنون في منطقة رأس تنورة بالمنطقة الشرقية من المملكة _ .. ، أي ما يقارب من 60 كيلومتراً .. قال .. فأركبه الابن سيارته ثم انطلق في منتصف الليل .. فلما انتصف الطريق اشتد أنين الأب ، فكان يطلب من ابنه أن يعطيه سكيناً كي يشق بها أسفل بطنه ليخرج البول ليستريح ! .. فما كان من هذا الولد إلاَّ أن وقف  سيارته بجانب الطريق ثم نزل وفتح باب السيارة من جهة أبيه .. ثم كشف عن ثياب أبيه والأب لا يعلم ماذا يريد أن يفعل به ابنُه  .. ماذا تتوقعون ؟! لقد أخذ الولد ( يمصُّ ) ( ذكرَ )  أبيه حتى خَرجتْ تلك الحصاة من الحالب .. وخرج معها الدَّم والبول ..

فلما رأى الوالد ما صنع به ابنُه .. رفع يديه إلى السماء وقال بصوت متهدج باكٍ  _ ودموعه تتقافز من عينيه _ : أسأل الله يا ولدي أن يرزقك رزقاً لا ينقطع ! .
 قال محدثي :_ فوالله إن هذا الابن .. من أغنى الناس لدينا اليوم ..
*                    *                     *
 علمتَ الآن _ بعضاً _ من الحِكم حول : لماذا خص الله تعالى حالة الكبر بالذكر مع أن الإنسان مطالب ببرَّ والديه على كل حال حتى لو كان الأب شاباً والأم شابة ؟.

بقي أن تعلم أن البحث عن رغبات الوالد وتلبيتها _ كما أشرنا إليها من قبل _ هي جزء من علاج هذه القضية. أعني _ تهميش الوالدين بحجة إراحتهما _ ..
إذا كانت رغبة هذا الوالد أن يذهب فيشتري حوائج المنزل .. فلُنتح له الفرصة ولنجعله يذهب إلى السوق .. فإن في ذلك راحةً له .. ولا تمنعه بحجة أن هذا يتعبه ويرهقه ، ولا تمارس عليه ضغطاً نفسياً وتظن بذلك أنك تريحه .  

وإذا كانت رغبته أن يُستشار في الأمور التي نفعلها فإننا نستشيره ولا ينبغي أن نشعر بغضاضة في هذا الأمر ، وقد لا تعمل برأيه في نهاية المطاف لكن هذا يحتاج إلى ذكاء .. وهكذا أمور أخرى يطول بنا المقام في ذكرها .. المقصود أن نعرف كيف نتصرف مع الوالد أو الوالدة في المواقف ، وكيف نتلمس أحاسيسهما ونراعي مشاعرهما .. ولا نلجأ إلى التهميش بقصد عدم إتعابهما .

 وانظر في نفسك أنت الآن .. لو صدر قرارٌ ممن يرأسك في عملك بنقلك إلى منطقة أخرى .. فقدمت على قومٍ لا عهد لك بهم ، ولا يعلمون ما تتمتع من خبرات وثقافات ، وشهادات ، فرأيتهم لا يهتمون بك ! ولا يقدرون ما تحمله من تلك المؤهلات .. فترى مَن هم أقلُّ منك علماً ، وخبرة ، وعملاً ، هم الذين يستشارون وهم الذين يُقدمَّون ويؤخذ رأيهم ، وأنت تعيش مهمشاً ، وكأنك قطعةُ أثاثٍ في مكتبك ! ألا تشعر بالألم ، والحسرة ؟! إن قلت : بلى ! قلنا لك : إن الوالد يشعر _ في حالة تهميشه _ بأعظم مما تشعر به ؛ لأن أمرك له أمدٌ ينتهي إليه ، لربما سنوات أو أشهر ثم تعود ، وتتلقى تلك التصرفات من أناسٍ لا تعرفهم وقد لا تعتب عليهم كثيراً لجهلهم بحالك ! ، لكن الأبَّ يعلم أن الذي يمارس عليه هذه الضغوط النفسية والتهميش هو ابنه الحبيب ، ثم يعلم أنه لا نهاية لهذه التصرفات والتهميشات إلاَّ أن يموت .. فيعيش في زفرات وتنهداتٍ تكاد تحرق فؤاده ..ولا يستطيع  الشكوى إلى أحد ، فتنهار قواه .

 ولعل من المناسب الآن أن أعرض لك بعض مَا جَاءَ فِي الْعُقُوقِ وَجُرْمِهِ وَعَظِيمِ قُبْحِهِ وَإِثْمِهِ .  وشيئاً من الأسباب المؤدية إلى العقوق ، حتى تتجنبها وتعمل بضدها :

 
بعض مَا جَاءَ فِي الْعُقُوقِ وَجُرْمِهِ وَعَظِيمِ قُبْحِهِ وَإِثْمِهِ .

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ , وَمَنْعًا وَهَاتِ , وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ : وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ } .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا ؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ , فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ } .
وَالْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ { الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ , وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ } .
 وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : { ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكَبَائِرَ فَقَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ } , الْحَدِيثَ .
{ وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَتَبَهُ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَأَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ , وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , } الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ .
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ { ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ , وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ, وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ. وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ, وَالدَّيُّوثُ, وَالرَّجِلَةُ مِنْ النِّسَاءِ} .
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ شَطْرَهُ الْأَوَّلَ . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ : الدَّيُّوثُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ هُوَ الَّذِي يُقِرُّ أَهْلَهُ عَلَى الزِّنَا مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ . وَالرَّجِلَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ هِيَ الْمُتَرَجِّلَةُ الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ { ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَالْعَاقُّ , وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ الْخَبَثَ فِي أَهْلِهِ } .
 وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ { يُرَاحُ رِيحُ الْجَنَّةِ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَلَا يَجِدُ رِيحَهَا مَنَّانٌ بِعَمَلِهِ , وَلَا عَاقٌّ , وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ } حَدِيثٌ ضَعِيفٌ .
وَرَوَى ابْنُ عَاصِمٍ بِإِسْنَادِ عَاصِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا { ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا : عَاقٌّ , وَمَنَّانٌ , وَمُكَذِّبٌ بِقَدَرٍ } .
وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { أَرْبَعٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ وَلَا يُذِيقَهُمْ نَعِيمَهَا : مُدْمِنُ الْخَمْرِ , وَآكِلُ الرِّبَا , وَآكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ } .
 وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه مَرْفُوعًا { ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ , وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ , وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ } .
 وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : { مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } .
 وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ { أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ , وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } .
 وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ , وَصَلَّيْت الْخَمْسَ , وَأَدَّيْت زَكَاةَ مَالِي , وَصُمْت رَمَضَانَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا , وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ } .
 وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاخْتِصَارٍ . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ { أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ قَالَ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْت وَحُرِّقْت , وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْك وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ } الْحَدِيثَ .
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ { خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثَوَابٍ أَسْرَعَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ , إيَّاكُمْ وَالْبَغْيَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُوبَةٍ أَسْرَعُ مِنْ عُقُوبَةِ بَغْيٍ , إيَّاكُمْ وَعُقُوبَةَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَاَللَّهِ لَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارٍّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ . إنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَالْكَذِبُ كَلِمَةُ إثْمٍ إلَّا مَا نَفَعْت بِهِ مُؤْمِنًا أَوْ دَفَعْت بِهِ عَنْ دِينٍ . وَأَنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى لَيْسَ فِيهَا إلَّا الصُّوَرُ فَمَنْ أَحَبَّ صُورَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ دَخَلَ فِيهَا } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. وَفِي مَرْفُوعِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ{ مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ } .
 وَفِي مَرْفُوعِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ { وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ } .
 وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْأَصْبَهَانِيّ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا{كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ } .
 وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه قَالَ : { كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ شَابٌّ يَجُودُ بِنَفْسِهِ قِيلَ لَهُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ , فَقَالَ كَانَ يُصَلِّي ؟ فَقَالَ نَعَمْ , فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَهَضْنَا مَعَهُ فَدَخَلَ عَلَى الشَّابِّ فَقَالَ لَهُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ , فَقَالَ لِمَ ؟ قَالَ كَانَ يَعُقُّ وَالِدَتَهُ , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحَيَّةٌ وَالِدَتُهُ ؟ قَالُوا نَعَمْ , قَالَ اُدْعُوهَا , فَدَعَوْهَا فَجَاءَتْ , فَقَالَ هَذَا ابْنُك ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ . فَقَالَ لَهَا أَرَأَيْت لَوْ أُجِّجَتْ نَارٌ ضَخْمَةٌ فَقِيلَ لَك إنْ شَفَعْت لَهُ خَلَّيْنَا عَنْهُ وَإِلَّا حَرَقْنَاهُ بِهَذِهِ النَّارِ أَكُنْت تَشْفَعِينَ لَهُ ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَنْ أَشْفَعُ , قَالَ فَأَشْهِدِي اللَّهَ وَأَشْهِدِينِي أَنَّك قَدْ رَضِيت عَنْهُ , قَالَتْ اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُك وَأُشْهِدُ رَسُولَك أَنِّي قَدْ رَضِيت عَنْ ابْنِي , فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا غُلَامُ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَاشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , فَقَالَهَا , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ } وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُخْتَصَرًا .. وَرَوَى الْأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : نَزَلْت مَرَّةً حَيًّا وَإِلَى جَانِبِ ذَلِكَ الْحَيِّ مَقْبَرَةٌ , فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ انْشَقَّتْ مِنْهَا قَبْرٌ فَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ رَأْسُهُ رَأْسُ حِمَارٍ وَجَسَدُهُ جَسَدُ إنْسَانٍ فَنَهَقَ ثَلَاثَ نَهْقَاتٍ ثُمَّ انْطَبَقَ عَلَيْهِ الْقَبْرُ فَإِذَا عَجُوزٌ تَغْزِلُ شَعْرًا أَوْ صُوفًا , فَقَالَتْ امْرَأَةٌ تَرَى تِلْكَ الْعَجُوزَ ؟ قُلْت مَالَهَا ؟ قَالَتْ تِلْكَ أُمُّ هَذَا . قُلْت وَمَا كَانَ قِصَّتُهُ ؟ قَالَتْ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِذَا رَاحَ تَقُولُ لَهُ أُمُّهُ يَا بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ إلَى مَتَى تَشْرَبُ هَذَا الْخَمْرَ ؟ فَيَقُولُ لَهَا أَنْتِ تَنْهَقِينَ كَمَا يَنْهَقُ الْحِمَارُ . قَالَتْ فَمَاتَ بَعْدَ الْعَصْرِ . قَالَتْ فَهُوَ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ بَعْدَ الْعَصْرِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَنْهَقُ ثَلَاثَ نَهْقَاتٍ ثُمَّ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ . قَالَ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ إمْلَاءً بِنَيْسَابُورَ بِمَشْهَدٍ مِنْ الْحَافِظِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
*          *         *
أسباب عقوق الوالدين
لعقوق الوالدين أسباب كثيرة منها:
1 - الجهل فالجهل داء قاتل، والجاهل عدو لنفسه، فإذا جهل المرء عواقب العقوق العاجلة والآجلة، وجهل ثمرات البر العاجلة والآجلة - قاده ذلك إلى العقوق، وصرفه عن البر.
2 - سوء التربية: فالوالدان إذا لم يربيا أولادهما على التقوى، والبر والصلة، وتطلب المعالي - فإن ذلك سيقودهم إلى التمرد والعقوق.
3 - التناقض: وذلك إذا كان الوالدان يعلمان الأولاد، وهما لا يعملان بما يعلمان، بل ربما يعملان نقيض ذلك، فهذا الأمر مدعاة للتمرد والعقوق. فإذا سمع الولد أباه يتكلم عن البرّ بينما يمكث الأيام الطوال لا يعرف عن والديه شيئاً ، ولا يتصل بهما ، ولا يأمر أبناءه بذلك ، فإن هذا سيكون له انعكاسات نفسية على الأبناء ولا بد .  
4 - الصحبة السيئة للأولاد: فهي مما يفسد الأولاد، ومما يجرؤهم على العقوق كما أنها ترهق الوالدين، وتضعف أثرهم في تربية الأولاد.
5 - عقوق الوالدين لوالديهم: فهذا من جملة الأسباب الموجبة للعقوق؛ فإذا كان الوالدان عاقين لوالديهم عوقبا بعقوق أولادهما - في الغالب - وذلك من جهتين:
أولاهما: أن الأولاد يقتدون بآبائهم في العقوق.
وآخرهما: أن الجزاء من جنس العمل.
6 - قلة تقوى الله في حالة الطلاق: فبعض الوالدين إذا حصل بينهما طلاق لا يتقيان الله في ذلك، ولا يحصل الطلاق بينهما بإحسان. بل تجد كل واحد منهما يغري الأولاد بالآخر، فإذا ذهبوا للأم قامت بذكر مثالب والدهم، وبدأت توصيهم بصرمه وهجره، وهكذا إذا ذهبوا إلى الوالد فعل كفعل الوالدة.
والنتيجة أن الأولاد سيعقون الوالدين جميعا، والوالدان هما السبب كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
فلا تغضبن في سيرة أنت سرتها       وأول راض سنة من يسيرها
7 - التفرقة بين الأولاد: فهذا العمل يورث لدى الأولاد الشحناء والبغضاء، فتسود بينهم روح الكراهية، ويقودهم ذلك إلى بغض الوالدين وقطيعتهما. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (اتقوا الله و اعدلوا في أولادكم )  
8 - إيثار الراحة والدعة: فبعض الناس إذا كان لديه والدان كبيران أو مريضان - رغب في التخلص منهما، إما بإيداعهما دور العجزة، أو بترك المنزل والسكنى خارجه، أو غير ذلك؛ إيثارا للراحة  وهذا هو عين التهميش ،  وما علم أن راحته إنما هي بلزوم والديه، وبرهما.
9 - ضيق العطن: فبعض الأبناء ضيق العطن، فلا يريد لأحد في المنزل أن يخطئ أبدا، فإذا كسرت زجاجة، أو أفسد أثاث المنزل - غضب لذلك أشد الغضب؛ وقلب المنزل رأسا على عقب.
فهذا مما يزعج الوالدين، ويكدر صفوهما ، وقد لا يستطيعان الكلام والشكوى احتراماً لابنهما وتحفياً به وعدم جرح مشاعره ، أو اتقاء لشرّه ، فيعيشان  في همٍ ونكد  . كذلك قد تجد بعض الأبناء يأنف من أوامر والديه، خصوصا إذا كان الوالدان أو أحدهما فظا غليظا، فتجد الولد يضيق ذرعا، ولا يتسع صدره لهما.
10 - قلة إعانة الوالدين لأولادهما على البر: فبعض الوالدين لا يعين أولاده على البر، ولا يشجعهم على الإحسان إذا أحسنوا. فحق الوالدين عظيم، وهو واجب بكل حال.
لكن الأولاد إذا لم يجدوا التشجيع، والدعاء، والإعانة من الوالدين - ربما ملوا، وتركوا بر الوالدين، أو قصروا في ذلك.
11 - سوء خلق الزوجة: فقد يبتلى الإنسان بزوجة سيئة الخلق، لا تخاف الله، ولا ترعى الحقوق، فتكون شجى في حلقه، فتجدها تغري الزوج، بأن يتمرد على والديه، أو يخرجهما من المنزل، أو يقطع إحسانه عنهما؛ ليخلو لها الجو بزوجها، وتستأثر به دون غيره  .
12 - قلة الإحساس بمصاب الوالدين: فبعض الأبناء لم يجرب الأبوة، وبعض البنات لم تجرب الأمومة، فتجد من هذه حاله لا يأبه بوالديه؛ سواء إذا تأخر بالليل، أو إذا ابتعد عنهما، أو أساء إليهما .
من مظاهر عقوق الوالدين
عقوق الوالدين يأخذ مظاهر عديدة، وصورا شتى، منها ما يلي :
1 - إبكاء الوالدين وتحزينهما سواء بالقول أو الفعل، أو بالتسبب في ذلك.
2 - نهرهما وزجرهما وذلك برفع الصوت؛ والإغلاظ عليهما بالقول. قال - تعالى -: (وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا )[ الإسراء: 23 ].
3 - التأفف، والتضجر من أوامرهما وهذا مما أدبنا الله - عز وجل - بتركه؛ فكم من الناس من إذا أمر عليه والداه - صدر كلامه بكلمة " أف " ولو كان سيطيعهما، قال - تعالى -: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ )[ الإسراء: 23 ].
4 - العبوس، وتقطيب الجبين أمامهما فبعض الناس تجده في المجالس بشوشا، مبتسما، حسن الخلق، ينتقي من الكلام أطايبه، ومن الحديث أعذبه؛ فإذا ما دخل المنزل، وجلس بحضرة الوالدين انقلب ليثا هصورا لا يلوي على شيء، فتبدلت حاله، وذهبت وداعته، وتولت سماحته، وحلت غلظته وفظاظته وبذاءته، يصدق على هذا قول القائل:
من الناس من يصل الأبعدين
ويشقى به الأقرب الأقربُ
5 - النظر إلى الوالدين شزرا وذلك برمقهما بحنق، والنظر إليهما بازدراء واحتقار.
قال معاوية بن إسحاق عن عروة بن الزبير قال: " ما بر والده من شد الطرف إليه "
6 - الأمر عليهما كمن يأمر والدته بكنس المنزل، أو غسل الثياب، أو إعداد الطعام؛ فهذا العمل لا يليق خصوصا إذا كانت الأم عاجزة، أو كبيرة، أو مريضة.
أما إذا قامت الأم بذلك بطوعها، وبرغبة منها وهي نشطة غير عاجزة - فلا بأس في ذلك، مع مراعاة شكرها، والدعاء لها.
7 - انتقاد الطعام الذي تعده الوالدة وهذا العمل فيه محذوران، أحدهما: عيب الطعام، وهذا لا يجوز؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عاب طعاما قط، إن أعجبه أكل، وإلا تركه.
والثاني: أن فيه قلة أدب مع الأم، وتكديرا عليها.
8 - ترك مساعدتهما في عمل المنزل: سواء في الترتيب والتنظيم، أو في إعداد الطعام، أو غير ذلك.
بل إن بعض الأبناء - هداهم الله - يعد ذلك نقصا في حقه وهضما لرجولته.
وبعض البنات - هداهن الله - ترى أنها تعاني وتكابد العمل داخل المنزل - فلا تعينها.
بل إن بعضهن تقضي الأوقات الطويلة في محادثة زميلاتها عبر الهاتف، تاركة أمها تعاني الأمرين.
9 - الإشاحة بالوجه عنهما إذا تحدثا: وذلك بترك الإصغاء إليهما، أو المبادرة إلى مقاطعتهما أو تكذيبهما، أو مجادلتهما، والاشتداد في الخصومة والملاحاة معهما.
فكم في هذا العمل من تحقير لشأن الوالدين، وكم فيه من إشعار لهما بقلة قدرهما.
10 - قلة الاعتداد برأيهما: فبعض الناس لا يستشير والديه، ولا يستأذنهما في أي أمر من أموره، سواء في زواجه، أو طلاقه، أو خروجه من المنزل والسكنى خارجه، أو ذهابه مع زملائه لمكان معين، أو نحو ذلك.
11 - ترك الاستئذان حال الدخول عليهما: وهذا مما ينافي الأدب معهما، فربما كانا أو أحدهما في حالة لا يرضى أن يراه أحد عليها.
12 - إثارة المشكلات أمامهما: سواء مع الإخوان أو الزوجة، أو الأولاد أو غيرهم.
فبعض الناس لا يطيب له معاتبة أحد من أهل البيت على خطأ ما - إلا أمام والديه، ولا شك أن هذا الصنيع مما يقلقهما، ويقض مضجعهما.
13 - ذم الوالدين عند الناس والقدح فيهما، وذكر معايبهما: فبعض الناس إذا أخفق في عمل ما - كأن يخفق في دراسته مثلا - ألقى باللائمة والتبعة على والديه، ويبدأ يسوغ إخفاقه ويلتمس المعاذير لنفسه بأن والديه أهملاه، ولم يربياه كما ينبغي، فأفسدا عليه حياته، وحطما مستقبله، إلى غير ذلك من ألوان القدح والعيب.
14 - شتمهما، ولعنهما: إما مباشرة، أو بالتسبب في ذلك؛ كأن يشتم الابن أبا أحد من الناس أو أمه، فيرد عليه بشتم أبيه وأمه.
فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه ). قيل: وهل يشتم الرجل والديه ؟ ! قال: (نعم ! يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ) .
15 - إدخال المنكرات للمنزل: كإدخال آلات اللهو والفساد للبيت، مما يتسبب في فساد الشخص نفسه، وربما تعدى ذلك إلى فساد إخوته وأهل بيته عموما، فيشقى الوالدان بفساد الأولاد، وانحراف الأسرة.
16 - مزاولة المنكرات أمام الوالدين: كشرب الدخان أمامهما، أو استماع آلات اللهو بحضرتهما، أو النوم عن الصلاة المكتوبة، ورفض الاستيقاظ لها إذا أوقظاه، وكذلك إدخال رفقة السوء للمنزل؛ فهذا كله دليل على التمادي في قلة الحياء مع الوالدين.
17 - تشويه سمعة الوالدين: وذلك باقتراف الأعمال السيئة، والأفعال الدنيئة، التي تخل بالشرف، وتخرم المروءة، وربما قادت إلى السجن والفضيحة، فلا شك أن هذا من عقوق الوالدين؛ لأنه يجلب لهما الهم، والغم، والخزي، والعار.
18 - إيقاعهما في الحرج: كحال من يستدين أموالا، ثم لا يسددها، أو يقوم بالتفحيط، أو يسيء الأدب في المدرسة؛ فتضطر الجهات المسؤولة إلى إحضار الوالد في حالة فقدان الولد، أو إساءته للأدب.
وربما أوقف الوالد ريثما يسدد الولد دينه، أو يحضر ويسلم نفسه.
19 - المكث طويلا خارج المنزل: وهذا مما يقلق الوالدين ويزعجهما على الولد، ثم إنهما قد يحتاجان للخدمة، فإذا كان الولد خارج المنزل لم يجدا من يقوم على خدمتهما.
20 - الإثقال عليهما بكثرة الطلبات: فمن الناس من يثقل على والديه بكثرة طلباته، مع أن الوالدين قد يكونان قليلي ذات اليد، ومع ذلك ترى الولد يلح عليهما بشراء سيارة له، وبأن يزوجاه، ويوفرا له مسكنا جديدا، أو بأن يطلب منهما مالا كثيرا؛ كي يساير زملاءه وأترابه.  
21 - إيثار الزوجة على الوالدين: فبعض الناس يقدم طاعة زوجته على طاعة والديه، ويؤثرها عليهما، فلو طلبت منه أن يطرد والديه لطردهما ولو كانا بلا مأوى.
وترى بعض الأبناء يبالغ في إظهار المودة للزوجة أمام والديه، وتراه في الوقت نفسه يغلظ على والديه، ولا يرعى حقهما.
وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في الصفحات التالية.
22 - التخلي عنهما وقت الحاجة أو الكبر: فبعض الأولاد إذا كبر وصار له عمل يتقاضى مقابله مالا تخلى عن والديه، واشتغل بخاصة نفسه.
23 - التبرؤ منهما، والحياء من ذكرهما، ونسبته إليهما: وهذا من أقبح مظاهر العقوق، فبعض الأولاد ما إن يرتفع مستواه الاجتماعي، أو يترقى في الوظائف الكبيرة إلا ويتنكر لوالديه، ويتبرأ منهما، ويخجل من وجودهما في بيته بأزيائهما القديمة.وربما لو سئل عنهما لقال: هؤلاء خدم عندنا  !.

وبعضهم يرفض أن يذكر اسم والده في الولائم والمناسبات العامة؛ خجلا من ذلك ! وهذا العمل - بلا ريب - دليل على ضعة النفس، وصغر العقل، وحقارة الشأن، وضيق العطن.
وإلا فالنفس الكريمة الأبية تعتز بمنبتها، وأرومتها، وأصلها، والكرام لا ينسون الجميل.
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا
من كان يألفهم في المنزل الخشن
24 - التعدي عليهما بالضرب: وهذا العمل لا يصدر إلا من غلاظ الأكباد، وقساة القلوب، الذين خلت قلوبهم من الرحمة والحياء، وخوت نفوسهم من أدنى مراتب المروءة والنخوة والشهامة.
25 - إيداعهم دور العجزة والملاحظة: وهذا الفعل غاية في البشاعة، ونهاية في القبح والشناعة، يقشعر لهوله البدن، ويقف لخطبه شعر الرأس، والذي يفعله لا خير فيه البتة.
26 - هجرهما، وترك برهما ونصحهما إذا كانا متلبسين ببعض المعاصي: وهذا خلل وخطل؛ فبر الوالدين واجب ولو كانا كافرين، فكيف إذا كانا مسلمين، وعندهما بعض التقصير ؟ !
27 - البخل والتقتير عليهما: فمن الناس من يبخل على والديه، ويقتر عليهما في النفقة. وربما اشتدت حاجتهما إلى المال، ومع ذلك لا يعبأ ولا يبالي بهما.
28 - المنة وتعداد الأيادي على الوالدين: فمن الناس من قد يبر والديه، ولكنه يفسد ذلك بالمن والأذى، وتعداد الأيادي، وذكر ذلك البر بمناسبة وبدون مناسبة.
29 - السرقة من الوالدين: وهذا الأمر جمع بين محذروين، السرقة والعقوق؛ فتجد من الناس من يحتاج للمال، فيقوده ذلك إلى السرقة من والديه إما لكبرهما، أو لغفلتهما.
ومن صور السرقة أن يخدع أحد والديه، فيطلب منه أن يوقع على إعطائه كذا وكذا من المال أو الأرض أو نحو ذلك. وقد يستدين منهما، وهو مبيت النية على ألا يسدد.
30 - الأنين وإظهار التوجع أمامهما: وهذا الأمر من أدس صور العقوق؛ ذلك أن الوالدين - وخصوصا الأم - يقلقان لمصاب الولد، ويتألمان لألمه؛ بل ربما يتألمان أكثر منه.
31 - التغرب عن الوالدين دون إذنهما، ودون الحاجة إلى ذلك: فبعض الأبناء لا يدرك أثر بعده عن والديه؛ فتراه يسعى للغربة والبعد عن الوالدين دون أن يستأذنهما، ودون أن يحتاج إلى الغربة؛ فربما ترك البلد الذي يقطن فيه والداه دون سبب، وربما تغرب للدراسة في بلد آخر مع أن تلك الدراسة ممكنة في البلد الذي يسكن فيه والداه إلى غير ذلك من الأسباب التي لا تسوغ غربته.
وما علم أن اغترابه عن والديه يسبب حسرتهما، وقلقهما عليه، وما علم أنه ربما مات والداه أو أحدهما وهو بعيد عنهما باختياره؛ فيخسر بذلك برهما، والقيام عليهما.
أما إذا احتاج الابن إلى الغربة، واستأذن والديه فيها - فلا حرج عليه.
32 - تمني زوالهما: فبعض الأولاد يتمنى زوال والديه؛ ليرثهما إن كانا غنيين، أو يتخلص منهما إن كانا مريضين أو فقيرين، أو لينجو من مراقبتهما ووقوفهما في وجهه كي يتمادى في غيه وجهله.
33 - قتلهما والتخلص منهما: فقد يحصل أن يشقى الولد، فيقدم على قتل أحد والديه؛ إما لسورة جهل، أو ثورة غضب، أو أن يكون في حال سكر، أو طمعا في الميراث، أو غير ذلك.
فيا لشؤم هذا، ويا لسواد وجهه، ويا لسوء مصيره وعاقبته، إن لم يتداركه الله برحمته.
هذه بعض المظاهر والصور لعقوق الوالدين، ذلك العمل القبيح، والمسلك الشائن، الذي لا يليق بأولي الألباب، ولا يصدر من أهل التقى والصلاح والرشاد.

فما أبعد الخير عن عاق والديه، وما أقرب العقوبة منه، وما أسرع الشر إليه.
وهذا أمر مشاهد محسوس، يعرفه كثير من الناس، ويرون بأم أعينهم، ويسمعون قصصا متواترة لأناس خذلوا وعوقبوا؛ بسبب عقوقهم لوالديهم .

*                   *                   *

بر الوالدين بين الماضي والحاضر :
كيف حالنا الآن,, لقد ذهبت السنون بالكثير من المحاسن الإنسانية التي كانت مقدسات يتباهى بها الإنسان المسلم ومن أعظم تلك المقدسات طاعة الآباء والأمهات.قد كان إنسان الماضي يتفانى ويذهب فداء لأبويه بل تذهب روحه ولا تصيب أحد والديه شوكة,, والآن وبعد هذا التقدم الكبير وهذه الحضارة الزائلة صار بر الوالدين شيئاً من الماضي الذي يجب أن ينسى, إن ما نسمعه بين فينة وأخرى من تعرض أحد الوالدين لعقوق وتجاهل لم يعد من الأمور الشاذة والنادرة الحصول بل صرنا نسمع ونقرأ عن مثل ذلك يومياً (بدون مبالغة) حتى إن بر الوالدين واحترامهما أصبح في أحيان كثيرة من النوادر,, وإن التجاوزات التي تحدث بحقهما تجاوزت حدها ولم تقف عند حدود كلمة (أُفٍ) والتي نهانا عنها الحق سبحانه وعن التفوه بها بل تجاوزتها.هل سمعتم بالفتاة التي تطالب والديها بتعويض مقابل قيامها بتنظيف غرفتهما, وبالرجل الذي قتل والدته المسنة وأكل لحمها,, هذا ما يحدث في الغرب فماذا يحدث عندنا ؟ ابن يحرق أباه, وشقي يطرد أمه من المنزل، وآخر يضع القمامة على رأس أبيه,, وانتهى المطاف ببعض والدينا إلى دور المسنين هرباً من جور الأبناء وظلمهم لآبائهم تلك الدور التي بدأت في الغرب ثم وبكل أسف زحفت لا إلى عالمنا العربي والإسلامي فحسب بل وإلى ديارنا أي والله ديارنا حينما يضيق أبناء الأب الطاعن في السن أو الأم الطاعنة في السن فينقل الأب إلى بيت يؤويه وأمثاله وتنقل الأم إلى بيت يؤويها وأمثالها حتى يرحمهما الموت,, فهل كان عندنا قبل ثلاثة عقود من الزمن بل عقدين بيوت مسنين أو مجرد سمعنا بها,, الذي نعرفه ويعرفه كل واحد منا أن البيت الواحد يعيش فيه ثلاثة أجيال ينظم الأذان نومها ويقظتها !! وكنا نحس بمعنى الحديث الشريف (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) ,,!كان بر الوالدين يلي عبادة الله! وكان التماس دعائهما أملاً كبيراً، أما في هذا العصر الذي انقلبت فيه الموازين والعياذ بالله فخير للوالدين أو أحدهما ترك البيت للابن العاق يسعد فيه وزوجه وقضاء بقية العمر في دور المسنين.

ولعل من المناسب في ختام كلمتي هذه أن أسوق قصة واقعية حدثت منذ خمس سنوت في عاصمة مملكتنا الحبيبة ملخصها أن أحد الإخوان متزوج ولديه أطفال أكبرهم عمره سبع سنوات ويعيش معه والده الطاعن في السن وأمام إلحاح زوجته وكلامها المعسول بوضع والده في إحدى غرف المسجد المجاور لمنزلهم حتى لا يشق عليه الذهاب والإياب من وإلى البيت تيسيراً عليه مع تعهدها بالاهتمام بكل متطلباته, طرح الرجل المغلوب على أمره الفكرة على والده الذي لم يكن له من خيار إلا الموافقة على مضض وفعلاً ذهب الرجل إلى السوق ومعه ابنه البكر (سبع سنوات) ليشتري لوالده مستلزمات الغرفة التي في المسجد من فرش وسرير ودولاب ونحوه,, وكان من عناية الله به أن سأله ابنه الصغير المرافق له عما يشتريه ولماذا؟ فكان يجيبه إن ذلك لجده حيث إنه سوف يقيم في إحدى غرف المسجد المجاور لمنزلهم فسأله هذا الطفل الصغير بمنتهى البراءة ومتى نشتري لك مثل ذلك يا أبي!! فنزل السؤال على الأب كالصاعقة وزلزل الأرض من تحت قدميه وأفاق من غيبوبته فأعاد كل ما اشتراه على صاحب المحل ولم ينتظر أن يعيد له صاحب المحل فلوسه وعاد مهرولاً خجلاً إلى والده يقبله ويعتذر له، ويؤكد له أن له أقصى البيت ولهم أدناه أما الزوجة العاقة فقد خيرها بين والده وأبنائه أو بيت أهلها وهكذا عاد الرجل إلى صوابه وفتح الله على قلبه وكما تدين تدان والجزاء من جنس العمل وجزاء سيئة سيئة مثلها .

 تجربة شخصية في بر الوالدين : ( تطبيق عملي لآيات القرءان الكريم ) :
سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جداً وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
من السهل واليسير أن نتكلم عن بر الوالدين، وتعقد من أجل ذلك الدروس والدورات، ولكن تنفيذ ذلك بشكل عملي حركي ليس له نفس السهولة ولا نفس اليسر، فهو أمر يحتاج إلى إيمان عميق بالله يتبعه صبر وعذوبة لسان المرأة، وإن التعامل الدائم البار مع الوالدين كما أمر الله الذي لا يطلع أحد على أسراره هو من الأعمال الصالحة التي تفوح منها رائحة الإخلاص وهو دليل على إصرار العبد على طاعة الله ودوام هذه الطاعة، لذا فقد وجدنا أن من الركائز المهمة والأساسية التي تدرب الإنسان على صدق النوايا وحُسن العمل بر الوالدين، برهما كما أمر سبحانه وتعالى وكما أرشدنا إلى كيفية تنفيذ هذا الأمر رسولنا { وقد حاولنا أن نتدرج في أمر الله خطوة خطوة لذا فقد اتفقنا سوياً أن يكون تحركنا بداية بقوله تعالى (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  ) (الإسراء:23).بعد أن تم شرح الآية والحديث عنها كالمعتاد، كان الاتفاق المبدئي ألا نؤذي الوالدين بكلمة أو فعل مهما قالا أو فعلا، وبدأنا في خوض التجربة، ثم التقينا بعد فترة لتسرد أخت تجربتها العملية في التحرك بهذا الشق الكريم من الآية الكريمة.

بدأت الأولى حكايتها، فقد جاءت والدتها لزيارتها وكان يبدو عليها الوجوم والحزن. وعندما سألتها مستفسرة قالت لها: إن أختك قد تأخر زواجها كثيراً، وقد قالوا لي إنها "أكيد مسحورة، أو أن عليها جاناً يمنع زواجها" وعليه فلا بد وأن تساعديني وتذهبي معي لرجل دلوني عليه لكي يساعدني في زواج أختك. تسمرت عيناها وانساب من بين شفتيها قوله تعالى: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام 17).

احتدت الأم في حديثها وقالت لها إني سأرفع مكروهاً عن ابنتي وماذا في ذلك؟ فإني لن أؤذي أحداً بما أفعل؟ ولكنك لا تريدين مساعدة أختك!! احتد بينهما النقاش وصور الشيطان لأختنا صاحبة القصة أنها على حق وبالفعل هي على حق ولكن زين لها أن تدافع عن هذا الحق بباطل فبدأ صوتها تحت إلحاح هذه الحجة يعلو على صوت أمها، ولكنها تذكرت الاتفاق وتذكرت الآية، فغشيها الهدوء، وبدأت فوراً تغير من أسلوب معالجتها لهذا الموقف، فانكبت على يد والدتها تقبلها وتعتذر لها وتحاول أن تستجلب رضاها عنها، وبعد أن هدأت الأم قالت لها: متى تأتين معي إذن؟ فهذا الرجل قد ذاع صيته في كل مكان ولابد وأنه سيساعدني على زواج ابنتي فإني سأجزل له العطاء.

قالت لها ابنتها بعطف ورجاء: ولكن هناك من يقدر على مساعدتك ولا يأخذ منك مالاً، ونتائجه مضمونة، بل إنه سيساعدك أنت شخصياً على الطمأنينة وراحة النفس إلى أن نجتاز هذه المحنة.

قالت لها الأم: سبحان الله، ولكن لم تخبرني صديقاتي به، ولكن ليس هناك أية مشكلة فلنذهب إليه ما دمت تعلمين قدرته. قالت الابنة: نعم إن قدرته تفوق الحدود، فقط إن أراد الشيء يأمره أن يكون فيكون فوراً، كما أنه لا يأخذ منك مالاً فهو الغني، ما عليك يا أماه إلا أن تقابليه وتسأليه.

استراحت الأم لحديث ابنتها كثيراً وقالت: والله إني قد استرحت له من حديثك عنه..فليتك تسرعين بأخذ موعد عاجل معه قالت الابنة: سنقابله الآن فهو معنا، التفتت الأم يمنة ويسرة بارتباك شديد وقد التفتت الابنة ناحية القبلة وبدأت تناديه وتناجيه... "ربي.. إلهي.. يا من بيدك كل شيء.. يا من قدرتك تفوق كل قدرة، بل ليس لأحد قدرة إلا بك، يا من تجيب دعوة المضطر إذا دعاك وتكشف السوء، أتيتك وأمي ووقفنا ببابك وليس لنا سواك، رباً قادراً مالكاً مسيطراً وأنت الواحد الأحد لن نبرح بابك.. فعندك سبحانك سؤلنا، ووحدك تستطيع فك كربنا" واسترسلت في تضرع وذلة واستعانة به سبحانه.

أجهشت والدتها بالبكاء وسجدت لله مستغفرة تائبة متوسلة سائلة، وانسابت دموع الأخت الفاضلة تأثراً بمناداة والدتها لله. فلأول مرة تراها بهذا التسليم المطلق وهذا الخضوع المزلزل للقلوب، انتهت من سرد تجربتها وقد انسابت دموعنا، وقد بدأت كل منا تسأل الله سبحانه ما ترجو وما تتمنى فهو بالفعل الوحيد القادر على إجابة الدعاء وتلبية الرجاء.هل يمكن أن أشارك معكم وتسمعوا تجربتي مع قوله سبحانه: ( فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا )؟

اتجهت أنظارنا إليها فهي فتاة لم تتعد العشرين، قالت: "إني وحيدة أمي وأبي ولذا فهما يقومان برعايتي على أفضل ما يكون ويلبيان لي كل ما أطلب. وكانت الأمور تسير على ما يرام. ونحن نعيش الدنيا بكل ما فيها حرامها وحلالها، حتى أكرمني الله بلقائكن، فكأن الدنيا أرادت أن تطلعني على أحلى ما فيها وهو القرآن، وبمعنى آخر أصبحت هناك متعة كبيرة أن أستسلم للآية فتتحرك من خلالي ويتعرف الناس عليها من تصرفاتي وأفعالي، وبدأت المشكلات الكبيرة بيني وبين والديَّ، فهما يريدانني أن آخذ من الدنيا ما يتصوران أن فيه سعادتي، فلا بد من مصاحبتهما إلى النادي وليس هناك مانع من مصادقة الفتيان ويطلبان مني ممارسة الألعاب الرياضية وارتداء الثياب غير اللائقة لأحوز إعجاب الجميع، ولابد من مشاركتي في الألعاب الرياضية وكأنني أؤدي هذه الألعاب وهذه الحركات ليراني الفتيان بكل أوضاعي وقد ظهر من جسمي بسبب تلك الملابس أكثر مما خفي، لابد لي من مصاحبتهما إلى المسرحيات مهما كانت مبتذلة وهابطة، بالطبع بعض ما ذكرت لكم يتنافى تماماً مع ما تدعونا إليه هذه الآيات الكريمة. في بداية الأمر صرخت في وجههما، وكنت أدخل حجرتي وقد أغلقت بابي دونهما، وألقاهما بوجه متجهم عابس، وكنت متصورة أن ما أفعله هو قمة الطاعة لله، فهو جهاد كما كنت أتصور، ولكني عندما أردت أن أتحرك بقول الرحمن (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ) تغير الوضع تماماً فقد حلت الابتسامة بدلاً من العبوس، وفتحت بابي وجلست معهما أتكلم بلطف وود ظاهر لهما، بل وأحاول تقديم العون لهما برحمة، بل بدأت أشكرهما على ما بذلا من أجلي طوال هذه السنوات، وأحاول أن أعرض عن اندهاشهما وكأني لا أرى إلا تطبيق الآية الكريمة، ورويداً رويداً بدأت أطلعهما على صديقاتي وأصدقائي الجدد: فهذا الفعل يرضي الله في قوله تعالى كذا، وهذا التحرك يرضي الله في قوله تعالى كذا.

وجدت أمي وقد تأثرت كثيراً بقولي بل وطلبت مني المزيد، وقد لاحظت على قسمات وجهها مدى التأثر والندم على ما فاتها، وهذه هي أمي معنا الآن". وقامت الفتاة وقد ضمتها أمها إلى حضنها وأغرقت وجهها بالقبلات. وقد تأثرنا كثيراً بقدرة الله سبحانه على تحويل القلوب وإسباغ النعم على عباده.

تحركت أخت من مكانها ونظرت إلى الفتاة ووالدتها وقالت: سبحان الله كيف حدث ذلك؟، فإن والدتي لم تتقبل مني أي شيء.. أي شيء، وحاولت طوال هذه الفترة السابقة أن أرضيها بلا جدوى، قلنا لها: وأين الصبر يا حبيبتي؟ فعلينا بالعمل الذي يُرضي الله وعليك بتحقيق الآيات الكريمة في أفعالك وتصرفاتك مع الدعاء لله سبحانه، فالقلوب بيده وحده يتصرف فيها كيفما شاء وكيفما أراد، المهم أن تستمري في تطبيق القول الكريم في نفسك ولا تيأسي أبداً من روْح الله. وتعاهدنا جميعاً أن ندعو لها في جوف الليل إلهاً قديراً مقتدراً سبحانه، وتعاهدنا في نهاية اللقاء على الاستمرار في التحرك بقوله سبحانه( فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) ونزيد عليها: ( وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) الإسراء (23).نتعايش مع الآية.. نرددها حتى تسكن في قلوبنا ثم تتحرك بها جوارحنا وحواسنا ولنا لقاء لنشهد هذه التجارب العملية.
(وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) الإسراء (23) .

يبدو الأمر كما لو كان سهلاً ولكن لكل إنسان عادات يتربى عليها ويصبح من الصعب تغييرها، فطريقة التحدث مع الوالدين تختلف من شخص لآخر، فبينما نجد شخصاً دائم العبوس في وجه والديه وبالكاد يرد على حديثهما، نجد آخر يتكلم معهما بشكل تقليدي عادي، ونجد آخر جافاً في تعامله معهما بدون أن يشعر هو بذلك، ونجد أخرى لا تتذكر أنها في مرة قد قامت بتقبيل والدها أو والدتها، ولنعرض التجارب الشخصية فسيكون فيها التوضيح الكافي.فها هي أخت تسرد لنا التجربة الخاصة بها قالت:حينما كنت أردد قوله تعالى: (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  )(23).
 
قلت: إن الأمر لا يتعدى بضع كلمات منمقة مختارة وكفى.. وبدأت بعيداً عن التصورات بشكل جدي في تطبيق هذا القول الكريم بشكل عملي، وكانت المفاجأة: دخلت على والدتي ورتبت الكلام في ذاكرتي وأردت أن أجهر به ولكن عُقد لساني، فقد انتابني الحرج الشديد حيث إني لم أتعود على مثل هذه الأقوال مع أمي وفشلت في المحاولة الأولى ثم استجمعت شجاعتي في مرة أخرى وأردت أن أبث لأبي مدى احترامي وحبي له وتعلقي به وبأمي ولكن للمرة الثانية تخونني العبارات، قلت في نفسي: لن أهزم بمشيئة الله.. فالأمر هين فماذا بي؟، قلت: لابد وأن والديّ عندما يسمعانني سيندهشان وسأضحك وسأكون محط استهزاء إخواني وأخواتي، سألت الله سبحانه أن يعينني أن يكون لي شرف تحرك الآية الكريمة وتطبيقها من خلالي ثم هداني التفكير أن أذهب إلى محل الورود، وبالفعل أحضرت وردة لأمي وأخرى لأبي وقلت لأمي وأنا أعطيها إياها: لك يا أحلى أم، ابتسمت حبيبتي ابتسامة لن أنساها ما حييت وكأنها تقول: هل أنا عندك كذلك بالفعل؟ وكأنها قالت ذلك، حيث كان ردي بل أنت أغلى عندي من كل الدنيا، حيث إن الدنيا بأسرها تكون سراباً من دونها، قلت ذلك ولم أنتظر رد فعلها بل خطوت خطوات واثقة من والدي وقلت له: مني وردة في الدنيا ومن الله سبحانه لك الجزاء الأكبر، فإني كثيرة الدعاء له، داعبني والدي قائلاً: خير.. لعله خير.. سعيدة اليوم أنت؟ قلت له: نعم سعيدة بكما واتجهت سريعاً إلى حجرتي وقد زاد خفقان قلبي وقلت لنفسي: هل رأيت؟ لقد كان الأمر سهلاً وكم أنا سعيدة الآن فقد زادت كلمات الامتنان مني لوالدي وزاد تقبلهما لما أقول بل إني أقبل قبل خروجي رأسيْ أبي وأمي، وكم أصبح لحياتي معنى وطعم للسعادة لم أتذوقه من قبل، وأنا أدعوكن جميعاً إلى تطبيق هذا القول الكريم والتحرك به.

وقالت أخرى: أنت أحسن حظاً مني فإني قد بخلت على والدي بكلمات الحب والتكريم.وبدلاً من أن أفعل أنا ذلك فعلها أخي الشاب فإنه ينتظر وصولي إلى المنزل بعد اللقاء معكن لأحكي له أي آيات الله سنتحرك بها بعد شرحها له وتفسير معانيها ومناسبة نزولها كما نفعل، وقد أخذ مني قول الله سبحانه: وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً  (23).

وكأن الآية وقد أصبحت كساءً للسانه وأفعاله.. فقد سمعته على غير عادته وهو يكرم والدي أيما إكرام في أقواله ومداعباته الرحيمة بهما ودغدغة مشاعرهما بكلماته الطيبة حتى كأني تصورت أنه يقوم بحفظها قبل أن يحيط والدي حناناً بسماع هذه الكلمات منه، حتى إني في دخولي وخروجي أسمع والدي وهما يدعوان له بل إني سمعت والدتي تقول لعل الله يكرمني بدخول الجنة بسبب إنجاب هذا الولد (تقصد أخي) لا أدري ماذا أفعل الآن وقد سبقني أخي إلى هذا الخير الوفير؟

قالت لها ثالثة: حاولي مرة ومرات حبيبتي، فنحن نتنافس جميعاً من أجل التحرك بالقرآن التحرك الأمثل .

                                 *                    *                  *

 
نماذج تحمل صور العقوق :_

لو أنك كنت مسؤولاً في إحدى المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية ، فرأيت مَن يخرج من مقر العمل دون أن يستأذنك ، مرة وثانية وعاشرة ، كيف سيكون تصرفك تجاهه ؟ ألا تغضب وتتخذ القرارات الرادعة ، التي تضمن رد اعتبارك بصفتك المسؤول الأول عنهم ..

لكنني هنا يعنني بالدرجة الأولى شعورك النفسي من جراء هذه التصرفات التي لا تليق .. فما هو شعورك يومئذ ؟. خذ هذه الصور الواقعية .. ثم .. أنت الحكم بعدها ..

الصورة الأولى :_أبٌ يتحدث في مجلس بحرقة ممزوجة بأدب جمًّ :
أن لست أفهم تصرفات بعض هؤلاء الشباب _ هداهم الله _ الذين يقولون نحن ملتزمون بالدين .. بذهب أحدهم ويأتي .. دون أن يكلّف نفسه عناء الاتصال بأبيه أو أمه ليخبرهما عن ذهابه أو إيابه .. هذا ابني _ هداه الله _ يذهب لأداء العمرة ويمكث العشر الأواخر من رمضان كلها في المسجد الحرام وأنا آخر من يعلم ، ولم أعلم به إلاَّ من أحد الجيران ! أين الالتزام بالله عليكم .. والذي أفهمه أن الجهاد لا يجوز الذهاب إليه إلاَّ بعد استئذان الوالدين .. فما الفرق بينه وبين الحج والعمرة .. ما لفرق بينهما .. هذا سفر وهذا سفر .. هذه عبادة وهذه عبادة ! .. لماذا لم يخبرني بمذهابه فلن أصده عن عبادةٍ ؟ هداه الله .. الله يهديهم .. ( صورة طبق الأصل ) .
الصورة الثانية :_ معاناة أمٍ :

أمُّ تخاطب أبناءها :_ يا أبنائي الخمسة .. أني أحمد الله تعالى أن رزقنيكم في حين حرم غيري من هذه النعمة .. يا أبنائي .. ربيتكم وتعبت عليكم .. حتى بلغتم مبلغ الرجال .. لكنني ألحـظ منكم بعض التصرفات التي لا أعرف كيف أفسرها ؟! .. فأنت يـا ( فلان ) .. تأخذ زوجتك وأولادك وتسافرون إلى جده لقضاء إجازة الربيع .. ولم أعلم بكم إلاَّ من أحد إخوتك .. ولم تستشرني أو تستأذنّي أو تعرض علىَّ أن أذهب معكم .. ولو عرضت عليَّ لمَا ذهبت معكم لكن هذا .

مقال المشرف

في بيتي مدمن جوال

يا الله.. ما هذا الذي حال بين الابن وأبيه، والزوج وزوجه، والحبيب وحبيبه!! غرّبَ الإنسان في بيته؛ حتى...

شاركنا الرأي

هل «الوتساب» جعل أطفالنا أيتاماً؟

استطلاع رأي

رأيك يهمنا: ما رأيك في منصة المستشار الأستشارية؟

المراسلات