لماذا أكرهها ؟ وكيف أعيش معها؟
17
الإستشارة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب البريات والصلاة والسلام على من نزلت عليه الآيات نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .....وبعد
فأرجو النظر في هذه المشكلة التي سأعرضها بين أيديكم عسى أن أجد عندكم بعد الله عز وجل البلسم الشافي والعلاج الناجع ومشكلتي كالتالي:

المقدمه:

بعد تخرجي من الجامعة وحصولي على وظيفة قررت إتمام نصف ديني وذلك بالبحث عن الزوجة المناسبة من أحد الأسر الطيبة. بحثت كثيراً حتى وقع الخيار على ابنة احد الأقارب الذي تبدو عليه سمات الصلاح أحسبه والله حسيبه. استخرت ربي كثيرا وعزمت على إتمام النظرة الشرعية. ويوم النظرة الشرعية كنت إنسان افتقر إلى الخبرات النسائية فلم يسبق لي أن مررت بمثل هذا الموقف كنت مرتبكاً قليلاً دخلت علي وقد إ ستشورت شعرها وتزينت. لم تتجاوز النظرة بضع دقائق حيث وافقت عليها في نفس الوقت الذي شاهدتها فيه لأن شكلها العام كان يوحي بالجمال و كانت تلك هي النظرة الوحيدة قبل عقد القران وبعد بضعة اشهر تم عقد القران.

وفي ليلة الملكة وبعد عقد القران تم ما يسمى بحفل الملكة والتي حصلت فيها بعض الأمور المنكرة مثل الزفه والدخول على النساء وشرب العصير مع الزوجة على ما يسمى بالكوشة والتصوير وغيره ويعلم الله أن كل ذلك خطط له من دون علمي والذي لم أكن أرغبه ولكني تفاجأت به ليلة الملكة. بعد أن تم الحفل خرجت متضايقاً لما حدث وذهبت للبيت كنت أتأمل زوجتي والتي رأيتها بشكل أوضح عما كانت عليه ليلة الخطبة لا أنكر جمالها ولكني أحسست بشيء منها في صدري لا أدري ماهو, حيث أصبحت يومها متضايقا جدا كنت اشعر بالكرب كاد يخنقني.

عزمت يومها على أن اذهب لأبيها لأعلن له عدم رغبتي في إتمام حفل الزواج أو بالأصح رغبتي في الانفصال عن ابنته لكي أتخلص من هذا الصراع النفسي الأليم وليتني فعلت ولكن خوفي من أهلي وكلام الناس منعاني عن فعل ذلك.

بعد يومين ذهبت لزوجتي وجلست معها قليلاً (وكانت هذه هي النظرة الثالثة و الأخيرة قبل الزواج) وعندها رأيت أن ذاك الصراع النفسي قد إنجلى فرحت قليلاً و قلت لعله عارض لا يلبث أن يزول بعد الزواج.

دام عقد القران أكثر من ثلاثة اشهر لم أجتمع معها قط لسببين أولهما: لأني مقر عملى يقع في مدينة أخرى, وثانيهما: لأني كنت غبياً عندما لم أفعل ذلك (تعرفون السبب لاحقاً) كنت اكلمها قليلاً وكانت رسائل الجوال بيننا أكثر لا أنكر انه زاد تعلقي بها كثيرا خلال تلك الفترة وذلك لأني كنت مستعجلا في إتمام زواجي.
كان عمري 27 سنه وعمرها 14 سنه عندما حان موعد زواجنا كنت فرحاً جداً لم أكن ادري ما كان يخبئه لي القدر.

وصف الحاله الزوجيه:

ما أن تزوجتها إذ وبي أشعر أن ذلك العارض النفسي الذي اجتاحني يوم الملكة قد عاد بل فوق ذلك ازداد ضراوة وشراسة خصوصا مع الأيام الأولى من الزواج. مضى على زواجنا قرابة خمسة أشهر وحالتي بعد الزواج تزداد سوءاً بعد سوء من أول يومٍ فيه وألخص لكم حياتي الزوجية والجو الأسري الذي أعيشه كالتالي:

1.   زوجتي التي لا أعيب عليها خلقاً ولاديناً متعلقة بي اشد التعلق و تحبني حبا جما ولم تقصر في أي حق من حقوقي وهي تسعى لإرضائي بكل ما تستطيع.

2.   أم أنا فكرهت زوجتي كرها شديدا من أول يومٍ في زواجنا وأصبحت لا أحبها ولا أطيق النظر إليها ولاسماع صوتها. ترتاح نفسي ويسعد قلبي وتزدان صحتي عندما أبعد عنها. لم اعد قادرا على الانسجام معها بل لا أطيق حتى النظر إلى وجهها ناهيك عن التباين الفكري بيني وبينها والذي زاد من الطين بله وأنا لا ألومها في ذلك بل أعزوه لصغر سنها.

3.   والله إني أعيش جحيما لا يطاق ودوامة لا نهاية لها فلا أنا بالمتزوج ولا العازب.       لوا عج صدري أرهقتني فأنا لم أحب زوجتي قط ولم اشعر تجاهها بأي ميل.

4.   حالتي النفسية ساءت كثيرا وقل وزني و انتابتني الهموم التي لم أكن اشعر بها قبل زواجي أصبحت أشعر كأني طائراً أسيرا في قفصه.

5.   عدم خشوعي في صلاتي وانشغالي عن ذكر ربي زاد كثيراً. وضعف إيماني كثيراً على عكس الحال الذي كنت أعهده قبل زواجي وذلك بسبب كثرة التفكير في نفسي المهمومة وهذه الزوجة التي أشعر أني قد ابتليت بها.

6.    أصبحت أمنح ابتسامتي للآخرين خارج بيتي وامنعها عن اقرب الناس مني والذي أوصاني الرسول بحسن عشرتها بقوله "خيركم خيركم لأهله" فليس ثمة أي انسجام بيني وبينها ولا أجد إعفاف نفسي بها. اعيش معها في بيت واحد وتحت سقف واحد وننام على فراش واحد لكن بين قلبينا كما بين المشرق والمغرب.

7.   لقد حاولت مرارا وتكرارا أن أحبها ودعوت الله أن يقربها من قلبي وسعيت لكن دون جدوى فالأرواح جنود مجنده ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. حاولت كثيرا أن أصلح نفسي وأرغبّها فيها ولكن لم تجدي محاولاتي بل إن كرهي لها يزيد حتى والله إني أصبحت لا أرى فيها شيئا جميلا وأصبحت استحقر جميع تصرفاتها.

8.   لم أجرؤ يوما أن أصارحها بحقيقة مشاعري نحوها رأفة مني بحالها أتصنع الضحك تصنعا وافتعل الابتسامة افتعالا، أحيانا تبكي من حر ما في قلبها لأنها أحست بعدم حبي لها وربما برغبتي في الانفصال عنه. تلك المسكينة تبكي حسرة على حالها معي أما أنا فأبكي نفوراً منها لأن ضميري يؤنبني لأجلها فأنا أحس أني أعذبها باستمراري معها وفي نفس الوقت اشفق عليها لأنني ليس فقط لم اعد قادرا أن أعطيها الحنان والعطف بل حتى ألابتسامه وهي أقل شي قد يمنحه المسلم لأخيه المسلم فكيف بزوجتي.

9.   رغبتي في تحقيق أهدافي الدينية والدنيوية قد تلاشت واضمحلت فقد كنت أسعى أن أكوّن أسرة ناجحة في مجتمعي وأن نكون من أفراد المجتمع الفاعلين ولكن يبدو أن حلمي قد تبخر مع هذا الزواج. لم يحصل حمل إلى الآن وأصدقكم القول أني أصبحت استخدم كل وسائل منع الحمل لكرهي في وجود أي شيء يربطني بها.

الخاتمه:
أؤمن بأن الله لم يخلق الخلق إلا وقد جعل على هذه البسيطة لكل زوج زوجةُ تناسبه أو لكل زوجة زوج يناسبها ولن تستحيل الحياة من وجود ذلك. أشعر دائماً بأن ما كنت ارسمه مع شريكة العمر من أهداف دينيه ودنيوية قد يخسر مع هذا الزواج أو بالأصح مع هذه الزوجة.

لن أعيش أكثر من عمر واحد في هذه الدنيا أهدافي عظيمة جدا وحبي للعلم والمعرفة ورغبتي في إيجاد جيل صالح في هذه الأمة أمر مهم في حياتي ولا أتوقع أن هذا الزواج سوف يعينني في تحقيق ذلك. وأنا أرى أن المرء لا يتزوج لكي ينجب الأطفال فحسب بل هناك مقصد آخر وهو التآلف والتراحم وحب الزوجين لبعضهما "وجعل بينكم مودة ورحمة" وهذا المقصد في نظري أهم من المقصد الأول لأن فيه ديمومية واستمرار الرضى والحب بين الزوجين إلى أجل يعلمه الله.

إن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة و إن من أصعب الأمور أن تعيش مع إنسان لا تحبه أو أن تعيش مع إنسان تحبه وهو لا يحبك.

إنني أعيش دوامة لانهاية لها وأغرق في لجج بعضها فوق بعض وصدقوني إني لا اعلم ماذا اصنع فعلا. حدثتني نفسي أن أطلقها وكنت استخير دااااااااائما وكل مرة أرى أن استخارتي تريحني إلى الطلاق وفي نفس الوقت أشفق عليها والله من الطلاق فما زالت صغيره ولاكن لا أستطيع الاستمرار معها لأني ألحظ أن ذلك أصبح محالا.
حتى أنني عاهدت نفسي أن أدفع مبلغاً من المال( والذي لست ملزمُ به شرعاً) يقارب مهر زواجي وذلك عند طلاقها لأني لا أريد أن اخسر أباها فهو من قرابتي والذي أكن له كل تقدير واحترام.

أعرف بان الصبر عليها مفتاح الجنة واعرف بان الله مع الصابرين واعرف بان مع العسر يسرا واعرف بأن الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب لكنني بشر ولست ملاك ولم تبلغ درجة إيماني إيمان الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.أريد أن أعيش حياة بسيطة هادئة مع إنسانة أحبها لكنني لم افلح مع زوجتي هذه لان عقلي الباطن يرفضها فمهما عملت ومهما قالت لي من كلام الحب والود فانا جماد أمام كل هذا.

ومعالجة مثل هذه الأمور لا ينظر إليها من زاوية عاطفية بحته بل علينا أن نزنها بميزان الشرع و العقل والحكمة حتى نصل إلى أفضل النتائج.
وترديدي لقول الله تعالى في الأيات التالية:

•   (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته))
•   ((وإن أرتم استبدال زوج مكان زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً))
•   ((فإمساك بمعروف أو فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان))
 يدلني على أنه كما أن النكاح شرع لحكمة فالطلاق أيضا شرع لحكمة والله اعلم في ذلك.
لقد أدركت الآن حجم خطئي الفادح الذي وقعت فيه في عمري القصير الذي أعيشه في هذه الدنيا ألا وهو تفريطي في استغلال فترة عقد القران والتي دامت أكثر من ثلاثة أشهر في الجلوس مع زوجتي أكبر وقت ممكن وذلك لفهم الأمور النفسية بيننا ومدى تقاربها. ديني العظيم أتاح لي فرصة عظيمة فرطت في استغلالها ووالله ما وعيت سرها إلا الآن "كل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" وفي نفس الوقت لن أقول فشلت فهذه الكلمة ليست من قواميس حياتي لأني قد استبدلتها بكلمة " لم أوفق " والحمد لله.

أنا أستعين بالله أولاً وذلك بالاستخارة وطلب العون منه سبحانه وتعالى ثم بالمختصين والخبراء والمستشارين من أمثالكم لأني أؤمن بأن من يرغب في إصلاح واقعه المؤلم بحاجة إلى دراسة جيدة لمعاناته، وفهم حقيقي لأسرار آلامه، وجذور مشكلاته، ولذا أنا حددت المشكلة والآن أنا أبادر إلى ترميم آثارها قبل وقت احتدامها أو السماح بتراكمات واستجلاب المزيد.
ماهي الإستشاره التي تريدها؟:

1. هل من المصلحة أبداً الاستمرار في هذا الزواج على هذه الحال القلقة المتوترة لأني أشعر بأني سوف أظلمها وأظلم نفسي إن استمرت هذه العلاقة وماذا سأقول لوالديها الذين أحباني وأكرماني واعتبراني فردا من ابنائهما و للناس الذين باركوا زواجي وهنؤني والمجتمع كله من حولي إن طلقتها وكيف سأشرح لهم موقفي؟

2. قرأت عن أحكام الطلاق أنه يحرم إذا كان في حيض أو نفاس أو طهر جامع فيه الزوج ويكره الطلاق بلا حاجة ويباح للحاجة ويسن للمتضرر من النكاح ولا يجب طاعة الأبوين فيه. وسؤالي هل حالتي تندرج تحت من يسن لهم الطلاق أم لا؟

3. وهل حالتي تحاكي قصة مغيث وبريرة أو حديث امرأة ثابت ابن قيس ابن شماس والتي قرأت في تفسيرها التالي:  
((( أن في الحديث أن امرأة ثابت ابن قيس ابن شماس سألته الطلاق ؛ لأنها لم تُحبّـه
وفيه أنها ردّت عليه المهر ؛ لأنها هي التي طلبت الطلاق . فهي لا تعيبه في خلق ولا دين ولكنها لا تُحبّه .قال ابن حجر رحمه الله :
قولها : ولكني أكره الكفر في الإسلام : أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر( ككفر العشير). فهي تكرهه ، ومعلوم أن الحب من الله لا يأتي بوصفه فبعض النساء من أول أيامها ربما لا تُطيق حتى النظر إلى زوجها والحب والمحبة من الله ، فلا تأتي بالقوّة !
قال عليه الصلاة والسلام : إن الـمِـقَـة من الله . رواه الإمام أحمد وغيره . والمقة هي المحبة .)))

أختم بملاحظتين هامتين:

أولاً: أنني أؤمن بقضية السحر والحسد لأن النص الشرعي دل على ذلك. لكني لا الحظ أي منها في نفسي فأنا مسلم أحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها وأحافظ على وردي اليومي من الأذكار من يوم أن وعيت حالي وقبل زواجي وإلى الآن بالإضافة أني أتعاهد القران الكريم دائماً ومشترك في أحد حلاقات تحفيظ القرآن ولله الحمد والمنه.
ثانياً: أنني قد أبلغت أهل زوجتي بحالتي النفسية مع إبنتهم والتي عزوها إلى وجود مس وحسد.
 
هذا ما كان من أمري نثرته بين أيديكم و آسف على الإطالة لأني الواقع والحال كان يستلزم ذلك.

يجري القضاء وفيه الخير نافلة *** لمؤمن واثق بالله لا لاهي
إن جاءه فرح أو نابه ترح *** في الحالتين يقول الحمد لله

بارك الله في جهودكم وبلغكم خيري الدنيا والآخره والصلاة على خير الأنام محمد النبي المختار صلى الله عليه وسلم.  

مشاركة الاستشارة
يوليو 27, 2018, 03:13:01 مسائاً
الرد على الإستشارة:


الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله نبينا محمد بن عبد الله و على آله وصحبه ومن وآلاه وبعد :
أخي الفاضل : أسأل الله تبارك وتعالى رب العرش العظيم أن يجعلَ لك فرجاً ومخرجاً مما حلَّ بك وأصابك من الهموم و الغموم تجاه زوجتك ، كما أسأله سبحانه أن يجعل ذلك في ميزان الحسنات يوم لقاءه .
ففي صحيح البخاري(ج 17 / ص 374) عن أبي هريرة – رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) .
و في صحيح مسلم - (ج 12 / ص 449) عن عائشة – رضي الله عنها -قالت
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة ) .
و في لفظٍ لمسلم أيضاً من حديث عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يصيب المؤمن من مصيبة حتى الشوكة إلا قص بها من خطاياه ) .
و في صحيح مسلم - (ج 12 / ص 451) عن أبي هريرة قال لما نزلت
{ من يعمل سوءا يجز به } بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها ) .
فهذه النصوص – يا أخي الكريم – كلها تدلُّ على فضل الصبر على المصائب ، و تدلُّ كذلك على أنَّ ثواب المؤمن يعظمُ عند الله تبارك وتعالى بصبره على ما يصيبه من همٍ و حزن .( 1 )
فإذا تقررَّ هذا و تبينَّ جلياً فاحمد الله على كل حال ؛ فالحمد يملأ الميزان .
ثم – بارك الله فيك – اعلم أنَّ الشيطان عدونا أجمعين قد أخذَ على نفسه أن يفرقَّ بين الأزواج ، بل إنَّ للشيطان جنوداً عملهم هو التفرقة بين الأزواج بإحداث المشاكل و افتعالها ؛ حتى يحصل الفراق بعد الوفاق .
و أدعك أخي الكريم مع هذا النص النبوي ، فقد جاء في صحيح مسلم - (ج 13 / ص 426)  عن جابر- رضي الله عنه – قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت .
قال الأعمش أراه قال فيلتزمه  .
قال النووي (أي : يضمه إلى نفسه ويعانقه ).
 و بعدَ هذه المقدمة أوصيك بما يفتحُ الله من الوصايا و التوجيهات و هو الفتاح العليم :
أولاً : تذكر يا – أخي الفاضل – أنَّ الزواج مسؤولية و اعلم – رعاك الله – بأنك مسؤل عن زوجتك ، و اعلم – حفظك الله – ثالثاً أنَّ الزواج من العقود الغليظة ، و قد سماه الله تبارك وتعالى ميثاقاً غليظاً .
قال الشيخ بكر أبو زيد – وفقه الله - : ( الزواج صلة شرعية تبرم بعقد بين الرجل والمرأة بشروطه وأركانه المعتبرة شرعاً ، ولأهميتة قدمه أكثر المحدثين والفقهاء على الجهاد ، لأن الجهاد لا يكون إلا بالرجل ، ولا طريق له إلا بالزواج ، وهو يمثل مقاماً أعلى في إقامة الحياة ، واستقامتها ، لما ينطوي عليه من المصالح العظيمة ، والحكم الكثيرة ، والمقاصد الشريفة ...)  . انتهى .
فبعض الأزواج قد تحدث عنده الإشكالات في أوائل أيام زواجه ؛ لقلة تحمل المسؤلية ، و عدم القدرة على مواجهة الصعاب .
عندها فأقول : هذه أيام و ستزول ، فعليك بالصبر و المصابرة ، و لن يضيع الله أجرك و ثوابك .
ثانياً : أوصيك يا – أخي – بوصية رسولك المصطفى صلى الله عليه وسلم حين وصاني و إليك و كافة المسلمين : ففي المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء ) .
فتذكر دائماً هذه الوصية التي وصاك بها رسولك و نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، أسأل الله أن يجمعني و إياك و كافة المسلمين الأحياء و الأموات به في الفردوس الأعلى من الجنة ، و أن نشرب من يده الشريفة شربة لا نظمأ بهدها أبداً عندَ الحوض .
ثالثاً : أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها ، أو الإشارة إلى أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله .
قال ابن حجر على الحديث السابق ، قوله : ( فإن ذهبت تقيمه كسرته )
[ قيل هو ضرب مثل للطلاق أي إن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الأمر إلى فراقها ] . فتح الباري لابن حجر - (ج 10 / ص 111) .
فما وجدته من زوجتك من الفارق الفكري بينكما فهذا يمكن التغلب عليه ، بل إنك قادرٌ على تغلبك عليه – بحول الله وقوته – فتسطيع أن تلحقها بدور القرآن الكريم الجادة ليكون لها برنامجاً هادفاً .
أو تستطيع أن تلحقها بمدرسة للعلم الشرعي أو عند أحد العلماء في منطقتكم .
و حفظ القرآن ، و طلب العلم الشرعي من أعظم الأمور التي تزيدُ في الفطنة و الذكاء و تساعدُ على رجاحة العقل .
و به تقوى ملكة التفكير ، و تأمل معي – رعاك الله – حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجه عائشة – رضي الله عنها – فقد حفظت تلك الصحابية الجليلة – رضي الله عنها و عن أبيها – لنا الدين و نقلت لنا السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و أزكى التسليم .

رابعاً : و لعلَّ ما حصلَ لك من النفرة من زوجتك قد يكون بسبب معصية اقترفتها في جنب الله تبارك وتعالى .
فالله تبارك وتعالى يضيق على العبد بالذنب يصيبه و يقترفه .
فتب إلى الله .. وسارع إلى رحمة الله ، قال تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ )[الأعراف : 156] .
و مما ذكرته في سؤالك : ما فعلته من دخولك على النساء ، و قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت ) . في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر – رضي الله عنه - .
و لن أطيل الكلام عليك في الحديث حول شؤم المعصية ، لكن تأمل معي أخي الكريم أنه لو لم يكن من المعصية إلاَّ أنه كانت في يوم من الأيام سبباً لإخراج أبينا آدم من جنة الله تبارك وتعالى ، لكان هذا كافياً (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) الآيات [طه : 121] .
قال ابن القيم – يرحمه الله – في معرض حديثه عن أضرار المعاصي : ( ومنها : وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلآً، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة ، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام، فلو لم تترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها ) . انظر / الداء و الدواء .

خامساً : عندَ شعورك بالكرب و الضيق و اشتداد ذلك عليك توجه إلى من بيده قلوب عباده يقلبها بين إصبعين من أصابعه .
و افزع إلى الصلاة ، و ابكي من خشية الله سبحانه .

سادساً : بالنسبة للتباين الفكري بينكما فهذا ليس مشكلة في ذاتها ؛ لأنه يصعب جداً التوافق بين الزوجين ، بل قد تقررَّ أنه كلما كان الاختلاف بين الزوجين كان ذلك مما ينعش الحياة الزوجية ؛ لأنها تقوم على روح الحوار و النقاش .
و قد وصفتَ زوجتك بأمور جيدة فحافظ عليها ، ومن ذلك أنك ذكرت عن زوجتك أنها :
خلوقة + متدينة + متعلقة بك + لا تقصر في حقوقك + تسعى دائماً لإرضائك.

سابعاً : قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، فأكثر من دعاء الله تبارك وتعالى أن  يحبب إليك زوجتك .
و لا تيأس من بطء الإجابة ، فالله يحب الملحين في الدعاء .
و لا أريدك – أخي – أن تكرر مقولة : ( لقد حاولت مرارا وتكرارا أن أحبها ودعوت الله أن يقربها من قلبي وسعيت لكن دون جدوى ) .
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي ) .



ثامناً : اترك عنك الألفاظ السلبية ، و اهرب من التشاؤم
لقد تضمنت رسالتك مجموعة كبيرة جداً من الألفاظ السلبية تجاه زوجتك و تجاه حياتك السعيدة – بإذن الله - .
و اسمح لي أن أذكر لك شيئاً من كلامك :
1 - كرهت زوجتي كرها شديدا من أول يومٍ في زواجنا وأصبحت لا أحبها ولا أطيق النظر إليها ولا سماع صوتها  .
2 - ترتاح نفسي ويسعد قلبي وتزدان صحتي عندما أبعد عنها .
3 - لم اعد قادرا على الانسجام معها .
4 - لا أطيق حتى النظر إلى وجهها .
5 - والله إني أعيش جحيما لا يطاق ودوامة لا نهاية لها .
6 - لم أشعر تجاهها بأي ميل .
7 - كأني طائراً أسيرا في قفصه .
8 - هذه الزوجة التي أشعر أني قد ابتليت بها .
9 - بين قلبينا كما بين المشرق والمغرب .
10 - أصبحت لا أرى فيها شيئا جميلا وأصبحت استحقر جميع تصرفاتها .
11 - رغبتي في تحقيق أهدافي الدينية والدنيوية قد تلاشت واضمحلت فقد كنت أسعى أن أكوّن أسرة ناجحة في مجتمعي وأن نكون من أفراد المجتمع الفاعلين ولكن يبدو أن حلمي قد تبخر مع هذا الزواج .

أخي الكريم : إنَّ حلمك الجليل الذي ذكرته و أشرتَ إليه لم يتبخر مع زواجك بهذه الفتاة المستقيمة التي تحبك و لا تألوا جهداً في إرضائك و إسعادك .
إنَّ مثل هذه الكلمات السلبية إنما هي من وساوس الشيطان و خطراته ، ليفرقَّ بينك و بين زوجتك الخلوقة .
فاحذر أن تكونَ ضحية من ضحايا الشيطان الرجيم ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [الأعراف : 200] .
ثم ابعد عنك هذه النظرة الظلامية التي تحملُ التشاؤم و العبوس ، و أريدك أن تتلفظ بعكس الكلمات التي نقلتها من كلامك ، فعلى سبيل المثال :
[ والله إني أعيش جحيما لا يطاق ودوامة لا نهاية لها ]
و أريدك أن تقول : إني و الله – و بفضل الله – أعيش حياة سعيدة مع زوجتي ، و هي سعادة غامرة و عامرة و دائمة في الدنيا و الآخرة مع زوجتي التي أحبها.
و هكذا في سائر تلك الكلمات الظلامية القاتلة أريدك فوراً و من الآن أن تحولها إلى كلمات إيجابية .
و لا تكن فريسة لعدو الله الرجيم .
واشطب على هذه الكلمات السلبية من قاموسك و معجمك اللغوي !!
واستبدلها بالكلمات الايجابية .
فالكلمات التي يرددها الإنسان لها تأثيراً ملحوظاً على حياته ، فهي تعمل عمل السحر ؛ و ذلك لأنَّ هذه الكلمات تشكل قناعات ، فيصبح الإنسان أسيراً لهذه القناعات و يظنُ نفسه أنه في دوامة لا يستطيع الخروج منها .

و مما يساعدك على طرد هذه الكلمات ، و هو تطبيق عملي أريدك أن تقومَ به
فامسك ورقة و قلماً و اكتب ايجابيات زوجتك و مكامن الحسن فيها و في جمالها و أخلاقها و تدينها ...
عندها ستحمد الله تبارك وتعالى أن وهبك هذه الزوجة المستقيمة على دين الله ، و التي كساها الله من حلل الأخلاق الفاضلة ..
و التي سخرها الله تبارك وتعالى لخدمتك و للسعي لراحتك .
و تذكر مقولتك – رعاك الله – أنَّ زوجتك تسعى بكل ما تستطيع لراحتك .
و لا تجعل السلبيات تسيطر عليك كما سبق ، ففي صحيح مسلم - (ج 7 / ص 402) عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر ) .
( والفرك ) بفتح الفاء وإسكان الراء : البغض .
قال النووي – يرحمه الله - : ( هذا نهي للأزواج ، أي ينبغي أن لا يبغضها ، لأنه إن وجد فيها خلقا يكره ، وجدَ فيها خُلقاً مرضياً بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك ) . شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 209) بتصرف يسير .

و دع عنك التفكير بعدم الإنجاب ، فاستخدام موانع الحمل قبل حصول الحمل قد يؤدي إلى العقم – عافاكم الله ورزقكم الذرية الصالحة - .
و أودُّ أن أخبرك بأنَّ بعض الأمور قد تركتها تعمداً في سؤالك ؛ فما ذكرته كفاية .
فهذه بعض الوصايا كتبتها لك – أخي الفاضل – سائلاً الله تبارك وتعالى أن يعينك و يوفقك مع زوجتك و أن يجمع بينكما على خير .
وأريدك أن تكتب لي إن كان ثمة إشكال في الجواب ، وفقك الله وسدد خطاك.

و الله أعلم و صلى الله وسلم على محمد و على آله و صحبه أجمعين .

__________

( 1 ) الصواب في مثل هذه النصوص هو الصبر على المصيبة ، و ليس الأجر و التكفير على مجرد حصول المصائب . و قد قررَّ هذا المعنى العز بن عبد السلام – رحمه الله – فقال : [ ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور ، وهو خطأ صريح ، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب ، والمصائب ليست منها ، بل الأجر على الصبر والرضا ] . اهـ . و هذا الذي قاله العز متوجه مع نصوص الشريعة فمن كان ذا غنى و ذا مال فهذه لا ثواب عليها ؛ لأنه أمور مقدرة عليه قدراً ، و الثواب و العقاب إنما يكون بالامتثال و عدم الامتثال ، و لا يكونُ على الأمور القدرية ، و لا يشكل على هذا حديث المتفق عليه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح مسلم ( ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة . فقد يظن أن الأجر يحصل و أنه لم ينوه ، فنقول : الأجر هنا على الغرس ، و الغرس من كسب العبد و فعله ) .
قال النووي : (شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 396) [ في هذه الأحاديث فضيلة الغرس ، وفضيلة الزرع ، وأن أجر فاعلي ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع ، وما تولد منه إلى يوم القيامة ] .
و مما يقوي هذا القول ما جاء في صحيح مسلم - (ج 14 / ص 280)  عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له .
فعلقَّ الأمر على الصبر فكانت المصيبة خيراً له ؛ لأنها سبب في حصول الطاعة و هي " طاعة الصبر " .
و بهذا يتضح ضعف قول الحافظ في فتح الباري حيث قررَّ أنه يكون الثواب على المصيبة لا على الصبر فمن كلامه في هذه المسألة - (ج 16 / ص 128) : [ ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر ، بمجرد حصول المصيبة ، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة ، قال القرافي : المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا ، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل ، كذا قال ، والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها ، وبالرضا يؤجر على ذلك ، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه ] .


مقال المشرف

مع العودة.. جدد حياتك

العودة إلى الدوام المدرسي يمثل العودة إلى الحياة الطبيعية، فبقدر ما يفرح المربون والمربيات بالإجازة ...

شاركنا الرأي

هل «الوتساب» جعل أطفالنا أيتاماً؟

استطلاع رأي

رأيك يهمنا: ما رأيك في منصة المستشار الأستشارية؟

المراسلات