الأب المثالي والأب الواقعي .
32
الإستشارة:


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
إخواننا في الله وأساتذتنا وعلمائنا الأفاضل .. تحية طيبة وبعد ..

لطالما ترددت كثيرا في كتابة مثل هذه السطور ، ووالله لكم يعتصر قلبي وأنا أسطرها ، وبلا مقدمات طويلة - بالرغم من أنها قد تكون لكم عونا ومفاتيح للوصول إلى حل - ، اعلموا إخواني بداية ... أني ما كتبت هذه الكلمات إلا رجاء أن أجد عندكم ردا وحلا شافيا – إن شاء الله – لما يملأ حياتي من مشكلات - والشكوى لله أولا وأخيرا - ، لعل الله أن يجعلكم سببا لحل بعض منها أو كلها .

وللعلم - قبل ذكر شكواي – يمتلؤ بيتنا بالمشكلات كأي بيت ، وقد يكون أفضل حالا من غيرنا ، إلا أننا لم نسعى في حلها ، أو ربما على الأقل لم نسعى في السؤال عن بعضها أصلا .
وتنحصر المشاكل في بيتنا أو عائلتنا أو حياتنا في أربع أو خمس مشاكل رئيسية ، قد تكون مرتبطة ببعضها – وأظنها كذلك – من قريب أو بعيد . أذكر بعضها :

1-   تدهور علاقتي بالله وأسبابها .
2-   التربية التي تربيتها أنا وإخوتي من رهاب إجتماعي ( خجل اجتماعي ) وأثر ذلك على حياتنا وعلاقتنا بالله وبالناس .
3-   شخصية أمي ، وأثرها على حياتي وعلى أسرتنا وعلى عائلتنا .
4-   شخصية أبي ، وأثرها على حياتي وعلى أسرتنا وعلى عائلتنا وعلى الناس .
5-   المشاكل الاجتماعية الأسرية داخل العائلة .
مع العلم كما رأيتهم في الترتيب أني أبدي اهتماما أولا وأخيرا بنجاتي أنا نفسي في الدنيا والآخرة ، لعلي أن أنجو .

أما المشكلة التي أردت أن أبدأ بها – ولا أعلم تحديدا السبب في ذلك - ، فهي شخصية والدي .
ووالله لا أعلم كيف أبدأ ، ولكن أستعين بالله فأقول :
طوال حياتي وعلاقتي بوالدي سطحية جدا ؛ فهي روتينية بكل ما تعني هذه الكلمة من معان ، ولم أكن أعلم تحديدا ما الذي يدفعني إلى هذه العلاقة التي ربما رأيت عكسها كثيرا في مجتمعنا فكثيرا ما أرى زملائي منهم ما علاقته بوالده جيدة إلى حد ما ومنهم ما هو علاقته ممتازة بوالده ، ومنهم ما هو علاقته سيئة جدا بوالده ، ولكن لم أرى – رغم وجودهم – نماذج لمثل حالتي من سطحية في العلاقة وروتينية .

وللأسف كل إنسان يعرف والدي جيدا وتعامل معه مرة أو أكثر يتحاشى بعد ذلك لقاءه والاندماج معه وصحبته .
ولعل السبب في ذلك على ما أظن هو أن والدي – وللأسف – كثير الكذب وكثيرا ما يستحل الحرام من المال والأفعال وربما عرفنا بعضها فسقط في نظرنا ، وهو كثير العجب بنفسه – مع أنه ليس فيه ما يقول – مما يضعه في مواقف كثيرة مخزية مع الناس ومعنا داخل البيت ؛ فكثيرا ما يعد ويخلف ، وكثيرا ما يبدد أمانات الناس ممن لا يعرفون حقيقته ، وكل ذلك على الرغم من أنه إمام وخطيب مسجد متطوع ، وليس عنده علم ، وقد يُفتي بغير علم ، وكثيرا ما يتكلم عن أي شيء وخاصة عن نفسه وعنا بأي شيء لأي أحد وبما ليس بحق فيه ولا فينا ، ليحاول بذلك أن يظهرنا أمام الناس بمظهر حسن - على ما يظن - ، ولست أدري ما الذي يجبره على ذلك ؟!!

وهو كثير المداهنة لكافة أنواع الناس ليحصل منهم على ما يريد من جذب لحبهم له أو لربما – وكثيرا ما يحدث هذا – الحصول منهم على مال ، مما جعل ديوننا تتضخم إلى درجة أننا أصبحنا تمر علينا أياما لا نجد فيها طعاما ، وفي الوقت نفسه يأخذ وحين السداد لا يريد أن يسدد . وكثيرا ما يجرح في الناس وربما في علمائنا ومشايخنا حتى من يمدحهم أحيانا ، ويكون ذلك حسب ما يحيطه في الجلسة من أناس .

واعلموا إخواني الأفاضل أني أدعوا الله من كل قلبي أن يجعله من أهل الفردوس الأعلى وأن ينقه من الذنوب والخطايا ويغسله بالماء والثلج والبرد ، ويعلم الله أني لم أكن لأجرؤ يوما من الأيام أن أقول من هذا الكلام ولا حتى أن أحدث به نفسي ، ولم أذكره في حياتي لأي أحد مهما كان إلا بعض التلميحات لأمي وإخوتي الذين يعلمون ضعف ما أعلم عن أبي ويؤكدون مثل هذا الكلام .

وللعلم أيضا فإن علاقتي بوالدي الأصل فيها هو الاحترام المتبادل دوما بيني وبينه ، فأنا في وجوده أحترمه جدا ، وهو أيضا يحترمني جدا منذ نعومة أظافري ، بل ربما أكثر من كثير من الناس .
وأحيانا – حتى لا أكون كذابا – بلا شعور مني وبلا وعي أرمي بالكلام عليه ، ولكن هذا يكون نادرا جدا ، لأني غالبا لا أتكلم في وجوده ، بل ربما يمر علينا أيام وأسابيع ولم يسمع مني أكثر من عشر كلمات ، والتي غالبا ما تكون موجهة إلى غيره مثل أمي أو إخوتي ، وأنا أبدا لا أبادره بالكلام ، بل ربما هو يحاول أحيانا أن يفتح معي حوارا في أي شيء وفي أي موضوع ، وربما كان موضوعا هاما ، ولكن لا يجد مني إلا الردود السقيمة بالنسبة له مثل ( لا أعرف – نعم - لا – بلا أي كلمة زائدة ) والتي كثيرا ما يسمعها مني وربما عرف منها أني لا أود الحديث معه ، ولا أخفيكم سرا إخواني أني كنت قد حاولت أن أجعله صديقا لي أو أخا أكبر نتبادل الأسرار والكلمات حتى التافهة أو نتصاحب سويا ، ولكن كثيرا ما كنت أجد نصائح وهجوما علي من جهة أخي الأكبر وأمي بالذات وكل من حولي بالابتعاد عن مثل هذه الصحبة وأن أحصر علاقتي به كثيرا إلى أضيق الحدود ،

 ووالله إخواني كنت لا أبالي بما يقولون ولا أظن أنه لا ضرر من أن أصاحبه ونتبادل سويا الكلام ، ولكن عندما دخلت هذه المغامرة مع أبي وحاولت أن أكسر كل الحواجز بيني وبينه صدمت بعد ذلك بما علمته وسمعته !! فهو يحاول أن يفتح الحوار ويستمع إلى الأسرار أو أي كلمة مني أو من أي أحد ثم بعد ذلك تجده يستغل هذه الكلمة فيما يجعلك تندم أن أخرجتها من فمك ، فعلى سبيل المثال :

اشتكيت له مرة منذ 7 سنين تقريبا أني أنا وأخي حالتنا النفسية مدمرة وكذا وكذا مما ترددنا أن نبوح به له ، فوجدناه بعد ذلك بفترة يعيرنا بها على الملأ ويحقر من هذا الكلام مع أنه وقتها كان يشعرنا أنه منسجم مع الكلام وأنا محقين فيما نقول وغير ذلك من تعبيرات توحي بأنه موافقنا وأنه سيجد لنا حلا .

مثال آخر : عندما يسألني سؤالا مثلا في أي مجال كان ، يحاول أن يستخرج مني كل ما أعرفه عن هذا الموضوع ليأخذه بعد ذلك وينسج عليه أضعاف أضعافه من الكلام ليحكيه للناس ليظهرني أو يظهر نفسه بالعالم أمامهم مما يترتب على ذلك من تبعات عند اللقاء بهم أو ربما يحدث العكس .

وهكذا إخواني ، هذا هو حالي معه دائما ، وللعلم أنا إخواني من طبعي ألا أتكلم كثيرا في المجلس ، ولكن إن كنت مع أمي أو إخوتي قد أتحدث كثيرا – بالنسبة لطبيعتي - ؛ ولهذا لا يستغرب أبي جفائي هذا ، والذي يصدر مني غصب عني وبلا شعور أجد نفسي مكتوف اللسان أمامه حتى لا يأخذ أو يمسك علي كلمة ، وخاصة أنه خسر كل من حوله بسبب كلامه . وإعجابه بنفسه ، وكثرة كذبه – وهذه هي أهمهم – حتى أني أصبحت لا أصدق أي كلمة يتفوه لي بها ولا أحد أصبح يصدقه وللأسف ، ومن أبرز كذباته وللأسف ، أنه تزوج أمي وهو يدخن ، ووعدها وأهلها أنه سيترك التدخين لما له من أضرار صحية – لهذا السبب فقط – وخاصة كان في بداية التطوع للخطابة ، ولم أره في حياتي يدخن ، والكل يظن أنه أقلع فعلا عن التدخين ، إلى أن ضبطه أخي الأصغر 12 عام وهو يجلس في إحدى المقاهي ويشرب الشيشة ولربما السجائر ، ثم عرفنا بعد ذلك أنه ما تركها من 23 عاما ، وهو عمري الآن .

إخواني الأفاضل .. آسف كثيرا على الإطالة ، ولكن يعلم الله كم أحترق من داخلي أن تجرأت على قول مثل هذا الكلام والذي يمس أقرب الناس لي والذي وصاني الله به ولعل هذا هو الذي دفعني لكتابتها ، مع أني لا أعلم أحدا أبدًا من رجال كبار ينصحون أبي ، فقد تعبنا من كثرة النصح وخاصة أمي ، فقد يبدي اهتماما للنصيحة ، ولكن بمجرد أن ينصرف يفعل ما يشاء .

وللعلم إخواني أبي الآن يربو على 50 عاما .
وقد كان ضابطا في الجيش ، وقد تطوع للخطابة منذ 20 عاما وللأسف أقول : يخطب بقلة علم وأحيانا يصدر فتاوى جريئة قد يصدقها بعض الناس .
أعلم إخواني أن المشكلة هذه – هي قضية – وهو أيضا متشعبة كثيرا ، ولكن آمل إن شاء الله أن أجد لها حلا عندكم .
وأرجو إخواني سرعة الرد والتواصل معي .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مشاركة الاستشارة
يوليو 27, 2018, 03:13:01 مسائاً
الرد على الإستشارة:


أخي حسين :

المنهج الشرعي الذي أمرنا الله به في هذا الباب هو منهج الأنبياء عليهم السلام فقد أمرنا الله تعالى أن نقتدي بهم فقال سبحانه : (( فبهداهم اقتده )) .

ورسل الله عليهم السلام جميعا كانوا بررة بوالديهم يقول الله عن نوح عليه السلام : (( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات )) .
ويقول عن خليله إبراهيم عليه السلام: (( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب )) .
ويقول على لسان الابن البار إسماعيل عليه السلام لما أمر إبراهيم بذبحه في المنام : (( قال يبنى إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين )) .
وقال عن يحيى عليه السلام : (( وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا )) .
وقال عن عيسى عليه السلام : (( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا )) .
وأمر سبحانه بالإحسان إلى الوالدين فقال عز من قائل : (( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )) .
وفي الحديث المتفق على صحته عن عبدا لله بن مسعود رضي الله عنه قال : (( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها. قلت ثم أي ؟ قال بر الوالدين .... ))
وعن أسماء رضي الله عنها قالت : " قدمت أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت قدمت أمي وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال : نعم صلي أمك " متفق عليه .

فوصيتي لك أخي الكريم : أن تبر والدك وأن تخفض له جناح الذل من الرحمة وأن تصبر وتحتسب عند الله كل ما يجده من قسوة وجفاء وأن تتحين أوقات إجابة الدعاء فتدعو الله له من خيري الدنيا والآخرة وأن تتقرب إليه وتتذلل له حبا ورغبة .

وإياك ثم إياك ثم إياك من الغلظة في القول معه والجفاء في المعاملة مهما صدر منه تجاهك .

اللهم إلا أن يأمرك بمعصية فلا طاعة حينئذ لمخلوق في معصية الخالق عملا بقوله تعالى : (( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ))
وذكر المروزي أن رجلا من أهل حمص سأل أبا عبدا لله أن أباه له كروم - يعني عنب - يريد أن يعاونه على بيعها . قال : " إن علمت أنه يبيعها ممن يعصرها خمرا ، فلا تعاونه " .

وخلاصة القول أخي حسين : والدك رجل مسلم وهو كما تقول في رسالتك متلبس ببعض المعاصي وأنه  يعاملك وإخوتك بقسوة وجفاء ، سيئ الخلق والمعاملة مع الناس وفيه من الصفات القبيحة ما فيه .

ومع ذلك أقول لك : اتق الله في والدك وعامله المعاملة الحسنة واحرص كل الحرص على تعديل أخلاقه وسلوكه بالرفق واللين وطيب المعشر وعليك بالدعاء في جوف الليل فإن جوف الليل فيه من الأسرار ما لا يعرف قدرها إلا أصحاب السحر ، فالدعاء الدعاء واللين اللين وإياك والقسوة عليه أو الجفاء معه وإياك والتأفف وعليك بالصبر فأنت في طاعة وعبادة لله عظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها .

وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يهدي والدك وأن يرده إليه ردا جميلا .

مقال المشرف

في بيتي مدمن جوال

يا الله.. ما هذا الذي حال بين الابن وأبيه، والزوج وزوجه، والحبيب وحبيبه!! غرّبَ الإنسان في بيته؛ حتى...

شاركنا الرأي

هل «الوتساب» جعل أطفالنا أيتاماً؟

استطلاع رأي

رأيك يهمنا: ما رأيك في منصة المستشار الأستشارية؟

المراسلات