بين العقوق وقطيعة الرحم .
14
الإستشارة:


السلام عليكم،
رجاءاً اقرأ بتمعن وروية.
أخي الفاضل، أنا شاب بار بوالدتي، أتغذى برضاها وأفيق على رضاها وأنام على رضاها، أخواتي البنات متزوجات في مدينة أخرى، بلغت سن الزواج فبحثت أنا ووالدتي على زوجة لأكمل ديني، وكنت أركز أثناء بحثي على التي يمكن أن تتعايش مع والدتي، لأنني أثق في والدتي وأقول مع نفسي أن المشكل لا يمكن أن يأتي من طرفها أبداً، واشترطت على مخطوبتي السكن مع والدتي فوافقت، ووالدتي فرحة بها وموافقة هي كذلك وتقول أنها ستعتبرها مثل بنتها وستكون هي سيدة البيت...إلخ.

لما عقدت القران مباشرة اليوم الموالي اتصلت أحد أخواتي وأخبرت والدتي أنها ذهبت عند عرافة وقالت لها أن زوجة أخيك غير بكر وأنها سترد أخاكم لا يسوى شيئاً، فأخبرتني والدتي بذلك وكأنهم يريدون إنقاذي، فوجدت نفسي في ورطة كبيــــرة أنا الذي كنت أبحث عن زوجة صالحة طاهرة، ورفضت العديد ممن عرض علي أخواتي ووالدتي بسبب تبرجهن أو بعدهن عن تعاليم الدين وجدت نفسي سأسقط في ورطة. وبالرغم من أنني لا أصدق العرافة وأعرف حكم الشرع فيمن ذهب عندها، بالرغم من كل ذلك بحثت عن حل لهذه المعضلة فهداني الله لعرض مخطوبتي على طبيبة، فطلبت منها أن أعرضها على طبيبة وبإصرار وإلا فلن أكمل المشوار، وعرضتها على طبيبة للنساء وكانت النتيجة أنها بكر وأعطتها شهادة تثبت ذلك. فأخبرت والدي وقلت لها إن عرافتكم كاذبة في كل ما قالت.

مرت الأيام وتم الزواج، وسافرت والدتي عند أختي ولما رجعت رجعت وكأنها إنسانة أخرى، لا تريد أن تتعايش معنا أبداً، تعلق على الصغيرة والكبيرة تريد أن تشعل فتيل الخلاف بيننا على أتفه الأسباب، تريد أن تخسر العلاقة بيني وبين زوجتي بكل ما أوتيت من حيلة، وشخصياً أستغرب كل الاستغراب من الأفكار والحيل التي تخطر على بالها، لكنها وإن أفلحت في البداية من زرع الخلاف بيني وبين زوجتي فإن أمرها افتضح، فلجأت إلى استعمال الأسلحة الأخرى :

دعتني وبإصرار إلى مغادرة البيت، أنا الذي بنيت مسقبلي مع والدتي وخططت - في واقعنا الصعب - للسكن في بيتنا نظراً لمصلحتنا نحن معاً : فهي على أبواب الستين من عمرها ولا أتصور أنني أتركها وحدها، بالإضافة أنني لا أتصور أن أخرج للكراء خارج منزلنا وأعرض نفسي وأهلي للمشقة والعناء والحل أمامنا سهل ميسر، بيتنا يتسع لنا جميعا، حاولت مع والدتي ولكن دون جدوى، عيرتني وسبتني أمام زوجتي مراراً وتكراراً وسبت زوجتي وآذتنا بشتى أنواع الإذاية، رفضت الخروج لأنني لم أكن أتوقع ذلك منها ولست مستعد من جميع النواحي لذلك، فقالت لنا أنا معكم في الحـــــرب ؟!!!

وليتها هددت فقط لكنها طبقت ما قالت، فتكررت إذايتها لنا وزجتي حامل وأنا أصبر وأُصَبر زوجتي التي في الحقيقة كانت نعم الزوجة الصبورة المخلقة بأخلاق عالية، أقول ذلك لأنني في النهاية فقدت أعصابي وبدأت أرد على والدتي الكلام وهي لم تفعل بالرغم من أنها ليست والدتها.

من جهة أخرى فقد كانت أختي التي تكلمت عنها سلفاً تتصل بوالدتي يوميا بالهاتف اتصالات ماراطونية وتخطط معها على خطت علمت عنها فيما بعد.
وكنت بنيت أنا ووالدتي منزلا آخر وأكريناه للناس لكي نستفيد من مداخيله، لكنني كتبته باسم والدتي لأنني أثق فيها كثيراً.

خططت أختي ووالدتي على رحيل والدتي عندها وعلى حرماني من نصيبي من مداخيل منزلنا.
قامت والدتي بكل شيء وأنا لا أدري شيئاً، حتى علمت أنها جمعت كل أغراضها وسافرت إلى المدينة التي تقطن بها أختي، وحتى علمت من سكان منزلنا أن والدتي قدمت عندهم وأوصتهم بأن لا يعطوني شيئاً لأن المنزل باسمها.

أصبت بصدمة كبــــــــــــــــــــــــــــــــــرى.
أين هي والدتي التي كان برها هو زادي؟
أين هي زبدة تعبي وعملي المخلص من مداخيل منزلنا؟
إنني الآن في موقف لا أحسد عليه، إضافة إلى ذلك فإنني لا أستبعد أن تطردني والدتي من بيتنا الذي أسكن فيه الآن بطريقة من الطرق.

للإشارة فإن زوجتي تبلغ من العمر 18 سنة، وهي ابنة أناس شرفاء ووافقوا على تزويجها بصعوبة، وأنا شخصيا لمست فيها مثال للزوجة الصالحة.
وضعت زوجتي مولودة في الأشهر الماضية وكنا نأمل أن تتغير والدتي عند ولادة زوجتي لكنها لم تتغير ولم تشفق على زوجتي التي كانت في حالة سيئة بعد الولادة ولم ترحمها أبــــــــــداً.

أنا الآن لا أطيق نفسي لأنني في نظر الآخرين عاق لوالدتي (خصوصاً وأنها شهرت بي وشكتني لمعارفها).
أنا الآن وعائلتي مهدد بالهجوم من طرف والدتي وأختي في أي لحظة (أختي تذهب عند المشعوذات وتعتمد عليهن كثيراً).
أنا الآن مهدد لأن أكون قاطع رحم لأنني أصبحت أمقت أختي وكل شيء يمت إليها بصلة.
أخي أرجو أن يكون جوابك رسالة من عند الله أستنير بها وأطمئن بها وجزاك الله خيراً

مشاركة الاستشارة
يوليو 27, 2018, 03:13:01 مسائاً
الرد على الإستشارة:


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد :

فأبشرك – أخي الكريم – أولاً ببرك بوالدتك وما ذكرته في رسالتك من صور البر التي قلماَّ تتحق في إنسان في هذه الأزمان التي كثرفيها العقوق – والله المستعان - .
لذلك لا أريد منك أن تتخلى عن هذه الصفة الجليلة .
فقد قال صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة لما علم أن له أماً: ألزم رجلها فثم الجنة.
وقد جعل الله حق الوالدين بعد حقه سبحانه، فقال: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ){الإسراء: 23}.
وفي الصحيحين عن  أبي هريرة  أن رجلاً قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من، قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أبوك.

ثانياً : لتعلم – أخي الفاضل – أنَّ الإحسان إلى الوالدين واجب وإن حصلت الإساءة ، وسوء المعاملة . ففي صحيح  مسلم  عن  أبي هريرة  رضي الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله : إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله عليهم ظهير ما دمت على ذلك.
هذا في حق الأقرباء عموماً فما بالك بالأم .

ثالثاً : عليك أن تقدرَّ الظروف النفسية التي تمر بها والدتك فقد أشرتَ في رسالتك – أخي الفاضل – أنَّ والدتك بلغت في الستين من عمرها .
فهناك حالات نفسية عند المسنين وكبار السن يحسن الإلمام بها ، لتعلم كيف يمكنك تجاوز هذه المرحلة ، وكي تعلم أنَّ الأمر في غاية السهولة .
ومن أبرز هذه الحالات النفسية لدى كبار السن والمسنين : ما يحصل من الغيرة ، وحصول نوع من الفجوة بين الآباء والأبناء .

رابعاً : ما قمتَ به من بحثك عن زوجة تتناسب مع والدتك تحفظ حقوقها وترعاها أمر جيد . أسأل الله أن يكتب لك الأجر على ذلك .

خامساً : ما بدرَ من أختك حين ذهبت للعرافة قد يكون منشأه الغيرة ، أو الحسد ... وقد يكون أي أمر آخر . لذلك لم تذكر أخي الكريم شيء عن علاقتك بأختك وعن حالها ليمكن لنا تشخيص حالتك على الوجه الأكمل .

سادساً : يمكن أن أصف لك بعضاً من العلاجات ، لعلَّ الله أن يكشف كربتك ، ويجلي ما أصبك من ضيق ...
1/ إذا أردت أن يتغير أسلوب أمك معك فابدأ أنت بالتغيير، فأظهر حبك لها ، وأكثر من ذكر محامدها ومآثرها وأنها مثلك الأعلى، وتذلل لها كما يتذلل العبد لسيده، وتذكر دائماً أنها جنتك ونارك!! .
فابدأ صباحك بتقبيل رأسها ويدها، وقبل رجليها بين الفينة والفينة، وابك بين يديها، وأكثر من نظر الحب والإشفاق إليها، فبعد فترة من الزمن ستتغير هي، لكن أنت البداية.
2/ تجنب ذكر محاسن زوجك، ولا تثني عليها في وجودها، بل لا تذكرها أمامها أصلاً.
3/ اهدي لأمك هدية تحبها، وقدمها لها في وقت صفائها، وحبذا لو جعلت زوجتك يفعل مثل ذلك.
4/ تضرع إلى الله في أوقات الإجابة أن يفتح الله بين قلبك وقلبها، وأن يصلح ذات بينكما، وأن يعينك على برها، وأن يهديهكما لأحسن الأخلاق، وتلمس في ذلك أوقات الإجابة .
5 / كما هو معلوم أيضاً – أخي الفاضل - أن حق الأم في البر والإحسان آكد من حق الأب، فيجب عليك شرعاً الصبر على أمك والإحسان إليها والامتناع عن قطيعتها وأحسن صحبتها، وتودد إليها و أرفق بها واحتسب الأمر عند الله مما قد يصيبك منها، وادع لها دائماً بالصلاح و الهداية والمغفرة. وثق أن معاملتك الحسنة لأمك سوف تغير من تعاملها معك مما يجعلها تكف أذاها عنك ولو بعد حين.
6 / هناك جانب شرعي لا بدَّ منه وهو لا بدَّ أن تعلم والدتك و أختك – كذلك – بخطورة الذهاب للكهنة والمشعوذين ، ويكون ذلك بمرحلتين :
1 – بيان الحكم الشرعي في الوعيد لمن أتى الكاهن .
2 – بيان كذبهم وشيء من فضائحهم ودجلهم على الناس .
ومن أهم الكتب والرسائل التي أوصيك بها في هذا الباب :
1 – حكم السحر والكهانة ، للشيخ : عبد العزيز بن باز – رحمه الله - .
2 – الصارم البتار في حكم التصدي للسحرة الأشرار ، للشيخ : وحيد عبد السلام بالي . وهو مطبوع في كتاب ، وهو على أشرطة تسجيل كذلك .
7 / فيما بينك وبين زوجتك حاول تعويضها عما يلحق بها من ضرر بسبب غيرة والدتك .
8 / أوصيك بأن تحافظ على الأذكار أنت وزوجتك ، وأن تحرص عليها أكثر مما سبق .
9 / لا عليك بكثرة الأقاويل التي قيلت فيك ، ولا ترعها بالك واهتمامك ، فهي سرعان ما تزول .
ولك في أنبياء الله ورسله – عليهم الصلاة والسلام – أسوة وقدوة حسنة ، فقد أُتهموا بأبشع الألقاب والأوصاف ، ومع ذلك لم تتغير منزلتهم عند الله ولا عند الناس .
وحسبك أنه قد أُتهم رسولك محمد صلى الله عليه وسلم في أحب نساءه إليه وهي عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها وعن أبيها - .
10 – أحسن إلى أختك ، و من أهم علاجات الأعداء هو علاج الإحسان إلى العدو ، وهذا قد أوصانا به ربنا تبارك وتعالى في ثلاثة آيات من القران الكريم ، وهي :
1 - قال الله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف: 199، 200].
2 -وقال تعالى: { ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [المؤمنون: 96 -98] .
3 -وقال تعالى: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [فصلت: 34 -36] .

قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره (ج 1 / ص 110) : ( فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه، ليرده عنه طبعُهُ الطَّيب الأصل  إلى الموادة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل ) . انتهى .

والله أعلم. و أسأل الله لك التوفيق والسداد .

مقال المشرف

التربية بالتقنية

تهدف التربية التكنولوجية إلى صناعة الفرد الفعّال والواعي والمؤثّر في مجتمعه، هذا ما يقوله المختصون، ...

شاركنا الرأي

هل «الوتساب» جعل أطفالنا أيتاماً؟

استطلاع رأي

رأيك يهمنا: ما رأيك في منصة المستشار الأستشارية؟

المراسلات