الرئيسية استشارات تربوية فقرات القسم
تربويّات إيمانيّة

الشيخ المربي الجليل الأستاذ الدكتور أحمد العسال في ذمة الله .
 

 

موقع المستشار - عبد الرحمن هاشم.

 

 

 

 

 

 

فقدت مصر والعالم الإسلامي صباح يوم السبت 28 رجب 1431هـ الموافق 10 يوليو 2010م الشيخ المربي الجليل والعالم القدير الأستاذ الدكتور أحمد العسال عن 82 عاماً بعدما صلى الفجر إماماً بأهله في شقته بمدينة الإسكندرية.
وما كاد الخبر يعلن حتى تنادت حشود من إخوانه ومحبيه إلى مسجد الشيخ الحصري بمدينة السادس من أكتوبر حيث صلاة العصر وصلاة الجنازة التي أمها رفيق جهاده العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
وبينما تقاطر رموز الفكر والدعوة الإسلامية بمصر إلى مسجد الحصري يقدمون العزاء بعضهم إلى بعض ، هاتف تلامذة الراحل من كافة الدول العربية والإسلامية أسرة الفقيد يقدمون لها أحرالتعازي وأصدق مشاعر المواساة.
وجاء في نعي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بتوقيع الدكتور يوسف القرضاوي ( رئيس الاتحاد ) والدكتور علي القرة داغي( الأمين العام ) : " بسم الله الرحمن الرحيم .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ) البقرة : 207.
تلقى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ببالغ الأسى والحزن نبأ وفاة فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد العسال، العضو المؤسس، وعضو مجلس الأمناء السابق، والداعية المجاهد المعروف، الذي وقف نفسه وعمره لخدمة الإسلام والمسلمين والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والتعليم والتربية على مستوى العالم الإسلامي... ففي زمن أحوج ما نكون فيه إليه ، رحل عن عالمنا العالم الجليل والمربي المجاهد الدكتور أحمد العسال .. رحل الداعية المرشد والإنسان .. رحل بعد أن توضأ وصلى الفجر جماعة وذكر الله على لسانه وهموم الأمة في قلبه .. وأخيرا توقف نبض هذا القلب على اثنين وثمانين من السنين .. قضاها جهاداً واجتهاداً وتجديداً وانفتاحاً والتزاماً بقضايا الأمة ومواجهة لكل قوى الاستكبار والطغيان .. رحل العسال وهمه الكبير، هو الإسلام فكراً وحركة ومنهجا والتزاماً في جميع مجالات الحياة مرددا على الدوام : هذه هي كل أمنياتي ، وليس عندي أمنيات شخصية أو ذاتية ، ولكن أمنيتي الوحيدة التي عشت لها وعملت لأجلها هي أن أكون خادماً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللإسلام والمسلمين ".
وأضاف بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين : " لقد كانت وصيته الأساس حفظ الإسلام وحفظ الأمة ووحدتها ، والعمل حتى آخر رمق في الحياة من أجل تحرير المسجد الأقصى الأسير وبقية ديار المسلمين الرازخة تحت الاحتلال.
آمن بأن الاستكبار لن تنكسر شوكته إلا بوحدة المسلمين وتكاتفهم . وبعقله النير وروحه المشرقة كان أباً ومرشداً وناصحاً لكل الحركات الإسلامية الواعية التي استهدت في حركتها الصبر والتدرج والحكمة والموعظة الحسنة. وانطلاقاً من ذلك شكل بيته مدرسة يفد إليها الدعاة من كل صوب وحدب يحاورونه ويلتمسون منه الخبرة والنصيحة والتوجيه.
على الدوام ، كانت قضايا العرب والمسلمين من أولويات اهتماماته .. وشكلت فلسطين الهم الأكبر لحركته منذ ريعان شبابه وحتى الرمق الأخير قائلاً : " لن أرتاح حتى تتحرر فلسطين ".
وتابع البيان : " شكل الدكتور أحمد العسال علامة بارزة في الحركة الإسلامية المعاصرة التي التصقت بجمهور الأمة في آلامها وآمالها ، ورسمت لهذا الجمهور خط الوعي في مواجهة التخلف ، وحملت معه مسئولية بناء المستقبل ، وتصدت للغلو والخرافة والتكفير مستهدية سيرة ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية والتغيير.
وقف الدكتور العسال بكل ورع وتقوى في مواجهة الفتن بين المسلمين رافضاً أن يتآكل وجودهم بفعل العصبيات الطائفية الضيقة ، طالباً من علماء الأمة الواعين أن يتقوا الله في دماء الناس ، معتبراً أن كل من يثير فتنة بين المسلمين ليمزق وحدتهم ويفرق كلمتهم هو خائن لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإن صام وصلى.
وزاد : " امتاز بتواضعه وإنسانيته وخلقه الرفيع وقد اتسع قلبه للمحبين وغير المحبين مخاطباً الجميع : " أحبوا بعضكم بعضاً ، إن المحبة هي التي تنتج وتبدع وتؤصل" .. وهو بهذا قد أفرغ قلبه من كل حقد وغل مرددا " أن الحياة لا تتحمل الحقد ، فالحقد موت والمحبة حياة " .. أقام صروحاً ومنارات للعلم وشارك في وضع المناهج بالجامعات الإسلامية في المملكة العربية السعودية وباكستان ، موقناً أن التعليم هو طريق القوة والعزة والمنعة".
انطلق موكب تشييع الجنازة من أمام مسجد الحصري في مدينة السادس من أكتوبر عقب الصلاة على الجثمان الطاهر الساعة الخامسة عصر يوم السبت 10 يوليو 2010 ووارى الجثمان الطاهر في مقابر الجمعية الشرعية بمدينة السادس من أكتوبر.

ابن الدعوة البار
وألقى الدكتور قطب عبد الحميد قطب الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد كلمة عقب انتهاء الدفن جاء فيها : " الدكتور أحمد العسال علم من أعلام الإسلام في ميدان الدعوة والتجديد.
نشأ وترعرع في مصر المحروسة في أوائل الربع الثاني من القرن العشرين ( 1928م ) في بيئة نقية تقية في كنف أبوين صالحين بذلا كل ما في وسعهما من أجل تعليمه وتربيته، ولأمه فضل كبير في ذلك، فهي التي نذرته لله ليكون رجل الدعوة وابنها البار.
حفظ القرآن الكريم في صغره، ونهل علمه من الجامع الأحمدي بطنطا ثم من الأزهر الشريف أكبر جامعة إسلامية وأقدمها وأعظمها نشرًا للعلم والدعوة في أرجاء المعمورة.
ووجد قرة عينه منذ شبابه المبكر في دعوة الإخوان المسلمين التي آمنت بخلود هذه الأمة الإسلامية وصلاحيتها للبقاء والازدهار، وهتفت بكرامة المسلم وقدرته على قيادة ركب الإنسانية إلى السعادة والفلاح.
وتأثر تأثرًا واضحًا بشخصية الأستاذ حسن البنا أبرز وأشهر الدعاة إلى الله في القرن العشرين، وشخصية الأستاذ البهي الخولي العالم الرباني صاحب كتاب (تذكرة الدعاة) الشهير، وربطته صداقة وثيقة ومودة عميقة بداعية الإسلام الأول في هذا العصر الدكتور يوسف القرضاوي رفيق دربه وحياته منذ أكثر من ستين سنة.
وهو متيم بحياة رجالات الإسلام الأوائل كالحسن البصري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من علماء الأمة ومفكريها الذي كتبت أسماؤهم بحروف من نور في سجل التاريخ الإسلامي".
وتابع : "دعا الدكتور أحمد العسال إلى الله تعالى على بصيرة بكتبه وبحوثه، وخطبه ومحاضراته، وأبلى بلاء حسنًا في وضع المناهج التعليمية وتأسيس المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية التي تشكل وعي الأمة وتدعم مسيرتها نحو تطبيق الشريعة الإسلامية.
وناقش وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في حقل الدعوة والدراسات الإسلامية.
شارك ببحوثه وآرائه في العديد من المؤتمرات والندوات العالمية التي تعنى بقضايا الإسلام والمسلمين.
وشغل مراكز علمية مرموقة، وتقلد مناصب قيادية عالية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، والجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد.
وسار في حياته كلها سيرة المسلم المخلص الذي تخلق بأخلاق الإسلام، فهو بحمد الله تعالى صادق لا يكذب، أمين لا يخون، شجاع لا يجبن، متواضع لا يستكبر، كريم لا يبخل، رحيم لا يقسو، يفيض قلبه بالحب والإيمان، وصولٌ لرحمه، وفيَ بعهده، يفزع الناس إليه في حوائجهم، يعظم شعائر وحرمات الله، يعتاد المساجد، يعيش في ظلال القرآن، ويتخذ منه ورده المورود، ويعشق سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)".
وأضاف :" كان بحمد الله تعالى قوي البينان، فارع الطول، منور الوجه، له لحية خفيفة وصوت أخاذ، صافي الذهن، مشرق النفس، سليم الصدر، منظم الوقت، يتأنق في لباسه وطعامه وشرابه وفراشه ومسكنه ومركبه، أضفى الله عليه المهابة والوقار.
وهو يعيش عصره، ويعرف ما فيه، ويتعامل معه بقلب المؤمن، وفكر الباحث، ورغبة المصلح، ويميل بطبعه إلى التيسير والمرونة، وينفر من العنف والخشونة.
وللراحل الكريم الدكتور أحمد العسال أفكار وآراء في الدعوة والإصلاح حافلة بالمعاني والدلالات التي يحتاج إليها الدعاة، ويكفي في جلالة هذه الأفكار والآراء أنها صدرت عن قلب غيور على دينه وأمته، حاول أن يعالج بصدق ووعي قضايا حية في واقع الأمة الإسلامية التي ينظر إليها على أنها الملاذ والحمى للإنسانية كلها".
وأضاف الدكتور قطب عبد الحميد قطب : " لقد سكن قلب أستاذنا الجليل إسلاماً حركياً ووعياً رسالياً وإنسانية فاضت حباً وخيراً حتى النفس الأخير.. يا أستاذنا ، لقد ارتاح هذا الجسد وهو يتطلع إلى تحقيق الكثير من الآمال والطموحات على مستوى بناء حاضر الأمة ومستقبلها .. رحلت عنا ، وسيبقى اسمك محفوراً في وجدان الأمة ، وستبقى حاضراً بإرشاداتك ومواقفك ونهجك في حياة أجيالنا حاضراً ومستقبلاً..
أيها الإخوة .. إننا إذ نعزي أهل الفقيد وتلامذته ومحبيه في العالم أجمع، لنتضرع إلى الله تعالى أن يلهمهم الصبر والسلوان وأن يتغمد هذا العالم الكبير وهذه القامة العلمية والدعوية الرائدة برحمته ، ويسكنه فسيح جناته ، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شهادات العلماء

احتل الراحل الكريم مكانة كبيرة في عيون وقلوب العلماء والكتاب والمفكرين والبسطاء من الناس ومن أبرز صفاته التي أسرت قلوب محبيه : تواضعه الجم ، وكرمه وجوده وحفاوته بضيوفه، وحنوه وعطفه على المحتاجين، وابتسامته الصافية التي لم تفارق وجهه حتى لقي ربه راضيا مرضيا بإذن الله.
يقول الأديب الكبير الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي جامعة عين شمس : " يرحم الله الدكتور أحمد العسال فقد كانت صحيفة أحواله نيرة مشرقة في كل مجالات الجهاد والمعرفة . عايشته في الجامعة الإسلامية في إسلام أباد لمدة أربع سنوات حيث كنت مدرسا بالجامعة، وكان رحمه الله نائبا لرئيس الجامعة ، والواقع يقول إنه كان الرئيس الفعلي للجامعة برعايته لها ، وحرصه على إدارتها والنهوض بها على نحو مثالي.
لقد عاش سنوات الجامعة محبوبا من الجميع : من الأساتذة ، والإداريين ، والطلاب على اختلاف جنسياتهم ، من مصريين وعرب وفلسطينين وأفغان وأسيويين،وغيرهم. وكان يرحمه الله واسع الصدر في الاستماع لأي مشكلة تتعلق بالجامعة ، أو بعلاقة جهاز العمل من أساتذة وإدرايين وطلبة وعمال . وكان دائما يقول ( فلتعلموا أن لكل باب مفتاحا ، والحب هو مفتاح القلوب ) . لذلك وصف الله المؤمنين بأنهم إخوة " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " الحجرات 10. وكان دائماً يذكرنا بصورة سيدنا رسول الله والمؤمنين معه في الآية الآتية " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا " الفتح (29).
وكان رحمه الله يتسم بالوعي المتيقظ والذكاء الوقاد ، ولكنه كان يؤمن بالحكمة المعروفة : " اللبيب من تغافل لا من غفل " وهو يعني بهذا النهج أن هناك من تافهات الأمور ما يوجب على المسلم ــ وخصوصا إذا كان في موقع القيادة والداعية ــ أن يغض النظر عنها لسببين :
الأول : أن إغفالها لن يضر بشيء .
والثاني : أن الوقوف عندها والمحاسبة عليها يهدر الكثير من وقت القيادة الحكيمة .
وفي عهده عاشت الجامعة ــ بحق ــ أزهى سنواتها علما وتعليما ، ونشاطا أدبيا وإسلاميا . لأنه كان يؤمن أن الجامعة هي المفْرخ الحقيقي لإنتاج رجل المستقبل، وربما قادة المستقبل ، وقد قيل لا تسأل عن الطالب ما هو ؟ ، ولكن سل عن الأستاذ من هو ، وما هو ، ويكفي أن الدكتور العسال تعلم على يد الشيخ محمود شلتوت رحمه الله . وزامل الدكتور القرضاوي في الجهاد الإسلامي .
تواضعه
ومن سماته النفسية ــ كما يقول د. جابر قميحة ــ أنه كان متواضعا إلى أقصى حد ، وأذكر أنني لم أسمع منه طوال السنين التي عشتها معه كلمة " أنا " ، بل كان يقول : وإخوانك إن شاء الله سيعملون كذا وكذا ، أو يعزمون على زيارة المكان الفلاني ، وكأنه واحد من الجنود ، لا واحد من القادة في المجالين الجامعي والإسلامي .
وأذكر أنني ما سمعته مرة يعلي من صوته ، بل كان إذا تكلم كان كلامه كأنه همس ؛ وذلك من فرط أدبه . ومع أنه حصل على الدكتوراة من انجلترا لم نجده يفخر ذات يوم بأنه حصل على مؤهله من الخارج ... من أرقى بلاد أوربا ، إلا في الضرورة القصوى . وهذا يذكرني بمثال النقيض ، وهو أحد أساتذتي بالجامعة في الخمسينيات كان لا يستهل كل محاضرة إلا بقوله متعاليا : أنا أيام ما كنت في ( ... ) ويذكر البلد الأجنبي وأطروحة الدكتوراة التى حصل عليها منه ، كان كل محاضرة يبدؤها بهذا الاستهلال الكريه .
وأذكر أنني ما رأيته يوما ثائرا هائجا على أي عضو في الجامعة من أساتذة وطلاب . لذلك كانت توجيهاته تتسلل إلى النفس دون شعور بالحرج ، مع الاقتناع الكامل بما يقول .
وكان له اتصالات دائمة مع الدكتور عبد الله عزام رحمه الله الذي تفرغ للجهاد بعد ذلك . ومع هذه الجدية الصادقة في العمل لم يكن الدكتور العسال متزمتا ، ففي أوقات فراغه نذهب إلي مكتبه أنا وبعض الإخوة ، ويسألني عن آخر نكتة ، فأرويها له ( وهي غالبا سياسية ) فيضحك من أعماقه ( ولكن بصوته الهادئ ) ثم أروي له الثانية فيواصل الضحك ويقول للإخوة " حوشوا الجدع ده عني " . والسبب أنه لا يستطيع مواصلة الضحك الذي يأخذ منه مجهودا، رحمه الله رحمة واسعة .

ورعه وعلمه

ويقول الأستاذ الدكتور سيد دسوقي حسن أستاذ هندسة الطيران جامعة القاهرة : " يعجبني وصف أخي المستشار طارق البشري لأخينا أحمد العسال حيث يقول لي دائمًا: هذا الرجل شديد الورع، فأقول له: وأنا على هذا من الشاهدين. ففي صحبة دامت قرابة الستين عامًا ظل أحمد العسال بالنسبة لي مصدر الورع الدافئ والظل الظليل الذي أستظل به من هجير هذه الأيام الصعبة.
والمهم أن علمه صار جزءًا من ورعه وكذلك ورعه جزءًا من علمه، فهو العالم الورع. صفتان تنبعان بالصفاء في حديثه وفي عشرته.
وحيثما ذهب الشيخ أحمد ترك من ورائه سيرة يهتدي بها الرجال، وهو وإن لم يشغل نفسه كغيره بالتأليف إلا أن حياته كانت هادية لآلاف الدعاة الذين احتكوا به سواء في لندن أو قطر أو السعودية أو باكستان، وكان مجرد وجوده في كل هذه الأماكن مصدر إشعاع فكري وإيماني يربط الناس بعضهم ببعض ويجذبهم إلى العمل الجاد المثمر.
أدعو الله العلي القدير أن لا يحرمنا من فضل هذا الرجل علينا وعلى الناس، وأن يظل لنا مثالاً يحتذى به وقمرًا يهتدى به، فهو ترجمة للأخلاق والنور الذي جاء به القرآن، والله يهدي سواء السبيل".

دعوته .. همه وشاغله

ويقول الدكتور عبد اللطيف عامر أستاذ الشريعة الإسلامية كلية الحقوق جامعة الزقازيق : " لم أره – في سنوات تعاملي معه – إلا من خلال دعوته، ولم أجده إلا داعية غربت به الأرض وشرقت حتى دفعته إلى انجلترا للحصول على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية.
ثم حط رحاله في باكستان لتكون دعوته همه وشاغله وحبه في مكتب الإدارة وفصل الدراسة وأسواق المدينة.
واستطاع – بالدعوة التي حملها – أن يزرع حبًا وأن يؤلف قلوبًا وأن يترك في شباب الجامعة في باكستان ما تركه في شباب الأزهر، وشباب الوافدين إليها منذ ما يزيد على خمسين عامًا. وحين بدا لي أن أختصر طريقي في باكستان وأن أعود إلى مصر، كنت خائفًا أن أعود إلى حالة الغربة التي فصلتنا هذه السنين فعرضت عليه الأمر، فسألني، وماذا ستفعل في مصر؟
فقلت: لقد اشتريت عباءة من السعودية، واشتريت عصا خيزرانة من باكستان، ولنا "دوار" في مصر.. فأنا أريد – بهذه الأشياء – أن أكون (عمدة الناحية)، وضحك وضحكت، وتعاهدنا على دوام الصلة في الله، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألحقنا به على خير".

الأقليات المسلمة في وجدانه

ويقول الدكتور زغلول النجار أستاذ علوم الأرض ورئيس لجنة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية : " كان أخي الأستاذ الدكتور أحمد العسال يقوم بدور دعوي بارز في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد ، تميز بالاهتمام بالأقليات التي انخرطت في سلك الدراسة خاصة الجالية الصينية والتي أولاها عناية خاصة فكان يدعو كل زائر لمدينة إسلام آباد من العلماء والدعاة إلى الجلوس مع هؤلاء الطلاب من أجل تزويدهم بتجاربهم الشخصية وتنبيههم لأهمية دين الإسلام لأهل الصين ولخطورة ما يتعرض له المسلمون هناك ، والأدوار المناسبة للدعاة الصينيين المسلمين وسط أجواء العداء للإسلام في واحدة من أكبر دول العالم تعدادا ونهضة اقتصادية.
وكم من مرة، دعاني لمحاضرة طلاب الجامعة بصفة عامة وللطلاب الوافدين من بلاد الصين بصفة خاصة ، وكم سعدت برعاية أخي أحمد العسال بهم وبإتاحة الفرصة لي للقاء بهم.
وبعد رحلة جهاد طويلة للدعوة إلى دين الله في باكستان عاد أخي العسال إلى مصر لأفاجأ بسكناه معي في حي المعادي الجديدة ، وكنا نلتقي في الصلاة خاصة في صلاتي الفجر والجمعة ، كما كنا نتناوب خطبة الجمعة في عدد من مساجد الحي.
ومن المعروف أن أخي الأستاذ الدكتور أحمد العسال له نظرات مهمة في تربية الدعاة إلى الله منها ضرورة حسن الفهم ، والتزود بالعلم، وبذل الجهد في طلبه، والإخلاص في العمل، والثبات على الحق، والتجرد الكامل لله مع حسن عبادته، والمداومة على ذكره، والاستمرار في العمل الجماعي المنظم، مع التسديد والمقاربة، وخفض الجناح للإخوان وقبول أعذارهم والعفو عن هفواتهم.
ومن قبل ذلك ، كانت له مطالب لإصلاح التعليم في الأزهر الشريف تحقق بعضها ومات وهو يتمنى تحقيق البعض الآخر.
والمحقق أن جهاد أخي الأستاذ الدكتور أحمد العسال يحتاج إلى مساحة أكبر بكثير من هذه السطور الموجزة لكن حسبي أنني أوضحت فيها جانبا من جوانب فضل النشأة الإسلامية في نور القرآن وهداه ، وعلى خطى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفي معية صحبة مباركة عاهدت الله ورسوله على الالتزام بهذا الطريق المنير حتى يلقى كل فرد من أبنائها ربه على كلمة التوحيد الخالص ، وعلى سنة الرسول الخاتم ، مع الفهم الدقيق لرسالة الإنسان في هذه الحياة : عبدا لله ( تعالى ) يعبده بما أمر ، ومستخلفا صالحا في الأرض ، مطالبا بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله فيها ، ومقاومة شياطين الإنس والجن الذين يحاربون دين الله ليل نهار ، ولعل في مسيرة أخي العسال ما يوضح ذلك ويجليه ، فقد عاش حياته مجاهدا من أجل إقامة شرع الله في ربوع الوطن الإسلامي بالدعوة إلى دين الله بالكلمة الطيبة ، والحجة الواضحة ، والمنطق السوي ، فإن لم يجد ذلك ، فبالجهاد في سبيل الله.
( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )".

إنسان لطيف المعشر

وتقول زوجته ورفيقة دربه وحياته الحاجة يسرية الزفتاوي : " الدكتور أحمد العسال إنسان رقيق لطيف المعشر. كان يحسن الصلة بأهله ويكرمهم ويلبي رغباتهم قدر الإمكان، وكان يساعد الكثير من الشباب والشابات في عائلته على تيسير مصاريف زواجهم جعل الله ذلك في ميزان حسناته.
أما بالنسبة لحاله مع الله فهو دائم الذكر لله وقراءة القرآن في بيته وخارج بيته وله خاتمة خاصة به.
وأحمد الله أن رزقني الأستاذ أحمد العسال العالم الفاضل وقد حباه الله عقلاً حكيمًا راجحًا، وقد جاهد في تزويد نفسه بالعلم حيث كان لا يتوانى في شراء الكتب مهما كان ثمنها حتى يستزيد من رحيق الإيمان، فأفضل شيء في هذه الدنيا أن يعرف الإنسان دينه وعلى أي وجهة يولي وجهه . كما أسأله سبحانه كما جمعني معه في الدنيا أن يجمعني معه في الآخرة ، وأن يسعدني بجواره في الجنة كما سعدت بجواره في الدنيا إنه ولي ذلك والقادر عليه" .

ابن كتيبة الذبيح

ويقول الدكتور محمود جامع الطبيب والسياسي المعروف : " كان أحمد العسال ويوسف القرضاوي وهما الطالبان بمعهد طنطا الأحمدي يجتهدان بدأب ومثابرة لنشر وتعميق الفكرة الإسلامية بين شباب الإخوان الصغار ويقضون معهم الليالي في سهرات دينية يسميها الإخوان ( كتائب ) كلها عبارة عن ذكر وتهجد ومدارسة قرآن وسيرة .
وكنت ولا زلت أتذكر أيام هذه الكتائب الحلوة الجميلة ونحن مجموعة كبيرة من الشباب في مرحلة المراهقة نسهر الليالي بصحبتهما الكريمة ونستمع إلى ما يفيض الله به عليهما من فهم وعلم وحكمة ، مما كان له الأثر الكبير في حمايتنا من مزالق الشيطان والنفس والهوى التي كانت تجتاح الشباب في ذلك الوقت .
كان أحمد العسال ويوسف القرضاوي وإخوانهما من الأزهر يجوبون القرى في أوقات الإجازة الصيفية واصلين الليل بالنهار في سبيل هدف واحد هو نشر دعوة الله بالحكمة والموعظة الحسنة فيجذبون القلوب ويشدون الأسماع وكانا رغم ذلك في دراستهما من النوابغ والأوائل ومن المتقدمين بين زملائهم وأقرانهم.
اعتقلا سويا ودخلا السجن سويا أكثر من مرة قبل انقلاب يوليو وبعده فلم تنل لهما قناة لما أفاض الله به عليهما من جلد وصبر وثبات ولما تعلموه من حسن البنا أن طريق الحق وطريق الدعوة ليس مفروشا بالورود ولكنه محفوف بالأشواك والمخاطر والملمات.
ولا أنسى مدى حياتي اللقاء الذي تم بيننا في يناير 1955م في مبنى مباحث أمن الدولة بالقاهرة وأنا نازل على السلم حافي القدمين متورم الخدين مكبل بالأغلال وهو صاعد مكبل اليدين من الأمام متورم الخدين ولاحظت أن شفتيه العليا والسفلى مشقوقتان شقا عميقا متورما فتبادلنا النظرات وشكونا حالنا إلى الله كما فوضنا أمرنا له. ورأيت بعده مباشرة المرحوم الأخ المجاهد فوزي فارس خريج دار العلوم.
ولا أخفي سرا أن العسال كان كلما يعود إلى مصر للزيارة تستقبله أجهزة الأمن لتستجوبه وعندما يهم بالسفر ويذهب إلى المطار تحاول منعه وتعطيله . ولكون صهري هو المستشار فخري علام رحمه الله فكنت أتصل بشقيقه وصديقي اللواء فؤاد علام تليفونيا فيقوم مشكورا بتسهيل سفر الدكتور العسال لما له من نفوذ في جهاز مباحث أمن الدولة في ذلك الوقت.
ويبقى أحمد العسال تاريخا مشرفا وقدوة لكل شاب وهب نفسه لله ولدعوة الله متحملا كل صنوف العذاب والمشقة في سبيل الله ، أجزل الله له الثواب وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا"..

الداعية المربي

ويقول الشيخ السيد عسكر الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر سابقاً : " كان الدكتور العسال أشد حرصا على الجانب التربوي في حياة الدعاة، ومن المؤمنين بأن الداعية يؤثر في المدعوين بخلقه وعمله أعظم من تأثيره فيهم بقوله وخطبه.
وهذا المعنى يظهر جليا في بعض نصائحه التي وجهها إلى الدعاة من خلال حواراته في مجلة " الرسالة " حين سئل عن أبرز النصائح التي يحب أن يوجهها إلى أولئك الذين يحبون أن يخدموا دعوة الإسلام ويتحملوا أعباءها ؟
قال حفظه الله:
" الأمر الأول : الإخلاص والتجرد لله رب العالمين، وقبل ذلك فهم هذا الدين، والإخبات والخشوع لله والوقوف على بابه، واستنزال الرحمة و أن يسأل الله أن يقوي ظهره لكي يقوم بواجب الدعوة وخدمة الدين.
الأمر الثاني : ألا يتكاسل أو يتأخر عن تقديم خدمة جاء وقتها، وليتذكر قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{1} قُمْ فَأَنذِرْ{2} وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ{3} وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{4} وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ{5} وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ{6} وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ{7} ) ( المدثر : 1-7 ).
ويتذكر دائما قول الله عز وجل لموسى وهارون ( وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) وقول سيدنا موسى ودعاءه لربه ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي{25} وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي{26} وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي{27} يَفْقَهُوا قَوْلِي{28} وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي{29} هَارُونَ أَخِي{30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي{31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي{32} كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً{33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً{34} إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ) (طه: 25-35 ). فعليه بالتسبيح والذكر ومداومة العمل لله.
والأمر الثالث أن يدرك ظرف العمل الدعوى وحاجته إلى السداد والمقاربة، وذلة المؤمن لأخيه المؤمن، ورحمته لإخوانه ولينس نفسه وذاته حتى يؤدي رسالة ربه".
و حتى عندما أخلص النصح للدعاة بضرورة التزود بالعلم النافع بما فيه دراسة الدعوات المناهضة والأفكار الهدامة، ليقوموا بفهمها ودحضها وتبصير الناس بأخطارها لم ينس أن ينصحهم بالتزود بالتقوى التي وصفها الله عز وجل بأنها خير زاد.
وفي هذا يجئ قوله : " والمهم أن يستكملوا الزادين الأساسيين الذين لابد منهما، وهما زاد العلم وزاد التقوى وليعلموا أنهم يقومون مقام صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم في البلاغ والقدوة الصالحة، والتدرج بالناس وتوخي الحكمة في كل شئ إلى ما يحبه ربنا ويرضى ، مصداقا لقوله سبحانه ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{108} ) ( يوسف:108 )".. بعد هذه السياحة السريعة والزيارة القصيرة لبعض البساتين الزاهرة التي غرسها ورعاها أستاذنا المربى الجليل الدكتور أحمد محمد العسال تقبله الله في الصالحين نهيب بالدعاة في كل مكان أن يقتدوا به وأن يرتشفوا الرحيق الحلو من معين بحاره العذبة و أن يرتووا من فيض علمه الغزير كي يعايشوا ويطبقوا ما وجههم إليه من محامد و أخلاق و يستأنفوا المسير على الطريق لتحقيق النصر الموعود و ما هو منا ببعيد".

اليوم الأخير قبل الرحيل

ويقول محمد على العسال ( ابن شقيق الراحل الكريم ) : اقتربت من عمي الدكتور أحمد العسال منذ حوالي 8 سنوات كنت خلالها أقوم على خدمته وتلبية مطالبه وبخاصة في الأشهر الأخيرة من حياته حيث كنت ملازما له في بيته حتى فاضت روحه إلى بارئها.
ومن أبرز المواقف التي عايشتها معه وتأثرت بها وما زلت متأثراً بها حتى الآن:
ــ حرصه الشديد على تلبية النداء والشروع في الصلاة مهما كانت متاعبه وأوجاعه ، من ذلك أنه لم يمر على خروجه من غرفة العمليات صباح الإثنين 9 رجب 1430 هـ الموافق 21 يونيو 2010 أربع ساعات إلا وأنصت لأذان الظهر فرفع يده مع قول المؤذن " الله أكبر " مشيرا إلي أن أقوم على وضوئه كي يؤدي الصلاة في وقتها.
وأذكر أنه أسر إلي أنا وابن عمي أحمد عبد المنعم العسال ونحن في طريقنا إلى غرفة العمليات والحديث متصل بيننا نبشره بيسر العملية ونجاحها فقال لنا ممسكاً بأيدينا :" لا أخفي عليكم سراً .. أجل الله قريب .. أجل الله قريب ".
ــ لم أكن أقدم أي عمل يطلبه مني إلا ويشكرني عليه ، وعندما كنت أكلمه في ذلك يذكرني بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يشكر الله من لا يشكر الناس ".
ــ كنت أشعر بسعادة بالغة وأنا أقوم على خدمته ، وكان حريصاً على أن يوقظني لأقيم معه الليل كما كان حريصاً على صلاة الجماعة مع أهل بيته في حالة عدم استطاعته النزول إلى المسجد ، وكان يكثر من الدعاء والقنوت في صلاة الفجر.
ــ أما آخر يوم من حياته، فكان يوم الجمعة 27 رجب 1431هـ الموافق 9 يوليو 2010م فقد بدأه بصلاة الفجر جماعة معي ومع زوجته الحاجة يسرية ، ثم نام قليلا ثم استيقظ وقرأ سورة الكهف ثم أحضرت الطبيب في حدود الساعة العاشرة ، لكن عمي أخبر الطبيب أنه متعب ولن يستطيع الخضوع لجلسة العلاج الطبيعي لكن عليه أن يأتيه في الغد.
ثم تناولنا الإفطار وتصفح جريدة "الشروق" ولم يستطع النزول لصلاة الجمعة فصلاها ظهرا واستلقى على فراشه بعد الصلاة وهو يذكر الله ويتلو القرآن.
كما حضر بعض الأقارب لزيارته وبعد انصرافهم تناول الغداء وعندما أذن العصر صلى بنا إماماً ثم خلا بنفسه ليقرأ سورة العنكبوت وقبل أذان المغرب حضر الحاج حسن زلط والأستاذ مهدي محمد الصفطاوي ثم صلى بنا المغرب إماماً.
وبعد انصراف الضيوف قمنا بأداء صلاة العشاء وبعد الصلاة قال لي " يا محمد أنا متعب وأريد النوم " ، فتركته خاليا مع ربه يذكره ويتلو القرآن.
وفي الواحدة صباح السبت ذهبت إلى حجرته فوجدته مستيقظا فأحضرت له كوباً من "الزبادي" محلى بالعسل فتناوله ثم قال لي مبتسماً " هو مفيش كمان واحدة للحاجة " فأشرت بالإيجاب ثم تركته لينام وذهبت أنا أيضاً لأنام.
وعندما أذن الفجر أنصتُ إلى عمي فوجدته ينادي علي فأسرعت وساعدته في الوضوء ثم شرعت في الإقامة للصلاة فإذا به يرفع صوته بالإقامة بدلا مني وصلى بنا إماما وقرأ في الركعة الأولى "سبح اسم ربك الأعلى" وقرأ في الركعة الثانية " إذا جاء نصر الله والفتح " وبعد الصلاة أحضرت له كوبا من الحليب الدافىء ، ثم طلب مني أن أساعده على أن ينام على جانبه الأيمن فلم يستطع ولم أستطع وهنا لاحظت سرعة زفيره وشهيقه ، ووجدت العرق يتصبب منه حتى أنه خلع طاقيته ووضعها على بطنه وعقب ذلك استغرق في النوم بهدوء وهنا لمحت ابتسامة صافية على وجهه وغلبني النوم فنمت بجواره حوالي نصف الساعة وعندما أفقت إذا بي أجده على نفس وضعه، مستلقيا على ظهره، مغمضا عينيه، مائلا بوجهه لليمين قليلاً فلما ارتبت في الأمر، استدعيت الطبيب ، فأخبرني بأن عمي قد توفي منذ قرابة الساعة.. وكأن روحه قد خرجت بيسر وسهولة وهدوء كما كانت حياته تتسم باليسر والسهولة والهدوء ، وكأن آخر ما قرأه في سورة " الأعلى " قد وقع حقا وصدقا ويقينا " فأما من أعطى واتقي وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى " ، وكأن آخر ما قرأه في سورة " النصر " هو تلبية لنداء خفي: أن أقبل على ربك راضيا مرضياً " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا "، وكأن إلحاحه الشديد على "الإقامة" لصلاة الفجر هو تأكيد لعهده مع ربه ومولاه " الله أكبر الله أكبر ـ أشهد ألا إله إلا الله ـ أشهد أن محمدا رسول الله ـ حي على الصلاة ـ حي على الفلاح ـ قد قامت الصلاة ـ قد قامت الصلاة ـ الله أكبر الله أكبر ـ لا إله إلا الله ".

 

 

 

 

 

 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد