اضطراب الكرب التالي للرضح (الصدمات النفسية المروعة)
دراسات نفسيّة

اضطراب الكرب التالي للرضح (الصدمات النفسية المروعة)
 





* بقلم د. مها سليمان يونس
 
تعتبر الصدمة النفسية أحد أهم العوامل المباشرة للإصابة بمختلف الأمراض النفسية أو أعراضها بدرجات متفاوتة وتدعى الصدمة التي تحدث بعد الحروب ورؤية مشاهد العنف البشع كالقتل والانفجارات  "بصدمة الكرب عقب الرضح post traumatic stress disorder " ؛ حيث تترك غالباً آثاراً نفسية قد لا تمحى بسهولة من الذاكرة ، وتتواصل الذكريات المؤلمة إما بشكل مستمر بحيث تعيق عملية التعود والسلوى لدى الفرد وتسمى آنذاك " بالكرب المزمن أو المتأخر delayed or chronic " ، وتؤدي بصاحبها إلى الاستسلام لتأثيرها السلبي على الصحة النفسية ؛  بل حتى أحيانا إلى الإصابة بأمراض عضوية مختلفة، كارتفاع ضغط الدم أو الأزماتمتى تحدث صدمة الكرب عقب الرضح الشعور بالكرب بعد الصدمة يصاب به كل من تعرض لهذا المؤثر، ولكن قد تكون الأعراض متفاوتة  في درجة شدتها ويعتمد هذا على عوامل ديموغرافية وبيولوجية متعددة، وأكثر الصدمات التي تسبب هذا التفاعل )تفاعل الكرب ) :

المشاركة في ميادين المعارك بشكل فعال كالمقاتلين الذين يكونون على مقربة من مناظر الموت لزملائهم أو الإصابة بجروح خطيرة، وهنا يترسخ عاملان مهمان : 

الشعور المنطقي باقتراب الموت أو الإصابة المفضية إلى العوق والعاهات المستديمة لدى المحارب نفسه أو رؤية مقتل أفراد آخرين , وتصيب الصدمة أيضا المدنيين  غير المشاركين في الحروب بشكل مباشر جراء تعرضهم  للقصف الجوي الموجه ضدهم ، وإن كان يستهدف المواقع العسكرية لكنه يمثل حدثا غير عادي يصيب جميع الناس بالرعب ويعمل هنا أيضا عامل توقع الموت أو الإصابة عدا توقعه الدمار للبيوت والموت للمعارف والأقرباء ، يمثل أسرى الحرب وخصوصا لفترات طويلة قد تصل إلى سنين concentration camps كما حصل في الحرب العالمية الثانية والحرب العراقية الإيرانية ؛ حيث تحدث لدى الجندي الأسير والمعتقل بمرور الزمن ما يعرف بتغييرات جذرية في الشخصية لاسيما وأن أعمار المجندين صغيرة معظمهم أقل أو حول العشرين ,العمر الذي يتم فيه  بناء الشخصية والدفاعات النفسية مما يحدث انقلابا في عمل الدفاعات النفسية  ، ويشعر الأسير أو المعتقل باليأس ، وشعوره هنا يختلف عن السجين العادي بأنه خارج بلاده ومعزول تماما عن أي وسيلة اتصال ناهيك عن شعوره الدائم بالتهديد بالموت قتلا أو لأسباب مرضية ، والأهم من هذا غموض النهاية لعذابه وليس كالسجين المدني ؛ حيث يعرف متى يحل موعد خلاصه ,الأشخاص المعرضون لرؤية عملية قتل أو تعذيب إنسان آخر أمامهم أو حتى التعرض أو رؤية حادث مروري خطير أو أي حادث اعتداء آخر يؤدي إلى الموت, التعرض لحادث اغتصاب واعتداء جنسي بالغ للنساء ، إن هذه المواصفات لا تنطبق على من فقد إنسان عزيز لكون الوفاة حتى وإن كانت مفاجئة أو عنيفة تختلف في تأثيرها النفسي ؛ حيث تؤدي إلى الغم والأسى الذي يستجيب للنسيان بعد مرور فترات زمنية قد تطول أو تقصر حسب عوامل عديدة : منها بيولوجية وشخصية ووجود الدعم النفسي الذي يقدمه الناس والأقارب في مثل هكذا ظروف. تعتبر الكوارث الطبيعية nature made disaster كالزلازل والبراكين والحرائق الواسعة والفيضانات – تسونامي مثلا حيث تسبب دمارا غير متوقعا وخسارة في الأرواح والأبنية والاقتصاد بصورة عامة ويكون تأثيرها شاملاً على كل الضحايا أو الرجال .

  الأفراد الأكثر تأثر اً :
1-الفئة العمرية الصغيرة –الأطفال وخصوصا من 5 - 18 والكبار في السن 60 -80 يكونون أكثر تأثر بالصدمة ؛ حيث تشتد عليهم أعراض الكرب لكون نظام
الدفاعات النفسية لديهم أقل من الشباب والكهول والأطفال لم تكتمل بعد وفي الشيوخ تضعف بضعف مرونتهم وتحملهم للشدة وأيضا بفعل محدودية قابليتهم
الجسدية ووجود أمراض عضوية أخرى :
2-المصابون بأمراض نفسية سابقا حتى إن تم شفائهم .
3-وجود تاريخ عائلي أو استعداد وراثي للإصابة بأمراض نفسية كالكآبة والذهان والقلق النفسي الشديد والمزمن والوسواس القهري .
4-المصابون باضطراب الشخصية ؛ حيث تكون بنية الشخصية هنا تحيد عن التكوين الطبيعي أو السوي كالشخصية القلقة او الهستيرية .
5-الذين لديهم تاريخ مرضي في إساءة استعمال الكحول أو المخ ماذا يحدث في الصدمة .
أنواع الاستجابات :
1- العاطفية : القلق والكآبة والحزن .
2-الوظائف الإدراكية : ضعف التركيز واضطراب النوم .
3-استجابة أو تفاعل )التوقع( التفكير المرضي والمستمر بحدوث الأسوأ في المستقبل كالمرض والعجز البدني .

 آلية التقييم النفسي :
 يعتمد التقييم النفسي على مجموعتين من الركائز :
 الأولى : هي مجموعة الأفكار المتدخلة intrusion thoughts.
 والمجموعة الثانية : هي السلوك الابتعادي أي:  تجنب كل ما يتعلق بالصدمة avoidant behavior  ؛ حيث نرى  هنا أن المريض أو الشخص المتعرض لصدمة الكرب يتعرض إلى تطفل الأفكار والصور المتعلقة بهذه الصدمة من صور وذكريات بدون أن يكون المريض واعيا لتدخلها وقد تربك عليه عمله وتركيزه.
  وتنعكس أحيانا بشكل كوابيس أو ومضات حية كان المريض يراها للتو ، ولا تتسم بصفة الذكريات البعيدة
الأسئلة التي تسأل للمريض :
1-هل تفكر بالحدث حتى إن لم ترغب في هذا؟
2--هل تحاول محو هذه الصورة من خيالك عندما تأتيك ؟
3-هل لديك مشاكل في النوم ؟
4-هل تراودك الأحلام السيئة حول الحدث؟
5—هل تبتعد عن كل ما يذكرك بالحدث  من مشاهد ذات صلة أو تشبه بعض ما حدث ؟
6-هل تحاول أن تتحدث عن الحدث ؟
7-هل تختزن في دواخلك مشاعر عنيفة حول الحدث بما لا تستطيع التعبير- هل تشعر )بتنمل وخدر ( في أطرافك عندما تفكر في تفاصيل
الحدث ؟
8-هل تفشل في طرد هذه الأفكار من ذهنك وتمكنها من السيطرة على تفكيرك طوال اليوم ؟
9-هل تتجنب المرور أو الحديث أو أي إشارة تشبه الحدث الذي مررت به ؟
10-هل تخشى من الموت بصورة أكبر من ذي قبل ، أي قبل أن تتعرض إلى هذا الحدث؟
11-هل فقدت المتعة بما كنت تستمتع به سابقا كالهوايات  أو قضاء أوقات حرة؟

الاستجابات  غير السوية (المرضية) :
أبرز ما يصاب به الفرد إذا لم يشفى من التفاعل الصحي للصدمة هو الاكتئاب الذي قد يظهر بشكل بالغ الشدة حاملا معه رغبة الموت أو الافكار الانتحارية مما يؤدي الى اضطراب الحياة العملية والاجتماعية أو في أحيان أخرى قد يلجأ المصاب بصدمة الرضح إلى إساءة استعمال الكحول والعقاقير المخدرة بأنواعها كنوع من الهروب من الأطياف المرعبة والكوابيس المتكررة ، مما يستدعي التداخل الدوائي ومعالجة المريض من قبل الطبيب النفسي المتخصص بالإضافة إلى العلاج النفسي غير الدوائي بإشراف معالجين نفسيين ومساعدة كوادر من البحث الاجتماعي والتمريض النفسي.
إن الإصابة بتفاعل الصدمة بمختلف أشكاله هو أحد نتائج العمليات الارهابية المتتالية من التطرف الفكري والديني مهما كان توجه المعتدي وتلحق الضرر بالمؤسسات وسبل الحياة العصرية بعد أن تنهك المجتمع بالقتل واليتم والترمل ، وهنا يستدعي وقف العمليات الإرهابية أعداد خطة لتحييد المسار الفكري للمتطرفين وتشذيبه ، وهذا لا يتم بالاعتقال والتعذيب فقط وإنما تجيش له مؤسسات ومسارات ثقافية تبدأ منذ الصغر لتكريس مفهوم الوسطية والاعتدال وتقبل الرأي الاخر .

* أستاذة الطب النفسي - كلية الطب-جامعة بغداد



تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات