حلمُها الذي تملكهُ أنت!
نفسيّات

حلمُها الذي تملكهُ أنت!
 



بقلم د.سماح عبدالرحمن السعيد

إنها ليلة من الليالي الخضراء ، كنت قد نويت أن أكتب في هذا الشهر الفضيل مقالا وأتفرغ للعبادة وشؤون الحياة التي لا تنتهي، ولكن أبت إرادة الله ؛ فوجدت قلبي يرغم قلمي أن يسطر تلك الليلة ، إنها ليلة لا تنسى فقد حفرت ما حدث فيها في العقل والقلب واغرورقت العين وذهبت الروح في عالم آخر لترى الدنيا وكأنها دار صغيرة تعج بالأرواح والمشاهد والليالي ذات الألوان المختلفة ، ولكني توقفت عند تلك الليلة الخضراء ليلة من ليالي الحرم المكي و السجاد الأخضر بصحبة أناس من كل صوب وحدب والسن متنوعة وألوان شتى وقلوب تدعو الله ترجو رحمته وتخشى عذابه وتطمع في كرم الله، نعم لكل منا أحلام وآمال وأيضاً آلام مختلفة ، لكن القادر السميع المجيب الكريم الرحمن الرحيم الغفار واحد ، وهنا في هذا المكان الساحر ؛ حيث بيت الله الحرام آيات الله نراها أحداث ومواقف نسمعها من بعضنا البعض ودروس نتعلمها وعبر بأفعال ومواقف لا تنسى ، وبرغم الزحام في كل مكان ينقلك الله عز وجل بجسدك وروحك ويجلسك بجوار من سيذكرونك بدرس أبدا لن تنساه ، فكل منا يبكي لله طالبا عفوه وغفرانه ويحدث نفسه بآماله في الدنيا وكأنه يقول لحاله ولا تنسى نصيبك من الدنيا قال تعالى :  (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص77) ، ولا يمنع الأمر الجمع بين الدنيا والآخرة ، كما قال الله تعالى : (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ البقرة (201)، فيتذكر كل واحد ما أراد أن يبلغه الله إياه في الدنيا سواء منا من طلب العلم أو المال أو الذرية أو الوظيفة أو ... أو.... وفي وسط تلك الأمنيات التي لا آخر لها فكل منا يهرع بمكنونه إلى الله عز وجل وسبحانه كريم ولا ندري أشر ما نريد أم خير ، وأحيانا تنهك عقولنا من التفكير وتنشغل قلوبنا بتلك الأحلام ولا أنكرها على أحد فالأمل في الله لا ينقطع في كل أمر صغير وكبير من أمور حياتنا ، ولكن قد يقتل الإنسان من الهم ويتآكل الجسد من التفكير والرغبة في التدبير ، وينسى أن المدبر هو الله مهما فعل يسيرها كيف شاء ، وفي هذا المضمار وذلك المشهد المهيب للصراع بين رغبات الدنيا وأمنيات الآخرة وبين الزحام في كل مكان ، تجد من يرسله الله لك ليحدثك عن كم النعم التي لا تعد ولا تحصى لدرجة قد تشعر معها بصغر ما تطلب مقابل.

ما تملك ، ولكن الله كريم تدعونه فيستجب لكم ، إنها ليلة رضى فيها القمر ، فجاءت فيها الرسالة من فتاة كالقمر لكن المرض لم يتركها وشأنها وأبى أن تتمتع بما وهبها الله من نعم فكانت فريسة لمرض عصي ،ولكن  لا يستعصى على الله وأسال الله لها من كل قلبي تمام الشفاء والعافية ، إنه السرطان يا سادة ذلك المرض الذي سلب منا بعض أحبابنا وذهب بآمال البعض منا أدراج الرياح ليصبح كل أمله هو أن يستيقظ وقد عافاه الله مما ابتلاه إنها ليلة لم يبك فيها القمر ، ولكن أبكى من بجواره حتى صار هو من يشد بعضدهم ويسمعهم كلمات الرضا فيزدادون بكاء وحسرة وألما ، ما الذي دهانا في هذه الدنيا انشغلنا بسفاسف الأمور وتركنا أنفسنا نغرد خارج السرب فطار كل منا شريد عالمه فهنا وهانت أمتنا وأصبحنا نحيا بين الأمم في هوأن يعقبه هوان ولكن الله كريم ، وفي تلك اللحظة ترى مشهدا لم تستطع عيني رؤيته وآثرت الظلام، لم أستطع أن أنظر لأثر المرض في تلك الفتاة الذي تآكل جسدها لكن رحمة الله قريب من عباده المحسنين، قال تعالى:(إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ، والرحمة صفة من صفات الله، اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن.

والرحيم ، وهي صفة كريمة من صفات الله، تظهر آثارها في من شاء أن يرحمه من خلقه، فظل لسانها ذاكرا شاكرا لنعم الله فتزداد عجبا من جمال الرضا بقضاء الله فإذا بها وهي تتألم وتريني مالم أستطع رؤياه فتنهمر دموعي وأستصغر حالي إذا بها تحدثني كم أن الله رحمته واسعة فمثلا : تقول قام العلماء بإحصاء أسباب الموت من الأمراض فوجدوا أن الجلطات هي أكثر الأمراض المسببة للموت بينما السرطان يمكن الشفاء منه ، وأن نسبة الوفيات بسببه أقل بكثير (يطلعنا أهل التخصص في ذلك ) ، فهي ترى حالها أفضل من غيرها وسيتركها الله تحيا ما شاء لها من الحياة ، فتنظر إليها بعين قلبك وتزداد احتقارا للهم الذي بقلبك على شيء قد لا يكون لك فيه تدبير فهو لله من قبل ومن بعد وما عليك سوى التسليم لأمر الله والرضا به ، وفي غمار حديث نفسي وسماع حديثها أجد المسافة قريبة بعيدة كيف بنا نعذب أنفسنا وفي الرضا بلوغ الآمال وحسن التدبير وجمال الصنيع من الله عز وجل ، ولا يعني هذا ألا نأخذ بالأسباب لكن لا نموت هما لأجلها وماذا نفعل وهي تأبى إلا أن تعلمني أمور لا أبحر فيها كثيرا، فصارت تعلمنا عن مرض السرطان وكيف أن الصيام يقضي على الخلايا السرطانية لأنها تتغذى على الطعام ثم تسترسل لتحدثنا عن أهمية التقليل من أكل الحلويات التي تعشقها الخلايا السرطانية وتزداد بها نموا فشغلت نفسها بتوعية الحضور بهذا المرض بدلا من أن يواسيها من حولها بأجرها المنتظر عند الصبر على البلاء فكانت هي من تدعمهم بكلمات يندى لها الجبين من دلالتها فلا تدل سوى على نفس راضية مستسلمة لقضاء الله سبحان الله، إنها القلوب الرائعة والله إني لأرى أن البلاء الحقيقي هو موت القلوب وتعفنها داخل جسد لازال ينبض بالحياة ، وتستكمل رحلتها مع المرض الذي ما فتئ يخرج من مكان فيصيب آخر، فعاد لها المرض أربع مرات فأصبحوا أصدقاء ، عاشرت المرض ولم تسبه ، عاينت الألم فحمدت الله ، زهدت في الأحلام وصار حلمها الذي تملكه أنت وأنا إنها العافية والشفاء من كل داء ، فنحن نتقلب في نعم الله ولا نشكر بل نشكو فكيف الحال لمن لا يملكون ما تملكه أنت عد إلى رشدك ولنعد معك إلى شكر الله لا الشكوى، إلى الرضا ولا السخط ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ:

((بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ, فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ)) ،

والحمدُ للهِ الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سِواه, والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ, وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)).

فليكن شعارنا جميعا في تلك الأيام التي نراها صعبة لنقص ذات اليد أو تأخير أحلام انتظرناها طويلا الحمد لله على كل حال ‘ فربما لو تحقق ما أردته لنفسك هلكت وفي بعده عين الخير وفي الرضا الخير كله ففيه حسن الظن بالله ، وإنه اختار لنا الخير وثق أن بين يديك كثيرا من النعم التي يفتقدها غيرك ، وهكذا هي الحياة تملك شيئا وتفقد آخر ليتقلب الجميع في نعم الله التي لا تحصي ولنأخذ بالأسباب متوكلين على الله راضين بقضائه لنصل إلى ما نريد ، وسبحان الحي الذي لا يموت فربما أراد أن يسمع صوتك بين الدعاة فادعُ وكن على  يقين ولا تقنط من رحمة الله مهما أسرفت فلك رب غفور رحيم ، قال تعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الزمر (53). يارب اشف كل مريض وداو قلب كل مجروح وفرج هم كل مهموم وأعط كل ذي سؤل سؤله وارزقنا من الخير ما سألك منه نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ، اللّهُمَّ ، إِنًّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكً ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتَكَ ، وَفُجَاءَةِ نَقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ". وإلى لقاء آخر وليلة أخرى من الليالي الخضراء بإذن الله فآيات الله لا تنقطع وفي أنفسكم أفلا تبصرون والحمد لله رب العالمين .

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات