الجوانب النفسية للعقم وتأخر ألانجاب
دراسات نفسيّة

الجوانب النفسية للعقم وتأخر ألانجاب
 


بقلم د. مها سليمان يونس
أستاذة الطب النفسي –كلية الطب-جامعة بغداد

مقدمة تاريخية
منذ بدء الخليقة والرجل يبحث عن أمرأه تشاركه الحياة وتنجب له أطفالا يؤنسون عليه وحشته وكذلك المرأه تمتلك ذات الحس الغريزي للاقتران بشريك وتكوين عائلة , وبالنسبة للاب سيكونون له عونأ وظهيرأ عند تقدمه في السن وتوقفه عن تحصيل الرزق لاي سبب كان وهذا ديدن المجتمعات القبلية والزراعية حيث تعد كثرة الاولاد وخاصة الذكور منهم ,(عزوة) للاب فهم فلاحين في الحقل ومقاتلين في العشيرة وعاملين في المدينة وأحد الفخرين لرب الاسرة وأذا أمتلك الفخرين معأ المال والعيال دانت له أسباب التصدر والسيادة في قومه كما قال تعالى في سورة الكهف, ,أية 34 :بسم الله الرحمن الرحيم ( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ( صدق الله العظيم . لقد دلت اللقى الاثرية في حضارات ما قبل الميلاد على أهتمام الانسان بالخصوبة وعدتها موازية بالاهمية لخصوبة الارض خصوصا في الحضارات الزراعية القديمة كالحضارة الفرعونية في مصر و السومرية والبابلية والاشورية في بلاد مابين النهرين:العراق ,كذلك في الحضارات القصية سواء في الشرق الاقصى أو الاغريق والرومان حيث نجد نصب وتماثيل لالهة الخصوبة والحمل كالالهة عشتار في بابل وايزيس في مصروفينوس لدى الاغريق وارتيموس لدى الفينقيين وسادت معتقدات وطقوس متعددة حول الحمل والولادة في مختلف الحضارات مما يدل على خوف الانسان من موضوع الحمل وأجلاله لهذة المقدرة ومن الطبيعي أن هذا الخوف والتطير مبرر لكثرة الوفيات للاطفال حديثي الولادة ومابعدها وكذلك الامهات أثناء الولادة ,مما دفع بالناس في تلك الحقب الى التماس رضا الالهة ودرء شر الارواح الشريرة التي كان يعتقد بانها تتربص الشر بالاجنة أو الاطفال عن طريق أتخاذ تعاويذ وأدعية من قبل الكهنة أو التبرك بقطع من الحجارة مخصصه لهذا الغرض او طلاسم معينة لحصول الحمل أو للحفاظ على روح الام والطفل معأ ولربما ما نلاحظه اليوم من طقوس مشابهة لدى الامهات في دول العالم العربي متعلق بجذوره الضاربة في عمق التاريخ. أن مفردة العقم وتأخر الحمل تحمل أبعادأ دينية ,تاريخية ,أجتماعية ونفسية تلقي بظلالها على الزوجة والزوج وعاءلتيهما معأ وتختلف هذه المفاهيم بين المجتمعات الشرقية والغربية أختلافأ بينأ فكما أسلفنا , عرفت هذه الرغبة الغريزية طريقها الى الملوك والاباطرة بشكل أشد من الفرد العادي ومثل أنجاب اولاد ذكور أولوية لدى حكام العالم القديم لكون السلطة وراثية حتمأ وتتالت القصص التاريخية العديدة حول حيرة وحزن الحاكم لدى عدم حصول ذلك وقد صور الذكر الحكيم ببلاغة رائعة أن الرغبة والاشتياق للذرية لم يخلو منها حتى الانبياء والرسل كما في قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم :(وزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ) صدق الله العظيم,89,سورة الانبياء. مثّل حمل سيدتنا مريم العذراء (ع) وولادتها للسيد المسيح (ع) معجزة سماوية لم تتكرر ولم تحاكيها قصة أخرى سابقأ ومهدت لمعجزات بعدها ساعدت على نشر رسالة الديانة النصرانية في أصقاع العالم وكان لوصف حمل السيدة مريم ومخاضها في الكتب السماوية دلالة على عظمة الخالق عزوجل ورسالة للمؤمنين وأتباع الديانات السماوية بالاهمية الرمزية للحمل والولادة.

الجوانب الاجتماعية والنفسية
من نافلة القول بأن الحصول على طفل معافى سليم بدنيأُ وعقليأُ هو من أحد النعم ومن أصناف الرزق مما يقال رزق فلان بولد أو بنت لانه عطاء وخالص من الرب للاثنين معأ وعندما تتأخر أو تنعدم هذه النعمه يصاب الزوجان بالاحباط والغم وقد تكون في البداية عبارة عن تفاعل الصدمة التي تحدث أثر كل خبر مفاجيء وحزين كأعلان مرض خطير لكن الاختلاف يكمن في أن الحزن هو في عنصر الفقدان وهوذاته الحاصل في وفاة شخص عزيز وقريب حيث الفقدان هو بالموت أما في حالة عدم القدرة على الحمل فهي (فقدان) للطفل القادم وهو حاضر في مخيلة الزوجان وقد يكونا قد أختارا له أو لها أسمأ وهوأيضأ فقدان الامل ,فقدان اعتبار الذات,فقدان للهدف من العلاقة الجنسية أو الرغبة في العلاقة الجنسية بين الزوجين لتبدأ بعدها رحلة البحث عن أمل جديد على أيدي الاطباء المعالجين أو المعالجين التقليديين الذين يقدمون أمالا وهمية لا تستند على أدلة علمية حيث يوجهون المرأه التي تبغي الحمل باللجوء الى أضرحة الائمة وطلب الحمل منهم أو الاستحمام بماء خاص أو تناول أعشابأ معينة يصفها المعالج الروحاني الذي غالبأ ما يكون (شيخ أو سيد) وقد تحوي هذه (السقوة) موادأ مضرة للجهاز الهضمي أو العصبي وتأتي بمردودات عكسية لما توقعه الزوجان و بأنفاق أموالأ طائلة أحيانأ . يسبب العقم أحراجأ أجتماعيأ وشعورأ بالنقص لدى المرأه أو الرجل وفي معظم الحالات يتكتم الزوجان على من منهما هو العائق للحمل وبطول هذا الصراع وتدخل أهل الزوج أو الزوجة قد يسيرالزواج الى نهاية حتمية وهي الطلاق أو قد يتعايش الزوجان مع مشكلتهما ويضطران الى التخلي عن حلم الانجاب لاجل العشرة والمودة. مع الصرخة الاولى للطفل الوليد ينبثق شعورأ جارفأ لدى الابوين بالحب والحنان والعطف الابوي للمولود يشوبه شعور الفخر والثناء للرزق والنعمة وقد بين الله عزوجل هذا الشعور بالطمأنينة في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَامِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) صدق الله العظيم ,74 ,سورة الفرقان . فلنتأمل اللفظ البديع (قرة عين) وهو أبلغ تعبير عن الشعور بالرضا والحمد والسكينة المتأتية من أمتلاك الاطفال وضمهم الى العائلة والتي بدورها لا تصح فعلاُ الابهم على الاقل من وجهة النظر الشرقية . على الرغم من أن مشكلة العقم قد وجدت لها بعض الحلول نتيجة التقدم العلمي والتقني الهائل الذي حصل مع نهاية عقد السبعينات بنجاح ولادة أول طفلة أنابيب في بريطانيا (لزلي براون) وتطور أساليب التلقيح الاصطناعي وتخصيب البويضات وحل مشاكل عقم الذكورة وتارجحت هذه الاساليب بين مؤيد ومعارض كما تعرضت لنسب أخفاق كبيرة وحصول عدة أسقاطات عدا عن الكلف المادية الباهضة التي قد لا يطيقها الالاف حتى في الدول الغربية المتقدمة والتي تحضى بنظام الضمان الاجتماعي , لكن مازالت هناك نسبة كبيرة لم تنتفع من أي علاج ويأست من أجراء مختلف الفحوصات والعمليات . قدّر الباحثون وعلماء النفس أن نسبة المصابين بالعقم تصل الى (8-15) من مجموع السكان للرجال والنساءفي العالم وطبيعي أن هذه النسبة هي تقديرية تزيد أو تنقص بتأثير عدة عوامل, من هذه النسبة 50% لن يحظون بفرصة للحمل بشكل نهاءي بينما 37% يستجيبون للعلاج بالاخصاب الصناعي أو العلاج الدوائي التقليدي و37% قد يتوقفون عن المحاولات ومراجعات الاطباء ويلجأون للتبني.
الاثارالنفسية البعيدة  الامد
بتقادم الزمن قد تتعرض مسألة الحرمان من الانجاب الى تغييرات نفسية متباينة وقد تتحسن العلاقة الزوجية بعد مرور فترة طويلة بدلاُ من أن تسوء وتنتهي بالفراق أو قد يصاب أحد الزوجين أو كلا هما بمشاعر الاكتئاب والذي غالبأ ما يستجيب للعلاج بالعقاقير النفسية والعلاج الادراكي السلوكي ويقترح المعالجين النفسيين على الزوجين البحث عن هوايات مشتركة لتزجية أوقات الفراغ كأن تكون أنشطة رياضية أو فنية وتعميق العلاقات الاجتماعية مع العوائل الصديقة أو اللجوء الى أقتناء حيوان منزلي لتلطيف الجوالصامت داخل البيت.  أظهرت دراسات علمية أجريت في عدد من الدول الاوربية أن كون المرأه عاملة خصوصأ في مهن تتطلب المهارة والمؤهلات العالية تشغل معظم أوقات النهار كما تلعب بعض العوامل دوراُ في تفاقم الضغط النفسي ومشاعر الاحباط ككون المرأه أو الرجل ليسا على طرفي وفاق منذ البداية أو يكونان قد أنهكا ماديأُ وجسديأُ بطول الاجراءات العلاجية كمحاولات التخصيب الصناعي المتكررة والفاشلة وفي كل مرة يتجدد اليأس بعد الامل , وفي سياق أخر تزداد حيرة وأحباط الزوجين أذا لم يكن هناك سبباُ طبياُ واضح المعالم ويتلقيان نفس العبارة التي ظاهرها مطمئن (لا يوجد بكم عيب) وباطنها محير ومخيف . يلعب الاسناد الاجتماعي دورأ هامأ في تخطي هذه المرحلة الصعبة وتجاوزها الى مرحلة الثبات والاستقراروالقبول بالامر الواقع : بسم الله الرحمن الرحيم وْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قدير)صدق الله العظيم,  49 ,سورة الشورى. كما بين الذكر الحكيم أهمية الرزق بالاولاد ,بسم االله الرحمن الرحيم :( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (صدق الله العظيم,46,سورة الكهف . 

الأن هذا الزهو بامتلاك الاولاد يجب أن لا ينسي المؤمن واجباته تجاه الخالق وأن يجمع بين هذين الشعورين الرائعين التقوى والايمان والحمد للنعمة . بالاتجاه المعاكس تمامأ أخبرنا التاريخ عن ظاهرة الوئد وخصوصأُ للمواليد الاناث ,بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرً) صدق الله العظيم ,31, سورة الانعام .نتيجة الفقر الشديدكما كان يحدث في الجاهلية وحرمت بعد الاسلام الا انها ما زالت تمارس في البلدان الشرق أسيوية أيضأ بسبب الفقر الشديد في الهند والصين . وما تزال الصورة الاخرى للحمل والانجاب المنذرة بالشر والسوء فقد تزداد شدة الاضطرابات النفسية أثناء الحمل والولادة والنفاس اذا كانت موجودة أصلاُ أو قد تنشأ للمرة الاولى اثناء الحمل وما بعد الولادة لأشهر وعلى أية حال يبقى العقم موضوعأُ يحتاج الى المزيد من البحث العلمي وأجراء دراسات واسعة الطيف وبالاخص في دول العالم العربي حيث الفجوة العلمية واضحة في حقل الصحة النفسية للمرأه العربية بكل ما فيها من ملابسات أجتماعية وطبية ناهيك عن تأثير الموروثات الثقافية والتقاليد الاجتماعية والعشائرية.

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات