أبنتي ريحانتي
بين الأسرة والمجتمع

أبنتي ريحانتي
 


بقلم أ.مؤمنة مصطفى الشلبي 
 مستشارة أسرية وتربوية

- هل تقضي وقتا ممتعا مع ابنتك وحدكما؟
- هل تصحبها لشراء ما ينقصها وتحتاجه؟
- هل تشعر بقلبك ينبض رحمة وشفقة عندما تبدو ابنتك مضطربة ومكتئبة؟
- هل تعذر تصرفا انفعاليا غير مقنع بالنسبة لك يبدر من ابنتك؟
- هل ينتابك شعور الغيرة وأنت ترى أحدهم يسترق النظرات لابنتك ؟
- هل تحرص على متابعة ماتراه وتسمعه وترتديه وتقتنيه ابنتك؟
- هل أنت مستعد لمغادردة مكانك لاستقبال ابنتك القادمة من زيارة طويلة لجدتها؟
- هل تحرص على تقبيل ابنتك في رأسها واحتضانها ؟

   أيها الأب الفاضل :كل تلك الأسئلة قد تتحداك لإعادة دراسة مواقفك التربوية تجاه ابنتك أو تغييرها كما أنها ستدلك على أي نوع من الآباء أنت، لقد أثبتت الدراسات التي أجريت على إناث تميزن بإنجازاتهن وكان التفوق حليفا لهن أن دور الأب كان هاما وخطيرا في حياتهن ،وأن تأثيره في شخصياتهن كان عميقا,, حيث زودتهن تلك العلاقة السليمة بالعقيدة الراسخة و باحترام الذات والثقة بالنفس وتلك الأسس الراسخة الذي تبنى عليها الحياة، بل إن بعضهن لم تستطع أن تملك نفسها فأجهشت في البكاء وهي تعبر عن عظيم امتنانها لأبيها.

    وبالمقابل خلف القضبان فتيات في عمر الزهور غاب دور الأب في حياتهن، فجنحن وسرعان ما سقطن في هاوية الضياع ،ولو قدر لك أن تسمع كلماتهن وآهاتهن، وترى الحسرة والألم في عيونهن الدامعة.. لكان أول ما تنطق به تلك الفتاة: لن أسامح أبي فقد ضيعني ببعده عني.،.لقد نشدت الملاذ تحت جناحيه لكنه كان مشغولا عني ،بينماعثرت عليه في عبارات ذئب مسمومة لعب بعواطفي وأسمعني كلمات الحب والتشجيع التي تمنيت لو كانت من شفتي أبي، وفي النهاية اغتال شرفي ومعه سمعة أهلي وسمعتي.
    أيها الأب الكريم:ابنتك ريحانتك والحياة من غير رياحين صحراء مقفرة ...حبها لك وتعلقها فيك بعد التعلق بالله تعالى  حب قوي.. لا يمكن وصفه إلا بأنه صمام الأمان لحياتها، ومهما كانت أمها قريبة منها ومطلعة على تفاصيل حياتها والأمور الدقيقة في شخصيتها إلا أن حكمتك وتفهمك وعقلك وتجاربك في الحياة سيفوقان عاطفة الأم .

     كل ما تريده هذه الغالية أن تكون حنونا ورفيقا بها ،تريدك أن تكون كما كان نبيك ومعلمك ومعلم البشرية كل خيرصلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ،لقد كان لها الأب الحاني الذي تلجأ إليه ليغدق عليها من حبه وحنانه ، وتصف عائشة رضي الله عنها ما كان يبهرها من ذاك الحب الأبوي الرائع فتقول:(ما رأيت أحدا أشبه سمتا ولا وهديا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها )وكان صلى الله عليه وسلم يبحث عن أولادها ويلاعبهم  فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((خَرَجْتُ مَع رسُولِ اللَّهِ صل الله عليه وسلم فِي طائِفَة مِنْ النَّهَارِ ، حتى أتى سوق بني قينقاع ، فجلس بفناء بيت فاطمة ، فقال : ( أثم لكع ، أثم لكع ) . فحبسته شيئا ، فظننت أنها تلبسه سخابا أو تغسله ، فجاء يشتد حتى عانقه وقبله ، وقال : ( اللهم أحبه وأحب من يحبه ) - يَعْنِي حَسَنًا،
   و كان صلى الله عليه وسلم يتعاهدها بالنصح والإرشاد، والتذكير والزيارة ، فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه ((أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلام اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ فَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صل الله عليه وسلم أُتِيَ بِسَبْيٍ فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تُوَافِقْهُ ، فَذَكَرَتْ لعَائِشَةَ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صل الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لَهُ ، فَأَتَانَا وَقَدْ دَخَلْنَا مَضَاجِعَنَا ، فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ ، فَقَالَ :عَلَى مَكَانِكُمَا ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي ، فَقَالَ: أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ ، وَاحْمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، وَسَبِّحَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌلَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَاهُ))

   وكان يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ، فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عُمَرَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ((أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ فَاطِمَةَ ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا ، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا ، فَقَالَ : مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ، فَأَتَاهَا عَلِيٌّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا ، فَقَالَتْ : لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ ، قَالَ: تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلانٍ أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ ))
   وهاهو صلى الله عليه وسلم يغضب إذا أوذيت أو تعرض لها أحد بسوء كما جاء في صحيح البخاري أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ قَالَ : (( إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صل الله عليه وسلم فَقَالَتْ : يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صل الله عليه وسلم فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ :أَمَّا بَعْدُ : أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا ،وَاللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صل الله عليه وسلم وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ )) 

   وبعد:هل رأيت أيها الأب كهذا الحب وذلك العطف والشفقة والحرص... هذا ما تريده حبيبتك الصغيرة منك ... تذكر من البداية أن ابنتك ستكون انعكاسا لشخصيتك وكما تشكلها سوف تتشكل،امتدح سلوكها وحين ترفض فارفض سلوكها لا شخصها، و دعها تدرك أنك تحبها كما هي ،ولا تدعها تنسى ذلك حتى لو كنت غاضباً منها. أخبر ابنتك بأنها الابنة التي طالما حلمت بها .، وكن أول من يهديها وردة ،وأول من يصطحبها في نزهة،وأول من يسمعها كلمات الحب والحنان ، و لاتترك تقلباتها المزاجية أوغضبها يبعدك عنها،فهي تحتاج إليك الآن أكثرمن أي وقت مضى، إدعم ثقتها بنفسها بعد ثقتها بالله ، وساندها فإنها إذا أصبحت واثقة من نفسها ومن قيمتها وأهميّتها فلن تنتظر من يثني عليها ،ولن تبحث عمن يتقبلها وتتسول منه الإهتمام والحب المغشوش الذي يباع في الظلام مقدما ولكن ثمنه المؤخر لا يمكن تسديده إلا بالأحزان والهموم والآلام، ذكّرها بأن أكثر الأمور قداسة بين الأب وابنته هي الثقة التي يجب أن تكون متبادلة بينكما .وعلمها أن السعادة في التقوى وإصلاح العبد ما بينه وبين ربه وليست في مظاهر كاذبة يتقاتل عليها الناس ويقعون بسببها في الخلل والتقصير، ساعدها أن تدرك أن لله تدابير أخرى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)، اقرأ لها قصصا من سيرة نبيك صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمهات المؤمنين والصالحات فهذا سوف يولد داخلها شرارة تدفعها للتميزدائما ... ذلك التميز الذي يشبع روحها ووجدانها بدلا من تلك المقاطع العاطفية، والرسائل الرومانسية والقلوب الحمراء صباح مساء، تعرف على قدوتها فإن كانوا نجوم الفن والموضة، فيجب عليك العمل على تغيير هذا فإن أزمة أمتنا إنما هي فقد الهوية والقدوة الصالحة فاربطها دائما بأصحاب الهمم وبالقمم ،راقب ماتشاهده ابنتك في التلفازونشاطها على الإنترنت ومن تصادق بطريقة غير مباشرة ،ووجهها أن هذا من حقك لأنك المسؤول عن حمايتها وليس لعدم الثقة بها ، وراقب لباسها وحجابها عند خروجها وإذا لم تكن راضياً عن مظهرها قبل الخروج من البيت فأخبرها بأن ترجع لتغير ملابسها فإنك مسؤول أمام الله عنها. تذكرأنها تتعلم قيم المجتمع طيلة الوقت.لذا يجب أن تعتزم تعليمها قيم دينها ،وأن تغرس العقيدة السليمة في قلبها حتى يكون الرادع نابعا من داخلها.

   وفي النهاية لا تنسى أن تؤكد لها أنها باستقامتها وعلمها وإنجازاتها ستكون أكثر السيدات جاذبية وستجذب الرجل القادرعلى الاهتمام بها والجدير باهتمامها، وختاما ردد لها :

أيا ابنة لي صغيرة       أعدت لي صفو أمسي
وأخضل دوح حياتي    من بعد صفرة يأسي 
يا نغمة في وجودي     أوحت إلي نشيدي
وبعد ما طال صمتي    ألهمتني من جديد

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات