الاكتئاب : بين الطب النفسي والمجتمع
نفسيّات

الاكتئاب : بين الطب النفسي والمجتمع
 

نتيجة بحث الصور عن الاكتئاب

بقلم د.مها سليمان يونس
أستاذة الطب النفسي - كلية الطب - جامعة بغداد

في عجالة الحياة اليومية ,قد يتسلل هذا الشعور تدريجيأ وببطء أحيانأ أو قد بعصف بالنفس البشرية حينأ أخر بحيث يقف الانسان حائرأ لا يدري ما كنه الذي أنتابه من أختناق وضيق وتبرم بالحياة بشكل تغدو تفاصيلها الجميلة والاستمتاع بها ضربأُ من الماضي البعيد الغائم وتفقد الاشياء لونها ولحنها الحي في ذات الوقت , يسود الشعور بالتبلد وعدم الاكتراث وقد تتفاقم الى حد الكراهية العميقة للحياة برمتها مما يشكل عذابأ نفسيأ شديدأتدفع بصاحبها الى الرغبة في الموت فكرأ وتنفيذأ وهنا تشكل مأساة الانتحار صدمة بالغة لعائلة المصاب أو المصابة بالاكتئاب مفضية الى مردودات أجتماعية وقانونية تطال أفرد العائلة وتمس أحيانأ سمعتها خصوصأ أذا كانت الضحية فتاة أو أمرأه متزوجة .

الخطوط العامة لقصص الاكتئاب تتشابه الى حد في كل المجتمعات والثقافات البشرية وعلى مر العصور , لكن تبقى لكل قصة صفات دقيقة تتشبع بالمناخ الديني والموروثات الثقافية لذلك الزمن وربما تبقى الكثير من التفاصيل حبيسة أسوار النفس , على صعيد أخر ظهرت أعراض الكابه بصورة جلية في المئات من النتاجات الادبية والشعرية والفنية بشكل ردود فعل لمشاعرالاحباط والفقدان وعلى وجه الخصوص في قصص الحب التاريخية وحتى العقائد الدينية المختلفة والاديان السماوية في الكتب المنزلة .قد يتساءل أحدنا عن تعريف الكابة وهل يمكن ادراجها ضمن خانة الامراض القابلة للشفاء وبالامكان علاجها بالعقاقيرأم أنها مشاعر طارئة تتشكل كردة فعل ومالها الى الزوال ؟ بين هذا وذاك يحضر عنصرالفقدان كعامل مهم في أحداث الكابة والاحباط , الفقدان لشخص ذو أهمية وجدانية وقريب الى نفس الانسان عاطفيأُ وماديأ بالموت أو الهجر والطلاق للمتزوجين ,أو قد يكون الفقدان لمنصب وظيفي أو عمل يقتات منه أو فقدان الامان أو الحرية وهنا تتنوع أشكال ودرجات صدمة الفقدان حسب الظروف المحيطية ودرجة المناعة النفسية وتراكم تجارب سابقة منذ الطفولة  . قد تتولد مشاعر الاكتئاب الحادة والمزمنة من دون حدوث صدمة أو شدة خارجية كنتيجة للاحباط الطويل الامد والسجل التراكمي للشدائد اليومية حتى وأن كانت صغيرة لكنها مستمرة الوتيرة وترتبط بما عرفه علماء النفس باليأس الملقن(learned helplessness ) حيث يدور المصاب في ذات الحلقة المفرغة ويفقد أي رغبة في التغيير أو البحث عن مخارج وحلول.

الجذور العضوية للاكتئاب

نال هذا الموضوع أهمية كبيرة لدى الباحثين في العقود الاخيرة بعد أن أوعزت معظم الامراض النفسية  الى الظروف المحيطية غالبأ خلال بدايات القرن العشرين وتنبه علماء النفس والطب النفسي الى ضرورة أيلاء الاسباب العضوية حقها من البحث والتمحيص وساعدت وسائل التشخيص الحديثة والتقنية الطبية من بيان المسارالعضوي للكابة أو على الاقل بعض أنواعها كما جرت دراسات علمية متعددة للعوامل الوراثية معتمدة أسلوب التحري الطويل الامد للتوأم المتشابهة وكذلك دراسة الاطفال بالتبني ومقارنتهم بعوائلهم الاصلية ولمدى طويل بالاضافة الى أجراء الفحوص المعقدة لانسجة الدماغ وفحص الادمغة الحية بعد أن كانت الاستنتاجات العلمية تشتق من تشريح أدمغة المتوفين والاعتماد على الملاحظات المباشرة في القرن الماضي وكما ساهم تطوير تقنية الاشعة المقطعية للدماغ  الفحص بالرنين المغناطيسي في المعرفة  العلمية في الطب النفسي وربطها ببعض العوامل العضوية كعوامل مسببة مباشرة أوترابط مرضي وليد لمسببات أخرى ,كذلك استقى الباحثون قسماُ كبيرأُ من معلوماتهم عبر تطور علم الجينات وأساليب أكتشاف الخلل في تركيبها وعلم الوراثة بشكل عام. توصل معظم الباحثين والاطباء الى حقيقة مفادها أن العوامل الوراثية تلعب دوراُ في التمهيد للاصابة بحيث يكون الفرد صاحب التاريخ المرضي العائلي مهيأ من الناحية الوراثية للاصابة بالكابة عند توفر عوامل خارجية أو حدوث صدمة أكثر من غيره ويبقى الدور الاهم هو للعوامل البيئية والمحيطية التي تقولب مرض الاكتئاب وتؤطره في صورته النهائية .

الصفات الشخصية

تكون الاصابة بمرض الاكتئاب الحاد المزمن أكثر شيوعأُ في عمرالكهولة والشيخوخة وذو مراضه أشد من الاصابة في عمر الصبا وتشوبه الرغبة في الموت والافكار الانتحارية  التي قد تترجم الى محاولة أنتحارية قد تفشل أو تنجح بموت من أراد الموت وأصابة عائلته بالصدمة المضاعفة عن صدمة الوفاة الطبيعية وتحمل الوصمة الاجتماعية والتبعات القانونية ,كما تكون النساء أكثر عرضة للاصابة من الرجال بنسبة 5-10% من المجموع العام وقد تزداد هذة النسبة في ظروف الحروب والعنف السياسي بكل ما يحمله من ثقل ومشاكل أجتماعية وأمنية لا حصر لها. يتميز الاكتئاب الحاد المزمن بوجود ما يسمى بالاعراض البيولوجية التي أبرزها هو فقدان الرغبة بالحياة وأشتهاء الموت , بقية الاعراض الموجودة في الاطياف الاقل شدة أو العابرة من الاكتئاب وهي الارق بأشكالة ودرجاته المتعددة أو على العكس من هذا قد يميل الشخص المكتئب الى الاطالة في ساعات النوم والاستغراق في الخمول كذلك فقدان أو زيادة الشهية وما يتبعها من فقدان أو زيادة للوزن ويكون تناول الطعام بافراط وأضطراب في المواعيد أشارة الى الشعور بالكابة وقد يصاحبها مشاعر القلق المرضي بحيث يغدو تناول الطعام أحد وسائل التخفيف من الالم النفسي. يكون الارق المصاحب للاكتئاب الحاد المزمن عادة من النوع المبكر أي أن المريض يستيقظ مبكرأُ بساعتين أو ثلاث قبل أنبلاج نور الصباح يكون فيها مزاجة الاسوأ مقارنة بساعات النهاروغالبا تشوبها مشاعر الرهبة والخوف من المجهول وقد لوحظ أن أكثرالوفيات بالانتحار تكون في هذة الساعات .

أصطلح أطباء النفس على تعريف الشعور بالضألة وأنعدام القيمة الشخصية والاجتماعية  بالتوافق مع الشعور بالذنب بأنهما أسس للتغيير الديناميكي المسبب للاكتئاب لكن غياب أحدهما أو كلاهما لا ينفي وجود المرض ,المقولة التي أشار اليها بعض الباحثين العرب في الطب النفسي بان الشعور الشديد بالذنب ليس شائعأُ لدى المصابين بالاكتئاب في الدول العربية بنفس الدرجة لدى سكان المجتمعات الغربية وهنا يكون الشعور بالذنب مؤلماُ وغير منطقيأ يستند على أفعال هينة وأخطاء بسيطة وأحيانأُ قديمة العهد الى الطفولة ولعل هذا التعليل راجع الى طبيعة المجتمع العربي من الاسناد الاجتماعي والتساهل في الحساب والعقوبات للمذنب أكثر من المجتمعات الاخرى .

طرق العلاج

1-العلاج بالعقاقيرالدوائية (psychopharmacology ) : العلاج بعقارمضادات الكابة بشكل أقراص فموية يتناولها المريض بجرع محددة ولفترة لا تقل عن ثلاثة أشهروالمفضل ان تمتد لستة أشهريعاد التقييم بعدها ويفضل اكثر الاطباء النفسيين الاستمرار على جرعة قليلة لمدة  لسنتين حتى أكتساب الشفاء التام وزوال الاعراض .

2-العلاج النفسي غير الدوائي

وهو العلاج الادراكي السلوكي (cognitive behavioral therapy) :وهو أجراء جلسات علاجية على أيدي مختصين متدربين بهدف تحفيز الوعي والادراك لدى المريض وأسناده لتحسين وضعه النفسي وأعادة الامل الى نفسه باساليب علاجية متفق عليها وقد يمارس هذا العلاج سويأ مع العلاج الدوائي أو  يعقبه .

3-العلاج بالصدمات (الاختلاجات)الكهربائية (Electro Convulsive Therapy )

تم التوصل الى هذا الاختراع عام 1932 على يد الباحثين الايطاليين (سرليتي-بيني ) أثر ملاحظة التحسن الحاصل في أعراض الامراض الذهانية عقب حدوث النوبة الصرعية لدى المرضى المصابين بالصرع والذهان في أن واحد مما دعى الاطباء أنذاك الى تجربة أحداث النوبة الصرعية بواسطة الزرق الوريدي لمادة الكافور و أحداث الاغماء بواسطة زرق حقنة الانسولين مما يسبب هبوطأُ حادأ في مستوى السكر بالدم وبالتالي حدوث الاغماء وفقدان الوعي في محاولة منهم للسيطرة على أعراض الهياج الحاد الاأن هذه الطرق أنقرضت لحدوث المضاعفات التي تصل الى حد الوفاة لتحل محلها أحداث نوبة صرعية بأدخال تيار كهربائي مقنن وكافي لاحداث النوبة الصرعية الكبرى ويليها فقدان وعي وقد أثبتت هذة الطريقة كفاءتها في أظهار تحسنأُ ملموسأُ في أعراض الاكتئاب الحادة وخصوصأُ فيما يتعلق بالافكار الانتحارية وبمرور الو قت تطور هذا العلاج وتحدثت الاجهزة وما زال يمارس تحت التخدير العام في المراكز الطبية المتقدمة.

إن الاكتئاب هو مرض قابل للشفاء بالعقاقير المناسبة حسب شدة الاعراض وبأشراف طبيب متخصص في الطب النفسي حصرأ لمعرفته وخبرته في التشخيص والعلاج بانواعه ولا يصح ان يهمل هذا المرض الذي يسيطر على حياة الفرد بكل تفاصيلها ويؤثر سلبأ على البصيرة والحكم السليم فقد يدفع المريض الى أتخاذ قرارات خاطئة مصيرية ماكان ليتخذها لو كان يتمتع بصحتة النفسية السابقة عدا عن أنه يصيب الانسان في فترة عطاءه المهني والعملي وقد يدفعه الى التقاعد المبكر أو ترك العمل أو حتى ترك البلد لذا حري بنا عدم أهمال الاشارات التحذيرية لاعراض الاكتئاب لكي لا تتفاقم الحالة .

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات