وقفات مع عام فات وعام آت
مستشارك الأسري

وقفات مع عام فات وعام آت
 

 

 

 

 

 


د.إبراهيم بن صالح التنم

 

 

 

 


حياة الإنسان مراحل، والناس في هذه الدنيا ما بين مستعدٍّ للرحيل وراحل، وكلّ نفسٍ يدني من الأجل، ودقّات قلب المرء تباعد عن الأمل، فالكيِّس الحازم من حاسب نفسه يومًا بيوم، وساعةً بساعة.


يحسُنُ التذكيرُ وتجدُر المحاسبَة, حينَما تحل المناسبةُ، ها أنتم في مفتَتَح عامٍ وقد ودّعتم عامًا قبلَه. بين الحياة والموت أنفاس تتردد، وساعات تنقضي، وآجال تنتهي، فالعمر لحظة، والحياة دقيقة، ولو نظر العاقل في حياته فلن يجد إلا الأمس واليوم والغد، والأمس لو تعلق الإنسان بالجبال لن يعود أبدًا، والغد غير مضمون أن نشهده ونحياه دائماً، فليس لك يا ابن آدم من عمرك إلا الآن، تلك اللحظة التي تحياها.


دقات قلب المرء قائلة له       إن الحياة دقائق وثواني


فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها    فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

 


عام كامل انطوى بساطه، وقوضت خيامه، وشد رحاله، بعد أن تصرَّمت أيامه وتفرَّقت أوصاله، حوى بين جنبيه حِكماً وعبراً، وأحداثاً وعظات..


عام كامل سار بنا حثيثاً ليباعدنا عن الدنيا ويقربنا إلى الآخرة، يباعِدُنا من دار العمل والابتلاء, ويقربنا إلى دار الجزاء , فالدنيا قد ارتحلت مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.


نسير إلى الآجال في كل لحظة      وأعمارنا تطوى وهنَّ مراحلُ


ترحل من الدنيا بزاد من التقى       فعمرك أيام وهن قلائلُ

 


عام كامل انقضى والناس ما بين مبتهج ومحزون, يحزنون على فراقه لأنه طوى مرحلة من أعمارهم وقربهم إلى آجالهم، وهم مشفقون مما أودعوه فيه من الأعمال: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾.


لا بد من وقفة صادقة لكل واحد منا في نهاية العام، ماذا قدم لآخرته؟ وما الذي استودعه في عامه؟ وماذا فعل لنصرة دينه وأمته؟ .


أصحاب الأموال ورجال الأعمال يقومون بمحاسبة دقيقة لكل ما فعلوه خلال العام ، كم كسبوا وكم خسروا؟، وماذا أنفقوا وكم ادخروا؟، والخاسر منهم يفتش عن سبب الخسارة ليجتنبها، والرابح يطور تجارته ليجني المزيد فيها, ونحن أحق بطول المحاسبة من أهل التجارات وأصحاب الأموال، لننظر ماذا قدمنا لعام أدبر؟ وماذا أعددنا لعام أقبل؟ عملاً بقول ربنا تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.


إنا لنفرح بالأيام نقطعها        وكل يوم مضى يدني من الأجل


فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً     فإنما الربح والخسران في العمل

 


إن أهم ما نودع به العام ونستقبل عاماً آخر، أن نتصفّح ما صدر من أفعالنا وأقوالنا خلال إقامتنا وأسفارنا ، فإن كانت محمودةً أمضيناها، وإن كانت مذمومةً استدركناها وانتهينا عن مثلها في مستقبل أيامنا.


تفكر العبد في حال نفسه يمكنه من الاطلاع على عيوبها ونقائصها، ومن اطلع على عيوب نفسه أنزلها منزلتها الحقيقية , فلا يمنُّ بعمله مهما عظُم, ولا يحتقر ذنبه مهما صغُر, وهذه واللهِ علامة التوفيق.


إن أضرّ ما على المكلف الإهمال والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ويتكل على العفو, فيهمل النظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنس بها وعسر عليه فطامها .


والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على حب     الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
فخالف النفس والشيطان واعصهما      وإن هما محضاك النصح فاتهمِ

 


قال سفيان بن عيينة: ” كان الرجل يلقى أخاه في زمن السلف الصالح فيقول له: اتق الله, وإن استطعت ألا تسيء إلى من تحبه فافعل، فقيل له: وهل يسيء الإنسان إلى من يحبه؟، قال: سبحان الله نفسك أحب الأشياء إليك فإذا عصيت الله فقد أسأت إليها”, وقال إبراهيم التيمي: ((مثَّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟، فقالت: أريد أن أردَّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قلت: فأنتِ في الأمنية فاعملي)).!


فلينظر كل واحد منا إلى نفسه وإلى تقصيره، نظرة حقيقية تؤدي به إلى الارتقاء, وليعزم عزماً أكيداً أن يحسن فيما يستقبله من أيام، وليأخذ بالعزيمة الصادقة مع ربه على أن يكون عامه الجديد خيراً مما قد مضى. فالنفس سريعة التقلب, ميالة إلى الشر, كما أخبر بارئها عنها بقوله: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

 


إن كثيرًا من الناس يفرح بانتهاء الشهور والأعوام، ورحيل الأيام، وما يدري المسكين أنها آجال مكتوبة، وأعمار محدودة، إن أحسن اغتنامها فاز وربح في الدنيا وسعد في الآخرة.


فعلينا أن نستقبل أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا، وإصلاح ما فسد من أعمالنا, فما قامت الدنيا إلا بقيام الدين, ولا نال العز والكرامة إلا من خضع لرب العالمين, ولا دام الأمن والرخاء إلا باتباع منهج سيد المرسلين, ولئن استمرت زهرة الدنيا مع المعاصي والانحراف, فإن ذلك استدراج يعقبه الإهلاك والإتلاف.


فاتقوا الله مولاكم، وتعلَّقوا بربّكم، وحاسبوا أنفسكم، واعملوا واجتهدوا, وأخلِصوا وأبشروا وأمِّلوا، واستدركوا وأنتم في مستقبَلِ عامِكم وفي مستهلِّه، استدركوا أعمالَكم فرائضَ ونوافل، فأنتم في مقتَبَل هذا العامِ الجديد، فاستعتِبوا واستدركوا، وأروا الله من أنفسِكم خيرًا.

 


اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين, واجعل هذا العام عام نصر وفتح وعز للإسلام والمسلمين يا رب العالمين.


 

 

 


 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    التربية بالتقنية

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات