عن التفكير العلمي
دراسات نفسيّة

عن التفكير العلمي
 

 

 

 


د.محمود خيال
 

 

 

 

 


لا شك في وجود ارتباك حقيقي في مفهوم التفكير العلمي وتطبيق ما يسمي بالمنهج العلمي في حياتنا المحكومة باللغة العربية وإشكالياتها‏.‏ ونبدأ أولا باستعراض مفهوم المفردات الأساسية مثل‏'‏ علم‏'‏ و‏'‏ عالم‏'.‏

ولابد لنا في مستهل الحديث من التعرض لمفهوم العلم كما وردت في اللغة العربية منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام. في ذلك الحين البعيد استخدم لفظ العلم بشيئ كثير من الترهل وعدم التحديد, مثل مجرد الالمام بأمر ما من أمور الحياة, ثم نظرا للاضطراب الشديد الذي شاب نشأة اللغة العربية وتطورها نتيجة ما ساد المنطقة حينها من تحركات سياسية وغزوات وحروب, انصب جام اهتمام الكتاب والمؤرخين بما يدور بشأن المفاهيم والحجج الاسلامية حتي أطلقوا علي مثل هذه المناقشات إسم' علم الكلام' ولا غرابة في تسليط معظم الكتابات أضواءها علي النواحي العقائدية السياسية علي مدي بضعة مئات من السنين. وقد قام عديد من المشاهير والمجتهدين بالتأكيد علي ان أفضل العلم( أي المعارف) هو الإلمام بالأسانيد الإسلامية( القرأن والسنة) وسير الزعماء والرؤساء. وفي الواقع لا غرابة في ذلك, فلم يكن للعلم كما يعرفه العالم اليوم وجود في تلك الأيام. وبالرجوع إلي أصل الكلام و منبع المفردات, نجد أن كلمة علم(Science) وعالم(Scientist) لم ترد إلا مؤخرا في اللغة الانجليزية. فحتي القرن السابع عشر كان يطلق علي علماء الطبيعة وغير ذلك صفة' قلاسفة الطبيعة' وظل الأمر كذلك حتي عام1833 حتي ابتكر مؤرخ العلوم وليام ويوبل لفظ عالم(Scientist) ليصف به الاشخاص المنغمسين في ألية البحث عن حقائق الظواهر الطبيعية ومعرفة اسرارها. ومنذ ذلك الحين بدأ مفهوم الناس للعلم يتخذ مسارا جديدا وبدأ مضمون الكلمة يتحدد أكثر فأكثر. وعلي الرغم من ذلك, استمر استخدام الكلمة مذبذبا في اللغة العربية وحتي يومنا هذا.


وقد مهد لهذا التوجه ما سبقه من انجازات فكرية عملاقة قام بها كثيرون من أوروبا ولعل من أبرزهم الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون(1561-1626) والرائد الفرنسي رينييه ديكارت(1596-1650) اللذين تنبها إلي كم الأوهام الخاطئة التي تسود الفكر الأوروبي وإلي مدي غموض الكلمات وإبهامها وعدم دقتها في التعبير عن أصل الأشياء. وقد حاول بعض المفكرين الرواد في مصرالتنويه إلي مثل هذه الأمور الحيوية, ومنهم الأساتذة الكبار الدكتور فؤاد زكريا في كتابه' التفكير العلمي'. وكذا الأساتذة رشدي فام ونجيب إسكندر إبراهيم في كتابهما عن' التفكير الخرافي'. كما لا يزال الدكتور مراد وهبه ينبح صوته ولكن يبدو بدون جدوي حتي الأن إلا في دائرة صغيرة من مجتمع المثقفين. ويقع في قلب التفكير العلمي عقلية منظمة تسعي إلي التحرر من مخلفات عصور الجهاله والخرافة التي طالما وقفت حائلا دون نمو الفكر الإنساني كما يستند إلي عدم الأخذ تماما بالمسلمات أو الظواهر السطحية للأمور.

 

فكل الظواهر والأفكار قابلة للدراسة والتحليل والشك في مدي مصداقيتها ويجب إخضاعها للبحث والتمحيص من دون أي خوف من العواقب.


وتجدر الإشارة في هذا المكان إلي الخلط الشديد بين مفهوم العلوم في مجتمعنا وفي المجتمعات( المتقدمة), فمازلنا نطلق تعبير علوم علي مجالات تعرف بالعلوم الإنسانية مثل علم النفس والمجتمع إلخ.. وهي مجالات بعيدة كل البعد عن العلوم التطبيقية مثل الفيزياء والطب والهندسة. ولا شك في وجود بعض أوجه التشابه في أنماط المناهج البحثية المتبعه في كل منهما, إلا أن استخدام لفظ العلم فيها يخلط الأمور في أذهان كثير من الناس ويدفع بهم بلا وعي أحيانا إلي إدعاء' العلمية' لتحليلاتهم الفكرية, ما يصل به في النهاية إلي استنتاجات أبعد ما تكون عن الصواب.

 


وعلي الرغم من أن المنهج العلمي والعلم ذاته لا يعادي أحدا, بل يسعي دائما إلي إثراء المعرفة البشرية( ولا نتحدث هنا عن الإستخدامات السيئة للعلم ونواتجه) إلا أن العداء المستفحل ضده يأتي في غالب الأحوال من أصحاب المعتقدات العقائدية علي مستوي العالم بوجه عام, وكأنهم برون فيه عدوا مبينا يهدد معتقداتهم الضاربة في القدم, وهي نظرة ليست صحيحة علي إطلاقها, فكم من المتدينين ورجال الدين كانوا من المنتجين للعلم والمضيفين لذخيرة العلم الإنسانية. وفي رأينا الخاص أن هذه الإشكالية لن تجد لها حلا إلا مع نمو التعليم والثقافة والتنوير. مع استبدال لغة الحوار العدائية الحالية بلغة يكمن في جوهرها ضرورة إحترام كل من المعتقدات والعلم بصفة كل منهما مؤسسة حيوية للبشر ومع تعلم قواعد الفصل بين المؤسستين وعدم الخلط بينهما بأي شكل من الأشكال.


ولابد في هذا السياق من النظر إلي الحقائق العلمية بصفتها مسائل نسبية, والنظريات العلمية لا ترقي إلي مكانتها كنظريات ما لم تكن قابلة للنقض. وأما المعتقدات ففي أساسها ثوابت مطلقة لا تخضع, بل لا يجب من منظور الإتباع, إخضاعها للشك والبحث. ومن البديهي عدم جواز الخلط بين ما هو' مطلق' وبين ما هو' نسبي', وتقع معظم الخلافات والمنازعات بسبب عدم قدرة الأطراف المختلفة علي استيعاب هذه الخصائص. وقد يستلزم الأمر التطرق إلي استعراض ومناقشة المنهج العلمي في التفكير والبحث العلمي في وقت لاحق حيث لا يتسع له المكان في هذه العجالة.
 

 

 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    التربية بالتقنية

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات