صناعةُ مجتمع.. !
دراسات تربويّة

صناعةُ مجتمع.. !
 

 

 

 

 

 


د. عبدالعزيز الأحمد
 

 

 

 

 


كنا نعيش قبل سنوات في حي هادئ طيب يتصف أهله بعدد من الصفات، من أطيبها السماحة التي تظهر ببسمة تعلو شفاههم حين اللقيا.. حتى لو لقيته كل وقت صلاة، في اليوم خمس مرات، ولايفتؤون مابين وقت وآخر يهدون من طيب الطعام، وهذه سمة في أغلب الحي، فضلا عن الاجتماعات الدورية الخفيفة التي تجلب المحبة ولا تثقل على أهل بيت المضيف، مرة واحدة في الشهر، وقت المغرب، هذه الأمور أعطت للحي نكهة جميلة خاصة، وذلك بدوره يحدث إيجابية في الحي مما يجعل المجتمع كله إيجابيا؛ وتذكرت حينها لماذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم أول مقدمه المدينة على أن يؤكد على هذه القواعد المهمة لكي يبني مجتمعا إيجابيا بعد بنائه للنفوس الإيجابية!


كما حدثنا بذلك الصحابي الجليل أبو يوسف عبدالله بن سلام رضي الله عنه - وكان يهوديا فأسلم- يقول: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِـبَـله، وقيل: قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثلاثا-، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه أحمد والترمذي والحاكم، وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.
 


فهنا يلاحظ القارئ كيف اهتم النبي صلى الله عليه وسلم أول مقدمه المدينة بهذه الأمور الأربعة ليؤسس لمجتمع طيب إيجابي «متفاهم ومتفاعل، ومتواصل، ومؤمن» وكانت هذه التوجيهات هي أول ما طرقت أسماع أهل المدينة حينما حل بدارهم، لتبقى في أذهانهم دائما فالإنسان يحفظ أول الكلمات والمواقف غالبا وما ذلكم إلا لأنها قواعد مهمة لغرس الإيجابية الفردية والإيجابية المجتمعية..

وهذه القواعد المهمة تتدرج عبر الآتي:

. الاشعار بالأمان «البناء العلاقاتي» عبر مهارة اللقاء «السلام» وذلك يزرع المحبة التي هي أساس الألفة والقوة.


. إظهار المشاعر «التفاعل المشاعري» عبر مهارة العطاء «الإطعام» وذلك يلغي الأنانية ويقوي المحبة التي زرعت بالبسمة.


. تعميق الأواصر «الامتداد العائلي» عبر «صلة الرحم»، وذلك يداوي الجفاء، ويوسع دائرة المحبة والتفاعل ويفعل الطاقات للصغار والفتيان والفتيات، فضلا عن تقوية اللحمة وتعزيز المحبة وتوسيعها والأجر العظيم المترتب عليها.


. تغذية النفس «الغذاء الليلي» عبر «قيام الليل» الذي يحقق الطمأنينة والرضا النفسي ويقلل القلق والتوتر الذي ينشأ من العقبات والمواقف الحياتية وأحيانا «الصادمة»؛ فصلاة الليل تمنح صاحبها قوة وعزما وانشراحا.. وتخلص النفس من الهموم كما قال تعالى

«يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا» وذلك لتحمل التبعات «إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا».
 


هنا علمتُ لماذا اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القواعد الأساسية في بداية قدومه للمدينة! فمتى تحققت هذه الصفات وبنيت تلك القواعد أصبح المجتمع أكثر إيجابية ومحبة وتفاعلا.
 

 


المصدر / اليوم 15909

 

 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    عشرون خطوة في التربية

    الثمرة ابنة الغرس، وجودتها ابنة التعهد والرعاية، وهو الشأن مع أولادنا، ومن أجل ذلك أضع بين أيدي المربين والمربيات عشرين خطوة للوصول إلى تحقيق النجاح الكبير في التربية، في الزمن الصعب الذي نعيشه: حدد معه هدفا لحياته؛ يعيش من أجل تحقيقه؛

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    أحرص على ممارسة رياضة المشي
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات