خبير يؤكد ضرورة تغيير مفهوم الطب النفسي في العالم العربي.



دعا الدكتور يوسف بن محمد الصمعان، خبير واستشاري الطب النفسي بمستشفى الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية، إلى الاهتمام بحاجات الإنسان العربي للعلاج النفسي، وهو الجانب الذي يشكو نوعاً من الإهمال لعدة أسباب أبرزها افتقار أغلب المنشآت الصحية بدول مجلس التعاون الخليجي لمقومات التعامل مع حالات المرض النفسي والعقلي على النحو الأمثل مقارنة مع مثيلاتها في دول غربية وآسيوية، في الوقت الذي أشار فيه لدراسات حديثة أكدت أن الأمراض النفسية تنتشر بنسب أكبر بين المبدعين والأدباء والفنانين والزعماء لما لهم من طبيعة حياتية خاصة تختلف عن الأشخاص العاديين في مختلف المجتمعات منذ فجر التاريخ.

قال الدكتور الصمعان في محاضرة ألقاها الأربعاء الماضي بالمسرح الوطني في أبوظبي: “إن مفهوم الطب النفسي في العالم العربي مشوه بسبب عدة عوامل وأهمها الأيديولوجيا والتوظيف السياسي ولعل المشهد العربي أكبر دليل على هذا الواقع الذي نعيشه”.

وأضاف أنه أراد أن يقدم الطب النفسي من خلال مفاهيم علمية، مشيراً إلى المحاضرة هدفت إلى التحدث على مسببات الأمراض النفسية والتي تزداد حدتها في العالم العربي حيث إنه مشحون بدرجة كبيرة هذه الأيام، علاوة على القصور الشديد في مستوى خدمات الطب النفسي والتي لا تضاهي نظيراتها من خدمات تخصصات الطب الأخرى.

وعقد الدكتور الصمعان مقارنة في إحدى دراساته بين دول الخليج وكندا المتقدمة في مجال الطب النفسي وسريلانكا لأنها دولة تنخفض فيها الخدمات الصحية، وأثبتت الدراسة أن مستوى الرعاية النفسية متدن “إلى حد كبير” في السعودية ومثيلاتها في دول الخليج حيث انخفاض عدد الأسرّة في المستشفيات النفسية مقابل عدد المستشفيات العادية، مشيراً إلي الانخفاض الملحوظ في عدد الأطباء المختصين في هذا المجال.

وعن الخلفية التاريخية للمنطقة العربية في العلاج النفسي، قال الدكتور الصمعان: “ كان مستوى الوعي الطبي والصحي كبيراً جداً في العصر الإسلامي الوسيط واستمر لقرون مما يعني أن الطبيب يمكنه أن يعيش في مستوى جيد مما يدفعه إلى الدخول في مختلف مجالات الطب.”

وأضاف أن انتشار الأمراض النفسية في العالم العربي بسبب عدم فهم وإدراك المجتمعات العربية لمفهوم المرض النفسي ومن هذه الأمراض الاكتئاب التي لها نوعان؛ الأول الاكتئاب الأحادي والآخر الاكتئاب الثنائي والذي يصيب مختلف شرائح المجتمع في ثقافات مختلفة، وهما أمراض نفسية تختلف في طبيعتها إلا أنهما متماثلان.

وانتقل الدكتور الصمعان بحديثه إلى الحالة النفسية للمفكرين والأدباء والفلاسفة والذين يعانون أيضا من اضطرابات بنسب أكبر من التي يعاني منها الناس العاديون في المجتمعات،

وقال: “إذا رجعنا إلى الفترة الزمنية التي عاش فيها الفيلسوف سقراط حيث كان يعاني من الهلاوس وكان يسمع أصواتاً غير الآخرين”.

وأضاف أن الأدباء والفنانين والرسامين يعانوا من الأمراض النفسية المختلفة وذلك من واقع جيناتهم الوراثية حيث اثبتت الأبحاث أن فئة المبدعين تنتشر بينهم الأمراض النفسية في خرائط جيناتهم الوراثية، إلا أن الأمر لم يقتصر عليهم فقط شملت الخرائط الجينية لأقاربهم أمراضا نفسية أيضا.

ولفت إلى أن الدراسات تشير إلي ارتباط الأمراض النفسية والاضطرابات بالإبداع الأدبي والفني حيث تنتشر هذه الأمراض بين المبدعين بشكل كبير، خاصة اضطرابات المزاج والهوس والتي تزيد بالضعفين لدى أهل الفن والموسيقى والشعر والرسم وكتاب الروايات.

الزعماء والأمراض العقلية

وحول إصابة الزعماء بالأمراض النفسية والعقلية، قال: “إن “ديفيد أوين”، وهو من أشهر المهتمين بدراسة صحة قادة العالم أصدر كتاب “المرض والسلطة” تتبع فيه سيرة 43 رئيساً أميركياً وجميع رؤساء وزراء بريطانيا، وأظهر كتابه أن كينيدي تناول العديد من الأدوية بما فيها حقن المسكن القوية، أما نيكسون فقد عانى من إدمان الكحول بعد فضيحة “ووتر جيت””.

وتابع أن “أوين” لفت في كتابه أن توني بلير رئيس الوزراء السابق حدث أنه تغيرت شخصيته بالفعل قبل فوز حزبه بالانتخابات وتوليه المنصب كرئيس للحكومة، مشيرا إلى أن بلير تغيرت مشيته وأسلوبه في الحديث بعد مرور عامين في السلطة مما يعني أن الأمراض النفسية تتسلل إلى عقول ونفوس الزعماء. وأشار إلى أن ثلاثة من المؤسسين للولايات المتحدة قد عانوا من بعض أشكال المرض النفسي، جيفرسون، أول وزير خارجية، وكاتب الدستور الأميركي، وثالث رئيس للاتحاد كان مصاباً بالرهاب الجماعي، وقبله الرئيس الثاني “جون آدمز”، الذي عانى من اضطراب المزاج ثنائي القطب.

وتشير الدراسات إلى أن اضطراب المزاج ثنائي القطب أصاب أيضاً المؤسس الثاني لأميركا، أول رئيس أميركي إنه الرئيس السادس عشر أبراهام لنكلون 1809-1865، الذي وصف معاناته بأسلوب أدبي رائع، وكان كلما ناوبه الاكتئاب انصرف عن الناس، ليخرج بعدها بأيام مفعماً بالحياة والنكتة القصيرة، وكان البعض يرى أن إصابة لنكلون بالمرض نتجت عن وفاة أمه وأخته وهو طفل، الأمر الذي يؤكد ما نعرفه اليوم في الطب النفسي أنه لديه قابلية جينية للمرض النفسي، كما عانى الرئيس السادس والعشرون تيودور روزفلت 1985-1919 من المرض نفسه.

دراسات وإحصاءات

وأضاف أن مجلة “الأمراض العصبية والنفسية” نشرت في عام 2006، أن الدكتور ديفدسون وزميليه من قسم الطب النفسي بجامعة “ديوك” قاموا بمراجعة التقارير الطبية والسير الذاتية للرؤساء الأميركيين بين عامي 1776 وحتى 1974، حيث شملت هذه الحقبة الزمنية 37 رئيساً أميركياً من جورج واشنطن وحتى نيكسون.

وتوصلت الدراسة إلى أن أكثر من 44 ٪ من الرؤساء الأميركيين عانوا من اضطرايات نفسية، وهي نسبة عالية، تعادل ضعف نسبة الإصابة بالاضطرابات النفسية لسكان الأرض حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية.

وتصدر الاكتئاب قائمة الأمراض الأكثر شيوعاً بين الروساء الأميركيين بنسبة 24 ٪، تلاه اضطراب القلق بنسبة 8 ٪، ثم اضطراب المزاج ثنائي القطب بنسبة 8 ٪، وهو نفس معدل الاستخدام المفرط للكحوليات والأدوية المخدرة. الملفت أن 27 ٪ من الرؤساء قد عانوا من الاضطرابات النفسية وهم على رأس العمل. وينهي الدكتور الصمعان حديثه أنه في كل دراسة تثبت النتائج أن المرضى النفسيين ممثلون بقوة في دوائر السياسة والعلم والفن بنسب تفوق نسبتهم إلى مجمل السكان، كل هذا يستدعي سؤالا آخر عن علاقة المرض النفسي بالإبداع.

الصمعان في سطور

عمل الدكتور يوسف بن محمد الصمعان استشارياً للطب النفسي، رئيساً لقسم الأمراض النفسية في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالمملكة العربية السعودية، وأكمل دراسته في الفترة من 1995-2000 في كندا وحصل خلالها على الزمالة الكندية في الطب النفسي في عام 1999 وتلاها البورد الأميركي في الطب النفسي من جامعة ويسترن بأونتاريو في كندا، ودرس في المعهد الوطني الأميركي للصحة العقلية ويعد من أعرق المعاهد الأميركية في الطب النفسي.

تخرج الدكتور الصمعان في كلية الطب في جامعة الملك سعود في الرياض 1994م، ثم عمل في المستشفى التخصصي لمدة عام، بعدها ابتعث إلى كندا للحصول على الزمالة والتخصص الدقيق في الطب النفسي العصبي.

وقدم أول بحث قدمه كان يدور حول مرض الفصام (الشيزوفرينيا)، وحاز بموجبه جائزة “فوغرتي” عام 1998م التي يمنحها معهد الطب النفسي الأميركي، وقدم بحثاً نشر في مجلة “الطب النفسي البيولوجي”، أهله عام 1999م ليفوز بجائزة أفضل باحث على مستوى الأطباء المقيمين في كندا من قبل رابطة الطب النفسي الكندي، وفي عام 2000م عند نهاية تدريبه في جامعة “وستر أونتريو” في كندا، خصه عميد كلية الطب هناك بوسام الامتياز نظير أبحاثه.

وفي عام 1996 نشر بحثاً بعنوان “حائر بين القرية والمدينة” والذي تناول التغيرات الاجتماعية في مجلة “الاجتهاد” التي يشرف عليها الاستاذ رضوان السيد.

وحصل عام 1999 على جائزة أفضل الأطباء النفسانيين المتدربين بكندا، وفي 2002 حصل على جائزة الباحث الأفضل على مستوى العلماء الشباب من الكونجرس العالمي لمرض الفصام.



المصدر: جريدة الاتحاد الإماراتية، العدد: 18/4/2011 .

    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات