أطفال رضع يتعاطون المخدرات!




كابول – الرياض



مع أن نجيبة صبيّة غضَّة لم يتجاوز عمرها 13 عاماً فهي نزيلة عيادة سانجا أماج لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابول، حيث جئ بها إلى العيادة بمعية أمها زينب التي رزئت هي الأخرى بإدمان الأفيون بعدما اكتسبت هذه العادة الذميمة من زوجها قبل أن تنقلها إلى ابنتها.

أما الأم زينب (التي تم تغيير اسمها واسم ابنتها لأغراض حماية الخصوصية) فهي تتحدث عن ابنتها قائلةً: "عندما ولدت كانت تبكي باستمرار لذا بعد شهرين أو نحو ذلك بدأت أعطيها الأفيون لتهدئتها" فكانت نتيجة ذلك أن ظلت نجيبة تعتمد على الأفيون بطريقة جعلتَها لا تدخر وسعاً أو تألو جهداً في محاربة تلك العادة المقيتة سعياً للتخلص منها.

بيد أن نجيبة لم تكن الطفلة الأفغانية الوحيدة التي أدمنت المخدرات وإن لم تكن هي الأسوأ حالياً بين أقرانها وأترابها. وإذا ما قورنت بالمبتدئين فهي تعد من القلائل ممن يحصلون على مساعدة المتخصصين والمختصين.يُسْتَخْدَمُ الأفيون في أجزاء من أفغانستان كمهدِّئ للأطفال فيما تجد الأسر الفقيرة ألا مندوحة لها عن استخدامه لتلطيف الآلام وتخفيف الأوجاع وتجفيف منابع الجراح – ذلك أن الأسر التي تعاني من ضيق ذات اليد ولا تستطيع أن تتخذ إلى العلاج الطبي سبيلاً تجد أنه لا مناص لها عن تعاطي المخدرات لتضميد الجراح. وقد تفاقمت الأوضاع واستفحلت فازدادت سوءا على سوء من جراء شرور الحروب التي ظل يدور رحاها لعشرات السنين من غير أن تضع أوزارها.

الأمهات الجاهلات يدمرن أطفالهن بإعطائهم الأفيون لتهدئة الآلام.. وتسليمهم للضياع

تنطوي الضغوط الاقتصادية وعوامل التفكك الأسري على أن المرأة لا تحصل على المساعدة المطلوبة في المنزل مما زاد من احتمالات لجوئها إلى إلهاء الأطفال بالأفيون حتى يتسنى لها أن تتفرغ لتصريف أعباء الحياة اليومية.
أما بريتي شاه مسئولة شئون المخدرات بمكتب الولايات المتحدة للمخدرات على مستوى العالم وشئون فرض النظام وتطبيق القانون في كابول فهي تقول إن الأفيون يستخدم أحياناً كأسلوب لتنشئة الأطفال.

لقد أدت الصراعات المتواصلة إلى إحداث شروخ نفسية وجروح غائرة لدى الناس مما دفعهم إلى محاولة التماس العزاء والسلوان في المخدرات.
ويقول توم براون نائب المدير لبرامج مكافحة المخدرات بالمكتب الأمريكي آنف الذكر إن دراسة تجريبية أجراها المكتب المذكور حول إدمان المخدرات ومستويات السّمّيّة لدى الأسر في أفغانستان أفضت إلى أن نتائج الفحص كانت إيجابية لدى الأطفال الذين تبلغ أعمارهم تسعة أشهر كما اتضح أيضاً في العديد من الحالات أن مستوى السمّيّة لدى الأطفال الصغار كان أعلى منه لدى الكبار ممن يتعاطون الهيروين. لقد شملت الدراسة (30) أسرة في ثلاث محافظات؛ وفي العام المقبل سيتم توسيع نطاقها لتغطية (2000) أسرة في (22) محافظة.

لئن كانت الدول الأخرى تواجه أيضاً مشكلة الأطفال المدمنين منذ أن خرجوا إلى الحياة للتو فإن المشكلة في أفغانستان تزداد سوءا وتفاقماً من جراء مضي الوالدين قدماً في إعطاء المخدرات لأطفالهم. ويشير تقرير صدر مؤخراً عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة إلى أن نصف من يتعاطون المخدرات ممن شملهم المسح قد أعطوا المخدرات لأطفالهم؛ بينما اكتشفت الدراسة التي أجراها المكتب الأمريكي أن بيوت من يتعاطون المخدرات توجد فيها عينات ملحوظة من الأفيون في الهواء والأسرّة وأواني الطهي وألعاب الأطفال والدمى والأشياء الأخرى التي يتعامل معها الأطفال.

وإذا كان علاج المخدرات صعباً في أي موقع في العالم فهو شديد الصعوبة بصفة خاصة في أفغانستان نتيجةً لما يرتبط بذلك من وصمة اجتماعية وثقافية للنساء اللاتي يخرجن من خدورهن إذ يكون التردد ديدناً للعديد من الأسر الأفغانية فيما يتعلق بالسماح للنساء بالمكوث في عيادة سانجا أماج لإمضاء فترة العلاج التي تمتد لخمسة وأربعين يوماً – دعك عن فترة تسعين يوماً وهي الفترة التي يفضل قضاؤها في البرنامج العلاجي، كما تقول الدكتورة لطيفة حميدي وهي الطبيبة التي تتولى الإشراف على العيادة. ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً مجرد إخضاع النساء للدراسة والبحث يكاد يكون ضرباً من المحال؛ إذ لم يتجاوز عددهن ما نسبته 3% من حجم العينة التي جمعها برنامج الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق يتحدث جيلبيرتو جارا رئيس قسم مكافحة المخدرات بمكتب الأمم المتحدة آنف الذكر، حيث يقول إن إخضاع الأسرة بأكملها للفحص سيكون أكثر فائدة وإلا فإنه إذا عادت المرأة مرة أخرى إلى المنزل الذي يتعاطى فيه زوجها المخدرات فإن مخاطر الانتكاسة والنكوص على العقبين تكون عالية للغاية.

وعلى الرغم من أن الإرث الثقافي والاجتماعي للشعب الأفغاني يحول دون علاج المرأة مع الرجل جنباً لجنب فإن الأمم المتحدة تأمل في السماح لأفراد الأسر بزيارة بعضهم البعض. وعليه فإن عيادة سانجا أماج التي تم افتتاحها في عام 2007 إنما تمثل خطوة في هذا الاتجاه وذلك من خلال علاج النساء وأطفالهن على حد سواء.

يبلغ عدد نزلاء العيادة (33) من بينهم (15) طفلاً وطفلة أصغرهم تبلغ من العمر ثلاث سنوات. وقد ظلت زينب وابنتها نجيبة في هذه العيادة منذ أسبوعين. بالإضافة إلى المشاركة في جولات العلاج الطبي الجماعي فإنهن يؤدين التمارين الرياضية أثناء النهار وحضور حلقات التوعية الدينية فضلاً عن اكتساب مهارات من قبيل الخياطة والتطريز. وفي النهاية تذهب زينب وابنتها إلى منزلهما، حيث يكون زوج زينب في انتظارهما بالمنزل بعدما تلقى هو الآخر العلاج اللازم. وفي حالة حفظهما على سجلهما خالياً من تعاطي المخدرات فإن زينب ونجيبة سيكون من حقهما الحصول على العلاج الطبي المجاني في العيادة.

قلة هي التسهيلات من قبيل عيادة سانجا أماج في كابول، حيث توجد أربع عيادات فقط تتسع وهي لعلاج حوالي مئة مريض علماً بأن توسيع نطاق العلاج يتطلب قدرا معتبراً من العون الخارجي والخبرات الأجنبية بيد أن ذلك لا يحظى بأولوية عليا ضمن برامج المانحين والتي تتضمن التوقف عن زراعة المخدرات وترويجها مما جعل أفغانستان تمثل مصدراً لما نسبته (90%) من الأفيون في العالم. تقول شاه في هذا السياق: "لئن كان من المعروف أن أفغانستان دولة تمثل العرض في هذا السياق فقد آن الأوان للتعرف على أنها تمثل أيضاً قائمة الطلب على المخدرات".



المصدر: صحيفة الرياض ، العدد 15605 .




    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات