«تربية الأبناء» عناء للآباء في السنوات الأولى وحصاد في «المستقبل»



جدة، تحقيق - سالم مريشيد


نحزن ونتألم عندما نجد أبناءنا يتسكعون في الشوارع بدون هدف خلال الإجازات المدرسية، أو يعبثون في الشوارع من خلال "التفحيط"، والسرعة والتهور بسياراتهم، مما قد يودي بحياتهم وحياة غيرهم؛ بسبب الطيش واللامبالاة، وغياب التوجيه السليم والتربية الحكيمة من الأسرة، وغياب الرقابة من الآباء الذين أصبح دورهم في الغالب توفير الطعام، والملبس، ومصروف "الجيب"، والسيارة، ويظن بهذا أنه قام بكل ما هو مطلوب منه كأب، ناسياً دوره التربوي في توجيه أبنائه، وتهذيب أخلاقهم، ومراقبتهم للتدخل في الوقت المناسب، لإصلاح اعوجاجهم، وتدارك هفواتهم، وتقويم سلوكهم، ليكونوا أعضاء صالحين في المجتمع تخدم نفسها، وترسم لنفسها أهدافاً سامية لخدمة مجتمعها، ويكونون في المستقبل أبناء صالحين بارين بوالديهم، ومن المحزن عندما نجد أن بعض شباب هذه الأيام ليس له هدف في هذه الحياة غير متابعة الأفلام، وأخبار الفنانات والفاتنات، والممارسات الخاطئة عبرالشبكة العنكبوتية، فالشباب هم عدة الوطن ومستقبله، فإذا كانت أهدافهم لا تسمو إلى المثل، فإنهم لن يبنوا وطناً، ولن يرتقوا بمجتمعاتهم.

إهمال الأسرة

أكد المربي التربوي الأستاذ أحمد القحطاني مرشد طلابي بالقسم الثانوي في مجمع الأمير سلطان بن عبدالعزيز التعليمي أن وراء أي خلل يحدث لسلوك الأبناء بيتا غير مدرك لدوره التربوي الذي يحمي الأبناء من المخاطر التي تحيط بهم من كل جانب، فالأبناء قي الوقت الحاضر تحيط بهم مؤثرات كثيرة، قد تؤدي إلى الانحراف، إذا لم يحسن الآباء مراقبة أبنائهم، وتحصينهم ضد هذه المؤثرات، وخاصة أصدقاء السوء، مضيفاً أن الأبناء في مرحلة المراهقة يحتاجون إلى التوجيه والمساعدة والرقابة، وأن تغرس فيهم الخلق الحميد، والسلوك السليم، والخوف من الله، وألا تكون مشاغل الآباء وتجارتهم أهم من أبنائهم الذين هم عدة المستقبل، وألا يعطي الآباء أبناءهم الثقة المفرطة، خاصة في مراحل المراهقة؛ لأن الأبناء في هذه المرحلة يفتقرون للتجربة والمعرفة الحياتية، ونحن في المجال التربوي نعرف مستوى تربية الآباء لأبنائهم من خلال سلوكهم في المدرسة، إذ تجد بعض الأبناء نموذجا في سلوكهم ودراستهم، فتعرف من خلال ذلك أن هؤلاء الأبناء وراءهم أسر حريصة على التربية، أما الأبناء الذين يفتقدون لمتابعة الآباء فتجدهم كثيري الغياب، والهروب من المدرسة، والتأخر عند الحضور، والسلوك السيئ، فالأبناء في المدارس هم سفراء لأسرهم، وغالباً ما ينتج عن هذا الإهمال أبناء فاسدون أخلاقياً وسلوكياً، وسبب لمعاناة الآباء والأمهات، وكان يمكن تجنب هذا الفساد بمشيئة الله لو أحسن الآباء تربية أبنائهم في الصغر.

أبناء لا يجدون الرعاية
وأضاف: عندما يفقد الأبناء التوجيه والمتابعة في سنهم المبكرة، وخاصة مرحلة المراهقة، فإنهم سيكونون عرضة للانحراف والفساد الأخلاقي والفكري، وسيدفع المجتمع ضريبة هذا الإهمال من الآباء، عندما يتحول هؤلاء إلى عنصر هدم في المجتمع، وصيد سهل لمافيات الإجرام والإرهاب، ويجدون في هؤلاء الأبناء الذين يفتقدون النصح والتحصين صيداً سهلاً، لتحقيق ما يخطط له أولئك المفسدون في الأرض سواء كانوا من تجار المخدرات ومروجيها، أو دعاة التطرف والقتل، والأمثلة التي تؤكد ذلك كثيرة فمعظم الذين سقطوا في غياهب الفساد، وأدمنوا المخدرات، والرذيلة من الشباب، وصغار السن لم ينحرفوا إلا لأنهم لم يجدوا المتابعة السليمة، والتربية الواعية من الآباء، ووجود الرفقة السيئة؛ وذلك بسبب إهمال آبائهم، كما أن الكثير من الذين تبناهم دعاة الفكر المنحرف والإرهاب من صغار السن والمراهقين، هم في الواقع أبناء افتقدوا للتربية السليمة والتحصين الواعي من الآباء الذين يدلونهم على الخطأ والصواب، ويوضحون لهم الغث من السمين، ويحصنونهم من الانجراف إلى مزالق الخطر.


الوسطية

وأشارت د. إنعام الربوعي إلى أن الكثير من الآباء يتعامل مع أبنائه بأسلوب تربوي خاطئ، فتجده إما مفرطاً في تدليلهم، أو مبالغاً في القسوة عليهم والتقتير عليهم، وكلا الأسلوبين في التعامل مع الأبناء غير سليم، لأن التربية السليمة والصحيحة تتطلب أن يمسك الأب العصا من المنتصف فلا إفراط ولا تفريط، وأن يكون حكيماً في توجيهه وتوعيته لأبنائه، وأن يكون صديقاً لهم في بعض المواقف حتى يفتحون له قلوبهم، ويعرف مشاكلهم واحتياجاتهم، وألا يكون بعيداً عنهم حتى لا يتركهم صيداً سهلاً لأصدقاء وصديقات السوء وما أكثرهم في هذا الزمن، وعلى الآباء أن يهتموا ببناء الثقة فيما بينهم وبين أبنائهم، وأن يربوهم على الأخلاق الحميدة منذ الصغر، وأن يقوموا أي سلوك غير مقبول مباشرة بالتوجيه الواعي والنصح المتعقل المقنع.

سلبيات العصر

وتحدث "يحيى بن عبود" عن أبرز سلبيات العصر الحالي، وأن هناك عوامل اجتماعية أثرت على التربية، قائلاً: إن آباء وأمهات اليوم في الغالب لا يحسنون تربية أبنائهم، بعد أن شغلتهم مباهج الحياة وبهرجها، ومشاغلها الدنيوية، وتركوا أمر العناية بالأبناء وتربيتهم للخادمة والسائق، ولهذا نجد الكثير من أبناء اليوم بلا عاطفة تجاه والديه، وهذه التربية هي السبب في انحراف الأبناء وفسادهم، وظهور الكثير من حالات العقوق التي نسمع عنها اليوم، التي تقشعر لها الأبدان، وهي أمور لم يكن لها وجود في مجتمعنا، ولكنها الطفرة التي أفسدت حياتنا وأخلاقنا وعلاقاتنا الإنسانية حتى علاقة الآباء بالأبناء وعلاقة الأبناء بالآباء.



المصدر: صحيفة الرياض ، 15371 .


    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات