«معلمات متشددات» ينفرن الطالبات من كل ما يبعث على الفرح والابتهاج!



أبها، تحقيق ـ مريم الجابر

تشهد مدارس البنات لتحفيظ القرآن الكريم إقبالاً من الأهالي؛ حرصاً منهم على تعليم أبنائهم وبناتهم أصول الدين وحفظ القرآن الكريم، ولكن ما يجهله البعض أن هناك بعض المعلمات أو المديرات المتشددات يبالغن أحياناً في شرح المادة؛ ويزدن الجرعة الدينية والدعوية؛ لتصبح أكثر من الموجود في المنهج وذلك بدعوى إيصال الرسالة الدينية بشكل أكبر وصحيح ، مما يخرجها عن نطاقها التعليمي ويدخلها في دائرة التشدد والغلو، وأحياناً التطرف الذي يكون واضحاً في كلام وحديث الطالبات الصغيرات؛ واللاتي في الغالب يكن على استعداد لتقبل أي شيء وسماع وتنفيذ ما يقال لهن.

ونتفق جميعاً على أن الجوّ الإيماني المعتدل المتوازن؛ هو أصحّ الأجواء ضد كل فكرة منحرفة، فكما أنه توجد من تتبنى التكفير والتفجير وهنّ قلّة، توجد كذلك من تتبنى أفكاراً تعتبر الالتزام بالدين والشرع نوعاً من القيود والحجر، فهذا انحراف وذاك أيضاً انحراف، ونحن جميعنا معلمات وصحافيات وربات بيوت وعاملات في أي مكان؛ مطلوب منا أن نُصلح أنفسنا وقلوبنا أولاً، ثم المساهمة في إصلاح مجتمعنا بدءًا بمنازلنا.


غاية في التشدد
تقول "هدى المانع" المعلمة في مدرسة لتحفيظ القرآن: إن المعلمة المتشددة تمارس تشددها على طالباتها من حيث الملبس والمظهر؛ فتطالبهن بأمور هي غاية في التشدد؛ كوضع العباءة على الرأس في هذه الأعمار الصغيرة؛ وإجبارهن على تغطية وجوههن ولو لم يتجاوزن الثامنة أو العاشرة من العمر، وإن كان هذا من الأوامر التي تُفرض فرضاً في المدارس الحكومية؛ لكن المعلمة المتشددة تبالغ في تطبيقها، ولكن في السنوات القليلة الماضية أصبحت هناك رقابة من وزارة التربية والتعليم ممثلة بإداراتها في كل منطقة؛ بمتابعة المدارس وتتبع بعض التصرفات التي من شأنها التشدد، لذلك فغالبية معلمات المدرسة التي أعمل بها وسطيات ومهتمات كثيراً بإيصال المعلومات الدينية بطريقة محببة وسهلة؛ بالوعظ والإرشاد وبالكلمة الحسنة.


أصول دين

وتقول "نورة الدايل" مديرة مدرسة: نحن في الإدارة نراعي آلية معينة في اختيار المعلمات وخاصة معلمات التربية الدينية؛ فيجب أن تكون خريجة أصول دين وعلى خلق وتقوى ومعروف عنها الصلاح، ونجري لهن تقييماً بصفة مستمرة، ولا نسمح أبدا لهن بالغلو والتطرف أو التشدد بالدين، وإن كانت هناك حالات فردية فنحن نسارع في حلها قبل تفشي أفكارها بين الطالبات.


حسن نية

وتؤكد "حنان الوادعي" على وجود بعض المعلمات في المجال التربوي يعتنقن الفكر المتشدد، وتجدهن يعملن ما بوسعهن لدفع الأخريات في هذا الاتجاه، وقد يكون ذلك بحسن نية؛ اعتقاداً منهن بأنهن يخدمن الدين الإسلامي ويعملن على نشر تعاليمه، وهن في الواقع إنما يدفعن باتجاه التطرف الذي يتنافى بالكلية مع وسطية الإسلام واعتداله، والحال كذلك عند تعامل المرأة المتشددة مع أبنائها، فقد تنجح في زرع بذور التشدد والتطرف لديهم بما لها من تأثير في عملية التنشئة الاجتماعية، وخاصة في سنوات النمو الأولى التي من خلالها تتشكل شخصية الفرد وميوله واتجاهاته ونظرته لنفسه وللآخرين، حيث لا يمكن إنكار دور الأم في التربية بأي حال من الأحوال، لذلك يجب القيام بكل جهد ممكن للوصول إلى هذه الفئة للقيام بما ينبغي في مجال تصحيح أفكارهن ومعتقداتهن؛ حماية لهن ووقاية للمجتمع بمكوناته المختلفة، وضماناً لعدم اتساع دائرة الانحراف الفكري.

خوف الصغيرات

وتضيف "أمل مسعود" أن المعلمة المتشددة تنفر التلميذات من كل ما يبعث على الفرح والابتهاج في الحياة؛ كقراءة القصص ومشاهدة التلفاز؛ متناسية أن الدين يدعو إلى التوازن في الحياة فلا رهبانية في الإسلام، كما يجري تركيزها على الموت وعذاب القبر؛ مما يبعث الخوف في نفوس الصغيرات، وكثيراً ما ذكرت بعض الأمهات حالات الخوف والرهبة التي تعاني منها بناتهن؛ بسبب ما يتلقينه في المدرسة من قبل معلمات الدين عن الموت وعذاب القبر، في حين تترك أمور هامة هي أجدر بالاهتمام كالتركيز على الخلق القويم وتعاليم الإسلام الداعية إلى حسن المعاملة والابتسام وحسن الظن والصدق، موضحةً أنها كثيراً ما تسمع أن الأنشطة اللاصفية يتم فيها استعراض تفاصيل الميت من غسل وتكفين ودفن، وغير ذلك مما يبعث الرعب ويزرع الخوف في نفوس الصغيرات، ولا ندري ما الفائدة التي ترجوها تلك المعلمات من ذلك، حيث يأتي ذلك بنتائج سلبية على نفسية الصغيرة وبدلاً من أن تكون علاقتها بدينها وبخالقها علاقة حب واطمئنان؛ تصبح علاقة خوف ورهبة، ومن ثم تكون صلاتها نتيجة لخوفها من عذاب القبر ودخول النار؛ وليس نتيجة لإيمانها بالصلاة وشعورها بالراحة والطمأنينة عندما تؤديها.

تأليب على الأسرة

وتشير "عبير المسفر" مديرة مدرسة، إلى أن بعض المعلمات المتشددات يؤلبن الطالبات على أسرهن؛ فالأسرة التي ليست متشددة دينياً في أسلوب حياتها يجري تكفيرها من قبل بناتها الصغيرات، وهناك قصص تُحكى عن طالبات كسرن أجهزة التلفاز وكفرن أمهاتهن وآباءهن، الأمر الذي زرع الشقاق والنفور بين أفراد العائلة، وبدلاً من أن يكون الدين عامل جذب للطالبات أصبح على أيدي المعلمات المتشددات عامل فرقة ونزاع، مضيفةً فيما يتعلق بتوعية النساء المتشددات أعتقد أن هذه مسؤولية تقع على عاتق الدولة التي ينبغي أن تأخذها بعين الاعتبار؛ فلن تستطيع القضاء على التطرف وما يفرزه من إرهاب؛ ما دامت ثقافته ماثلة بكل ثقلها في حياتنا عن طريق التعليم والمناهج الخفية والثقافة المنغلقة التي هيمنت على المجتمع ردحاً من الزمن ليس باليسير.

لا توجد متشددات

وتقول المعلمة "فاطمة لاحق" نائبة المساعد العام لتعليم البنات في منطقة عسير: إنه لا توجد متشددات من المعلمات أو الإداريات في مدارس البنات، وإنها من خلال عملها وتواصلها مع المدارس في جميع المناطق التعليمية لم يمر عليها مثل ما ذكر، ولكن لا ننكر وجود بعض الحالات الفردية التي لا نستطيع تعميمها على جميع مدارس تحفيظ القرآن، مستشهدةً بمجمع تحفيظ القرآن بأبها، حيث أشادت بإدارته ومعلماته وطالباته وقالت: إن طالبات مدارس تحفيظ القرآن قد يكن من أوائل الطالبات اللاحقات بالموضة من خلال اللبس و"القصات" و"العبايات"؛ فليس هناك تحكم أو سيطرة أو حتى تعقيد أو تشدد، فالطالبة لها مطلق الحرية وسياسة الإدارة تحتم الترغيب وليس الترهيب في الدين.

منهج وسطي

وتشاركها في الرأي " منى الكودري" مديرة الإعلام التربوي في مكتب الإشراف في منطقة عسير وتقول: كنا في السابق نعاني من بعض مديرات ومعلمات مدارس التحفيظ وكانت الشكاوى تصلنا باستمرار؛ إلا أنه في الفترة الأخيرة أصبح ذلك نادراً حيث إن جميع مديرات ومعلمات تحفيظ القرآن بالمنطقة على خلق ومنهج وسطي في التعليم، خاصةً وأن غالبية المعلمات دراستهن وتخصصهن أصول الدين، لذلك هن يراعين الهدف السامي من مهنة التعليم ويؤدينها على الوجه المطلوب.


مساعدة المرأة

ويرى الشيخ "محمد الدباش" أن تعطى المرأة الفرصة الكبرى لترسيخ المبادئ السليمة التي تتفق مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية، وتعالج الانحرافات الفكرية والسلوكية في مهدها، وخصوصاً أنها أول من يتلقف الطفل فور ولادته، ويقضي معها أولى سنوات عمره التي يكون فيها كصفحة بيضاء قابلة لما يدوّن عليها، ولذلك كان لزاماً على المرأة أن تحصّن أبناءها في مواجهة الانحرافات الفكرية والعقدية والسلوكية المختلفة، ومن ذلك أن تمقت الغلو والتشدد لخطورتهما على الدين وعلى الأمن الوطني بكل مقوماته، وعلى المجتمع بأسره، وأن تربّي أبناءها على ذلك، داعياً إلى تبني الإستراتيجية الوطنية الشاملة؛

من خلال محاربة الانحراف الفكري بصوره المختلفة، ومنها الغُلو الذي يقود إلى الإرهاب، لتشمل جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية؛ ممثلة بالأسرة والمسجد والمؤسسات التعليمية والإعلام، على أن يتم التركيز على دور الأسرة التي تشكّل المرأة عمودها الفقري في مجال التربية والتنشئة، وأن تعنى هذه الإستراتيجية بمساعدة المرأة على الاضطلاع بهذا الدور الحيوي؛ الذي يتطلب كثيراً من الجهد والوقت ليحقق أهدافه، بدءاً بترسيخ مبادئ الوسطية لدى المرأة فكراً وممارسة، وانتهاء بتوظيف طاقاتها الخلاقة لنقل الوسطية والاعتدال إلى محيطها الأسري والاجتماعي.


تطوير قدراتها

ومن الجوانب التي يرى "الدباش" أهمية الاعتناء بها عند التوجّه للمرأة بصفة عامة؛ هو تطوير قدراتها على التربية الفكرية الصالحة للأبناء، وترسيخ المبادئ الإسلامية الصحيحة في أذهانهم ومعتقداتهم، وعدم تركهم عرضة لدعاة الفكر المنحرف الذين يجدون الشباب أرضاً خصبة لنشر انحرافاتهم، لئلا يتبنى هؤلاء الشباب هذه الأفكار ويتحولون إلى دعاة لها أو مدافعين عنها، لتتسع بذلك دائرة الانحراف الفكري لدى أفراد المجتمع، مما يتطلب وقاية الأبناء من الانحراف الفكري والسلوكي بأنواعه، من خلال التصدي المبكر للنوازع الرافضة لوسطية الإسلام واعتدال مبادئه التي ارتضتها المملكة وعملت على ترسيخها لدى جميع شرائح المجتمع، ناصحاً بضرورة مساعدة المرأة على الاضطلاع بدورها في وقاية الأبناء مما يتلقونه من انحرافات فكرية وعقدية عبر وسائل الغزو الفكري، وبصورة خاصة وسائل الإعلام التي أصبحت من أهم العوامل المؤثرة في تفكير الأفراد وسلوكهم، حيث استحوذت وسائل الاتصال والإعلام على الاهتمام والمتابعة المكثفة من جميع شرائح المجتمع بما فيها الشباب والنساء، مضيفاً كما يمكن للمرأة سواء كانت أماً أو أختاً أو زوجة؛

أن تعمل على تحصين الأبناء فكرياً ضد الكتب والفتاوى التي تصدر عن مجهولين لا يمكن الركون إلى علمهم ومعتقداتهم، وتوجيه الأبناء بعدم مجالسة أهل الانحراف الفكري أو قراءة كتبهم ومنشوراتهم، أو الاستماع إلى خطبهم ومحاضراتهم، لخطورة ذلك على فكر الناشئة الذين قد يتبنون رؤى ومعتقدات هؤلاء المنحرفين دون أن يدركوا مدى خطورتها ومخالفتها لتعاليم الدين الإسلامي التي تدعو إلى الوسطية والاعتدال، ومساعدة الأبناء على فهم المصطلحات الشرعية المتداولة وضبطها بضوابط الإسلام، لئلا يسيء هؤلاء الأبناء فهم المقصود بكل منها، ولئلا يتم خداعهم وتضليلهم من قبل دعاة الفكر المنحرف باستخدام هذه المصطلحات التي تُوظّف ككلمات "حق يُراد بها باطل"، توضع في غير موضعها، وتستخدم بعيداً عن أهدافها ومضامينها وضوابطها الشرعية.



المصدر : صحيفة الرياض ، العدد 15327 .



    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات