الشيخ سلمان العودة يتحدث عن الهروب الأسري: أسبابه وعلاجه .



الإسلام اليوم/ أيمن بريك




- الذي لا يحسن الابتسامة ليس عليه أن يتزوج ولا أن يبني أسرة أو بيتاً

- يجب أن يكون هناك توجه قوي داخل مجتمعنا لمعالجة جانب العنف الأسري

- بعض حالات الهروب تكون تقليدا للأفلام والمسلسلات

- وسائل الإعلام تعالج القضايا الاجتماعية لكن بروح تحريضية أحيانًا

- الأسرة كيان يُفترض أن يهرب إليه الإنسان لا أن يهرب منه!

- لا بد من وجود المناشط التي تتيح للشباب ممارسة دورهم حتى لا نضطرهم إلى الهروب

أكد فضيلته الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ على ضرورة تعاطي كلمات الحب والإشادة بين أفراد الأسرة الواحدة، مشيراً إلى أن مجتمعاتنا تعاني من الفقر والجفاف العاطفي، حتى إن أغلب الناس لم يعتادوا على التلفظ بلفظة "أحبك "، وإن قالها أحدهم فإنه سيغمض عينيه خجلاً مستحيياً لأنه يشعر بأنه قال شيئاً يعاب.

وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس السبت من برنامج "حجر الزاوية" والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "الهروب" ـ إن هذا يتوقف على الثقافة التي نتلقاها منذ الصغر، والتعبير باللسان للصغار والكبار والأزواج ومثلما يقولون إن "الحب مثل الحساب المصرفي بقدر ما تودع فيه تستطيع أن تصرف منه" ؛ ولذلك لابد أن تكون قلوبنا عامرة بالحب وأن تكون ألسنتنا معبّرة عن هذا الحب بالقدر المعتدل.

ظاهرة أم لا ؟

وتعقيباً على مداخلة، تقول : إن الاحصاءات تشير إلى أن ثمة هروب حسي واضح جداً للبنات، فهي لم تعد ظاهرة، لكن يزاد معدل هروب للبنات من الأسرة، حذر الشيخ من تحول هروب الفتيات إلى ظاهرة، مؤكداً على ضرورة أن يكون هناك مراصد تدق نواقيس الخطر، وتجيب على ما إذا كان الأمر وصل إلى مرحلة الظاهرة أم لا.

وأضاف فضيلته: لقد قرأت عدداً من الكتابات أن هذه ليست ظاهرة، ولكن نحن نحتاج أن نتأكد هل هي ظاهرة أم لا ؟ ومتى نستطيع أن نعدها أو نعتبرها ظاهرة، ومتى نقول إنها لا تزال حالات فردية ؟ موضحاً أننا لسنا بمنجاة أو معزل عن المتغيرات الدولية والعالمية والتحولات الاجتماعية التي لا نستطيع أن نقول إن مجتمعنا قد استوعبها وتعامل معها بشكل صحيح وسليم.

البنات الهاربات

وأضاف فضيلته: قبل عشر سنوات، وتحديدًا في عام 1421، كانت هناك دراسة تقول: إن عدد البنات الهاربات في المملكة حوالي سبعمائة فتاة، بينما في هذا العام قرأت دراسة، لست متأكدًا من دقتها أو أنها من جهة رسمية، أن عدد البنات الهاربات أكثر من ثلاثة آلاف بنت، مشيرًا إلى أن الشيء اللافت للنظر أن ثمانمائة وخمسين بنتًا من هؤلاء البنات هم دون سن الأربعة عشر، أي في مرحلة لا زالت البنت فيها تعتبر أقرب إلى الطفولة منها إلى اكتمال أنوثتها.

جاء ذلك تعقيبًا على مداخلة، تقول: إن الإحصاءات تشير إلى أن ثمَّ هروبًا حسيًّا واضحًا جدًّا للبنات، فهي لم تعُدْ ظاهرة، لكن يزداد معدل هروب للبنات من الأسرة.

بحاجة إلى رصد

وأوضح الدكتور العودة أن هذه المشكلة تحتاج إلى رصد، لافتًا إلى أن هناك حالات لا يتم الإعلان عنها لأن مجتمعنا يميل إلى الستر، ويعتبر أن هذه الفضيحة تلحق الأسرة بأكملها وتؤثر على حاضر البنت ومستقبلها، ولذلك ربما يكون من المناسب أن نقول: علينا أن نكون أكثر شفافية، وأن نعلن عن الأرقام إذا وُجدت من قِبل الجهات التي تراقب مثل هذه الأوضاع.

وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: إنه في مرة من المرات طلب مني أحد الأشخاص مساعدته لأن ابنةً له هربت، فكلمتُ شخصًا وقلت له هذا الوضع. قال: والله نحن اليوم في نفس الحال بالذات، يوجد أكثر من حالة هروب، وذكر رقمًا معينًا أنا لا أستطيع أن أذكره بدقة عن حالات الهروب، وكأنه يقول: من الصعب جدًّا ملاحقة مثل هذه الأشياء.

أنواع الهروب

وأضاف فضيلته: إننا عندما نتحدث عن الهروب، فهل نقصد به هروب البنات إلى:
1- الهروب المعنوي: حيث إن البنات أصبحن الآن يهربن إلى السكند لايف أو كما يقال "الحياة الافتراضية"، والذي يوجد به غرف كثيرة جدًّا مخصصة لفتيات سعوديات وفيها حالات من رقصات الديسكو وعلاقات وأشياء كثيرة جدًّا قد تكون ألعابًا عادية أو علاقات دون ذلك.
2- الهروب إلى القنوات الفضائية.
3- الهروب إلى الانتحار: حيث إن أحد الأخبار كانت تتحدث قبل أسبوع عن أن المستشفيات في القطيف تستقبل أسبوعيًّا ما بين حالة إلى حالتين محاولة انتحار!
وكشف فضيلته أن نسبة 20 أو 30% من البنات تحدثن عن الانتحار بلسانهم، لكن التي تقوم بمحاولة الانتحار حتى لو لم تكن جادَّة فإن هذا معناه أن هناك مرحلةً متقدمةً من الخطورة أو من الاكتئاب أو من الإحباط، هل هو هروب حتى إلى الزوجية؟ فبعض البنات يهربن إلى الزوجية، ويقبلن بحي الله زوج كما يقولون، لأنها تريد أن تهرب من بيت أهلها، وأحيانًا تتزوج كما يقولون البطاقة لأنها لا تعرف هذا الشخص الذي قبلت بالزواج به، وهذا طبعًا خطر لأنه كما يقال :
المُستَجيرُ بِعَمرٍ عِندَ كُربَتِه كَالمُستَجيرِ مِنَ الرَّمضاءِ بِالنارِ
4- الهروب إلى الأقارب: وهذا قد يكون له ما يسوغه أحيانًا، حيث يمكن تفهُّم أن هذه البنت هربت لأسباب معينة لكنها ذهبت إلى عمها أو إلى خالها أو إلى بيت أخيها في ظلِّ ظروف مقبولة ومعقولة.
5- الهروب إلى الأصدقاء: حيث إن هناك العديد من التقارير التي تحدثت عن حالات كثيرة جدًّا لبنات يذهبن مع الصديق، وقد يكون سبق ذلك علاقات من خلال الجوال أو من خلال الإنترنت، وواحدة منهم رجعت إلى والدها بعد جهد جهيد وتبيَّن أن جنينًا يتحرَّك في بطنها لتعود هي إلى بيت أبيها ويذهب هذا الجنين إلى دار الرعاية الاجتماعية! وهو ما أشارت إليه صحيفة عكاظ في تقرير مطوَّل.
وأضاف فضيلته: إن بعض البنات يذهبن إلى دور الرعاية، أو إلى ما يسمى بـ"جمعيات حقوق الإنسان" بسبب ظروف معينة، متسائلا: لماذا لا يكون هناك ملاجئ أو أماكن إيواء؟ لأن البنت عندما تذهب إلى حقوق الإنسان فتبدو وكأنها ذهبت إلى مقرٍّ تشتكي فيه والدها، وكأنها ذهبت إلى الشرطة، والمجتمع قد يرفض في الكثير من الحياة مثل هذا، والبنت لا تريد أن تخسر والدها أو أسرتها إلى غير رجعة.
الخطاب الديني.. والهروب
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن الخطاب الديني يجب أن يلامس شغافَ نفسيةِ المراهق بالذات بنتًا أو ولدًا بما يضمن عدم هروبه، قال الشيخ سلمان: يجب أن يكون الخطاب الديني قريبًا من ملامسة هموم الناس اليومية، ويتحدث معهم ليس حديث الفوقية أو الاستعلاء، وإنما يتحدث معهم بروح الواقعية، مثلما يقول البعض : "خلِّيك عون لا فرعون"، أي : لا تكن فرعونًا متسلطًا تضرب الناس بالسياط، وإنما كن عونًا لهم على الطاعة وحببهم في الطاعة وحبب الطاعة إليهم.
وأضاف فضيلته: إن الخطاب الديني بحاجة إلى أن يراجع ذاته فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، والبعد الشبابي على وجه الخصوص، مشيرًا إلى أن هناك برامج ومحاولات جميلة تستحقُّ الإشادة، وربما استطاعت أن تستحوذ على اهتمام بعض الشباب لكن ما نطمح إليه هو أبعد من ذلك.
والإعلام مسؤول
وفيما يتعلَّق بدور الإعلام، أكد الشيخ سلمان أن الإعلام عليه مسئولية كبيرة، فكثير من حالات الهروب قد تكون تقليدًا للبطل الذي هرب، مشيرًا إلى أن بعض الصحف تتحدث عن بعض المسلسلات التركية وكيف هربت البطلة إلى آخره، والناس يتحدثون هل هي على خطأ أم على صواب؟ موضحًا أن بعض البنات تضيق عندهم المسافة ما بين الخيال والواقع وما بين ما يشاهدونه في الشاشة وما يمارسونه في الحياة العملية، مع نقص الثقافة الحياتية لهؤلاء البنات والشباب، فتجد البنت تمارس هذا الدور، أو تجدها تتعلَّق بشاب لأنه يشبه وجه الممثل الذي رأته، وتعتقد أنه بذلك أصبح وسيمًا.
وأضاف فضيلته أن بعض وسائل الإعلام بشكل عام، تعالج القضايا الاجتماعية لكن بروح تحريضية أحيانًا، وكأنها تصنع خصومة ما بين أفراد الأسرة، ما بين الأب والأم أو ما بين الأبوين والأبناء، أو ربما بين الأبناء والبنات، بينما ينبغي أن تكون هناك معالجات رشيدة.
إهدار ودونية
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن أكثر البنات يقلن إنه لا أحد يقدِّرنا، لا أب يفهم، ولا يريد أن يفهم، إنما يعتبرنا موجودات عنده كإعارة حتى تتزوج فيعاملنا كأثاث في البيت إلى أن ننتقل، قال الشيخ سلمان: إن كثيرًا من الأسر تتوارث ثقافة، فيما يتعلق بالأنوثة، فيها قدر من الإهدار والدونية، فضلا عن سيطرة الثقافة الذكورية، فتجد الناس يفرحون بميلاد الذكر، وبتفوقه، وبالمقابل تجد أن هناك قدرًا من عدم الاهتمام بالأنثى، بل شيوع كثير من الأمثال التي توحي بأن الأنثى محل شك وريبة وتردد، وأن أفضل مكان لها هو القبر، إلى غير ذلك من الإيحاءات السلبية التي توجد مع الأسف عند الأمهات أيضًا.
وأضاف فضيلته: أنا لا أستغرب أن يوجد هذا عند بعض الآباء، لكن حتى الأمهات التي هي أنثى ويفترض أن يكون عندها نوع من التعاطف مع بنات جنسها، حيث تجد الأم تميل إلى الذكر وتزدري الأنثى، وكثير من البنات يشتكين من أمهاتهن، وأنها لا تستطيع أن تستوعبها ولا تفهمها، أو أنها تقسو عليها أو لا تعطيها فرصة للكلام أو تفاضل بين البنات في المعاملة أحيانًا أو تفضّل الأولاد بشكل كبير، ويمكن أن تدعو على البنت لأتفه الأسباب، بل إن بعض الأمهات تصرِّح أنها تحب أولاد الأولاد وبنات الأولاد ولا تحب أولاد البنات وبنات البنات.
وأردف الدكتور العودة: إن الله سبحانه وتعالى يقول : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِي أَحْسَنُ)، مشيرًا إلى أن هذا غلط كبير جدًا، فالأب هنا في مقام القاضي، وكذلك الأم ينبغي أن تساوي بين أولادها في لحظها ولفظها وتعاملها، وخاصة حينما يكونون مع بعضهم.
هاشا باشا
وفيما يتعلق بالحلول التي يمكن من خلالها القضاء على مشكلة "الهروب "، قال الشيخ سلمان : هناك العديد من الحلول أهمها: أنه لابد من إيجاد علاقة حميمية عاطفية: ما بين كل لحمة الأسرة على بعضها، مشيراً إلى أن هذا يعد أحد الحلول الإستراتيجية، كما أن أحد الشباب الظرفاء سماها إستراتيجية : "هاشا باشا"، نسبة إلى حديث (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هاشاً باشاً).
فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول : « أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ »، فالابتسامة صدقة، كما أن المثل الصيني يقول: " الذي لا يحسن الابتسامة ليس عليه أن يفتح دكاناً أو متجراً "، وأنا أقول : "الذي لا يحسن الابتسامة ليس عليه أن يتزوج ولا أن يبني أسرة أو بيتاً"، لافتا إلى أن العاطفة الطيبة الجميلة، والكلمة الطيبة هي من أهم القضايا التي ينبغي أن تكون قائمة في العلاقة بين الأزواج وداخل الأسرة.
السكن
وفيما يتعلق بالأسرة بوصفها منزلاً وسياجاً يُفترض أن يكون هو اللحمة التي يلجأ إليها كل أحد، قال الشيخ سلمان: يقول ربنا  في محكم تنزيله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً)، موضحاً أن لفظ السكن يطلق على البيت بسكانه لا بجدرانه، فالله سبحانه كأنه جرّد من هذه البيوت سكناً، أي حوّلها إلى سكن، ولذلك يروى أن معاوية بن أبي سفيان  عندما تزوج المرأة الأعرابية ميسون بنت بحدل وأسكنها في قصر جميل، فاستمع إليها يوماً من الأيام وهي تقول:
لـلـبس عباءة وتقر عيني
وبـيـت تخفق الأرياح فيه
وكَلب يَنْبَح الأضياف عندي أحب إلي من لبس الشفوف
أحـب إلي من قصر منيف
أَحَـبُّ إلـيَّ من قطٍّ أليفِ
فما زال بها حتى أرجعها إلى أهلها وأكرمها.
وأكد فضيلته أن البيت أو الأسرة ليست عبارة عن المباني أو الجدران وإنما هي انتماء لهذه المؤسسة العريقة التي هي مؤسسة الأنبياء والرسل، فالأسرة هنا هي الشجرة أو الدوحة التي ينتمي إليها الأفراد، والذين هم عبارة عن غصون من هذه الشجرة يستظلون بظلها وينتمون إليها، يقول تعالى (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً)، وهذا هذا معنى جميل يوحي بالأسرة الجاذبة وليس بالأسرة الطاردة، وأن الأسرة يُفترض أن الإنسان يهرب إليها وليس يهرب منها.
وأوضح الدكتور العودة أن من أكثر ما يميز مجتمعاتنا الشرقية وجود الترابط الأسري، ومن هنا يبدو أن "الهروب" بحاجة إلى تساؤل أو إلى إثارة سواء عبّرنا عنه بالهروب النفسي الذي هو حالة نفسية من الانفصال عن الأسرة أو تحوّل ونجم عنه حالة من الهروب الجسدي سواء أيضاً كان هذا الهروب هروباً جزئياً وقتياً أو كان هروباً تاماً.
الهروب إلى البيت !!
وفيما يتعلق بأن من الأفضل أن يكون الهروب إلى البيت وليس منه، قال الشيخ سلمان: إن الأسرة والبيت هي أساس الحياة ؛ ولهذا الإنسان في البيت يشاهد حاضره ومستقبله من خلال الأولاد، مشيراً إلى أن من أكثر الدعوات إيلاما هو الدعاء على الإنسان بـ " خراب البيت "، وهو ما يعني دمار مستقبل الإنسان وحاضره على حد سواء، وأن انتماء الإنسان للأسرة يعتبر من القضايا الجوهرية التي ينبغي أن يحرص عليها أشد الحرص .
هروب الشباب
وتعقيباً على مداخلة تقول : إن الإشكالات السلبية لـ(الهروب) أن يكون من البيت وليس إليه، فماذا عن هروب الأولاد والشباب الحسي والمعنوي، قال الشيخ سلمان: إن أول ما يتبادر إلى الذهن في الحديث عن هروب الشباب من البيت هي حالات الهروب المرتبطة باتجاه أو تديّن خاص.
وضرب فضيلته مثالا لذلك، قائلا: إن أحد المشايخ من أصدقائي يقول لي أن أباً اشتكى إليه أن ولده قد تغيّر سلوكه في البيت وهو يطلب من والده أن يمنحه سلطة قوية على البيت.
فقال له هذا الشيخ : جرّب أن تعطيه بعض السلطة شوف كيف يستخدمها؟ فقال له أبوه : تفضل ماذا عساك أن تصنع ؟ فكان أول قرار اتخذه هذا الابن فصل البنات عن المدارس، القرار الثاني هو: تحويل الأبناء إلى مدارس تحفيظ القرآن الكريم، القرار الثالث: تغيير اسمه هو أنه بدا له أن اسمه الذي سماه به أبوه غير حسن مع أنه اسم عادي فقام بتغيير هذا الاسم واقترح اسماً جديداً، بعد ذلك الأب اضطر إلى أن يتدخل وألا يتقبل بمثل هذا الوضع، فما كان من هذا الابن إلا أنه هرب واختفى ويتصل على أهله أنه في العراق أو في أي مكان آخر !
بعيداً عن الاستخفاء
وأضاف فضيلته أن ظاهرة هروب الشباب مرتبطة غالباً بانتماء فكري حدث في أكثر من بلد عربي وإسلامي، مشيراً إلى أن هذه ظاهرة خطيرة، وهي أن مجتمعاتنا اليوم هي مجتمعات شابة في غالب تكوينها ما بين 18 إلى 23، ومن هنا فإن القدرة على تحويل نشاط الشباب إلى أن يكون نشاطاً علنياً مكشوفاً تحت سمع الناس وبصرهم يشاهدونه ويراقبونه بعيداً عن النجوى وبعيداً عن الاستخفاء.
ضرورة اجتماعية
وأوضح الدكتور العودة أن الناس إذا استخفوا مجموعة من الشباب، فربما تطورت لديهم بعض المفاهيم والأفكار وتحولت بعيداً عن إمكانية الرقابة أو التعديل، مؤكداً على أهمية وجود مناشط عامة، وأن يكون المسجد متاحاً للناس جميعاً، وأن تكون المدرسة، ومركز الحي، والحديقة، والعلاقات، بما يضمن أن يكون هؤلاء الشباب يمارسون جانبهم الفطري كشباب مندفع شباب يريد أن يعمل، ويتحرك، وينشط دون أن يكون هناك فرض لوجهة نظر معينة.
وأكد فضيلته على ضرورة أن يسمح بهذا النشاط لكل فئات المجتمع وكل تشكلاته، بجيث نجد أن من أراد أن يحفظ القرآن الكريم سيجد فرصة، كذا من أراد أن يقرأ، أو يتدرّب على الكمبيوتر، أو أن يتعلم لغة من اللغات، أو أن يمارس الرياضة، أو أي عمل من الأعمال الأخرى الاجتماعية، بحيث يكون هناك فرص لفئات الشباب.
كما ينبغي أن يكون هناك شعور بأن هذا اللون من توفير الفرص هو في الواقع ضرورة اجتماعية من أجل الحفاظ على المجتمع وتقليص نسبة الفاقد ممن يخرجون خارج نطاق هذا المجتمع بسبب حالة من النجوى أو الانغلاق أو التجمّع الخاص الذي يكون بعيداً عن تأثير المجتمع، فالمجتمع له تأثير في إصلاح الأفكار، وفي صياغة النفسية، كما أن له تأثير في انضباط العقول وإذا انفصل الإنسان عن هذا المجتمع يمكن أن يذهب بعيداً حتى عن نفسه.
الهروب الحسي
وفيما يتعلق بالهروب الحسي، قال الشيخ سلمان: إن الهروب الحسي يسبقه هروباً معنوياً، فالشاب الذي أراد أن يهرب بعدما أتاح له أبوه بعض السلطات، عندما قام والده بتفتيش أشيائه بما في ذلك الكمبيوتر فوجد عنده نشرات تدعو إلى الجهاد، كذلك كتباً تحرّم الدراسة في المدارس، فضلاً عن أشياء كثيرة جداً هي السبب في هذا التوجه الذي صار إليه.
وأضاف فضيلته أن البداية قد تكون هروباً معنوياً، وعزلة عن المجتمع، وعدم إيمان بقيمه، وعدم إيمان بالانتماء إليه، ثم يتطور الأمر ما هو أبعد.
الخرس الأسري!!
وذكر الشيخ سلمان أن هناك ما يسمى بـ"الخرس الأسري"، مشيراً إلى أن من أسبابه انفصال الأجيال أو تفاوت الأجيال، وأن هؤلاء الشباب المراهقين لا يجدون حديثاً مشتركاً بينهم وبين آبائهم، فالأب لا يستطيع أن يتحدث في قضاياهم، وحديث الأب أيضاً هو شيء ربما لا يستسيغونه، فيكون بسبب ذلك انفصال بين هؤلاء الشباب وبين آبائهم وأسرهم .
الجوع العاطفي
وردا على سؤال، حول : كيف نتعامل مع ما يسمى بـ"الجوع العاطفي" لدى البنات ؟، قال الشيخ سلمان: إن هروب البنات له أسباب عدة، منها :
1 ـ المتغيرات الاجتماعية: وهل استطاع المجتمع أن يستوعبها أم لا ؟ هذا سؤال كبير، ففي كل بيت يوجد الآن قنوات فضائية وإنترنت ووسائل اتصال وجوالات، بل وفي كل غرفة أيضاً، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : ما مدى استيعاب بناتنا ووعيهن أو أولادنا أيضاً ؟ .
2 ـ المتغيرات المتعلقة بالفتاة : فالبنت التي وصلت إلى مرحلة المراهقة تعيش:
أ ـ متغيرات نفسية : فيما يتعلق بأشواقها وتطلعها ونظرها إلى المستقبل.
ب ـ متغيرات جسدية:
ولكن السؤال كيف تتعامل البنت مع هذه الأشياء، والتي ربما تتحول هذه إلى نوع من فرض الشخصية أو نوع من العناد أو التحدّي بالنسبة للأسرة أو التجربة أو المغامرة أو التأثر ببعض الصديقات أيضاً، فيترتب على ذلك مثل هذه الأعمال والأحداث التي يمكن أن تحدث .
قسوة..وسلطة
3 ـ القسوة على البنات: سواء كانت هذه القسوة من الأب الذي يضرب، بعض الآباء وأيضاً يضرب مع الوجه مع أن النبي  يقول : « إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ »، حتى في حالة المقاتلة والتي فيها صراع بين شخصين، فنجد النبي  ينهى عن ضرب الوجه وأن هذا معنى لا يجوز شرعاً، فكيف إذا كان الإنسان يضرب وجه بنته أو وجه ولده ؟!
4 ـ السلطة المفتوحة : حيث يوجد في بعض الأسر نوع من السلطة المفتوحة للأبناء على البنات، فتجد الولد من الممكن أن يضرب البنت حتى لو كانت أكبر منه سناً، أو حتى أصغر منه، فضلا عن كون الأبناء يمارسون سلطتهم على البنات في الامتهان، والخدمة، والضرب أحياناً،و التسلط عليها، وحرمانها من حقوقها العادية .. لا شك أن هذا يوجد كثيراً من المشكلات .
طلاق..وفقر
5 ـ الطلاق: وهو مؤثر تأثير كبيرً جدًّا، فكون الأب في جهة والأم في جهة أخرى، يجعل الأولاد والبنات لا يدرون إلى أين يتجهون، وبالتالي فقدوا المحضن المناسب، والجو المناسب .
6 ـ الفقر :
أ ـ المالي : عدم وجود ذات اليد قد يدعو الكثير من البنات إلى الخروج والتجربة، وقد يتم إغراؤها بالمال أو ابتزازها بوجود هذه الحاجة عندها.
2 ـ العاطفي : أن يكون البيت فيه الجدران، والطعام، والشراب، والملابس، والعلاج، لكنْ هناك غياب للإشباع العاطفي لهؤلاء البنات، مما يدفع البنت إلى البحث عن العاطفة من خلال الصوت الذي سمعته، أو الدفء الذي رأته، فتجد على شبكة الإنترنت الشاب يصفق لها باستمرار، كلما رأى منها شيئاً جيداً أو كتبت أي شيء قال : ما هذا الإبداع وهذا التفوق والتميز، والذوق، وهنا يقول شوقي :
خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ وَالغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَناءُ
فهناك كمّ هائل جدًّا من المؤثرات التي قد تجعل البنت تذهب خارج المنزل.
هروب الأزواج
وفيما يتعلق بهروب الأزواج، قال الشيخ سلمان: إن هروب الأزواج، وإن كان هروبا معنويا، إلا أنه يمثل ظاهرة عامة، كُلُّ بيت يشتكي منها، بل كل امرأة وأسرة، بل حتى الأطفال الصغار يشتكون منها؛ حيث يتذمرون من قلة جلوسهم مع آبائهم، مُشِيرًا إلى أننا دائمًا ما نصيح وننادي الآباء بأن يعطوا لأبنائهم نصف المال الذي يعطونهم، ولكن أعطهم ضعف الوقت الذي تمنحه لهم !
وأضاف فضيلته : يوجد في القاهرة وحدها إحدى عشر ألف دعوى في المحكمة لنساء يطلبن الانفصال عن أزواجهن الذين قاموا بالغياب عنهن بشكل نهائي، سواء للاستراحة وللمنتزه، أو السفر، أوالإنترنت، أو العمل، وإن كان هذا يُعْتَبَرُ هروباً مُلَطَّفًا، لكنّ بعض الأزواج يهرب ليعمل خارج الدوام، أو ليقوم بعمل إضافي، أو ينشغل انشغالًا مُفْرِطاً بتجارة أو غير ذلك من الأشياء .
دوافع الهروب!
وأوضح الدكتور العودة أن دوافع الزوج لمثل هذا الهروب كثيرة، منها :
1 ـ دوافع مالية : مثل عجز الرجل عن النفقة والمال .
2 ـ التعاطي والإدمان : حيث قد تكون هذه الدوافع بسبب الانحراف والمخدرات .
3 ـ البحث عن زوجة أخرى : وذلك قد يكون بسبب تسلط المرأة؛ حيث تشير الدراسات إلى أن أكبر سبب لهروب الأزواج من البيت هو من المرأة، فقد تكون المرأة مثلاً سيئة الخلق، أو قاسية؛ حيث كان العرب يحذّرون من المرأة الأنّانة التي دائماً ما تئن وتشتكي، والحنّانة التي تحنّ إلى بيت أبيها أو تحنّ إلى الماضي كنوع من النكوص، أو إلى زوجها السابق إن كانت صاحبة زوج سابق، وكذلك أنا أقول "الزَّنَّانة" التي إذا طلبت شيئاً تُصِرّ وتلح عليه، والْمَنَّانة التي قد تمنّ على زوجها بكل شيء تقدّمه له، فلا شك أن قسوة خُلُق الزوجة أو سوء خُلُق الزوجة هو من الأسباب .
4 ـ عجز الزوج عن القيام بحقوقها : ففي حالات كثيرة تجد أن الزوج هرب من الليل أو من الأسبوع الأول؛ لأنه لم يستطع بسبب نقص خبرته أن يتعامل مع زوجته بالمعاشرة الزوجية الكاملة، فهرب بسبب شعوره بالعجز والإحباط، وطبعًا هناك أسباب كثيرة جدًّا .

هروب الزوجة


وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن المجتمع لا يُنصف الزوجة، فلو أنصفها لوجدت هروب الزوجاتِ من أزواجهن أكثر بكثير ، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، كما أن الزوجات أيضاً لهن دور، فيهرب الأزواج وتهرب الزوجات، كما أن هروب الزوجة قد يكون حِسِّيًّا أو معنوياً .

وأضاف فضيلته: أن هروب الزوجات، قد يكون بسبب:

1 ـ العدوان من الزوج: وهذا العدوان قد يكون نتيجة شعور الزوج بضغوط معينة؛ مثل: ضغوط الحياة، أو ضغوط العمل، أو حتى نوع من القهر أو الإهانة ..يومٌ من التحقير والازدراء الذي يشعر به الزوج فينعكس هذا مع تعامله مع الزوجة، وتتحول الزوجة إلى كبش فداء كما يقال عندنا : " فلان إذا ضاموه الرجال حط الزعل بزوجته "،، فهذه العدوانية قد تتسبب في الهروب .

2 ـ القسوة بالضرب: فكثير من الأزواج قد يضربون نساءهم، مع أن النبي  نهى عن تلك القسوة، وقال : « خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى ».

3 ـ تزوُّجُ الزوج: فكثير من الزوجات يهربن بسبب تزوج الزوج ؛ لأنها اكتشفت أن عنده زوجة أخرى أو أنه تزوّج مسياراً كما يقال أو مصيافاً أو مشتاءً أو ما أشبه ذلك، فتهرب الزوجة .

4 ـ انحراف الزوج : فقد يكون هناك أيضاً ذهاب مشروع أو مبرر، مثل كون الزوج منحرفاً أو مدمناً أو فاسداً، فتضطر أن تذهب إلى بيتها وتحتمي بأسرتها .


هروب من أجل الاستمرار

وتعقيبًا على مداخلة، تقول: إن الهروب قد يكون أحيانا من أجل الاستمرار، فليس هروب الأزواج دائماً بسبب إشكالات زوجاتهن، ولكن قد يكون هناك ضعف في التواصل الأسري، قال الشيخ سلمان: في بعض الأحيان يكون الزوج مُدَلَّلًا قبل الزوجية، ولم يتعوّد تحمل المسؤوليات، فيشعر بأنه لم يعد يتحمل مسؤوليته هو فقط، بل يتحمل مسؤولية امرأة وبيت وأحياناً طفل، وهذا يحتاج إلى إعداد وتدريب .

وأضاف فضيلته : لكنني لا أعتقد أن هذا هروب من أجل الاستمرار؛ لأن على الإنسان أن يُغيّر، وبعض النساء الحكيمات من الممكن أن تقول لزوجها : " روح غيّر جو " بحيث يخرج في بعض الظروف الصعبة التي يعيش فيها، لكن الهروب أو الخروج من أجل الاستمرار، فمن الممكن أن يكون خروج الزوجين معاً بتغيير الجو داخل البيت وداخل الأسرة .

إغداق عاطفي

وكشف الشيخ سلمان عن أن هناك من يقوم بإشباع عاطفي بشكل مسرف، أو ما يمكن أن نطلق عليه إغداق عاطفي زائد :

قـلـبـي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي
ما لي سِوَى روحي، وباذِلُ نفسِهِ
فـلَـئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَني روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
لم أقضِ فيِه أسىً، ومِثليَ مَنْ يَفي
في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف
يـا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ

وقال فضيلته: ولا شك أن الإسراف في العاطفة مذموم؛ لأنه نوع من التنفُّل أحياناً، ولا يستطيع الإنسان أن يستمر عليه، كما أنه يُضعف قدرة الأبناء على مواجهة الحياة في المستقبل، فالبنت إذا تعوّدت العاطفة الزائدة في البيت وذهبت إلى بيت الزوجية تريد نفس المستوى؛ ولذلك فإن المشكلة في الغالب ليست في الإسراف في العاطفة، ولكن في "الدلال"، والذي يُقْصَدُ به سرعة إجابة الأبناء إلى ما يطلبون، والإغداق عليهم بالأموال، وأما الجوانب العاطفية فالواقع أن القَدْرَ المعتدل منها مفقود، فضلًا عن أن يكون هناك إسراف- لا أقول مفقود -لكنه قليل جداً، وبشكل يحتاج إلى تأكيد .


حوار أسري

وفيما يتعلق بالحوار بين كافة أفراد الأسرة، وهل الأب هو الذي يطلق هذا الحوار؟ قال الشيخ سلمان : نعم، الأب هو الذي يرسل هذا الحوار، ولكن لا يُلْغِي دور الآخرين، فالأسرة عبارة عن مؤسسة أو شركة ينبغي أن يتحاور الجميع فيها، فلا يصادر الأب عقول الآخرين بأن يقوم بتسفيه آرائهم، أو يمعنهم من الكلام، أو يفرض عليهم الرأي، ولكن لابد من التأكيد على :

1 ـ الشورى : فالله -سبحانه وتعالى- يقول : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)(آل عمران: من الآية159)، (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: من الآية38)، فالشورى ليست فقط نظامًا سياسيًّا ، ولكنها نظام دعوي وتربوي وأسري واجتماعي واقتصادي .

2 ـ الاستماع : حيث إن كثيرًا من البنات يشتكين جدًا من عدم وجود من يستمع إليهن، ونحن الرجال على وجه الخصوص قد لا تكون لدينا رغبة أن نستمع في كثير من الأحيان؛ لأننا نرى أن كلام البنات ثرثرة وهذر وفضول و فضفضة و"سواليف"، موضحا أن كثيرًا من الناس يريد أن يتحدث هو فقط:

ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتوجّع

حديث..ومشكلات أسرية

وأكد الدكتور العودة أن الحديث بين أفراد الأسرة مهم جدًا، فعلينا أن ندعهم يتحدثون، ويعبرون عما بداخلهم من آراء وتوجهات، فعلى الأم أن تسمع ابنتها، ولا تسفهها، أو تبدي انشغالا أو إنزعاجا، مشيرًا إلى أن هذا ليس جوًا تربويًا أو بنائيًا؛ حيث ينبغي أن تكون هناك علاقة ممتازة بين الأم وابنتها، وأن تشعرها بأنها صديقتها، وأن تُبْدِي اهتماما بما تقوله، وأن تناقشها فيما تقوله، مُحَاوِلةً أن تقنعها ببعض الأشياء .

وقال فضيلته: يوجد في الغرب العديد من المشكلات الأسرية؛ حيث يترك الولد ينام عند أهله وقد بلغ عشر سنوات، حيث يتم إقناعه بالتخلي عن ذلك بصعوبة، ومن ذلك أنهم يضعون كاميرات مراقبة داخل البيت، فيترتب على ذلك أنه لا تتحقق المقاصد، فالمطالب لا تُفرض من خلال القسوة أو من خلال القوة أو الفرض، فالعلاقة الزوجية أو العلاقة الأسرية ليست علاقة سلطوية ولا علاقة بوليسية، وإنما هي علاقة حب وإقناع ومسئولية .


ترمومتر الرقابة

وردًّا على سؤال يقول : إلى أي مدى يمكن أن نستعمل ترمومتر الرقابة، وهل من الممكن أن يتحول إلى صوت أم يكفي فيه الثقة ؟ قال الشيخ سلمان : إن معظم مجتمعاتنا تستخدم نوعًا من الرقابة، وأحيانًا التلصص أو التجسس على الأبناء والبنات، وهذا قد يُفقدهم الثقة بأنفسهم، وسيكون مردوده بشكل سيء .

وأضاف فضيلته: ينبغي أن يكون هناك قَدْرٌ من الرقابة في ظل هذا العصر؛ حيث تغير المجتمع، وكثُرَ أصدقاء السوء أشياء، مُشِيرًا إلى ضرورة ان تكون رقابة معتدلة، فإذا كان لدى البنت أرَقٌ أو تخلّف دراسي ولا تأكل، فإن على الأهل أن يدركوا أن هناك مشكلة يجب أن تعالج .

وأوضح الدكتور العودة أن المدرسة تلعب دورًا كبيرًا، وهذا الدور ليس رقابيًّا، وإنما دورٌ تربوي؛ حيث يوجد فيها نوع من الإشراف الاجتماعي الذي تحبه البنات، بحيث إذا وقعت البنت في مشكلة يجدون لها طرقا وأبوابا ويساهمون في حل مشكلتها .


ممتلكات..ومناشط

وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن أي شخصية تتمتع بملكات ونشاطات أخرى، لكن للأسف أحيانًا تقتل في مهد الأسرة، قال الشيخ سلمان : إن هذه المناشط الأخرى من شأنها أن تخاطب هذا الإنسان بكينونته الكاملة، مشيرا إلى أن من أعظم المناشط عبادة الله -سبحانه وتعالى-، والذكر، والقرآن، والأوراد، فهذه المعاني من شأنها أن تعطي الإنسان إيمانًا بالله، وتحصّنه بإذن الله، وتبعده عن السوء، وعن الهمّ بالسوء، وتجعله يتذكر أن له قيمًا وأخلاقيات يجب أن يلتزم بها.

وأضاف فضيلته: يوجد أيضًا مناشط ثقافية للقراءة، ومناشط تتعلق بالمهارات المختلفة من خط أو رسم أو برامج مختلفة، فضلًا عن المناشط الاجتماعية والمشاركة في الأعمال الاجتماعية والتطوعية، لافتًا إلى أنه يوجد الآن في عدد من مدن المملكة ما يسمى بـ"مراكز الأحياء"، والتي يوجد فيها قسم للشباب، وآخر للبنات في كافة المناشط التي تحتاجها البنت .

كما أنه سبق وأن طرح أن تتحول مدارس البنات في فترتها المسائية لتكون مراكز تعليمية وتربوية وصحية وخدمية تقدم للبنات الخبرة؛ حيث يوجد الآن في المملكة ملايين الطالبات ممن يمكن إيصال التوجيه لهن .


الإسناد الاجتماعي

وردًّا على سؤال، يقول : هل اللجوء للأقارب هو حل أفضل من الهروب؟ قال الشيخ سلمان : نعم هو حل أفضل، هو ما يمكن أن نسميه بـ"الإسناد الاجتماعي"، عن طريق اللجوء للأقارب، سواء من البنت أو من الزوجين، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)(النساء: من الآية35)، أو حتى للأب حينما يعيش أزمة أو الأم.

وأضاف فضيلته أن الإسناد الاجتماعي يشمل الأقارب والأصدقاء ؛فرُبَّ أخ لك لم تلده أمك، وقد يكون هذا الصديق خبيرًا اجتماعيًا، و قد يكون اللجوء إلى أصحاب خبرة أو مستشارين اجتماعيين ممن يمكن أن يساهموا في حل هذه المعضلة .

السعادة الذاتية

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إنه لا بد من تفعيل الخبرات الحياتية، وإضفاء معاني جميلة لألفاظ تكون مثالية عند بعض المراهقين مثل السعادة، قال الشيخ سلمان : هذا معني صحيح، مشيرًا إلى أن بعض البنات ربما يعانين من اضطراب نفسي، والذي يُعَدُّ بحد ذاته مشكلة؛ فمعه لا تشعر البنت بالاستقرار والرضا .

وأضاف فضيلته أن الإحساس بالرضا هو إحساس داخلي، فمن الممكن أن يكون هناك شخص محروم من أشياء كثيرة -معوق أو فقير، أو عنده مشكلة كبيرة- لكن لأن عنده رضا داخليًا فهو يستمتع بالسعادة، في حين أن بنتًا أخرى لديها كثير من الفرص، ولكن بسبب عدم إحساسها بالرضا فإن هذا يصنع عندها توترًا وقلقًا .

وأوضح الدكتور العودة : أن أفضل إحساس بالسعادة هو إحساس ذلك الإنسان الذي يشعر بأنه سعيد دون أن يعرف لماذا هو سعيد، وذلك مثل سعادة الأطفال؛ فإن سعادتهم ليست من خلال الأشياء التي يملكونها، وإنما سعادة ذاتية، فجميل أن تكون سعيدًا حتى لو كنت لا تعرف ما هو السبب بالضبط ؛ ولذلك بعضهم يقول : "إن السعادة هي عبارة عن جينات موجودة في داخل الإنسان"، فالسعادة هي معنى يمكن اكتسابه وتطويره .


مؤسسات المجتمع..والهروب

وفيما يتعلق بدور مؤسسات المجتمع، سواء كانت حكومية أو غير حكومية في إدارة العنف الأسري، قال الشيخ سلمان : يوجد الآن لغة واضحة في المجتمع السعودي فيما يتعلق العنف الأسري، كما أن هناك ندوات تقام وجهودًا وبرامج، لكنها لا زالت بحاجة إلى أن تنزل إلى الميدان، كما يبدو أن مجتمعنا يعيش صعوبة، فالترابط الاجتماعي –كأنه- يحول دون تفعيل مثل هذه الأشياء .

وأضاف فضيلته: إننا نجد المؤسسات في بلاد أخرى -لشيوع التفلت الاجتماعي فيها- تتدخل بشكل مباشر، لكن في مجتمعاتنا توجد بعض الصعوبات؛ حيث تتحرك الأسرة بمجموعها، فضلا عن وجود حسابات كثيرة جدًا: ماذا يقول الناس ؟ وماذا يقول الجيران ؟ وماذا يقول الخصوم ؟ وماذا يقول الأصدقاء ؟



ندم وتوبة


وأوضح الدكتور العودة أنه يجب أن يكون هناك توجه قوي داخل مجتمعنا إلى معالجة جانب العنف الأسري، وتوفير الإسعاف لتلك الحالات، أو مساعدة الحالات التي تخضع لمثل ذلك، لافتا إلى أن من ذلك أيضا توعية الآباء والأُسَر بضرورة ضبط النفس .

وضرب فضيلته مثالا لذلك، قائلا: إن أحد الآباء استلم ابنته من إحدى الجهات، وكان يتقطع قلبه حسرة ويطأطئ رأسه، لكن مع ذلك استطاع أن يستوعب الموقف .
وتابع فضيلته : يجب علينا في مثل هذه الحالات أن نفتح مجال الندم والتوبة، بدلًا من أن نعيّر البنت بخطأ ارتكبته، ونظل دائمًا وأبدًا نحاصرها، وكأننا لن نسمح لها بأن تعيش، ونريدها أن تظل أسيرة هذا الخطأ، مُوَضِّحًا أن هذا التصرف الخاطئ والسلوك الضاغط معناه أننا نريد منها أن تُكَرِّرَ هذا الخطأ وإن لم يكن هذا هو المقصود، حيث لا ينبغي للإنسان أن يفقد قُدْرَتَهُ على ضبط النفس وهدوء الأعصاب .



المشهد الأخير

وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن الهروب هو المشهد الأخير لفصول سابقة،ينبغي أن نعود إليها كي نفهمها، قال الشيخ سلمان: هذا ممكن في حالات كثيرة، فقد تكون البنت لها علاقات طويلة جدًا، ثم في النهاية هربت، كذلك قد تكون هناك بعض الظروف داخل البيت، من صعوبات وتحديات، بل حتى تحرّش أحيانًا عائلي ومن المحارم داخل البيت وقهر! مثل بنت يتيمة عند أخيها، تذهب إلى خالها لتواجه مشكلةً مع النساء، وتشعر بأنها غير محبوبة .

وأضاف فضيلته: كم هو مؤلم جدًا أن تشعر البنت على وجه الخصوص بأن من حولها لا يريدها ولا يحبها، لماذا ؟ لأنه لا يعبر عن الحب، ولا يتحدث عنه، ولا حتى الأفعال نفسها، مما يولّد عند بعض البنات حالةً من الإحباط واليأس والاكتئاب.


وقفة قرآنية

ثم انتقل الشيخ سلمان إلى وقفة قرآنية، مع قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) (مريم:16) ، فمريم ذهبت للعبادة كما تلاحظ (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا)، فتجد في خلوتها رجلًا فيما يبدو لها غريبًا (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) رأته كإنسان، وأيضًا إنسان في غاية الوسامة والجمال، وهنا نلاحظ الامتحان والابتلاء الإلهي لامرأة في عزلتها وفي خلوتها؛ لأن الله اصطفاها واختارها، (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) (مريم:18)، فتستعيذ بالله تعالى منه : (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) (مريم:19)، إلى آخر القصة .


صدق وتوفيق

وأضاف فضيلته : نقتبس من هذا أنه بقدر صدق الإنسان مع ربه -عز وجل-، وبقدر وجود خلوة له بربه، وبذكره، واستغفاره وتسبيحه، بقدر عفاف الإنسان عن الحرام، حتى لو أتيح له ذلك، فإن الله تعالى يوفقه ويرزقه ويحفظه أيضًا، فمريم عليها السلام تعرَّضَتْ للقيل والقال : (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، وهنا نلاحظ دور الأسرة، وأن الناس يعرفون الإنسان من خلال أسرته، فالأسرة الكريمة العريقة ينتسب إليها أبناؤها :

نُموا إِلَيهِ فَزادوا في الوَرى شَرَفًا وَرُبَّ أَصلٍ لِفَرعٍ في الفَخارِ نُمي



المصدر: موقع الإسلام اليوم ، نشر بتاريخ 6/9/2009 م.

    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات