دور الأم في اكتشاف السلوك المنحرف بداية العلاج .



تبوك - نورة العطوي:



يعتبر الانحراف الفكري خطر عظيم وداء عضال يهدد شباب الأمة في ظل الغزو الفكري الذي يستهدفهم ليقعوا في التيارات الضالة ويعرضوا حياتهم وحياة من حولهم للخطر المحدق، فالانحراف لا يحدث عند الأبناء إلا إذا دفعته الأسباب والظروف في ظل غياب مسؤولية الأهل والمجتمع على الرغم من مسؤوليتهم الكبرى في ملاحظة أي مؤشرات انحراف أو تطرف عند الأبناء.

(الرياض).. ناقشت موضوع الانحراف الفكري عند الأبناء واستعرضت مع عدد من المختصات مفهومه وأسباب حدوثه ودور الأم في مواجهة الانحراف الفكري وأهم سبل تأمين الحماية...

في البداية تحدثت الأستاذة شفق عزت البرازي من كلية عفت بجدة قائلة: علينا أولاً عدم تجاوز مفهوم الانحراف المخالف للأصول الدينية والاجتماعية لما له من خطر عظيم فهو يؤثر سلبياً على الحياة السلوكية والفكرية لأفراد المجتمع.

وتضيف الأستاذة شفق قائلة: هناك أسباب نفسية وفكرية واجتماعية تؤدي للانحراف الفكري عند الشباب منها ما يعود إلى الممارسات الدينية الخاطئة ومنها ما له علاقة بوسائل الاتصال ووقت الفراغ. كما أن من أهم العوامل المؤدية إلى الانحراف الانفلات الإعلامي وثورة المعلومات والتقصير في التربية من أحد الأبوين أو النزاع والشجار بينهما أو الطلاق واليتم أو رفاق السوء والبطالة والفراغ وضعف الأداء التربوي لدى بعض الأساتذة كذلك تغيير نمط الحياة وما ينتج عنه من ظواهر مزعجة مثل السهر والمخدرات ووسائل الإعلام والشبكة العنكبوتية والانبهار بالدنيا والتشاغل الوهمي بها.

وعن دور الأسرة والوالدين في حماية الأبناء من الانحراف الفكري تضيف الأستاذة شفق قائلة: الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع وهي وحدة الأساس في بنائه لأنه يمثل جزءاً منه فعلى الأبوين مسؤولية تربية الأبناء ووقايتهم من الخسران.

أما دور الأم فهو دور كبير في إدارة أسرتها وتخريج نماذج حسنة من أبنائها ومن هذا المنطلق تعتبر المرأة العنصر الأساسي في اكتشاف السلوك والفكر المنحرف لدى الأبناء ولهذا أصبح من الضروري إسهام المرأة في معرفة مؤشرات السلوك التطرفي وعلاماته وذلك من خلال المشاركات العلمية والدورات التدريبية التي تدور حول كيفية التعامل مع أنواع الانحراف الفكري وكيفية مساعدة الأسرة في اكتشافه لهذا نطالب المسؤولين في المجتمع بوضع مرجعية ومنهج للأسر لكي تهدف إلى تمكين الأم على التعرف على ملامح ومؤشرات التطرف الفكري والسلوك.

ومن أهم واجبات الأم نحو أبنائها أن تعطي نفسها القدوة الحسنة لأبنائها وأن تكون على دراية بالثقافة التربوية الشاملة لجميع مراحل العمر كما أن عليها أن تجعل مصادر ثقافة أبنائها نقية لا يشوبها شيء من الباطل والمغالطات وأن تجعل القرآن والسنة مصدر لثقافتهم كما أن عليها أن تكون على دراية بتقنيات العصر وبالأخص ما يتعلق بالشبكة العنكبوتية.
وتشير الدكتورة عائشة الحكمي - أستاذ مساعد بالأدب الحديث بجامعة تبوك، إلى مسألة مهمة قائلة: إن غاية الفكر من هذا العنوان هو تحقيق الأمن الفكري والاجتماعي لأي أمة حتى ينشأ أفراد هذا المجتمع الإسلامي دون أي انحراف أو تموج عن الطريق الصحيح ويتحقق المجتمع المتماسك المتعاون الذي يسوده الأمن والسلام والتطلع الفاعل نحو المستقبل الأفضل ولن يصل المجتمع إلى ذلك إلا إذا كانت بدايته صحيحة من النواة الأولى فيه وهي (الأسرة)

إذ هي الحضن الأول لتهيئة الأبناء للحياة وبداية الطريق نحو الخير أو الشر، والانحراف الفكري لدى الأبناء مزلق خطر على كافة أصعدة الحياة، يدرج الإنسان في خانة العبء على الأمة نظراً لقباحة الأفعال التي يخطط لها المنحرف وينفذها، ولن نجافي الحقيقة إذا بحثنا عن منشأ هذا الخطر ووجدناه في حضن الأمومة. فأول اتصال للإبن بالحياة عن طريق الأم فهي تحمل وتربي وتسهر وترضع فهي المصدر الأول لإشباع احتياجات الطفل ورغباته واهتماماته النفسية والتربوية والفكرية ولهذا يرى باحثون أن تصرفات الأبناء ترجع في نسبة كبيرة تصل إلى 85% إلى تصرفات الآباء والأمهات معهم وخاصة

علاقة الأم بأبنائها فإنها وحدها العامل الفعال والقيمة الملحوظة في نشأة تصرفات معينة دون غيرها ومن أهم الأسس التي تجنب الأبناء الانزلاق في مهاوي الفكر المنحرف التركيز على التنشئة الدينية القائمة على معطيات القرآن الكريم والسنة المطهرة بالقول والعمل والقدوة الحسنة وتكريس فكرة حب الوطن وولاة الأمر في نفوس الناشئة حتى يكون لهم المرجع الفكري الراسخ فكلما رسخ الحب والولاء في ذات الإنسان لأية توجه سيخلص ويتفانى فيه وأية تمرد ينشأ عن فقدان هذا التوجه وفكرة الغلو والتشدد الديني والانحراف نحو خدمة أصحاب هذا الفكر نوع من ولائهم لهم فإذا وظفت عواطف الأبناء توظيفاً ناجحاً في التعليق بالدين والأمة والعطف سلم المجتمع شر الانحرافات.

وتذكر الدكتورة نورة المري أستاذ مساعد بالأدب الحديث بجامعة تبوك - أهمية الأسرة في مواجهة الانحراف الفكري عند الأبناء قائلة: بالرغم من أننا في زمن تسهل فيه الحصول على المعلومة إلا أن مصادرها قد تشكل خطراً على التنشئة الفكرية للأبناء خاصة في زمن الانفتاح على الآخر ويصعب على الابن في سن مبكرة التمييز بين المدخلات والتضارب الذي قد يحصل عند المعتقد الديني للآباء وبين ما يشاهده من مناقضات وفساد أخلاقي من وجهة الآباء أو انفتاح وتطور من وجهة الفضائيات التي يقضون جل وقتهم معها. خاصة إذا كانوا في سن مبكرة لم يشتد عودهم ولم يتسن تحصينهم..

وفي حقيقة الأمر أنا أشفق على أبنائنا التي توشك طفولتهم وبراءتهم على الانتحار وأتمنى أن نجد حلولاً عاجلة ورادعة بتكاتف الأسرة والمجتمع والمدرسة وفي هذا الجانب أطالب الحملة نناشد بها لا مقاطع بلوتوث ولا شات للهو بعد اليوم ولا ماسنجر ومواقع مخلة بالحياء كلنا يد واحدة للوقوف في مواجهة الطوفان الذي يسعى لتحويل أبنائنا إلى مسخ متجرد من أخلاقه وروح الإسلام.. ولعل أهم طرق العلاج تقوية الوازع الديني وثقة أبنائنا بأنفسهم وتراثهم ومن المهم أن تشغل المؤسسات الاجتماعية أوقات فراغهم كما أنه لا بد من الاعتناء بنوعية الخدم والخادمات واختبار سلوكياتهم قبل السماح لهم بالعمل بالمنازل.

وعن دور الأم وأهميته تضيف الدكتورة نورة قائلة: كان الله في عونها خاصة إذا تخلى الأب عن دوره. إذ يجب على الأم أن تضع الإنترنت في مكان عام تحت رقابتها وإذ كان لا بد من استخدام الجوال فتحرص أن يكون دون كاميرا وخارج المنزل فقط. كذلك لا بد من إعطاء الأم الموظفة الوقت الكافي لرعاية أبنائها بتقليص ساعات عملها ومن المهم أيضاً تفعيل لغة الحوار مع الأبناء وتربيتهم بالحب ومراقبة الله في عملهم. ولا ننسى الدعاء لهم دائماً والإلحاح في أن يحفظهم الله من شياطين الإنس والجن خاصة في هذا الزمن زمن الانفتاح على الآخر زمن يتكالب فيه أعداء الإسلام ويسعون لهزيمتنا بأسلحة فكرية لن نكتشف حقيقتها إلا بعد تدمير فكر فلذات أكبادنا.

وترى الكاتبة أسماء عجيم أن الأسرة العربية قد دأبت على أن تنشئ أبنائها على ما هو صحيح وموافق للدين والقيم والأخلاق وكان فكر النشء يحوز على اهتمام الأسرة إذ كانت الأسرة متواصلة وكثيرة التواجد مع بعضها وكانت مصدر فكر الطفل وترسيخ مبادئه تعاوناً مع المدرسة ولكن حدثت نقلة في كل ما حولنا.. فالأسرة لا تجتمع.. لا حوارات تكشف ما في رؤوس الأبناء من أفكار..

لا متابعة على المصادر الأخرى الموردة للأفكار كالأصدقاء الذين لا نعلم ما هي أفكارهم لبعد الأسرة عن الاحتكاك بأبنائها والشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية فتجد أن الأسرة تصدم إذا وجدت الأبناء يتبنون فكراً مغايراً عن أفكارهم وقد يكون مغاير للقيم وهنا السؤال لماذا لا تحمي الأسرة أبنائها من الأفكار الخاطئة ؟؟

فالأبناء ليسوا لديهم حصانة إن تركوا في مهب الأفكار فسلوكهم الخاطئ ما هو إلا ترجمة لأفكار يحملونها في رؤوسهم وقد اكتسبوها من مصادر عدة دون تمييز لأن أرضيتهم الخصبة لم يكن فيها شيء مزروع حتى يقاوم ما هو قادم من مصادر أخرى. أما عن الحماية من الانحراف الفكري نجدها في الجو الأسري الراقي المفعم بالحنان والتوجيه والمتابعة وتوجيه ما هو خاطئ منذ البداية قبل أن تصبح أفكاراً راسخة صعبة التغيير وقد تؤثر على مستقبل الأبناء فإذا رسخت الأسرة القاعدة الفكرية الصحيحة لأبنائها فحتماً ستحميهم من الانحراف الفكري.

وتشير الباحثة التربوية هدى علي إلى أن الانحراف الفكري أو (فتنة الشبهات) كما يعبر عنه العلماء خطر عظيم يهدد الأمة وتكمن خطورة المنحرف فكرياً على أمته إذا كان يؤثر على من حوله ومن في مثل سنه ليقودهم إلى الانحراف خاصة إذا كان يقوم بالاستدلال والتبرير بطرق ملتوية قد يقتنع بها ضعفاء النفوس وللأسف فإننا رأينا صورة واضحة للمنحرفين فكرياً لن تنسى عندما قام بعض الشباب من هذه البلاد بتفجير وتدمير وقتل اعتقاداً منهم بأنهم خدموا الإسلام وهم على العكس قاموا بتشويه صورته...

وعن دور الأم فهو دور بلا شك كبير وأساسي في تحقيق الأمن الفكري لأبنائها فعليها أولاً تعليم أبنائها التوحيد الصحيح وتنقيته من أي شوائب وتقوية الوازع الديني لديهم وثانياً عليها احتوائهم وتقوية الولاء للوطن ولأهل العلم والمجتمع. وثالثاً مراقبتهم بين والوقت والآخر...

وتشير الأستاذة شفق برازي إلى الأمور التي تجعل الانحراف معزولاً في زاوية ضيقة لعل أهمها:

1- إيجاد فرص عمل متكافئة والابتعاد عن الأجواء الفاسدة أو الداعية إلى الفساد وتفعيل الرقابة التي توفر أرض التحصين من الانحراف.
2- الاهتمام ببناء شخصيات شبابية قوية وواعية بتعميق الإحساس بالوازع الديني (الضمير) أو التقوى وتحديد المعايير والمصطلحات بوضوح ما هو العيب والطيب والخبيث والأصيل والدخيل والخطأ والصواب.

كما أن هناك وسائل لدفع الانحراف إذا وقع الأبناء فيه ومن أهمها أن نفتح أبواب التفاؤل والرحمة فالمنحرف أشد ما يكون بحاجة إلى القلوب الرحيمة المتفهمة لظروفهما وأسباب انزلاقهما وإيجاد المخارج التي يمكن أن يهربوا من انحرافهم عبرها.





المصدر : صحيفة الرياض ، العدد 14844 .




    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات