د. الرومي: الديون سبب في الذل وسبيل للتخفي والابتعاد عن المجتمع .



تحقيق - راشد السكران:


الاستدانة بغير حاجة اصبحت للأسف الشديد ظاهرة اجتماعية ووسيلة لإشباع الترف غير المبرر، وتكاد تكون صورة طبيعية في حياتنا اليومية.

وقلما نجد من يعيش في مجتمعنا دون ارتباطه بالديون، والمؤسف في الأمر ان من يستدينون في الغالب يستدينون لأمور ثانوية لا ضرورة لها، وكماليات يمكن الاستغناء عنها والعيش بدونها، ولقد اصبحت الاستدانة بغير حاجة مرضاً اصيب به الكثير.

ويمكننا ان نبتعد عن الاستدانة بالصبر والقناعة وعدم الاسراف والتعود على الادخار.
لأننا نجد ان الذين يقترضون لغير حاجة ولأسباب واهية يحملون انفسهم ديونا لا تطاق يقتطع من رواتبهم لأجلها القسط الأكبر، ولسنوات عديدة.

هذه هي حال معظم الناس في هذا الوقت وقلما نجد من يقترض لتوفير اشياء اساسية.. من خلال هذا التحقيق التقينا عدداً من الشخصيات التي تحدثت عنه وبحثنا معهم الحلول الكفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة:


الاستدانة من غير حاجة

الدكتور علي بن عبدالرحمن الرومي استاذ علم الاجتماع المساعد قسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحدث حول هذه الظاهرة فقال: في السنوات الأخيرة وبسبب التسهيلات البنكية ازدادت نسبة القروض والمقترضين وحجم الاقتراض في المجتمع وبشكل كبير، وهي قروض في معظمها لا تعكس حاجة حقيقية للمقترضين وإنما تعكس جشع المقرضين خاصة البنوك للحصول على فوائد الإقراض، اضافة الى انها تعكس فشل البنوك في توجيه السيولة الضخمة من اموال المودعين نحو مشروعات انتاجية مفيدة للمجتمع.

ومن آثار الاستدانة من غير حاجة ان اصبح دخل الأسرة مرهوناً لسنوات قادمة، وربما جعل الأسرة غير قادرة على الوفاء باحتياجاتها الأساسية في المستقبل، وبالتالي يقع افراد الأسرة وبالأخص عائلها تحت ضغوط نفسية واجتماعية ربما كانت سبباً في كثير من امراض هذا العصر وفي كثير من الجرائم. كذلك اصبحت تلك الديون سببا في الذل والبعد عن الآخرين، فمن جهة يصل الفرد الى مرحلة اللامبالاة فيتذلل للآخرين رغبة في الحصول على مزيد من القروض وبحجة تسديد ما عليه من قروض، وينتهي به الأمر الى ان يكون ملاحقاً في وسطه الاجتماعي من اقاربه وأصدقائه يطالبونه برد ما اخذه منهم ديناً وهو عاجز عن فعل ذلك فلا يجد سبيلا الا التخفي والابتعاد عنهم. وقد أدى ذلك الى ضعف الثقة بين الناس، وبالتالي ضعف ميل الناس لفعل الخير وتقديم قروض حسنة تسد حاجة الأسر وتفرج عنهم الكرب، مما اتاح الفرصة لوجود اسر تمر عليها ايام عصيبة لا يجدون فيها سنداً من افراد المجتمع، ولا شك ان هذا مؤشر خطير لضعف التماسك الأسري والاجتماعي، الذي بدوره يقود الى ضعف الانتماء الاجتماعي والإحساس بالمسؤولية الاجتماعية وتزايد النزعة الفردية في المجتمع.

هذه بعض الآثار التي بدأت تبرز نتيجة الديون التي تورط بها افراد المجتمع من غير حاجة، وهي آثار لم يسلم منها الا القليل في المجتمع بعد سلسلة من المساهمات الفاشلة والأزمات في سوق الأسهم الذي تورط فيه معظم الناس رغبة في الاستثمار.


ميزانية الأسرة سبب عدم الاستقرار

اما الدكتور حصة الوايلي مدير عام التوعية الإسلامية بوزارة التربية والتعليم تعليم البنات فتقول: تكاد ثقافة الاستهلاك تطغى في المجتمعات التي تعودت على ظروف معيشية ثابتة، والثبات صفة لا يمكن الركون اليها، وضمان استمرار الأسباب المهيئة لمثل هذا الثبات، نظراً لتغير الظروف الاقتصادية.

لكن تظل ميزانية الأسرة مادياً احد اسباب فقدان التوازن واحد اهم اسباب عدم الاستقرار متى ما كانت الأسرة بمسؤولية افرادها عرضة للارتباك في قياس ظروفها الخاصة.

بعيداً عن التشابه المحتمل في ظروف اسر تشكل مجتمعات مختلفة فإن قوانين التنظيم تصبح ضرورة لأي نظام اسري متى ما أردنا تثبيت معايير الاستقرار والنظر لها كأولوية.

وللأسف الأسرة السعودية اسرة مستهلكة وليست منتجة.. وقليل من الأسرة تعمل بنظام ترشيد الميزانية، وإن كان من النادر ان يحصل ذلك فغلاء الخدمات الضرورية الأساسية والترفيهية يحصد ما تدخره الأسرة في كثير من الأحيان وبعض الأسر سواء كانت غنية او متوسطة او حتى فقيرة مستهلكة لدرجة التبذير دون وعي بأهمية الاقتصاد بين التقتير والإسراف.. وغياب الوعي في المجتمع بكافة فئاته بأهمية الادخار وترشيد الاستهلاك جعل الخدمات تستعر غلاء وأصبحت الميزانية المالية للأسرة لتسديد الفواتير بدلاً من ان تكون بنداً للتوفير.


آثار نفسية واجتماعية واقتصادية

وتضيف: أكثر من ذلك لجأت الأسر إلى شراء الكماليات والسلع التجارية بالتقسيط من أجل تمويل شراء أسهم في شركات السوق المالي في ظل المخاطر العالية واقتناء بطاقات الائتمان البنكية لشراء سلع استهلاكية لا يغطيها الرصيد وهذا جعل الكثير من الأسر تلجأ للاقتراض من أجل تسديد الديون وهذا له أثره النفسي والاجتماعي والاقتصادي على أفراد الأسرة.

لذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستدانة لغير الحاجة، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي على الرجل ويسأل قبل أن يصلي: أعليه دين؟ وإن قالوا نعم، كان يأبى الصلاة عليه تحذيراً من الوقوف في الدين.

ويقول الدكتور عيسى بن موسى العويس رئيس اللجنة التنسيقية لحقوق الإنسان بوزارة التربية والتعليم إن الاستدانة لغير حاجة ترجع إلى ثقافة الاستهلاك وتقدير الضروريات والأولويات من غيرها في أوساط بالمجتمع، كما أن الاستدانة بغير حاجة تأتي بسبب عدم الوعي الكامل لكل مرحلة من مراحل حياة الإنسان التي يعيشها.

وقد تؤدي الاستدانات بالإنسان إلى مرحلة من مراحل الانهيار النفسي والاقتصادي والاجتماعي. ويجب أن يفرق المواطن احتياجاته بين ما هو ضروري وما هو ثانوي أو ما يعد كمالياً في الحياة، لأن توافر الخدمات الضرورية والأساسية للفرد تحد من ظاهرة الدين وتؤدي للاستقرار الاقتصادي للشعوب، ولا ننسى أن المرأة بمتطلباتها تشكل ضغطاً على الرجل محدود الدخل.

ويقول د. إبراهيم بن ناصر الحمود أستاذ في المعهد العالي للقضاء: الدين يطلق على كل ما لثبت في الذمة سواء كان حالاً أو مؤجلاً، وقد تساهل كثير من الناس في العصر الحاضر بشغل ذممهم بالديون التي أثقلت كاهلهم لأسباب ثانوية حين طغت المادة وانساق البعض من الناس وراء التقليد الأعمى، سعياً لتوفير الكماليات التي فرضتها العادات التي غزت مجتمعات المسلمين،

وأصبح التنافس على قدم وساق في تحصيل كل جديد وغريب ولو كان ديناً في الذمة وبأغلى الأثمان حتى أصبح فئة من الناس اليوم ومعظمهم من الشباب أصبحوا من الغارمين خاصة مع انتشار شركات التقسيط التي سهلت تحمل الديون بطرق مغرية، وفوائد باهظة، والضحية هم أولئك الشباب المقدمون على الزواج، أو شراء سكن، أو تفاخر بما ليس ضرورياً بسبب تنوع الموديلات وتنوع الصناعات وتعدد الكماليات.

وقد غاب عن أذهان أولئك بأن تحمل الدين من غير ضرورة أمر مذموم تعوذ منه النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه كما قال عليه الصلاة والسلام "واعوذ بك من الهم والحزن وغلبة الدين وقهر الرجال".

لا سيما وأن الدين حق من حقوق العباد التي لا تغفر لصاحبها الا بالمسامحة والاعفاء منه واسقاطه عنه فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اتي بجنازة ليصلي عليها فسأل هل عليه من دين قالوا نعم ديناران قال صلوا على صاحبكم. وفي رواية قال أحد الصحابة هما علي يا رسول الله فصلى عليه ثم لقيه بعد ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل الديناران قال قضيتهما يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام "الآن بردت جلدته" وذلك لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة
فليحذر المسلم من تحمل حقوق الآخرين بلا ضرورة فإنه جدير به أن يسعى إلى براءة ذمته وخلوها من حق الغير.

ومن اضطر إلى شيء من ذلك فبحسب الحاجة مع العزم على سداده فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله "من اخذ حقوق الناس وهو يريد أداءها أدى الله عنه" فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.

وعليه كذلك أن يكون واضحاً صادقاً مع الدائن فإن من الناس من يتظاهر بالغنى أمام الدائن حتى يعطيه فهذا من الخداع والخيانة التي نهى الله عنها ورسوله. وليحذر من الوقوع في الربا فكل فرض جر نفعاً فهو ربا. ومتى قال الدائن للمدين اما أن تقضي أو أزيد في الربح فهو عين الربا. ومن الناس من يعقد صفقات ربحية إلى أجل ليستفيد من الفقر فقد يقع في الربا حيث لا يدري بسبب قلة بضاعته في الفقه في الدين.


ومن الأمور المعنية على ذلك:

1- القناعة فهي كنز لا يفنى، وانظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك.

2- البعد عن التقليد والمحاكاة فإن غالب الدين من هذا النوع.


3- المبادرة إلى سداد الدين الثابت في الذمة وطلب الاعانة عليه في حال العجز عنه. فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

4- الاقتصار على الأمور الضرورية والبعد عن الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها.


5- عدم الاغترار بالدعايات التي تطلقها الشركات والبنوك من أجل الحصول على قرض مريح - كما يزعمون -.

6- الرضا بواقع الحال فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، فإن التقليد الأعمى يضر، فإن السعي وراء كل جديد والتنافس في الملبس والمركب مع قلة ذات اليد يوقع في مصيدة الدين.


7- البعد عن المغالاة في المهور فإن النكاح ضرورة لعفة المسلم والمسلمة وغلاء المهور من الأسباب الداعية إلى تحمل الديون وهذا ما يعاني منه كثير من شباب اليوم.






المصدر : صحيفة الرياض ، العدد 14767 .




    مقال المشرف

إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

"إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات