مثقف ينفر ويخجل !

مثقف ينفر ويخجل !

  • 9281
  • 2008-04-01
  • 2760
  • المهاجر


  • أخي الكريم أنا لست أميا ولا انسانا بسيطا بل أنحمل شهادة عالية ومتفوق دراسيا في كل مراحل حياتي وانسان ذكي جدا وماهر في أششاء كثيرة جدا واعتبر من أفضل أفراد عائلتي في كل الجوانب تقريبا ولم يكن لدي أي مشكلة بل وتخرجت من احدى الجامعات بممتاز مع مرتبة الشرف وكنت واثقا من نفسي جريئا ..

    وكانت صحتي النفسية على ما يرام حتى جاءت الخمس سنوات من عمري الأخيرة ( عمري الآن 29سنة ) فأصبت بحالات غريبة أحرجتني كثيرا وسببت لي الضيق الشديد وألخصها في الآتي :
    1- لم أعد أستطيع أن أصلي بالناس أبدا وأشهر بخوف ونبض سريع في القلب وارتباك شديد أكثر من الطبيعي ... مع أني كنت أصلي بالناس ولا في الخاطر شي وأحفظ أجزاء كثيرة من القرآن واصلي بالناس في التراويح وغيرها .

    2- أصابني نفر شديد من الناس وأصبحت أحب الوحدة بشكل غير طبيعي .
    3- أصبت اليوم بحالة غريبة وهي أنني كنت في جلسة عادية جدا مع بعض الأحباب وتكلمت فترة طويلة وفجأة تذكرت بعض المواقف المحرجة لي في السابق ليس لها علاقة بالكلام والا بالأشخاص اللي انا معهم في الجلسة وأصبت بحالة ارتباك عجيبة .. لم استطع أن أفسرها إلى الآن .

    3- أحيانا أتصبب عرقا في حالات طبيعية جدا لدرجة أني أخجل من المتحدث الذي أمام مع أن الكلام الدائر ليس فيه ما يحرج .
    * علما بأنني أقرأ كثيرا في كتب التنمية الشخصية وعلم النفس ومثقف جدا .. ولكن كل هذا لم يشفع لي عند نفسي ..
    أرجوكم أفيدوني بسرعة فأنا في أشد الضيق .

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2008-04-09

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    الأعراض التي تعاني منها تشير إلى ما يسمى بالقلق الاجتماعي (أو الخوف الاجتماعي). إلا أن الأمر يحتاج إلى تشخيص دقيق (تشخيص تفريقي) يقوم به متخصص نفسي خبير أو طبيب نفسي لاستبعاد وجود تطورات أخرى مرضية .

    الرهابات الاجتماعية أو "الخجل المرضي" هي عبارة عن خوف مرتبط بالموقف. ويقوم هذا الخوف على التصرفات التي تحدث أمام شخص ثالث، ألذي لا يراقب السلوك فحسب وإنما قد ينتقده أيضاً. وغالباً ما تبدأ الرهابات الاجتماعية في الطفولة والمراهقة، حيث ما تزال ضمن إطار معين طبيعية بعد.

    لهذا فإنه غالباً ما لا يتم طرح التشخيص إلا بعد أن تقود المخاوف الشديدة وغير المألوفة إلى سلوك تجنب وخيم العواقب في مواقف معينة، وفي النهاية ربما إلى الانسحاب وتراجع الإنجاز وخطر العزلة. ويبدأ الأمر مع تقييد إمكانات النمو الشخصي وبشكل خاص نوعية الحياة ويمتد عبر تراجع العلاقات والنشاطات بما في ذلك الإنجاز المهني وصولاً إلى عواقب نفسية ونفسية اجتماعية ونفسية جسدية وجسدية خالصة. وتعاني النساء من الرهابات الاجتماعية أكثر من الذكور.

    تم وصف الرهابات الاجتماعية قبل حوالي 2000 سنة. و يبدو أنها تشهد اليوم زيادة غير مألوفة. حتى أن البعض يتحدث عن "مرض شعبي". ومع أن هذا نوع من المبالغة إلا أن الرهابات الاجتماعية أو الخجل المرضي هي واحدة من الاضطرابات النفسية الأكثر تسبباً بالمعاناة، وإن كان بصورة غير ملحوظة.

    ويتصف الرهاب الاجتماعي دائماً على الأفعال التي تجري تحت عيون شخص ثالث لا يستطيع ملاحظة السلوك فحسب وإنما قد ينتقده كذلك. وهو لا يظهر هنا في الخوف من الامتحان والظهور العلني وما يشبه ذلك وهو أمر مفهوم هنا، بل أن نقطة الثقل تتمحور في أمور الحياة اليومية أي الخوف من المناسبات الاجتماعية كالحفلات والدعوات والمطاعم والأصدقاء ومن لقاء الناس الغرباء وبشكل خاص من الجنس الآخر. والخوف من التكلم أمام الآخرين وتناول الطعام والشراب أمامهم والكتابة والاتصال بالهاتف وهذا يظهر مع الغرباء أكثر مما يظهر مع المعارف وأمام الجنس الآخر بقوة أكبر مما هو الحال أمام الجنس نفسه. والأمر الحاسم هو الخوف من الأخطاء الخاصة أو التصرفات الخطأ ومن ثم توجيه نظرة سلبية له والفضيحة والإهانة.

    ومن الناحية الجسدية: تترافق حالات القلق في المجال الجسدي بشكل خاص مع ما يسمى باضطرابات إعاشية، أي مع نوبات تعرق وتسرع في القلب وخفقان فيه واحمرار وارتجاف اليدين والدوار والغثيان والحاجة للتبول وجفاف الفم وضغط الرأس وصداع وضيق التنفس و إسهال وتشنج عضلي...الخ.

    هناك الكثير من الأسباب للخجل المرضي بعدد المعنيين أنفسهم. إلا أن هناك بعض الأسباب المتكررة المتشابهة وبشكل خاص في عصرنا الراهن وفي مجتمعنا.

    فعدد ليس بالقليل من الخجولين بشكل مرضي يكونوا مفرطي الانتباه الذاتي، بل ومفرطي المراقبة للذات، كما يشير علماء النفس الاجتماعي. فهؤلاء الناس عليهم اختبار أنفسهم باستمرار في المواقف الاجتماعية.

    ويقصد بالانتباه الذاتي الموضوعي حالة ينظر فيها الشخص نفسه إلى ذاته كموضوع، أي حالة تحتل فيها ذات الشخص محور الانتباه أو محور الإدراك (Self Focused Attention). ويمكن أن تكون كل المظاهر التي يعتبرها الشخص كجزء من ذاته موضوعاً للانتباه الذاتي الموضوعي، كالمزاج والانفعالات والنوايا والتوقعات والاتجاهات والمعايير وتقديرات الذات والواجبات...الخ. وحسب هذه النظرية فإن كل المظاهر التي تحتل مركز الاهتمام تصبح مكثفة ومحدّثة.

    بالإضافة إلى ذلك فإن الأشخاص في حالة الانتباه الذاتي الموضوعي يصبحون أكثر إدراكاً للتباعد بين سلوكهم الفعلي وتصوراتها المثالية حول ذاتهم. وتفترض هذه النظرية أن هذا التباعد المدرك يولد دافعاً يهدف إلى موائمة السلوك ضمن المعايير والأهداف المعنية، أي تخفيض التباعد بين الواقع والمعيار.

    فهؤلاء الناس يعذبهم باستمرار السؤال ما المطلوب مني؟ كيف سأنجح تحقيق هذه المطالب؟ وبعدئذ يأتي سؤال آخر في الدرجة الثانية، ولكنه ليس أقل عذاباً من نحو: ما التالي الذي سأقوله؟ أين علي وضع يدي؟ ما الذي أفعله إذا ما كنت مضطراً للذهاب للتواليت؟ وبعدئذ تأتي الاستجابات الإعاشية والتي يتم إدراكها مباشرة بشكل قلق مفرط الهم: لماذا ترتجف يداي؟ لما يرتجف صوتي؟ كيف ينهمر مني العرق؟ لماذا تراخي ركبتي أو لماذا أشعر بالدوار؟

    والخجولون والرهابيون الاجتماعيون هم ضحايا الإجبار على العرض الذاتي المثالي، أي الظهور بالمظهر المثالي. ويبدو أن كثير من البشر في هذا العالم خاضعون لهذا القهر أو الإجبار. وعلى ما يبدو فإن قهر الكمال هو جزء من المجتمعات الحديثة القائمة على الإنجاز. حيث أصبح تسويق الذات بشكل فاعل مطلباً ذو أولوية. إلا أن عرض الذات يتطلب الانتباه الذاتي، والانتباه الذاتي عادة ما يتم إدراكه على أنه غير مرغوب، ذلك أن السلوك الفعلي لا يمكنه أن يجاري المطالب المفرطة.

    وعليه فإن الملاحظة الذاتية تخدم هدفاً وحيداً، ألا وهو عدم ملاقاة صعوبات في الغالب، عدم ظهور نقاط ضعف كثيرة، عدم لفت النظر قدر الإمكان. وهو أمر مميز لكل الخجولين والرهابيين الاجتماعيين والهيابين. وهنا ليس من المهم فيما إذا كان المرء يدركهم على أنهم بوصفهم ذلك أم فيما إذا كانوا قد صنعوا واجهة متجذرة، وضعوا قناعاً كفوا اجتماعياً. الناس الخجولون هم من أشد النقاد وأصعبهم لأنفسهم.

    إنهم لا يمنحون أنفسهم إلا درجات ضعيفة، فيما يتعلق بإنجازهم العقلي ومظهرهم الخارجي وفي مؤهلاتهم الجسمية outfit و في ظهورهم العام ...الخ. الخجولون لا يأملون من أنفسهم. وهم يعتقدون أن مكانهم في الخلفية. مما يقود في النهاية إلى التنبؤ المحقق لنفسه. أما العواقب فهي معروفة، فالخجولين و الرهابيين الاجتماعيين غالباً ما يتم تقويمهم من الآخرين بأنهم غير مهمين ومن ثم غالباً ما يتم عزلهم وعدم الاهتمام بهم.

    فمن أين تأتي هذه المخاوف؟ هناك سببان يتكرر ظهورهما:

    1.بعض الناس يولدون خجولين. وحسب دراسات أمريكية فإن حوالي الثلث الخجولين ككل يولدون خجولين.
    2.بعضهم الآخر "يتعلم" خجله في الطفولة المبكرة أو في مجرى حياته. وهنا تسهم مجموعة من العوامل المختلفة:
    -سلوك التربية: الخجل وسلوك الخجل مثله مثل كثير من الظواهر هو مسألة سلوك التربية. حتى أن الأمر يبدو متعلق بالثقافة. فهناك أمم يظهر فيها الخجولين بتكرار واضح أكثر من بوضوح أكبر من غيرها. و يمكن لهذا أن يكون مرتبطاً بسلوك التربية القائم هناك، الذي يتم فيه إما كيل المديح بدرجة قليلة أو كبيرة، ومن ثم يتطور شعور غير مستقر أو مستقر بالذات.
    -نوعية الارتباط: كما تلعب نوعية الارتباط بين الطفل ووالديه دوراً. فالأطفال المرتبطين بصورة مزعزعة يكونوا أكثر خجلاً من الأقوى ارتباطاً. وتنشأ الروابط المزعزعة إذا كان الوالدان في أثناء الطفولة المبكرة ولاحقاً في سلوك التربية غير ثابتين ولا يمنحون أطفالهم الشعور بالأمن والأمان والاستقرار. و هنا أيضاً تكون العاقبة عدم استقرار في مشاعر القيمة الذاتية. فيعممون الخبرات الطفولية مع والديهم و يشعرون بعدئذ في علاقاتهم اللاحقة بعدم الثقة وبأنهم غير محبوبين.
    -الانفصال والطلاق: ويزداد الأمر سوءاً في حالة الانفصال والطلاق الذي يصيب الأطفال في مرحلة حساسة من أعمارهم.
    -المراهقة والمراحل الحياتية الأخرى: يظل الخطر قائماً دائماً في المراحل اللاحقة. والمراهقة هي مجرد واحدة من هذه المراحل، وإن كانت هي المرحلة الحساسة من الحياة التي تتهدد الإنسان فيها مجموعة من المخاطر التي تترسخ فيها مظاهر كالأمن وعدم الأمن وصولاً إلى القلق الاجتماعي. إلا أنه هناك أيضاً مخاطر في المراحل الأخرى من نحو الأحداث الحياتية الحرجة مع عواقبها المطابقة. ومن هذه الأحداث الحياتية على سبيل المثال الانفصال عند الشخص نفسه والطلاق والعطالة عن العمل والانتقال إلى مدينة غريبة...الخ. وكل هذا يمكن أن يصنع من إنسان غير واثق وغير عازم إلى شخص خواف اجتماعياً بشكل مفاجئ أو حتى إلى خجول بشكل مرضي. والأمر ممكن ولكنه ليس بالضرورة، إلا أنه علينا أن نفكر بهذه الأسباب الممكنة.

    ويطرح علماء النفس الاجتماعي الإرهاقات التالية التي يتميز بها عصرنا للنقاش، والتي يمكن لها أن تكون مسئولة عن تزايد المخاوف الاجتماعية في السنوات الأخيرة بالتحديد:

    1- الحراك الاجتماعي العالي mobility.
    2- هشاشة الكثير من العلاقات.
    3- عدم الأمان في العمل.

    ويتكون العلاج الفعلي للرهاب الاجتماعي من أعمدة ثلاثة:

    1- المساعدة الذاتية
    2- العلاج النفسي،
    3- العلاج الدوائي.

    يضاف إلى ذلك النشاط الجسدي المنتظم الذي ينبغي لنا عدم التقليل من أهميته في أي من الاضطرابات النفسية على الإطلاق.

    1-المساعدة الذاتية
    من أفضل الأمور لو استطاع المريض أن يتغلب على مرضه بقواه الذاتية. ومن هنا لا بد من تشجيع المعنيين عند وجود الدافعية المطابقة على المساعدة الذاتية. كما أن دعم الناس كالأقارب والأصدقاء والمعلمين و الجيران...الخ مفيد.

    ومن المبادرات الذاتية على سبيل المثال النشاط الجسدي كإجراء داعم مخفف للقلق. فالمشي اليومي في ضوء النهار أو أي نشاط آخر لا يؤثر بشكل مضاد للاكتئاب فحسب وإنما يحدث تأثيراً مهدئا ومرخياً و مخفف للقلق. وأفضل من يستجيب لذلك هم الأشخاص في أواسط العمر عموماً والنساء بشكل خاص.

    يضاف إلى ذلك إجراءات فيزيائية تزيل التوتر العضلي بشكل خاص في الكتفين والظهر والعلاجات بالاستمواه (الحمامات الساخنة) والمساج والحمام المتبدل بين الماء الحار والبارد والحمامات الطبية مع المواد المضافة...الخ. كما أنه من المهم القيام بالاسترخاء الذاتي واليوغا والاسترخاء العضلي.
    ومن الطرق القديمة جداً والمهمة والفاعلة، خصوصاً إذا تعود المرء عليها هي طريقة "مناجاة النفس" soliloquy، إما على شكل حوار ذاتي Dialog أو حوار ثلاثي Trialog وصولاً إلى "مشاهد محاكمة" يكون فيها الإنسان الشاكي والمدعي العام والمحامي والقاضي في الوقت نفسه.

    2-العلاج النفسي
    تتنوع الإمكانات العلاجية بشكل أكبر مما كانت عليه في الماضي. ففي اضطرابات القلق أثبتت الإجراءات العلاجية السلوكية فاعليتها بشكل خاص. وهنا ينصح بالالتحاق بدورة في فن الخطابة أو الإلقاء أو القيام بأمور فاعلة أخرى مع الآخرين من نحو الالتحاق بالنوادي أو الروابط. ومن المفيد كذلك التكرار المستمر أنه لا يوجد إنسان محصن ضد الفضائح أو الأمور المخجلة، بل هي من ضمن حياتنا الراهنة، بل هي نوع من تمارين الحياة أـو "التدريب على الفشل" يصبح من خلاله الإنسان أكثر استقراراً و أكثر تحملاً. والأمريكيون بعقليتهم الخاصة هم معلمون في التعلم من الإخفاق والفشل إذ ينظر هناك للفشل على أنها خطوات في طريق النجاح" وليست حكماً سلبياً على الإنسان.

    وعلى الرغم من أن عدد قليل فقط من الرهابيين الاجتماعيين يظهر لديه قصور في السلوك الاجتماعي، فإن تدريب الكفاءات الاجتماعية هو المسيطر في العادة. إذ إنه يمكن لمرضى ما يسمى القصور الاجتماعي، أي الذين لا يتحركون في محيطهم الاجتماعي بشكل متحكم أو مستقل مثل الآخرين أن يستفيدوا من ذلك.

    3-ومن هنا فإن برامج التدريب الحديثة تركز بشكل خاص على دور المواجهة وإعادة البناء الاستعرافي.

    4-العلاج الدوائي
    حتى لو بدا للوهلة الأولى أن استخدام "الكيمياء" ليس له مكان في "خوف إنساني يمكن تفهمه من الناحية النفسية" مثل الرهاب الاجتماعي، فإنه علينا أن ننظر للأمر بصورة تفريقية. وبالفعل فإن الأدوية لوحدها ليست علاجاً، على الأقل ليست كافية لوحدها. أما الأدوية مع العلاج النفسي المناسب والإجراءات العلاجية الأخرى فهي أعمدة علاج مهمة ولا يمكن الاستغناء عنها إلا عندما:

    1-إذا كانت الصورة المرضية ضمن حدود مقبولة
    2-إذا كان العلاج النفسي ناجحاً وخصوصاً إذا حقق خطوات سريعة، بحيث تبدو الأدوية لا لزوم لها.

    أكرر بأن الأمر يحتاج بداية لتشخيص تفريقي. وأرجو أن أكون قد قدمت بعض المعلومات التي تساعدك في التوجه. مع تمنياتي .

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2008-04-09

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    الأعراض التي تعاني منها تشير إلى ما يسمى بالقلق الاجتماعي (أو الخوف الاجتماعي). إلا أن الأمر يحتاج إلى تشخيص دقيق (تشخيص تفريقي) يقوم به متخصص نفسي خبير أو طبيب نفسي لاستبعاد وجود تطورات أخرى مرضية .

    الرهابات الاجتماعية أو "الخجل المرضي" هي عبارة عن خوف مرتبط بالموقف. ويقوم هذا الخوف على التصرفات التي تحدث أمام شخص ثالث، ألذي لا يراقب السلوك فحسب وإنما قد ينتقده أيضاً. وغالباً ما تبدأ الرهابات الاجتماعية في الطفولة والمراهقة، حيث ما تزال ضمن إطار معين طبيعية بعد.

    لهذا فإنه غالباً ما لا يتم طرح التشخيص إلا بعد أن تقود المخاوف الشديدة وغير المألوفة إلى سلوك تجنب وخيم العواقب في مواقف معينة، وفي النهاية ربما إلى الانسحاب وتراجع الإنجاز وخطر العزلة. ويبدأ الأمر مع تقييد إمكانات النمو الشخصي وبشكل خاص نوعية الحياة ويمتد عبر تراجع العلاقات والنشاطات بما في ذلك الإنجاز المهني وصولاً إلى عواقب نفسية ونفسية اجتماعية ونفسية جسدية وجسدية خالصة. وتعاني النساء من الرهابات الاجتماعية أكثر من الذكور.

    تم وصف الرهابات الاجتماعية قبل حوالي 2000 سنة. و يبدو أنها تشهد اليوم زيادة غير مألوفة. حتى أن البعض يتحدث عن "مرض شعبي". ومع أن هذا نوع من المبالغة إلا أن الرهابات الاجتماعية أو الخجل المرضي هي واحدة من الاضطرابات النفسية الأكثر تسبباً بالمعاناة، وإن كان بصورة غير ملحوظة.

    ويتصف الرهاب الاجتماعي دائماً على الأفعال التي تجري تحت عيون شخص ثالث لا يستطيع ملاحظة السلوك فحسب وإنما قد ينتقده كذلك. وهو لا يظهر هنا في الخوف من الامتحان والظهور العلني وما يشبه ذلك وهو أمر مفهوم هنا، بل أن نقطة الثقل تتمحور في أمور الحياة اليومية أي الخوف من المناسبات الاجتماعية كالحفلات والدعوات والمطاعم والأصدقاء ومن لقاء الناس الغرباء وبشكل خاص من الجنس الآخر. والخوف من التكلم أمام الآخرين وتناول الطعام والشراب أمامهم والكتابة والاتصال بالهاتف وهذا يظهر مع الغرباء أكثر مما يظهر مع المعارف وأمام الجنس الآخر بقوة أكبر مما هو الحال أمام الجنس نفسه. والأمر الحاسم هو الخوف من الأخطاء الخاصة أو التصرفات الخطأ ومن ثم توجيه نظرة سلبية له والفضيحة والإهانة.

    ومن الناحية الجسدية: تترافق حالات القلق في المجال الجسدي بشكل خاص مع ما يسمى باضطرابات إعاشية، أي مع نوبات تعرق وتسرع في القلب وخفقان فيه واحمرار وارتجاف اليدين والدوار والغثيان والحاجة للتبول وجفاف الفم وضغط الرأس وصداع وضيق التنفس و إسهال وتشنج عضلي...الخ.

    هناك الكثير من الأسباب للخجل المرضي بعدد المعنيين أنفسهم. إلا أن هناك بعض الأسباب المتكررة المتشابهة وبشكل خاص في عصرنا الراهن وفي مجتمعنا.

    فعدد ليس بالقليل من الخجولين بشكل مرضي يكونوا مفرطي الانتباه الذاتي، بل ومفرطي المراقبة للذات، كما يشير علماء النفس الاجتماعي. فهؤلاء الناس عليهم اختبار أنفسهم باستمرار في المواقف الاجتماعية.

    ويقصد بالانتباه الذاتي الموضوعي حالة ينظر فيها الشخص نفسه إلى ذاته كموضوع، أي حالة تحتل فيها ذات الشخص محور الانتباه أو محور الإدراك (Self Focused Attention). ويمكن أن تكون كل المظاهر التي يعتبرها الشخص كجزء من ذاته موضوعاً للانتباه الذاتي الموضوعي، كالمزاج والانفعالات والنوايا والتوقعات والاتجاهات والمعايير وتقديرات الذات والواجبات...الخ. وحسب هذه النظرية فإن كل المظاهر التي تحتل مركز الاهتمام تصبح مكثفة ومحدّثة.

    بالإضافة إلى ذلك فإن الأشخاص في حالة الانتباه الذاتي الموضوعي يصبحون أكثر إدراكاً للتباعد بين سلوكهم الفعلي وتصوراتها المثالية حول ذاتهم. وتفترض هذه النظرية أن هذا التباعد المدرك يولد دافعاً يهدف إلى موائمة السلوك ضمن المعايير والأهداف المعنية، أي تخفيض التباعد بين الواقع والمعيار.

    فهؤلاء الناس يعذبهم باستمرار السؤال ما المطلوب مني؟ كيف سأنجح تحقيق هذه المطالب؟ وبعدئذ يأتي سؤال آخر في الدرجة الثانية، ولكنه ليس أقل عذاباً من نحو: ما التالي الذي سأقوله؟ أين علي وضع يدي؟ ما الذي أفعله إذا ما كنت مضطراً للذهاب للتواليت؟ وبعدئذ تأتي الاستجابات الإعاشية والتي يتم إدراكها مباشرة بشكل قلق مفرط الهم: لماذا ترتجف يداي؟ لما يرتجف صوتي؟ كيف ينهمر مني العرق؟ لماذا تراخي ركبتي أو لماذا أشعر بالدوار؟

    والخجولون والرهابيون الاجتماعيون هم ضحايا الإجبار على العرض الذاتي المثالي، أي الظهور بالمظهر المثالي. ويبدو أن كثير من البشر في هذا العالم خاضعون لهذا القهر أو الإجبار. وعلى ما يبدو فإن قهر الكمال هو جزء من المجتمعات الحديثة القائمة على الإنجاز. حيث أصبح تسويق الذات بشكل فاعل مطلباً ذو أولوية. إلا أن عرض الذات يتطلب الانتباه الذاتي، والانتباه الذاتي عادة ما يتم إدراكه على أنه غير مرغوب، ذلك أن السلوك الفعلي لا يمكنه أن يجاري المطالب المفرطة.

    وعليه فإن الملاحظة الذاتية تخدم هدفاً وحيداً، ألا وهو عدم ملاقاة صعوبات في الغالب، عدم ظهور نقاط ضعف كثيرة، عدم لفت النظر قدر الإمكان. وهو أمر مميز لكل الخجولين والرهابيين الاجتماعيين والهيابين. وهنا ليس من المهم فيما إذا كان المرء يدركهم على أنهم بوصفهم ذلك أم فيما إذا كانوا قد صنعوا واجهة متجذرة، وضعوا قناعاً كفوا اجتماعياً. الناس الخجولون هم من أشد النقاد وأصعبهم لأنفسهم.

    إنهم لا يمنحون أنفسهم إلا درجات ضعيفة، فيما يتعلق بإنجازهم العقلي ومظهرهم الخارجي وفي مؤهلاتهم الجسمية outfit و في ظهورهم العام ...الخ. الخجولون لا يأملون من أنفسهم. وهم يعتقدون أن مكانهم في الخلفية. مما يقود في النهاية إلى التنبؤ المحقق لنفسه. أما العواقب فهي معروفة، فالخجولين و الرهابيين الاجتماعيين غالباً ما يتم تقويمهم من الآخرين بأنهم غير مهمين ومن ثم غالباً ما يتم عزلهم وعدم الاهتمام بهم.

    فمن أين تأتي هذه المخاوف؟ هناك سببان يتكرر ظهورهما:

    1.بعض الناس يولدون خجولين. وحسب دراسات أمريكية فإن حوالي الثلث الخجولين ككل يولدون خجولين.
    2.بعضهم الآخر "يتعلم" خجله في الطفولة المبكرة أو في مجرى حياته. وهنا تسهم مجموعة من العوامل المختلفة:
    -سلوك التربية: الخجل وسلوك الخجل مثله مثل كثير من الظواهر هو مسألة سلوك التربية. حتى أن الأمر يبدو متعلق بالثقافة. فهناك أمم يظهر فيها الخجولين بتكرار واضح أكثر من بوضوح أكبر من غيرها. و يمكن لهذا أن يكون مرتبطاً بسلوك التربية القائم هناك، الذي يتم فيه إما كيل المديح بدرجة قليلة أو كبيرة، ومن ثم يتطور شعور غير مستقر أو مستقر بالذات.
    -نوعية الارتباط: كما تلعب نوعية الارتباط بين الطفل ووالديه دوراً. فالأطفال المرتبطين بصورة مزعزعة يكونوا أكثر خجلاً من الأقوى ارتباطاً. وتنشأ الروابط المزعزعة إذا كان الوالدان في أثناء الطفولة المبكرة ولاحقاً في سلوك التربية غير ثابتين ولا يمنحون أطفالهم الشعور بالأمن والأمان والاستقرار. و هنا أيضاً تكون العاقبة عدم استقرار في مشاعر القيمة الذاتية. فيعممون الخبرات الطفولية مع والديهم و يشعرون بعدئذ في علاقاتهم اللاحقة بعدم الثقة وبأنهم غير محبوبين.
    -الانفصال والطلاق: ويزداد الأمر سوءاً في حالة الانفصال والطلاق الذي يصيب الأطفال في مرحلة حساسة من أعمارهم.
    -المراهقة والمراحل الحياتية الأخرى: يظل الخطر قائماً دائماً في المراحل اللاحقة. والمراهقة هي مجرد واحدة من هذه المراحل، وإن كانت هي المرحلة الحساسة من الحياة التي تتهدد الإنسان فيها مجموعة من المخاطر التي تترسخ فيها مظاهر كالأمن وعدم الأمن وصولاً إلى القلق الاجتماعي. إلا أنه هناك أيضاً مخاطر في المراحل الأخرى من نحو الأحداث الحياتية الحرجة مع عواقبها المطابقة. ومن هذه الأحداث الحياتية على سبيل المثال الانفصال عند الشخص نفسه والطلاق والعطالة عن العمل والانتقال إلى مدينة غريبة...الخ. وكل هذا يمكن أن يصنع من إنسان غير واثق وغير عازم إلى شخص خواف اجتماعياً بشكل مفاجئ أو حتى إلى خجول بشكل مرضي. والأمر ممكن ولكنه ليس بالضرورة، إلا أنه علينا أن نفكر بهذه الأسباب الممكنة.

    ويطرح علماء النفس الاجتماعي الإرهاقات التالية التي يتميز بها عصرنا للنقاش، والتي يمكن لها أن تكون مسئولة عن تزايد المخاوف الاجتماعية في السنوات الأخيرة بالتحديد:

    1- الحراك الاجتماعي العالي mobility.
    2- هشاشة الكثير من العلاقات.
    3- عدم الأمان في العمل.

    ويتكون العلاج الفعلي للرهاب الاجتماعي من أعمدة ثلاثة:

    1- المساعدة الذاتية
    2- العلاج النفسي،
    3- العلاج الدوائي.

    يضاف إلى ذلك النشاط الجسدي المنتظم الذي ينبغي لنا عدم التقليل من أهميته في أي من الاضطرابات النفسية على الإطلاق.

    1-المساعدة الذاتية
    من أفضل الأمور لو استطاع المريض أن يتغلب على مرضه بقواه الذاتية. ومن هنا لا بد من تشجيع المعنيين عند وجود الدافعية المطابقة على المساعدة الذاتية. كما أن دعم الناس كالأقارب والأصدقاء والمعلمين و الجيران...الخ مفيد.

    ومن المبادرات الذاتية على سبيل المثال النشاط الجسدي كإجراء داعم مخفف للقلق. فالمشي اليومي في ضوء النهار أو أي نشاط آخر لا يؤثر بشكل مضاد للاكتئاب فحسب وإنما يحدث تأثيراً مهدئا ومرخياً و مخفف للقلق. وأفضل من يستجيب لذلك هم الأشخاص في أواسط العمر عموماً والنساء بشكل خاص.

    يضاف إلى ذلك إجراءات فيزيائية تزيل التوتر العضلي بشكل خاص في الكتفين والظهر والعلاجات بالاستمواه (الحمامات الساخنة) والمساج والحمام المتبدل بين الماء الحار والبارد والحمامات الطبية مع المواد المضافة...الخ. كما أنه من المهم القيام بالاسترخاء الذاتي واليوغا والاسترخاء العضلي.
    ومن الطرق القديمة جداً والمهمة والفاعلة، خصوصاً إذا تعود المرء عليها هي طريقة "مناجاة النفس" soliloquy، إما على شكل حوار ذاتي Dialog أو حوار ثلاثي Trialog وصولاً إلى "مشاهد محاكمة" يكون فيها الإنسان الشاكي والمدعي العام والمحامي والقاضي في الوقت نفسه.

    2-العلاج النفسي
    تتنوع الإمكانات العلاجية بشكل أكبر مما كانت عليه في الماضي. ففي اضطرابات القلق أثبتت الإجراءات العلاجية السلوكية فاعليتها بشكل خاص. وهنا ينصح بالالتحاق بدورة في فن الخطابة أو الإلقاء أو القيام بأمور فاعلة أخرى مع الآخرين من نحو الالتحاق بالنوادي أو الروابط. ومن المفيد كذلك التكرار المستمر أنه لا يوجد إنسان محصن ضد الفضائح أو الأمور المخجلة، بل هي من ضمن حياتنا الراهنة، بل هي نوع من تمارين الحياة أـو "التدريب على الفشل" يصبح من خلاله الإنسان أكثر استقراراً و أكثر تحملاً. والأمريكيون بعقليتهم الخاصة هم معلمون في التعلم من الإخفاق والفشل إذ ينظر هناك للفشل على أنها خطوات في طريق النجاح" وليست حكماً سلبياً على الإنسان.

    وعلى الرغم من أن عدد قليل فقط من الرهابيين الاجتماعيين يظهر لديه قصور في السلوك الاجتماعي، فإن تدريب الكفاءات الاجتماعية هو المسيطر في العادة. إذ إنه يمكن لمرضى ما يسمى القصور الاجتماعي، أي الذين لا يتحركون في محيطهم الاجتماعي بشكل متحكم أو مستقل مثل الآخرين أن يستفيدوا من ذلك.

    3-ومن هنا فإن برامج التدريب الحديثة تركز بشكل خاص على دور المواجهة وإعادة البناء الاستعرافي.

    4-العلاج الدوائي
    حتى لو بدا للوهلة الأولى أن استخدام "الكيمياء" ليس له مكان في "خوف إنساني يمكن تفهمه من الناحية النفسية" مثل الرهاب الاجتماعي، فإنه علينا أن ننظر للأمر بصورة تفريقية. وبالفعل فإن الأدوية لوحدها ليست علاجاً، على الأقل ليست كافية لوحدها. أما الأدوية مع العلاج النفسي المناسب والإجراءات العلاجية الأخرى فهي أعمدة علاج مهمة ولا يمكن الاستغناء عنها إلا عندما:

    1-إذا كانت الصورة المرضية ضمن حدود مقبولة
    2-إذا كان العلاج النفسي ناجحاً وخصوصاً إذا حقق خطوات سريعة، بحيث تبدو الأدوية لا لزوم لها.

    أكرر بأن الأمر يحتاج بداية لتشخيص تفريقي. وأرجو أن أكون قد قدمت بعض المعلومات التي تساعدك في التوجه. مع تمنياتي .

    • مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      في ضيافة مستشار

    أ. هيفاء أحمد العقيل

    أ. هيفاء أحمد العقيل

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات