والدي يقودني نحو الجنون !

والدي يقودني نحو الجنون !

  • 5371
  • 2007-05-06
  • 2899
  • حسن


  • في يوم 15/7/1397هـ ولدت لوالدي كأول مولود بعد سنة من زواجهما ، حيث يسكنان في بيت جدي لوالدي والذي كان شيخ القبيلة. والدي شخص متدين ، صارم ، ذو شخصية تتصف بالصلابة والصمت في معظم الأحيان ولا يعرف اللين ولا المرونة ، قليل الإبتسام والضحك ، ليس بالعبوس ، يؤمن بالمثاليات ويستحقر صغائر الأمور وينتقدها بكل صراحة ، وفي نفس الوقت يحبه رجال القبيلة ويرتاحون إلى حديثه ،

    يستعين به جدي في حل مشاكل القبيلة في معظم الأحيان ويوكل إليه بعض المهام الصعبة التي تتطلب الصرامة ، وهو شخص عزيز في قومه كلمته مسموعة رأيه سديد وقاطع للنزاع عادة. وعلاقة والدي بوالدتي متقلبة ما أستطع تحديد ملامحها ، إذ أنني لا أنسى دموعها عندما تطلب منه شيء ويقابلها بالرفض الذي يزداد تمسكاً به مع الإصرار إلى أن تنهار باكية ، ولا أنسى تلبية طلباتها العادية والبديهية بعد أيام وربما أسابيع من الإلحاح والعناء. أما عن أجواء منزل جدي فهي أجواء مشحونه اتجاه والدتي التي لم تكن ابنه عم والدي بشكل مباشر أو ابنة خالته لذلك أتذكر التحزب ضدها من قبل جدتي وعماتي ونساء عمي ، وأتذكر النهرات والزجرات التي كنت أتلقاها منهن على أتفه الأسباب ،

    أما عن علاقة والدي ببيت والده ، فكان إخوانه يكرهونه لسبب أطلعني عليه أحد أعمامي قبل سنوات وهو أن جدي وجدتي يفضلانه على باقي إخوته منذ طفولته خصوصاً وأنه أول مولود لوالديه.
    كنت أرى إبتسامة والدتي الحقيقية في بيت والدها بين أخوانها وأخواتها – إذا سمح لها والدي بالذهاب – وكانت معاملة أخوالي وخالاتي وجدي وجدتي لأمي مختلقة تماماً حيث كنت أشعر بالراحة هناك والرغبة في المكوث لوقت أطول ، على الرغم من وجود المنغصات من جدتي التي كانت صارمة وتعاقب بالضرب والتخويف وما إلى ذلك ، إلا أن هذه الأجواء كانت بالنسبة لي جنة أمام أجواء بيت جدي لوالدي.

    أستمرت حياتنا في بيت جدي لوالدي إلى أن أصبح عمري 4 سنوات وعمر أختي سنة ونصف ، ثم انتقلنا إلى منزلنا الجديد الذي عمره والدي والذي يبعد عن بيت جدي قرابة سبعة كيلو متر ، وكان انتقالنا إلى ذلك المنزل بمثابة ولادة جديدة لوالدتي ولي أيضاً ، حيث رأيت والدتي بصورة لم أرها عليها من قبل من حيث الارتياح النفسي والاطمئنان وقد غمرتنا بحنان لم أذق مثل طعمه من قبل رغم ما يشوبه من منغصات صرامة والدي الذي كان يعاملني ويحاسبني كأن عمري 70 سنه ، وينتقد تصرفاتي الطفولية ويضربني إذا بدا منى خطأ ضرب تكاد روحي تخرج منه في بعض الأحيان ، ولا يصغي إلي إذا تحدثت إلا إذا كان الموضوع يعجبه رغم صغر سني ، على الرغم من أنني حاد الملاحظة والذكاء والحفظ والتحليل بشهادته هو ووالدتي وأحد أعمامي ، وأحسن التعامل مع الآخرين خصوصاً الذين يكبروني سناً حيث كان من السهل علي اكتساب محبتهم وثقتهم بشكل أكبر من مقدرتي على اكتساب الذين هم في نفس عمري أو أصغر من عمري (ولا أعرف ما هو السبب ) ،

    إلى أن تم إدخالي إلى المدرسة وكنت شخص يتكلم بطلاقة رغم ما مررت به من ظروف ولكن لم يكن مستواي الدراسي بالمستوى الذي يطمح إليه والدي والسبب في تقديري أنه كان يضربني إذا لم أؤدي واجباتي أو لم أحفظ السورة أو الإنشودة ، ولا أستطيع أن أشكو فلان لأنه ظربني في الشارع لأنه بكل بساطة سيضربني لأنني لم أقتله ضرباً ، ولا أستطيع أن أشكو المدرس الفلاني لأن شكواي مؤشر على إهمالي ومن ثم سيعيد علي فلم الضرب في البيت مع العلم أنه لم يضربني قط أمام أحد غير والتي وإخواني ، ورغم ذلك كله كنت أراه المثل الأعلى الذي يجب أن أقتدي به وأحبه حب شديد حتى الموت.

    عشت في هذه الأجواء قرابة سبعة سنوات وقد ازداد عدد العائلة لنكون ثلاثة أولاد وبنتان ، ثم عاد والدي بنا إلى الديرة وكان عمري أحد عشر سنة ، وهنا بدأت معاناتي الحقيقية ، لقد فقدت أعز أصدقائي وفقدت حيطان المنزل الذي طالما أحببته وأحببت دفئه والأمان الذي كنت أشعر به وهو يحتضنني بجدرانه الكريمية اللون. وقد استبدلت مضطراً أصدقائي الذين كنت أحبهم ويحبونني بأبناء عمومتي الذين كانوا يسخرون من تصرفاتي بشكل مستمر التي لم تكن أسوأ من تصرفاتهم كأطفال ، وكان البديل عن ذلك المنزل الرائع منزل عمي الذي استأجر والدي الدور العلوي منه إلى حين الإنتهاء من بناء منزلنا الجديد والذي كان يتهمني وإخوتي بأننا سبب لكل خراب يحدث في البيت حتى الغبار نحن من نتسبب في جلبه عبر الهواء ليتسخ فناء البيت ، وفقدت زهاء وبهاء أمي التي وقعت طريحة الفراش إثر صدمة نفسية جراء عودتها إلى أجواء تعتبرها جهنم ،

    وقد ألقي على عاتقي وعلى عاتق أختي التي تصغرني مباشرة تربية أخواني والقيام على شئونهم وحاجياتهم ، وقد كان والدي كثيراً ما يذهب إلى مكة مع أعمامي وأبناء عمي طوال العام لتأدية مناسك العمرة وفي نفس الوقت يتركنا في المنزل ويرمي بحمل والدتي المريضة ومسئولية إخواني على كاهلي حيث لم يتجاوز عمي الإثني عشر عاماً ، وبدأ مستواي الدراسي يتردى ونفوري من تلك البلدة وأهلها وأجوائها يزداد يوماً بعد يوم إلى أن تخرجت من المرحلة المتوسطة بعد أن مكثت فيها خمس سنوات ، وبعد التخرج إنطلق عملاق من داخلي لا أعلم من أين خرج ووقف أمام والدي وقال له لن أدرس المرحلة الثانوية في هذه البلدة مهما كلفني الأمر ، وكان الرد المتوقع هو الرفض القاطع والتهديد بالطرد من المنزل ، وكنت مصر على موقفي إلى أن توصلنا إلى حل وسط هو أن أدرس في المعهد الثانوي التجاري والذي يبعد عن البلدة قرابة خمسة عشر كيلو متر وهذه أول مرة أستطيع أن أثني والدي عن قرار اتخذه ،

    وفي هذه المرحلة كان منعطف جديد في حياتي وكان مثل الحلم الوردي حيث التقيت بكثير من أصدقاء الطفولة وابتعدت عن تلك الأجواء الموحشة التي كنت أعيشها في مدارس البلدة بين أناس كانوا وحوش ومتخلفين بكل ما تعين هذه الكلمة ، وقد تحسن مستوى دراستي وتحسن نفسيتي ، وبدأت ألاحظ على والدي تغيير تعامله معي إلى الأفضل حيث بدأ بتقليص الضرب والإكتفاء بالإهانات والتوبيخ الحاد بصوت مرتفع ، وهذا طبعاً بالنسبة لي تطور لم أتخيل أن أصل إليه ، وقد حمدت الله على ذلك ، وقد وفقني الله واستكملت الدراسة خلال الفترة الطبيعية وهي ثلاث سنوات ، وقد التحقت بإحدى الجامعات واستمر معي ذلك الحلم الجميل ،

    وفي هذه المرحلة انقطعت عن البلدة إجتماعياً حيث قلصت من حضوري في الأفراح والأتراح والمحافل والدوريات لأنني رأيت أن في البعد عن تلك الأجواء راحة حقيقية لنفسيتي ، وقد أنهيت الجامعة خلال أربع سنوات ولله الحمد ، وكأي شاب طموح التحقت بإحدى الشركات الخاصة باثنين من أصدقائي وكانت حديثة التأسيس وكنت مسئول عن حساباتها حيث أنني محاسب ، إلا أن انغماسي في الاستمتاع بالحرية لم يكن خالي من مكدرات والدي الذي كان يهزأ براتبي الزهيد ويوبخني على التأخر في العمل حيث أنني كنت أعود في وقت متأخر من الليل لكثرة العمل خصوصاً وأنه في بداياته ، وبفعل تلك الضغوط لم يدم بقائي أكثر من شهر ونصف ، وقد التحقت بعمل آخر براتب زهيد ، وقد قرر أن يزوجني وتعهد بتكبد نفقات الزواج وما بعد الزواج بالكامل إلى أن يرزقني الله بوظيفة.

    بالفعل تزوجت التي اختارها والدي وأقنعني بها ، وعلى قدميها رزقني الله بوظيفة حكومية في منطقة تبعد عن وطني مئات الكيلو مترات ، وبلا شعور هرعت إلى تلك الوظيفة دون أن أنظر إلى راتب أو طبيعة عمل أكثر مما أنني سأخرج من المنطقة وأبتعد عن أجواء والدي ، ولكن المصيبة العظمة أنه لم يكن هناك أي تفاهم بيني وبين زوجتي ، وكانت العلاقة بيني وبينها متوترة بسبب أهلي وأهلها بالدرجة الأولى ، حيث وصلت نفسيتي إلى مرحلة من الإنهيار وقررت الطلاق رغم الطفلين الذي رزقني إياه لكي أهرب من هذه الأجواء التي لم أعد قادراً على تحملها ، وهذا القرار أوصل العلاقة فيما بيني وبين والدي إلى أشد حالات تأزمها حيث أنه هددني بأن يهتكني أمام الملأ إن فعلت ذلك وقد طردني من بيته وحكم علي أن لا أدخل بيته بعد الآن ، وغير وصيته بشكل علني بين أخوتي حيث كنت الوصي عليهم وذلك لأنني لست كفؤ للوصية وأنني إنسان سافل وأحتاج إلى تربية من الصفر.

    حملت نفسي وزوجتي وطفلي إلى المنطقة التي فيها عملي رغم العلاقة شبه المقطوعة بيننا ، إلا أنني كنت أحاول ترتيب أوراقي من جديد لكي أعيش حياة أجبرت عليها ، وبالفعل صالحت زوجتي وانقطعت عن الديرة فترة ستة أشهر تحسنت خلالها علاقتي مع زوجتي وطفلي وتحسنت نفسيتي ، وشعرت بالشوق إلى أمي وأبي وإخواني وكذلك زوجتي كانت مشتاقة إلى أهلها ، والمفاجأة عندما دخلت بيت والدي أنه لم يمد يده لمصافحتي ، وكنت أرى نظرات العطف من إخواني على حالتي كأنهم نظرون إلى إنسان أصبح معاق بعدما كان يتمتع بصحة وعافية ، بعد هذا الموقف دخلت في حالة نفسية لم أعش مثلها من قبل حيث بدأت أكلم نفسي وأضح على أشياء أتخيلها أو أتذكرها بصوت مسموع ، وبدأت أتكلم وانا نائم ، وضعفت قدرتي على التركيز ، وتبلد دماغي ، وثقل لساني ، وتدهور وضعي الوظيفي.

    ولكن بفضل من الله عز وجل جمعني سبحانه وتعالى بأصدقاء لا أعرفهم ولا يعرفونني تعرفت عليهم بالصدفة ، وقد بدأو يدعوني إلى رحلاتهم وجلساتهم ، وهنا بدأت أسترد عافيتي ولله الحمد واستعدت طاقتي وبدأت علاقتي بمنزلي تتحسن وأحسست بالفعل انني زوج وأب ، وحاولت تجنب والدي والإحتكاك به قدر المستطاع ، ولكن حدثت موقف طبيعي يخصني تطلب الأمر مني أن أطلع والدي عليه ليقوم بحل الموضوع والتسوية ، لكني تفاجأت أن والدي كأنما كان ينتظر مني أن أتواصل متعه بأي شي لكي ينهال علي بما ادخره طيلة تلك الفترة من إهانات واستهزاء بشخصيتي واستحقاري وإهانتي بدم بارد ، وإذا تحدثت يقطع حديثي بأسلوب مهين كأن يستحدث حديث مع شخص آخر وما إلى ذلك من الأساليب الباردة المهينة ....

    المصيبة أنني الآن بعد هذا الموقف أمر في مرحلة انهيار وعزلة ، حيث أنني انقطعت عن المجتمع ، وألجاء إلى إقفال باب المجلس على نفسي وأنطوي على الكرسي وأسرح في لا شيء وأشعر بأن دماغي متعب ونفسيتي متعبة وأشعر بقلق و بوحدة لم أشعر بها من قبل وأشعر بأن هناك أعباء على رأسي لا أستطيع إنجازها ، على الرغم من طرقات طفلاي على الباب بأيديهم الناعمة الهشة ونداءاتهما البريئة التي يتقطع معها قلبي.

    لا أريد أن أعود إلى تلك الحالة التي أخرجني الله منها بكرمه ، ولا أجد من يفهمني ولا أجد من يستحق أن أبث إليه همي ولا أجد سبيل لمنع والدي عن الطريقة التي يعاملني بها ، ولا أستطيع هجر والدي حيث أن محبته في قلبي لم ينزعها كل ذلك ، ولا أستطيع قطع التواصل مع والدي ووالدتي وإخواني بالهاتف أسبوعيا والذهاب إليهم كل شهرين أو ثلاثة.

    لا أفهم يا دكتور لماذا والدي يعاملني بهذه المعاملة وإلى متى؟ وما هو المطلوب مني أن أقدمه أكثر مما قدمته منذ طفولتي؟ ، على الرغم من أنني والله الحمد شخصية مرموقة أصدقائي كثيرون بكل ما تعني هذه الكلمة ، ليس لي أعداء والله الحمد ، وأبدأ بطلب الصفح حتى وإن كان معتدى علي ، أقدم كل ما أستطيع من مال ووقت وجهد في خدمة إخواني وأصدقائي وأهلي دون أن أبدي أي اعتذار في معظم الأحيان مهما كانت ظروفي ، ولست فاشلاً في حياتي العملية حيث أعتبر من أفضل الخبراء في مجال عملي وأنا واحد من قليلون في المملكة ممن لديهم هذه الخبرة ، لدي إنجازات في ميادين أخرى لم تسلم هي الأخرى من استحقار والدي واستهجانه.

    أريد حلاً قبل أن يجد الجنون طريقه إلى عقلي وقبل أن أدمر بيتي جراء ابتعادي عن عيالي وعن أصدقائي والمجتمع وانطوائي على ذلك الكرسي في المجلس طول فترة المساء وأيام الخميس والجمعة.

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2007-05-07

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد .

    الأخ الكريم :

    تعد حالتك بالشكل الذي تصفه نموذجاً مثالياً لما قد ينتجه أسلوب التنشئة الاجتماعية من مآس تدمر حياة الأفراد، وتجعلهم تعساء يعانون من شتى أنواع الاضطرابات ويقضون عمرهم في دفع ثمن العلاقات الأسرية التي تسودها السيطرة والتسلط والقمع وعدم الاعتراف بالآخر واحترامه و تقبله. هذه العلاقات التي قد تبدو للخارج متماسكة بسبب الطبيعة التسلطية للعلاقات بين أفرادها إلا أنها من الداخل ينخرها السوس ببطء.

    لقد مررت بخبرات تربوية سيئة تمثلت في الأسلوب التسلطي الذي كانت تدار الأسرة فيه، حيث لا يحظى الأفراد في هذا النظام من التربية بالاحترام والقبول، ولا تؤخذ رغباتهم وطموحاتهم بعين الاعتبار، ويعامل فيها الأفراد كأشياء مادية يتحكم فيها مالكها كيفما أراد، متجاهلاً أنم من يتعامل معهم هم من جنس البشر لهم مشاعر وطموحات.

    لقد انعكس هذا الأسلوب من التربية على الحلقات الأضعف في الأسرة، أمك وأنت. ولم يتوقف هذا الأمر عند مرحلة الطفولة فحسب بل استمر معك في فترة يفوعك ومراهقتك وشبابك. وطوال هذه الفترة لم تكن سيد نفسك بل مجرد تابع في نظام تسلطي وقمعي من التربية والمعاملة.
    وانتهى الأمر في النهاية إلى ما أنت عليه الآن من اكتئاب. الذي يتمثل في سلوك العزلة والمعاناة النفسية الرهيبة التي تثقل كاهلك. ويزيد الأمر سوءاً إحساسك بالذنب تجاه أطفالك.

    ولعلك مدرك بأن سبب صراعك الأساسي الذي يسبب لك هذه الحالة من الاكتئاب هو التناقض الذي تجد نفسك فيه. فمن ناحية أنت لا ترغب في أن ينقطع الحبل مع والدك، وتريد الحفاظ على استمرارية العلاقة معه لأسباب كثيرة و يمكن تفهمها واحترامه أيضاً، أهمها كونه والدك وحبك واحترامك له وبرك به ومن ناحية أخرى فإن هذا الحب والاحترام والبر من ناحيتك لا يقابله والدك إلا بمزيد من الحط من قيمتك وعدم الاعتراف بك والسخرية والتبخيس من قيمتك ومعاملته لك وكأنك شخص غير ناضج ويحتاج إلى وصاية هذا من ناحية.

    ومن ناحية أخرى أنت تدرك أن البعد عن والدك سيكون مصدراً من مصادر الراحة النفسية لك والاستقرار الأسري . و بين هذه التناقضات كلها التي لم تستطع حلها بشكل وواضح ومحدد تشعر بأنك ضائع، وغير قادر على اتخاذ القرار المناسب بالنسبة لك. وعلى الرغم من أن جوانب الصراع كلها واضحة بالنسبة لك، ومن ثم فإن الحل قد يكون لك واضحاً إلا أنك لا تريد أو لا تستطيع أن تدفع ثمن القرار المتمثل في ابتعادك عن أهلك وعدم الاحتكاك بهم إذا ما أردت أن تعيش حياة مستقرة فيها القليل من المنغصات.

    وعلى الرغم من أن الظروف التي مررت بها وتمر بها صعبة جداً، والصراع الذي تعاني منه مرير جداً، ومرهق، إلا أن هناك الكثير من الصفات والخصال الإيجابية في شخصيتك، منها تفوقك في عملك والتزامك وإخلاصك له، وتعاملك مع أصدقائك وأسرتك والبر بوالديك وكن الحب لهما على الرغم من كل الأمور التي حصلت وتحصل. وهذه خصال تبشر بقدرتك على تجاوز الصعوبات والمشكلات التي تواجهك. تذكر أن أبناءك بحاجة لك وعليك أن تصلح الأخطاء التي ارتكبت بحقك فلا تكررها مع أولادك. وتذكر أن زوجتك لا ذنب لها في كل ما يحصل.

    وبإمكانك أنت أن تجد الحل المناسب لمشكلتك، أن تجد الحل الوسط بين ابتعادك عن أهلك والقرب منهم بطريقة من الطرق بحيث تظل مجالات الاحتكاك والصراعات وتوليد المشكلات في حدودها الدنيا. فوالدك قد لا يتغير بسهولة من هذه الناحية، إلا أنك تستطيع أن تتغير أنت باعتبارك المتضرر من هذا الأمر، من خلال التعامل مع أسلوب معاملة والدك لك بطريقة مختلفة عما عملته حتى الآن.

    لكل أب توقعاته من أبنائه، وربما كان يتوقع والدك منك أموراً تفوق قدراتك الفردية، أو كان يريد أن تحقق له ما عجز هو عن تحقيقه. إلا أن من طبيعة الحياة أن يكون لكل شخص قدرات وطموحات مختلفة. وبعض الآباء قد لا يتقبلون هذا الأمر أو قد يفسرونه على أنه فشل لهم شخصياً ودليل على عجزهم وقصورهم. وربما يكون هذا الشعور هو الذي سيطر على والدك في يوم من الأيام، مع وجود النمط التسلطي بالأصل في شخصيته، فانعكس على أسلوبه القاسي في التعامل مع. إنه يشعر كلما رآك بالخيبة والفشل من نفسه هو، فتكون ردود أفعاله تجاهك المزيد من التوبيخ والإهانة.

    وهو بهذا الشكل يبدو وكأنه ينتقم من نفسه ومن ذاته على خيبته وفشله.
    المسألة في النهاية مسألة تفسير لردود أفعال الآخرين تجاهنا ولردود أفعالنا تجاه الآخرين. وحسب الكيفية التي نفسر فيها الأمور يتحدد تصرفنا. فإذا حاولت أن تفسر الأمر على هذا النحو فربما ترأف لحال والدك وتتقبل ردود أفعاله تجاهك أكثر مما يجعلك أكثر قدرة على تجاوزها و التقليل من تأثيراتها عليك وعلى حياتك.

    شارك زوجتك بهمومك ومشكلاتك، أو أحد الأصدقاء المقربين والموثوقين منك، أو أحد الأصدقاء المقربين منك ومن والدك فقد يسهم هذا الأمر بالتخفيف من إحساسك بالمشكلة ويخفف مشاعر الاكتئاب التي تعاني منها.

    لديك صداقات متنوعة وكثيرة وهذا عامل إيجابي في أن تجد القبول والاعتراف من مجالات صداقاتك، وهو أمر يعززك ويخفف من التأثيرات السلبية لتعاملات والدك معك.

    قم بأمور مشتركة ومتنوعة مع زوجتك وأولادك، وحاول اكتشاف معنى الأسرة بالنسبة لك وأهميتها فهذا يعطيك معنى جديداً للحياة وبعيداً عن دائرة تأثير والدك.
    بإمكانك تنظيم علاقتك بأهلك من خلال دعوة أمك لوحدها بين الحين والآخر لزيارتك، وكذلك أخوتك كل على حدة فهذا يخفف الضغط النفسي الذي تعاني منه نتيجة البعد عنهم.

    إلا أنه في كل الأحوال عليك ألا تترك نفسك على هذا الشكل لتنزلق في مزيد من الاكتئاب، وإلا ستكون العواقب وخيمة بالنسبة لك ولأسرتك التي لا ذنب لها. فإذا لم تستطع الخروج من هذه الحالة فأنصحك بمراجعة متخصص نفسي لمساعدتك على مواجهة ما تعاني مع أمنياتي بالتوفيق.

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2007-05-07

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد .

    الأخ الكريم :

    تعد حالتك بالشكل الذي تصفه نموذجاً مثالياً لما قد ينتجه أسلوب التنشئة الاجتماعية من مآس تدمر حياة الأفراد، وتجعلهم تعساء يعانون من شتى أنواع الاضطرابات ويقضون عمرهم في دفع ثمن العلاقات الأسرية التي تسودها السيطرة والتسلط والقمع وعدم الاعتراف بالآخر واحترامه و تقبله. هذه العلاقات التي قد تبدو للخارج متماسكة بسبب الطبيعة التسلطية للعلاقات بين أفرادها إلا أنها من الداخل ينخرها السوس ببطء.

    لقد مررت بخبرات تربوية سيئة تمثلت في الأسلوب التسلطي الذي كانت تدار الأسرة فيه، حيث لا يحظى الأفراد في هذا النظام من التربية بالاحترام والقبول، ولا تؤخذ رغباتهم وطموحاتهم بعين الاعتبار، ويعامل فيها الأفراد كأشياء مادية يتحكم فيها مالكها كيفما أراد، متجاهلاً أنم من يتعامل معهم هم من جنس البشر لهم مشاعر وطموحات.

    لقد انعكس هذا الأسلوب من التربية على الحلقات الأضعف في الأسرة، أمك وأنت. ولم يتوقف هذا الأمر عند مرحلة الطفولة فحسب بل استمر معك في فترة يفوعك ومراهقتك وشبابك. وطوال هذه الفترة لم تكن سيد نفسك بل مجرد تابع في نظام تسلطي وقمعي من التربية والمعاملة.
    وانتهى الأمر في النهاية إلى ما أنت عليه الآن من اكتئاب. الذي يتمثل في سلوك العزلة والمعاناة النفسية الرهيبة التي تثقل كاهلك. ويزيد الأمر سوءاً إحساسك بالذنب تجاه أطفالك.

    ولعلك مدرك بأن سبب صراعك الأساسي الذي يسبب لك هذه الحالة من الاكتئاب هو التناقض الذي تجد نفسك فيه. فمن ناحية أنت لا ترغب في أن ينقطع الحبل مع والدك، وتريد الحفاظ على استمرارية العلاقة معه لأسباب كثيرة و يمكن تفهمها واحترامه أيضاً، أهمها كونه والدك وحبك واحترامك له وبرك به ومن ناحية أخرى فإن هذا الحب والاحترام والبر من ناحيتك لا يقابله والدك إلا بمزيد من الحط من قيمتك وعدم الاعتراف بك والسخرية والتبخيس من قيمتك ومعاملته لك وكأنك شخص غير ناضج ويحتاج إلى وصاية هذا من ناحية.

    ومن ناحية أخرى أنت تدرك أن البعد عن والدك سيكون مصدراً من مصادر الراحة النفسية لك والاستقرار الأسري . و بين هذه التناقضات كلها التي لم تستطع حلها بشكل وواضح ومحدد تشعر بأنك ضائع، وغير قادر على اتخاذ القرار المناسب بالنسبة لك. وعلى الرغم من أن جوانب الصراع كلها واضحة بالنسبة لك، ومن ثم فإن الحل قد يكون لك واضحاً إلا أنك لا تريد أو لا تستطيع أن تدفع ثمن القرار المتمثل في ابتعادك عن أهلك وعدم الاحتكاك بهم إذا ما أردت أن تعيش حياة مستقرة فيها القليل من المنغصات.

    وعلى الرغم من أن الظروف التي مررت بها وتمر بها صعبة جداً، والصراع الذي تعاني منه مرير جداً، ومرهق، إلا أن هناك الكثير من الصفات والخصال الإيجابية في شخصيتك، منها تفوقك في عملك والتزامك وإخلاصك له، وتعاملك مع أصدقائك وأسرتك والبر بوالديك وكن الحب لهما على الرغم من كل الأمور التي حصلت وتحصل. وهذه خصال تبشر بقدرتك على تجاوز الصعوبات والمشكلات التي تواجهك. تذكر أن أبناءك بحاجة لك وعليك أن تصلح الأخطاء التي ارتكبت بحقك فلا تكررها مع أولادك. وتذكر أن زوجتك لا ذنب لها في كل ما يحصل.

    وبإمكانك أنت أن تجد الحل المناسب لمشكلتك، أن تجد الحل الوسط بين ابتعادك عن أهلك والقرب منهم بطريقة من الطرق بحيث تظل مجالات الاحتكاك والصراعات وتوليد المشكلات في حدودها الدنيا. فوالدك قد لا يتغير بسهولة من هذه الناحية، إلا أنك تستطيع أن تتغير أنت باعتبارك المتضرر من هذا الأمر، من خلال التعامل مع أسلوب معاملة والدك لك بطريقة مختلفة عما عملته حتى الآن.

    لكل أب توقعاته من أبنائه، وربما كان يتوقع والدك منك أموراً تفوق قدراتك الفردية، أو كان يريد أن تحقق له ما عجز هو عن تحقيقه. إلا أن من طبيعة الحياة أن يكون لكل شخص قدرات وطموحات مختلفة. وبعض الآباء قد لا يتقبلون هذا الأمر أو قد يفسرونه على أنه فشل لهم شخصياً ودليل على عجزهم وقصورهم. وربما يكون هذا الشعور هو الذي سيطر على والدك في يوم من الأيام، مع وجود النمط التسلطي بالأصل في شخصيته، فانعكس على أسلوبه القاسي في التعامل مع. إنه يشعر كلما رآك بالخيبة والفشل من نفسه هو، فتكون ردود أفعاله تجاهك المزيد من التوبيخ والإهانة.

    وهو بهذا الشكل يبدو وكأنه ينتقم من نفسه ومن ذاته على خيبته وفشله.
    المسألة في النهاية مسألة تفسير لردود أفعال الآخرين تجاهنا ولردود أفعالنا تجاه الآخرين. وحسب الكيفية التي نفسر فيها الأمور يتحدد تصرفنا. فإذا حاولت أن تفسر الأمر على هذا النحو فربما ترأف لحال والدك وتتقبل ردود أفعاله تجاهك أكثر مما يجعلك أكثر قدرة على تجاوزها و التقليل من تأثيراتها عليك وعلى حياتك.

    شارك زوجتك بهمومك ومشكلاتك، أو أحد الأصدقاء المقربين والموثوقين منك، أو أحد الأصدقاء المقربين منك ومن والدك فقد يسهم هذا الأمر بالتخفيف من إحساسك بالمشكلة ويخفف مشاعر الاكتئاب التي تعاني منها.

    لديك صداقات متنوعة وكثيرة وهذا عامل إيجابي في أن تجد القبول والاعتراف من مجالات صداقاتك، وهو أمر يعززك ويخفف من التأثيرات السلبية لتعاملات والدك معك.

    قم بأمور مشتركة ومتنوعة مع زوجتك وأولادك، وحاول اكتشاف معنى الأسرة بالنسبة لك وأهميتها فهذا يعطيك معنى جديداً للحياة وبعيداً عن دائرة تأثير والدك.
    بإمكانك تنظيم علاقتك بأهلك من خلال دعوة أمك لوحدها بين الحين والآخر لزيارتك، وكذلك أخوتك كل على حدة فهذا يخفف الضغط النفسي الذي تعاني منه نتيجة البعد عنهم.

    إلا أنه في كل الأحوال عليك ألا تترك نفسك على هذا الشكل لتنزلق في مزيد من الاكتئاب، وإلا ستكون العواقب وخيمة بالنسبة لك ولأسرتك التي لا ذنب لها. فإذا لم تستطع الخروج من هذه الحالة فأنصحك بمراجعة متخصص نفسي لمساعدتك على مواجهة ما تعاني مع أمنياتي بالتوفيق.

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

    • مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات