رحلتي مع الوسواس !

رحلتي مع الوسواس !

  • 36220
  • 2016-02-15
  • 216
  • المسترشد

  • السادة الأفاضل، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، مشكلتي تعود إلى سنوات عديدة مضت. كنتُ من الأوائل في جميع مراحلي الدراسية إلى أن جاءت الثانوية العامة. ذاكرتُ فيها مذاكرة جيدة جدًا، من الألف إلى الياء، لم أضع فيها أيَّ وقت، كنتُ أريد أن أدخل إحدى كليات القمة. جاءت الامتحانات، وكنتُ أؤدي أداءً طيبًا، وكانت اللجان بها غش، ولكنني لم أكن أقوم بالغش باعتبار أنني أفضل طالب في المدرسة، وباعتبار أنني لم أكن محتاجًا للغش، ولكن ليلة الامتحان، وقبل بعض المواد، كان الوقت ضيقًا، ولم أستطع مراجعة هذه المواد بأكملها، فتوترت أعصابي، وأحسستُ أن مجهود العام كله سيضيع هباءً، وقلتُ لنفسي وقتها "أنا أولى من غيري بالغش"، باعتبار أنني كنتُ مذاكرًا لهذه المواد مذاكرة جيدة جدًا طوال العام، ولكن الوقت لم يسعفني لمراجعتها ليلة الامتحان، وليتني لم أفكر هكذا، فأنا أصلاً مذاكر كل هذه المواد مذاكرة جيدة، من أولها إلى آخرها، ولستُ في حاجة أصلاً إلى الغش. المهم قمتُ بالفعل بالغش في هذه المواد، ونقلتُ الإجابة من الكتب دون أن أنتظر لأرى هل هناك بالفعل أيّ سؤال لا أعرف إجابته، أي أنني لم أعط لنفسي فرصة لأحكم هل بالفعل نسيتُ ما استذكرته طوال العام ولم أتمكن من مراجعته ليلة الامتحان، ولكنني وقتها كنتُ أخشى أن أفقد أيَّ درجة، لأنني الأول على المدرسة وكنتُ أريد أن ألتحق بإحدى كليات القمة، وكنتُ أخشى ألا تسعفني ذاكرتي لأنني لم أستطع مراجعة هذه المواد بأكملها ليلة الامتحان، وظننتُ وقتها أنني لن أتذكر ما ذاكرته طوال العام، وبالتالي سيضيع مجهود العام هباءً، وهذا هو ما دفعني للغش، وذلك بسبب حرصي الزائد على ألا أفقد أيَّ درجة. المهم حصلتُ على مجموع عالٍ، وإن كان أقل مما كنتُ أتوقعه، ولكنه كان كافيًا لدخولي إحدى كليات القمة...
    تفوقتُ في هذه الكلية، ولم أغش فيها أبدًا، لأنني أصلاً لا أحتاج إلى الغش، وتخرجتُ بتفوق، ثم عملتُ، وتميزتُ في عملي جدًا، ونجحتُ نجاحًا باهرًا، وتفوقتُ على كثير من أقراني، لأنني أتمتع بالذكاء الشديد، والدقة المبالغ فيها، والاهتمام الزائد بالتفاصيل، فضلاً عن أنني كنتُ مثالاً على الأمانة في العمل خوفًا من المال الحرام. ولكن ثمة هاجسًا كان يقض مضاجعي، ونغص عليَّ حياتي طوال فترة عملي، وهو الغش الذي حدث في الثانوية العامة، فأنا أرى أن أموالي حرام، لأنني أؤمن أن "ما بُني على باطل فهو باطل"، لأن دخولي لكلية القمة، التي التحقتُ بها، كان بسبب مجموعي العالي الذي شابه بعض الغش في الثانوية. ظللتُ طوال فترة عملي، رغم تميزي وتفوقي فيه، أفكر في هذا الأمر، وأشعر بداخلي أن أموالي حرام، وهذا ما منعني حتى من الزواج، رغم أنني الآن على مشارف الأربعين من عمري. استفتيتُ عدة شيوخ، ومعظمهم قالوا ليَّ إن التوبة تمحي ما قبلها ونصحوني بأن أستمر في عملي، ولكن كان دومًا في نفسي غصة، ولم يطمئن قلبي رغم هذه الفتاوى، وكنتُ أخشى من العقاب يوم القيامة. وبعد عدة سنوات ذهبتُ لطبيب نفسي قال ليَّ إن هذا وسواس قهري، وأخبرني أنه بالأدوية والجلسات سيذهب هذا الوسواس بعد ستة أشهر، وواظبتُ على الجلسات والعلاج أملاً في انتهاء هذا الكابوس، وجرّبتُ أدوية كثيرة (منها فافرين ولوسترال وأنافرانيل وأدوية أخرى كثيرة)، وظللتُ محافظًا على العلاج لمدة عامين، ولكن لم يتغير شيء، ولم تتغير أيُّ أفكار، كل ما في الأمر أنني أصبحتُ أهدأ قليلاً، وبعد عامين من العلاج، قررتُ أن أوقفه لأنه لم يضف ليَّ أيَّ شيء. واستمريتُ في العمل إلى أن قدمتُ استقالتي لظروف خاصة، وفي نفس الشهر الذي قدمتُ فيه استقالتي، أصبتُ بوسواس شديد جدًا في الطهارة، وخصوصًا الماء المتطاير من الاستنجاء، لأنني أرى أن هذا الماء المتطاير نجس لأنه خالط النجاسة، واشتد عليَّ الأمر جدًا، وأرهقتُ أهلي جدًا معي، واستمر "وسواس الطهارة" معي لفترة طويلة، ذهبتُ خلالها إلى أشهر الأطباء في مصر، وجرّبتُ أدوية كثيرة جدًا (منها الفافرين وبروزاك وأنافرانيل وسمبالتا وغيرها من الأدوية)، ولكن أيضًا لم يتغير شيء، وطوال فترة مرضي كنتُ أقرأ عن الوسواس القهري من المراجع الأجنبية، وعرفتُ عنه معلومات كثيرة، مثل العلاج المعرفي السلوكي، والتعرض وعدم الاستجابة وغيرها من الأساليب، وأثناء فترة مرضي بوسواس الطهارة، جاءني وسواس آخر، وهو "وسواس النذر"، وهو أنني أجد نفسي أتلفظ بألفاظ نذر، أو هكذا يُهيئ ليَّ، ومعظمها يدور حول فكرة التبرع بأموال معينة، وعانيتُ كثيرًا من هذه الأفكار. وبعد فترة طويلة من الاستمرار على العلاج، والتردد على أشهر الأطباء في مصر، لم تتغير هذه الأفكار، ولم أستفد بشيء من الأدوية، بل كان ضررها أكثر من نفعها، فقد ازددتُ في الوزن كثيرًا، وحصلت ليَّ مشاكل في التبول، حيث أصبحتُ أدخل الحمام كثيرًا، وكثيرًا ما كانت تأتيني الرغبة في التبول فجأة دون مقدمات، وكثيرًا ما كنتُ لا أستطيع التحكم في نفسي قبل الوصول إلى الحمام، وهو ما جعلني لا أستطيع الخروج من المنزل، لأنه في بعض الأحيان كانت تأتيني الرغبة في التبول فجأة وأنا في الشارع، وحدث بالفعل عدة مرات أن فقدتُ السيطرة على نفسي أثناء وجودي في الشارع، ومشاكل التبول هذه حدثت معي أثناء تناولي لعقاري فافرين وبروزاك تحديدًا، وهو ما كان يزيد من وساوس الطهارة لديَّ، واختفت مشاكل التبول هذه بعد توقفي عن الفافرين والبروزاك. ثم استمريتُ بعدها على أنافرانيل مع أدوية أخرى مساعدة، ولكن وزني ازداد بصورة مرعبة سببت لي ضيقًا شديدًا، وبعد فترة فقدتُ الثقة في الأدوية، لأنها لم تساعدني على الإطلاق، ولم تغير أيًا من الأفكار لديَّ، وكرهتُ آثارها الجانبية. وبعد توقفي عن الأدوية، قررتُ أن أعتمد على نفسي، وأن أعتمد على العلاج المعرفي السلوكي، وأفادتني كثيرًا الفتاوى الدينية في هذا الشأن، وبدأتُ تدريجيًا في تغيير بعض الطقوس، خصوصًا فيما يتعلق بوسواس الطهارة، وعرفتُ متى أستجيب للوسواس كي أتجنب وسواسًا أكبر، ومتى أتجاهل الوسواس. نجحتُ كثيرًا في وساوس الطهارة، وأصبحتُ أستغرق في الاستحمام وقتًا أقل كثيرًا، وتحقق هذا بالتدريج، وإن كنتُ لم أتخلص من وساوس الطهارة كلية، ولكنني أفضل حالاً كثيرًا. وبالنسبة لوسواس النذر، تحسنتُ أيضًا كثيرًا، ولجأتُ إلى أسلوب أراحني كثيرًا، وهو أنني كلما راودتني فكرة تتعلق بالنذر، وأحسستُ أنني على وشك التلفظ بشيء، أقوم بتثبيت لساني في حلقي كي أضمن عدم التلفظ بشيء، أو أقوم بترديد دعاء ما كي لا أتلفظ بشيء آخر. ولكن ما يؤرقني الآن الألفاظ التي سبق أن تلفظتُ بها، فقد قرأتُ فتاوى تقول إنه "لا اعتبار لنذر الموسوس المغلوب على أمره لأنه في معنى المكره"، ولكنني دومًا أتساءل هل تلفظي لهذه الألفاظ كان اختيارًا أم بسبب الوسواس!! ودائمًا ما أتساءل ماذا لو اتضح يوم القيامة أن تلفظي بهذه الألفاظ لم يكن وسواسًا وثبت أنني كان من المفترض أن أتبرع بأموال معينة، هل سأحاسب وقتها على أنني أكلتُ أموالاً حرامًا كان من المفترض أن أتبرع بها!! باختصار، كيف أجزم أن تلفظي بهذه الألفاظ كان بالفعل بسبب الوسواس، وبالتالي أستطيع باطمئنان أن أستند إلى القاعدة الشرعية التي تقول إنه لا اعتبار لنذر الموسوس، وبالتالي أريح نفسي مما تلفظتُ به في السابق، وأغلق هذا الباب نهائيًا. هذا بالنسبة لنقطة "وسواس النذر". أما المشكلة الكبرى بالنسبة لي فهي المشكلة الأصلية، وهي مشكلة الغش في الثانوية العامة، فأنا لا أراها وسواسًا، لأنني مؤمنٌ بأن "ما بُني على باطل فهو باطل"، وبعد صراع طويل مع نفسي، قررتُ ألا أعمل في مجال دراستي مرة أخرى، وتبرعتُ بكل أموالي التي اكتسبتها من مجال دراستي. ثم فكرتُ في حلول لهذه الإشكالية، حاولتُ أن أعيد الثانوية العامة، ولكنني فوجئتُ أن القانون لا يسمح بذلك، ثم فكرتُ في العمل في أيِّ مهنة أخرى، حتى لو عامل بسيط، ولكن المشكلة أن أصحاب أيِّ عمل سيسألونني عن المؤهل، وسأضطر إلى تقديم المؤهل عند التقدم إلى أيِّ وظيفة أيًا كانت حتى لو كانت بسيطة، فضلاً عن أنني لا أتقن أيَّ شيء سوى مجال دراستي. ثم فكرتُ أن أبدأ من الصفر وأن أتقدم من جديد، رغم كبر سني الآن، إلى إحدى الكليات التي لا تشترط مجموعًا في الثانوية، ولكنني تذكرتُ أن القانون ينص على أن من يثبت غشه يُلغى امتحانه وتُطبق عليه عقوبة الفصل لمدة عامين، أي أنني لا أستحق حتى الثانوية العامة، وبالتالي لا أستحق التقدم لأيِّ كلية حتى وإن كانت لا تشترط المجموع. أعيتني الحيل ولا أعرف ماذا أفعل؟! بل إنني لا أستطيع حتى أن أتزوج، لأن أيَّ فتاة سيكون معها مؤهل عالٍ، وأنا لا أستحق مؤهلي العالي، وبالتالي لن أكون مكافئًا لها، فضلاً عن أن أهل أيِّ فتاة سيسألونني عن المؤهل، ولولا أنني معي مؤهل عالٍ لن يقبلونني، وبالتالي من شأن هذا الزواج أن يُبنى على باطل. أهلي يحاولون إقناعي بأن أستمر في مجال عملي ويقولون لي إنني كنتُ متفوقًا في الثانوية وإنني كنتُ أستحق مجموعي العالي، بل كنتُ أستحق أكثر من هذا المجموع، ويقولون لي إن العديد من الشيوخ وأهل العلم أفتوني بالفعل بأن التوبة تمحو ما قبلها، وبالتالي هم من يتحملون الذنب أمام الله يوم القيامة. ولكن قلبي غير مطمئن لهذه الفتاوى، ولا أستطيع أن أجازف بآخرتي، بأن أظل طوال عمري آكل مالاً حرامًا أو حتى مشتبهًا فيه، لأنني أخاف جدًا من المال الحرام. حياتي متوقفة الآن، ولا أعرف ماذا أفعل؟! فقد أعيتني الحيل، فبعد التفوق والمكانة المرموقة التي وصلتُ إليها، أصبحتُ بلا عمل، بلا طموح، بلا هدف في الحياة، حياتي تدمرت، ولا أعرف ماذا أفعل، ولا أعرف ما هو شكل حياتي فيما بعد. هذه هي معاناتي، ورحلتي مع الوسواس، ومع الأطباء، ومع الأدوية. عذرًا على الإطالة، وشكرًا لحضراتكم.
  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2016-10-12

    أ . هاشم عبد المجيد هاشم

    السلام عليكم ..
    واضح من كلام السائل أنه يعاني من وسواس قهري وواضح أنه فعلا استفاد من العلاج السلوكي والجلسات النفسية والفتاوى التي سمعها من بعض الشيوخ الأجلاء وإن كان هناك بعض الأعراض التي لا زالت تظهر في بعض الأحيان وتزداد مع أي ضغوط نفسية أو حياتية .
    أنصح السائل بمتابعة العلاج السلوكي مع معالج سلوكي وطبيب نفسي يبدأ علاجا دوائيا غير الأدوية السابقة، وأن يصبر على العلاج لأن طبيعة الاضطراب تتأرجح بين التحسن والانتكاسة ولكن التحسن سيأتي ولو بعد حين وأن يأخذ بفتوى الشيوخ في ما تحصل عليه من مؤهل وأن يكون متفائلا ولا داعي لاجترار هذه الأفكار التشاؤمية .
    أسأل الله أن يوفق السائل ويمن عليه بالصحة والعافية .
  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

    • مقال المشرف

    الرحلة الحفراوية

    حطت طائرتي في مطار (القيصومة) على إطلالة شتوية رائعة، الحرارة لم تتجاوز 7 مئوية، ومع ذلك فقد شعرت بالدفء مباشرة حين احتضنت عيناي ذلك الشاب المنتظر بلهفة على بوابة الاستقبال، أبديت له اعتذاري لما تسببت له من إزعاج بحضوره من (حفر الباطن) في هذا الوق

      في ضيافة مستشار

    د. سعدون داود الجبوري

    د. سعدون داود الجبوري

      استطلاع الرأي

    أحرص على ممارسة رياضة المشي
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات