ما الزاد في كل محنة ؟

ما الزاد في كل محنة ؟

  • 21632
  • 2010-12-22
  • 2780
  • حلم


  • السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    أكتب اليك يا دكتور وأنا بحاجه الى استشاره نفسيه ضروريه كتبت بعد تفكير طويل مشكلتي باختصار حتى لآ أطيل عليك

    مشكلتي تتعلق بمرض أو أمراض والدي وما يسبب لنا من الام نفسيه أنا الان بالصف الثالث ثانوي ومن ثالث متوسط وانا بتفس الدوامه فرحه بسيطه تعقبها نكسه قويه رضى بالقدر انهيار سفر تقبل للواقع مجموعه احاسيس لا استطيع حصرها

    بالبدايه كان مرض والدي سرطان فالرأس وبعد القلق النفسي الشديد والرهبه من المرض والصدمه من صعوبه هذا المرض ووبعد العمليه ونكساتها وارتخاء العضلات والتعب النفسي أستطاع تجاوزها كانت عنده اراده قويه وكانوا اطفاله اي انا واخواتي سبب لتقويه عزيمته

    ولا ننسى ورفع المعنويات التي كان يقوم بها بعض من أصدقائه جزاهم الله خير الجزاء ومواسات والدتي والقراءه المتواصله بعدها ابتدى بالتحسن استبشرنا خيراً ولكن بعدها بفتره وجدوا قطعه صغيره فالراس لا يعلمون ماهي قالوا قد تكون ماء متجمع من بعد العمليه

    و قالوا قد تكون بقياء خلاياء سرطانيه وبعدها ابتدى العلاج الاشعاعي ثم قرر الذهاب لامريكا وانت تعلم النكسات التي تصاحب العلاج الاشعاعي النفسيه والجسديه خصوصا مع عدم تقبل جسمه للاشعاعي لفتره طويله لحوالي الثلاث او الاربع شهور كانت جرعات الاشعاعي لا تجدي معه

    بعدها ابتدى الاستجابه وقرر العوده للوطن بعد طوووول غياب رجع اهو واخي واستبشرنا خيرا كان قد نحل جدا ولكن الحمدالله على كل حال بعدها بنص سنه او اكثر ابتدى معه ارتفاع وانخفاض في الحراره لاكثر من مره

    فاليوم اتعبته جسديا ونفسيا والاطباء لا يعلمون لماذا بالبدايه توقع انها اثار جانبيه للعلاج ولكن لم تكن كذالك استمرت ثلاث شهور مع ضعف شديد شديد فالشهيه والم نفسي قوي

    كانت نفسيته لا تبشر بخير كات قريب للاكتئاب اشعاعي وحراره قويه لا احد يعلم ما علتها حتى اصبح يتنقل بمقياس الحراره وكل ساعه وبدون مبالغه يقيس !!

    بعدها ذهب هو ووالدتي واخي لامريكا لثلاث شهور ولك انت تتخيل حجم معاناتنا لمرض والدي وسرحانه وشروده قلقنا عليه وسفرته واهو بحاله متعبه جدا

    والدتي ووحجم تاثير غيابها والدتي التي لا يعوض غيابها احد !! وتعلم مع وجود اطفال يتضاعف الموضوع في الثلاث شهور تنوم ابي لفتره بالمستشفى وقرروا له العمليه خوف شديد لوالدتي التي لم تصرح بالامر لنا

    كانت فقط تلمح بعدها اعتذروا وقالوا خطا ولكن بتستخدم علاج لانهم عملوا له اشاعه واكتشفوا وجود التهابات وفطريات كثيره منتشره بالجهاز الهضمي وهي المسببه للحراره واستخدم علاج ولم يتحسن فذهب الى المستشفى

    وقالوا انها كثيره ومنتشره وغريبه بكل الجهاز الهضمي ولكن تراجعوا واعطوه ابر ومغذي \كان ياخذ باليوم حوالي الست او السبع ابر وحده لفتح الشريان ثم المضاد ثم مره ثانيه مضاد وهكذا والمغذي مشبوك باليد

    كنت احادثه بالتيلفون كانت نفسيته سيئه و صحته الجسديه كانت سئيه ونجل جداً وكان دائما ينام واصيب بفقر دم وضعف شهيه ودوخه مع ان والدتي كانت تحرص على غذائه وعلى انواعها ولكن كانت شهيته سيئه

    وبعد اسابيع من الابر والمغذي كان موعده مع اخصائي الالتهابات العائد من اجازهوكان فتره متغيب عن المستشفى وكل مره يذهبون الى المستشفى لا يجيدونه الى ان من الله عليهم ووجدوه باخر مره

    قرر عمل فحوصات ثانيه واكتشف ان المساعده اعطته العلاج الخطأ أي أن الابر والمغذي المتعب علاج خطا واكتفى ب اسفين ونشكرك على صبرك وتحملك !! بعدها اعطاه العلاج ولله الحمد ابتدت تخف الحراره تدريجيا فرجع الى الوطن وكان رمضان

    عشنا رمضان بازمه نفسيه سيئه شهيه ضعيفه استفراغ احياناً وحتى العيد كان دائما ينام ولديه خمول مع انه متحسن وحتى شهيته ولكن كان اكتئاب شديد شديد بعدها ابتدينا نرفع من معنوياته ونكون بقربه حتى لا يفكر نصبره ونقويه وتحسن قليلاً ولله الحمد

    وبعد فتره كانوا لدينا عماتي وكان اخي الاكبر عائد من سفرته السياحيه ولكن متعب لم يكن يرغب السلام عليهم كان متعب جدا ابي كان يصر عليه ان ينزل للسلام وكان يحادثه بالجوال ثم جلس بمكان حار قليلاً مع والدتي واهو متضايق وارتفعت الحراره اظن قليلا بعدها تشنج ..!

    لاول مره اتت امي مسرعه حتى الصوت لا يسعفها لم تكن تعرف ماذا تعمل اتينا جميعا اصبت بانهيار انا كان ابي ينظر الي بخوف لا يريدني ان اراه بهذي الحاله اخي الصغار اصيب بالذعر الشديد والبكاء الهستيري اخذناه بعيد عن والدي او هو ذهب بعيدا ليتخبى

    اصبحت الدنيا سودا امامي استمر فتره من الزمن نادينا الرجال اتى اخي وهداء الوضع كان والدي يريد ان يرى اخي الاصغر ليطمن بعدها اصرت والدتي ان يذهب لطوارئ ووالدي رافض لانه يظن انه من العلاج اتته مره اخرى حلفت والدتي الا يبيت حتى يذهب ذهب وتاكدوا انها ليست جلطه

    بعدها ذهب لموعد لديه قال له الدكتور انها من علاج الالتهابات القوي يسبب تشنج اعطاه علاج اصبح والدي منعزل تماما لا يرغب في الخروج حتى لا يتشنج حتى سياقه السياره يرفضها اذا اتى احد لسلام عليه يكون متوتر خايف ان تاتيه الحاله والدي حساس جدا لا يريد ان يراه احد بتلك الحاله

    لدرجه انه اذا احس انها ستاتيه يقول لوالدتي ان تخرجنا او تامرنا باي ششي حتى لا تاتيه امامنا اصبح منعزل جدا كانوا اخواني يصرون عليه ان يخرج لانه يستعمل العلاج فلا داعي للخوف استجاب لهم

    اسبوعين فقط وابتدت يده تولمه لا يستطيع رفعها كان يعتقد انها من العلاج لانه يسبب ارتخاء فالعضلات لكن اعتقد ان الموضوع اصعب كلها يومين واصبح غير قادر على الاحساس بيده اليمنى بتاتاً ورجله اليمنى يسحبها لا يستطيع ان يقف عليها واذا نظرت الى وجه ارى ان فمه مال الى الجانب الايسر وهذا ما يؤلمني

    اصبح كالضعيف لا يستطيع دخول الحمام الا بمساعده والدي حساس جدا من تلك الامور والمسائل حتى اذا ما قالت والدتي هل تريد الحمام يضحك كثيرا واهو متالم اصبح لا يستطيع مساعده نفسه ابدا

    ذهب الى المستشفى بل للمستشفيات كل يوم يذهب ولمسافه طويله ويرجع بدون عمل اي ششي عملوا اشاعه وتوقع دكتور امتياز ان ما يحدث ليده ليس لها علاقه بالعلاج بل بسوائل فالراس

    اما ياخذ علاج وتعمل على تنشيفها لفتره بسيطه او عمليه بالراس مره اخرى !!! طبعا كان اخي الاكبر معه هناك واكتشف ان الالتهابات تعتبر اصعب انواع الالتهابات والخرجات

    طبعا اخي المح بالموضوع لكن والدتي لم ترغب بكشف الامر لنا وخصوصا لي لانني بمرحله مهمه ووالدي لا يريد اخبار احد !! حتى والدتي اكتشفت بالصدفه بعد فتره حينما حاولت ترجمه اوراقه !

    الان يذهب تاره للكشف عن راسه وتاره للكشف عن بطنه لا احد يستجيب يجلس بالساعات بالمستشفى لكن الموضوع وكان الله كاتب له ان يتعسر وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيرا لكم

    قبل يومين استفرغ فالسياره وامام السائق + كان يحاول النهوض من سريره فسقط ذهب اختي الصغرى لاخي تناديه يساعده ثم قررت والدتي ان نزله عند جدتي لانها ستذهب لدوام ثم ذهب ليلبس جزمته فسقط على الدرج لانه اصبح يصاب بدوخه

    والحديث يطول عن النكسات . المشكله بانني لا استطيع تحمل كل هذا الالم اشعر انه لابد منه راحه صغيره استجمع بها قواي من فتره الاربه سنوات ونصف وبيتنا لا يخلو من المشاكل ابدا اذا تحسنت صحت والدي سائت صحت والدتي او جدتي

    اقف احيانا واقول توقف بسيط لالتقط انفاسي قليلا اود ان اكون قويه اكرهه نفسي لاني حساسه جدا نادمه لانني لا اكف عن التعلق بوالدي اكثر واكثر دايما ما اقول لما لا اكون مثل صديقتي فلانه وفلانه وتلك لا اكترث من وجود والدي واحيانا اقول لان والدي ليس ككل الناس رجل بنى نفسه بنفسه وبنى مجده وسمعته بنفسه

    انا امام مرحله مهمه تحدد مصيري لا استطيع التركيز بتلك الكتب والمقررات وانا خايفه من مستقبلي احيانا اشعر اني ساجن اذا افتقدته قبل فتره فقدت صديقتي اللتي تشاطرني المعاناه والدها كنا دايما نواسي بعضنا كنت افكر ساكون ملها

    قبل فتره قالت لي انه تجمد شعورها تمتمت يارب يتجمد شعوري بكل ششي لا اريد ذالك الاحساس القاتل تعبت جدا اريد فتره نقاهه وفرحه او ان اضحك من قلبي من غير ان يذكرني ضميري بوالدي !!

    افكر كثيرا بامي كيف لها ان تتحمل زوج مريض واهي مريضه اطفال يريدون تربيه ورعايه ولد كبير يستخرج هذا الفصل ان شاء الله بنت ستتخرج من الثانويه ابناء اخرين يريدون رعايه

    كيف لها ان تحمل بقلبها كل هذا احيانا افكر انني اتحمل فوق طاقتي ليس علي التفكير الا في نفسي ووالدي ووالدتي لكني افكر في اخي الكبير وبعض المشاكل اللتي قد توثر عليه

    واختي الكبرى التي لا تكترث الا لنفسها وتعمل اخطاء قد تحمل اثمها طول عمرها واختي الصغرى المراهقه وافكارها الغريبه وووو لماذا افكر بكل هذا لماذا !!

    واحيانا كثيرا استمع لمشاكل صديقاتي واسعى لحلها !!احيانا يكون ايماني بقضائي وقدري كبير لكن تصيبني نوبات افلاس صبر لا استطيع مواجهتا

    ارجوك ساعدني نفسيا انا اغرق لا اريد ان تؤثر هذه المرحله علي اريد ان اكمل تعليمي واصبح دكتوره بالعلم لاحقق لوالدي جزء من حلمه اكون دكتوره واريد ان اكون قويه

    مشكلتي اني اتالم حينما يراني احد بنظره شفقه اكرهها لم اعتد عليها تقتلني دكتور كلامي غير منسق ولكن احتاج استشارتك , اخاف ان اصاب بالاكتئاب ,او الفشل ارجوك ساعدني كيف اتعايش مع واقعي واتقبله

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2011-01-28

    أ.د. سامر جميل رضوان

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لم تكن قراءة رسالتك سهلة، ففيها الكثير من المعاناة والألم، وأنا متأكد أن ما ذكرته لا يمثل إلا جزءاً بسيطاً مما تمرين به أنت أو أسرتك. وفي البداية لا يسعني إلا أن أدعو بالشفاء لوالدك، وأن يمده الله سبحانه وتعالى بالقوة والعزيمة والثبات، ويثبت إيمانكم جميعاً ويمنحكم الصبر والتحمل فيما تمرون به من أزمة منهكة، ومرهقة.
    يمثل المرض المزمن بالنسبة للشخص المعني وللأسرة أزمة شديدة التأثير والأثر تزعزع الأسرة ككل وتستنزف طاقتها النفسية والروحية والمادية إلى درجة كبيرة، ولا تقتصر آثارها على الشخص المريض نفسه فحسب بل تمتد لتشمل كل فرد من أفراد الأسرة، ليعاني كل منهم بطريقته الخاصة، وقد لايدري أو يشعر كل واحد بمدى ما يعانيه الآخر. ويصبح كل فرد من أفراد الأسرة بحاجة للدعم والمساندة وفي الوقت نفسه مطلوب منه أن يقدم الدعم والمساندة للآخرين، ويتوه في بعض الأحيان بين حاجته نفسه للدعم وما هو مطلوب منه من دعم للآخرين، وتتوتر العلاقات الأسرية جداً ويختل نظامها، وتظهر عند كل فرد ردود أفعل مختلفة، تماماً كما تصفينها في رسالتك، وأكثر أحياناً. فهذا يفقد الإحساس بمعنى الحياة، ويعيش يومه تبدو عليه اللامبالاة وعدم الاهتمام، وثان يكتئب وينزوي، وثالث يتراجع إنجازه وتحصيله، ورابع يتغير سلوكه على عكس ما كان عليه، وخامس يتولى تحمل الأعباء والمسؤوليات ولا يشكو ولا يمل وسادس يتعامل مع الموضوع وكأنه أمر عادي ولم يحصل شيء، وسابع يتجنب أي كلام عن المرض وعن نفسه أو مشكلاته وثامن يتبلد شعوره ويتجمد ويخنق مشاعره أو يكبتها في أعماقه... وهكذا من ردود أفعل مختلفة باختلاف وتنوع أشكل الحياة ووجوها. وتتأرجح الأسرة باستمرار ما بين الشك واليقين، وبين الخوف والأمان، وبين الأمل والتشاؤم. وهذا التأرجح بحد ذاته ينهك الروح ويحطم النفس. إنه وضع صعب، يحتاج إلى قدرات وطاقات كبيرة كي يمكن تحمله. ومثل هذه الطاقات والقدرات لاتوجد بشكل كامل إلا بالإيمان. فالإيمان بالله سبحانه وتعالى وبقضائه وقدره هو المنبع الأول والأخير لكم في محنتكم جميعاً يمنحكم القوة والعزيمة على مواجهة ما تمرون به في كل لحظة من لحظات حياتكم. ففي مثل هذه الأزمات قد يمر الإنسان سواء كان المريض نفسه أم أفراد أسرته بلحظات من الشك، والتساؤل عن المغزى الكامن خلف المرض، ويتساءل المريض لماذا أنا بالتحديد، وتتساءل الزوجة لماذا أنا بالتحديد من يكون علي أن أتحمل هذا، أو يتساءل الأولاد لماذا أبي بالذات، ولماذا أرستنا بالتحديد، ويقارنون الناس ببعضهم، وقد يستنتجون أنه على الرغم من أن سلوك بعض الناس الآخرين سلوكاً ليس جيداً ومع هذا يبدو عليهم النعيم والسعادة ونحن الملتزمون يصيبنا ما أصابنا، وقد يمرون نتيجة هذه المقارنات بلحظات من الشك وفقدان الأمل واليأس، وقد يفقدون في فترات التوجه ويتوهون بأفكار وتحليلات واستنتاجات لاتزيد الوضع إلا سوءاً. فإذا كان إيمان الإنسان بالله سبحانه وتعالى راسخاً، واعتبر أن هذا ما هو إلا امتحان من الله سبحانه وتعالى على ثباته وأن إرادة الله إن أراد شيئاً قال له كن فيكون تجعلنا نتقبل المرض كجزء من الحياة ونتعامل معه بتسليم ورضا لقضاء الله وقدره الأمر الذي يقود إلى التخفيف الكبير من الكم الهائل من التوترات والضغوطات التي يعاني منها المريض وتعاني منها الأسرة.
    أنتم الآن في محنة، وكل ما تصفينه هو من نواتج هذه المحنة وعلينا النظر لكل ما يحصل ويدور على أنه جزء من محنتكم الشديدة. وعلينا أن نقر أن كل فرد منكم يعاني، ولا يوجد فرد فيكم معاناته أكثر من الآخر. ولكن كل فرد يعاني بطريقته، وما يظهر عليه من الخارج ما هو إلا تعبير عن معاناته، حتى وإن بدا لنا سلوكه مستغرباً بعض الشيء أو غير مفهوم كسلوك أختك الذي يظهر فيه نوع من اللامبالاة أو سلوك أخيك. وبما أن المريض هو الذي يحصل على كامل الاهتمام والرعاية فإنه يتم تجنب الحديث أو التعبير عن المشاعر الإنسانية الطبيعية التي يشعر بها كل فرد من أفراد الأسرة، سواء أمام المريض أم بين الأفراد مع بعضهم ومن ثم يتم خنق المشاعر وكبتها، فتحشر حشراً في أعماق الروح لتتراكم وتصبح منهكة ومزعجة إلى درجة شديدة. وبعد فترة يدخل الجميع في دوامة الكبت، فلا يعود من المسموح التعبير عن مشاعر اليأس والتوتر والضيق وإن شعر بها الإنسان يلوم نفسه ويؤنبها. وفي بعض الأحيان يعبر الإنسان عن هذا فيلقى اللوم والصد من المحيطين، ويتم تبادل الاتهامات وكل فرد يعتقد أنه يعاني أكثر من الآخرين وأن الآخرين لايحسون به وهكذا ومع الزمن ينسحب بصمت إلى داخله لتصبح معاناته من الداخل تنهش روحه ببطء وتنهكه دون أن يرى بصيص أمل في الخلاص من حالته.
    وما أحاول هنا القيام به هو توصيف الحالة التي أنت وأهلك فيها، كي تتضح لك بعض الأمور التي تمرين بها، ولا أخالك لا تعرفينها، فأنت تعيشينها لحظة بلحظة، وظهور الأفكار والمشاعر التي تصفينها في رسالتك هو أمر طبيعي بسبب المحنة التي أنتم فيها، ومن حقكم جميعاً أن تتألموا وتغضبوا وتحزنوا وأن تشعروا بكل المشاعر السلبية الناجمة عن المرض والمعاناة منه. فكل ما يظهر هو أمر طبيعي ولا يلومكم أحد عليه. لكن رسالتك تتضمن شيئاً آخر أيضاً، هو وجود الدعم والتعاضد بين أفراد الأسرة والأصدقاء، وهو ما يجب استثماره دائماً بطريقة فاعلة ليس ببث الأمل فقط بل في الحديث عن الضيق والتوتر والألم الذي يشعر فيه كل فرد منكم دون أن يتم اتهامه بأي شيء وتقبل ما يصدر عنه من مشاعر مهما كانت.
    فالمسألة هنا هي أن كل واحد منكم بحاجة إلى طاقة متجددة كي يستطيع الاستمرار والتحمل بدءاً من الأب المريض وانتهاء بأصغر فرد في الأسرة والأصدقاء. والطاقة المنجدة تأتي من مصادر متنوعة أهمها الإيمان وقوة الإيمان والتمسك بحبل الله في أشد اللحظات صعوبة. ثم تأتي المصادر الأخرى للطاقة من خلال التعبير عن الضيق والتعاضد بين أفراد الأسرة والتماسك والسماح للانفعالات السلبية بالخروج من دون لوم أو اتهام والسماح للنفس بالاستمتاع بالحياة واستغلال اللحظات التي يكون فيها حال المريض مستقراً للقيام بأشياء محببة للنفس والترويح عنها والتخطيط لأمور حياتية تبعث الأمل. ومن المفيد هنا توسيع دائرة الدعم الاجتماعي إلى خارج الأسرة. فبعض الناس يتجنب الأصدقاء لأنه لا يريد أن يحملهم فوق طاقتهم، إلا أن هذا خطأ، عليه أن يطلب الدعم والمساندة وأن يتقبل شاكراً كل مساعدة. وبعض الأصدقاء والأقارب يتجنبون المريض وأسرته ليس لأنهم يريدون ذلك بل لأنهم لا يعرفون كيف يقدمون الدعم والمساندة أو يخشون من أن يتم صدهم ورفضهم إن قدموا المساندة، أم أن يرتكبوا خطأ ما. وهنا على الأهل أن يطلبوا المساندة النفسية والاجتماعية ولا يخجلوا من هذا. فكلما اتسعت دائرة الدعم والمساندة خفت الأعباء والضغوط وزادت من إحساس المريض بالأمن والأمان وأسهمت بتحسن حالته.
    والمهم كذلك في هذه المرحلة تنمية الإحساس بالتماسك، أي الحفاظ على قدرة الصمود وعدم الانهيار في مزيد من مشاعر اليأس والاستسلام، ورؤية الأمل في نهاية النفق المظلم.
    وفي الوقت نفسه ينبغي لهذا الأمل ألا يكون أملاً مبالغاً به، بل أن يكون واقعياً ليحميكم جميعاً من تلك التأرجحات الضارة من قمة الأمل إلى قمة اليأس والعكس. ويعني الأمل الواقعي، التعامل مع الحياة بالشكل الملائم حتى مع وجود المرض، واستخلاص المعنى الإيجابي من كل ما يحدث على أنه امتحان من الله يختبر فيه عباده وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ونحن كبشر لن نستطع أن نقدم أو نؤخر أمراً كان مكتوباً، وعلينا الأخذ بالأسباب، فنسعى حاملين الأمل بالخير، حتى في أحلك لحظات الحياة محنة، ولا نستسلم حتى لو بدت لنا كل الأمور حالكة ومظلمة.
    والمصارحة بين أفراد الأسرة ضرورية، على أن تكون المصارحة على شكل تعبير عما يشعر به كل واحد ويتحمله، لا أن تكون اتهامات للآخر عما يفعله أو لا يفعله. وتطلق على هذا الأمر مشاركة الآخرين. على كل فرد أن يشارك الآخرين همومه الخاصة وضغوطه التي يشعر بها، من دون أن يتهم الآخرين أنهم لا يحملون شيئاً ولا يحسون به، والعكس، أي من دون أن يشعر الآخرين أنه يحمل ويضحي أكثر منهم. هذه الآلية مهمة لخلق روح التعاون بين أفراد الأسرة كل قدر استطاعته والتخفيف بعضهم عن بعض.
    عليكم أن تتخيلوا أنفسكم كأسرة في سفينة في البحر، والجميع مسؤول بمقدار عن إيصال السفينة لشاطئ الأمان. والمسؤوليات يجب أن تتوزع كل حسب طاقته، مع التقدير والاحترام لكل شخص حتى لو قدم أبسط الأمور، لأن المحنة كبيرة وقد لا يتحملها أي فرد.
    ومع وجود المرض والمحنة من حقكم أيضاً كأسرة وأفراد أن ترفهوا عن أنفسكم وتستمتعوا ببعض اللحظات في الحياة خارج إطار المرض، كالتسوق وممارسة الرياضة وتبادل الزيارات مع الأهل والأصدقاء وغير ذلك من أنشطة من دون الانشغال بالمرض ومن دون الإحساس بالذنب. فبعض الناس يحرم نفسه من هذه المتع الحياتية البسيطة لأنه يصاب بتأنيب ضمير نتيجة اعتقاده أنه لايجوز له الترفيه عن نفسه لأن هناك شخصاً في الأسرة بعاني. والعكس هو الصحيح، فإذا أراد الإنسان مساعدة الآخر ودعمه عليه أن تكون لديه طاقة إيجابية لهذا الأمر، وهذه الطاقة يستمدها الإنسان من خلال إعطاء نفسه مساحات من الراحة يستمتع فيها ببعض الأمور المحببة ويخرج نفسه فيها من التفكير بالأزمة. فهذا يجدد القوى ويحسن المزاج ويعطي القدرة على تقديم المساعدة بشكل أكثر فاعلية. ففاقد الشيء لا يعطيه، والإنسان لا يعطي إلا ما هو بداخله فإن كانت قواه مستنزفة فلن يتمكن من إعطاء أي شيء.
    للأسف مازلنا نفتقد إلى المراكز النفسية والاجتماعية التي تقدم الدعم النفسي للأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة ولأسرهم، ويظل الأمر ملقى على عاتق الأسرة وحدها ومحيطها الاجتماعي لتتدبر أمورها من تلقاء نفسها. ونتيجة للوضع العصيب، يتم التركيز بشكل كبير –بحق- على المريض في الأسرة ويتم بالتالي إهمال الأشخاص الأقرب للمريض الذين يرعونه ويساندونه فيحترقون نفسياً بالتدريج من دون أن يشعر بهم أحد، وينزلقون في مشاعر من اليأس والاستسلام أحياناً ويشعرون أن طاقتهم مستهلكة ويشعرون في الوقت نفسه بالذنب لخوفهم من التقصير مع المريض، فيقصرون بحق أنفسهم نتيجة هذه المشاعر.
    تتحملين أنت وأسرتك فوق طاقتكم، ومثل هذه التجارب يخرج منها الإنسان أكثر صلابة وقوة وأكثر وعياً، حتى وإن بدت الأمور في لحظات معينة على حافة الانهيار. ويتوقف الأمر على كيفية تنظيم أمور الحياة اليومية واكتساب مهارات التعامل مع المرض والمريض ومع الآخرين ضمن نطاق الأسرة وخلق التوازن بين الطاقة المستنزفة والطاقة المستمدة من خلال الأنشطة والتخفيف من الأعباء الملقاة على عاتق كل فرد من أفراد الأسرة وتنظيم دائرة من الأشخاص المساعدين في المحيط، كالأصدقاء والأقارب يلجأ إليهم الإنسان في لحظات الشدة للدعم والمواساة.
    أرجو لوالدك التحسن وأن تستقر حالته وأسأل الله له الشفاء والمعافاة ولكم الصبر والتحمل.




    • مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات