لم أشتق لأمي في يوم من الأيام !

لم أشتق لأمي في يوم من الأيام !

  • 16448
  • 2009-12-22
  • 5854
  • ريم


  • السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    بداية احب ان اشكر كل المسؤولين والقائمين على هذا الموقع ، ادامكم الله لخدمة خلقه ودينه ، وجعله في ميزان حسناتكم باذن الله رب العالمين..

    اعتذر ان كنت سأطيل قليلا في شرح مشكلتي ، لكني احببت ان تكون واضحة بكل تفاصيلها كي تتضح الصورة لديكم باذن الله....

    انا بنت في الثالثة والعشرين من عمري ،كنتُ اعيش مع اهلي في بلد اجنبي (حيث يعمل والداي هناك ) منذ عشر سنين، واكملت دراستي الثانوية هناك ، وبعدها عدتُ لوحدي الى بلدي العربي الاصل ،واكملت دراستي الجامعية هناك ، والان بعد تخرجي سافرت مرة اخرى الى اهلي لأبقى معهم واكمل دراستي هناك،اي في نفس البلد الاجنبي..

    عائلتي مكونة من ابي (دكتور في الجامعة )، امي ( اكملت الماجستير والدكتوراه في البلد الاجنبي الذي نعيش فيه وهي الان تعمل في شركة عالمية للبحوث)، واربع بنات (انا الثالثة بينهم) واخ واحد صغير..

    المشكلة التي تلاحقني منذ زمن طويل والتي طالما عانيت ولا زلت اعاني منها ..هي "امي".. ولأن الموضوع بالنسبة لي حساس جدا ولأني اعرف تماما ان هنالك حدود لايحق لي تجاوزها في الكلام لأنها "امي"، ولأني اعلم جيدا معنى "عقوق الوالدين" والعياذ بالله ...

    لهذه الاسباب فلم اتجرأ ابدا طوال حياتي ان احكي اي شئ عن هذه المشكلة لأحد قط .. ولأني اعتقد وأؤمن بأنه لايجوز لنا ان نتكلم عن امهاتنا كلاما كهذا امامهم او امام اي احد ،فقد حبستُ كل المعاناة بداخلي ولم اظهرها قبل اليوم لها ولا لأي بشر اخر..

    بل المشكلة اني اتظاهر بالعكس دائما ، وارجو من ربي ان يسامحني ان كنتُ سأغلط في حقها بكلمة او حرف ، لكني قد وصلت الى مرحلة الاختناق ،وقد تأثرت نفسيتي كثيرا ،وبدأت اخاف من ان انفجر يوما امامها او امام اي احد ... واعرف جيدا ان هذه المشكلة ليس لها حل لأني لااستطيع ان اغير شيئا فيها ...

    فاعتبروا كلامي هذا هو شبه فضفضة او تفريغ شحنات او طلب نصيحة او اي شئ ، لأني بدأت اشعر بأني احتاج فعلا ان اخرج كل الذي بداخلي ، ولا اعرف ان كان هذا ضعفا بأن لاارغب بأن يكون الكلام امام احدا يعرفني ، ولم اتجرأ ابدا ان افتح الموضوع مع اخواتي او صديقاتي او معارفي

    حتى اني لن اذكر اسمي الحقيقي ولا اسماء البلاد التي عشت فيها ولا الكلية التي درست فيها، خوفا من ان يقرأ احد رسالتي ويعرفني، لا اعرف لماذا.. قد يكون بسبب الخوف من الاحساس بالضعف امامهم ،،او لآني اعتبره موضوع خاص وسريّ وحساس وكبير او لأني لا اريد منهم ان يشفقوا علي، او خوفا من الا يفهموني، او ان يحكم علي احدهم بأني انا السبب .. لااعرف ..

    مشكلة امي ... انها عصبية ، جدا، عصبية دائما ، وبكل الاحوال والاجواء والظروف، ومن اي سبب، وبدون سبب، منذ ان عرفتها الى هذا اليوم .. ولااعني بالعصبية تلك الجنونية التي يفقد بها الشخص السيطرة على نفسه

    بل انها العصبية الاعتيادية التي تبدأ من شئ بسيط لايستحق ،فيعلوا فيها صوته، وينفعل فيها الشخص ،ويحمر وجهه ،ويبدأ بالتوبيخ الشديد، ولوم كل من حوله بحيث تجعلهم يخافون من ان ينطقوا حرفا او يناقشوا شيئا او حتى ان ينظروا اليه...

    عصبية امي اصبحت بالنسبة لي امرا يوميا لم اعد قادرة على تحملها..بل انها تؤثر فيّ كثيرا ولااعرف لنفسي حلا للتعامل والتأقلم معها..هذه المشكلة بدأت منذ ان عرفتُ امي، اي منذ صغري وانا اشعر بوجود مشكلة بداخلي بسبب هذا الامر..

    لدرجة اني في طفولتي كنت اخاف من الكلام معها بأي موضوع او مشكلة اواي طلب او حتى كلام عادي ،كنتُ اخاف منها ، حتى اني عندما كنت اجبر للحديث معها لسبب ضروري فكنت اتدرب على الكلام الف مرة قبل ان اذهب اليها ، لأني اعرف بأن الكلام معها سيتحول الى اعتراض ورفض وثم انفعال وتوبيخ وصوت عالي

    وينتهي بالرفض دائما وبجرح كبير في داخلي واحساس بالذنب والفشل والضعف وقلة الثقة بالنفس والى اخره.. وانا بطبيعتي لااحب الجدال ولا النقاش معها لأنها (ام) ، وكلمة (ام) بالنسبة لي كلمة كبيرة ، واعلم ان هنالك حدودا وحقوقا ، فكنت اجبر على السكوت دائما ،وتقبل الموضوع عن عدم قناعة ، فقط لكي لااعصي كلام الام، فأعصي ربي والعياذ بالله..

    عندما اتذكر طفولتي ، اشفق على نفسي كثيرا، لأني لم اعشها كباقي الاطفال ، لم يكن مسموح لنا باللعب ، كان كل شئ ممنوع ، الضحك ممنوع، القفز ممنوع، الركض ممنوع، الكرة ممنوعة ، والدراجات ممنوعة، واي لعبة فيها صوت ممنوعة، اي شئ ممكن ان يجعل اي طفل يشعر بالسعادة والمرح كان ممنوع ،المؤذي وغير المؤذي، كله ممنوع، حتى البكاء ممنوع ...

    ولأن امي عصبية فكنا نخاف منها كثيرا فلا نقع في الممنوع ابدا، كان كل شئ برأيها وكل شئ بأمرها وكل شئ بمزاجها وعلى ذوقها، والنتيجة ان طفولتنا كانت اقرب للشيخوخة منها للطفولة... حتى اني الان اغار من الاطفال عندما اراهم يلعبون واشعر وكأنني اريد ان العب معهم ، لأني لم اذق تلك السعادة التي في عيونهم ابدا.. وها انا اتحسر عليها الان للاسف..

    وبالاضافة الى مسألة العصبية ، فأمي تحب ايضا ان تكون كلمتها هي الكلمة في البيت، وكل شئ يمشي بأذن منها، ورأيها هو الرأي الاعلى ، وكل صغيرة وكبيرة على ذوقها ومزاجها... فمثلا اذكر جيدا كيف كانت كل ملابسي لاتعجبني وكنت ارتديها على مضض، ولكن لأنها على ذوق امي ،فكنت مجبورة على ارتدائها

    وطبعا ان اذوقنا انا وامي متناقضة كليا ، وامي تحب دائما ان نرتدي ماكانت هي في زمانها ترتديه عندما كانت بعمرنا ، حتى واني كنتُ اخجل واستحي امام صديقاتي من ملابسي، ولكن لم يكن الاعتراض مسموحا، او بالاصح فأن رأيي او ذوقي لم يكن يسألني عليه احد ولايسمعه مني احد ، بل اصلا كان الرأي ممنوعا ايضا..

    المهم... بدأتُ بعدها الاحظ بأن هناك مسافة بعيدة جدا بيني وبين امي، وتقريبا العلاقة بيننا معدومة، ولاتوجد اي علاقة اصلا، وكان هذا الاحساس يزيد اكثر واكثر خاصة عندما تدور الاحاديث بين صديقاتي عن امهاتهم وعن شكل العلاقات مع امهاتهم وعن حبهم لهن والخ..

    بحيث ان جميع صديقاتي كانوا "صديقات" امهاتهن، ويحكين لهن كل شئ ، ويعرفون عن بعضهم كل شئ .. اما انا فأمي لاتعرف عني اي شئ ولا تعرف حتى اسماء صديقاتي كأبسط شئ... ربما تكون احد الاسباب هي ان امي كانت طوال فترة حياتي تدرس وتعمل ومشغولة عن البيت و و و و ..

    بحيث كان ينتابني شعور بأني لااملك اي من تلك المشاعر التي تمتلكها صديقاتي اطلاقا وبأن ليس لدي ام اساسا... لكني لم اكن اعترف بهذا الاحساس ابدا ولو حتى مع نفسي ، لأنه مخيف وقاسي جدا بالنسبة لي..

    المشكلة بقيت نفسها ولم تتغير ،، وكلما مضت الايام، فان المشكلة في داخلي تزيد ، والجرح يكبر .. وكلما نضج تفكيري كلما اتضحت لدي اشياء اكثر ، وكلما زادت معاناتي اكثر ..اذكر موقفا لاانساه ابدا ، وكلما اتذكره اتألم ألما مريرا ..

    وهوعندما بدأت الدورة الشهرية عندي اول مرة ، لم اكن اعرف ماهذا الذي يحدث لي، لم يشرح لي احدا عنها بحياتي شيئا ، ولم اكن قد سمعتُ بها اصلا، وامي طبعا لاعلم لها بشئ ولادخل لها بالموضوع، فترددت وخفت وارتبكت ثم اضطررت لأن احكي لها ، وتوقعت منها بأن تشرح لي الموضوع بعقل وهدوء وتروّي

    وأن تخبرني ماذا افعل ، وكيف ، ولماذا ، ومتى، والى متى، وماهو الموضوع بالتفصيل.. لكن للاسف كانت ردة فعلها التذمر والانزعاج، بل و وبختني لأنني بنت! ولم تشرح لي ماهذا ،الا بكلمات قليلات لم افهم منهم شيئا بسبب خوفي منها ومن الموضوع كله ،ولم اتجرأ على سؤالها اي سؤال من الاسئلة الكثيرة التي كانت في بالي حينها ...

    فكان ذلك الموقف بالنسبة لي قاسيا لأبعد حد ، عانيت منه كثيرا سنوات طويلة الى ان فهمته لوحدي وبالتدريج البطئ ،فأجبتُ نفسي بنفسي عن كل الاسئلة التي لم اكن اعرف جوابها... هذا الموقف ولـّد عندي شعورا بالحياء الشديد والخوف الاشد من ان اسأل اي احد عن اي موضوع خاص او حساس او جنسي وماشابه في اي يوم من الايام ..

    فسبب لي هذا الشعور مشاكل كثيرة لازلتُ اعاني منها حتى الان في هذه المرحلة من عمري كنت بأشد حاجة الى ام احكي لها واشكي لها وافضفض لها ، بالذات في هذا العمر كنتُ احتاج الى ام ، والى حنان ام حقيقي، والى ام تواسيني وتشجعني وتحفظ اسراري

    مع اني كنتُ قد عوضت بعض هذا الحرمان في علاقاتي مع صديقاتي في كل مراحل حياتي ، صحيح ان صديقاتي كانوا قليلات ، لكني علاقتي بكل واحدة منهم كانت قوية جدا جدا ، وكان هذا الشئ الوحيد الذي كان يدفعني عن الاكتئاب او الجنون ...

    لكن مازالت هناك اشياء كثيرة تنقصني ، اشياء لاتوجد عند الصديقات ، فكنتُ دائما ابحث عن هذه الاشياء في الاماكن الخطأ عند الاشخاص الخطأ .. يعني مثلا ،كنت اتعلق بأي شخص اراه رقيقا او حنونا او طيب اللسان ،فكنتُ اقع في حب اي معلمة ا و مدرّسة او حتى اي ممثلة في التلفزيون فيها هذه الاشياء التي افتقدها ، فاتعلق بهم تعلقا جنونيا شديدا

    واتخيلهم في مخيلتي انهم دائما معي ، وكل يوم قبل انا انام كنتُ اتخيل احداهن بقربي تقوم بدور الام الحنون فتمسح دمعي وتواسيني وتغطيني وتحنو علي فاتخيل قصصا اخترعها بنفسي معهم ، فقط لسد النقص الداخلي الذي اشعر به.....

    طبعا انا اقول هذا الكلام وكلي اسف وحزن بان الحال وصل الى هذه المرحلة ، قد يسمى هذا الشئ مرضا او جنونا او عقدا نفسية، لكن هذه التخيلات لازمتني طويلا ، وربما كانت لها ايجابياتها في البداية ،لكنها تطورت وتطورت وتطورت مع الايام الى اشياء قد تكون سلبياتها بدأت تظهر في الان..

    المهم ، عندما وصلت مرحلة البكلوريا \الثانوية العامة ، كانت امي في تلك الفترة قد أنهت دراسة الماجستير ، لهذا فكانت دائما في البيت ، ويبدو ان بقائها في البيت كان سببا في زيادة عصبيتها وزيادة المشاكل والجدالات في البيت ..

    بحيث وصلتُ الى مرحلة كنت افكر بأي طريقة للخروج من تلك الاجواء، سئمتُ البيت ، وسئمت اهلي، وكرهت نفسي، وكرهت الحياة ... فبدأت افكر بالعودة الى بلدي الاصلي ، فقط لكي ابتعد عن البيت بطريقة لا تـُغضب احدا مني ولاتفضح مابداخلي.. وفعلا حدث ذلك

    وحصلت على معدل عالي يُدخلني التخصص الذي احلم به في بلدي العربي الاصلي، ووافق والداي على ذلك.. فكانت بالنسبة لي فرصة ذهبية ، ولكنها مخاطرة بنفس الوقت ، وقرار صعب جدا ..بالذات لأني بنت..

    كانت هذه المرحلة في حياتي هي بداية لحياة جديدة ، ولم اكن افكر بأهلي ابدا ، ولم اكن اشتاق لهم ابدا ، بالذات امي.. كنت سعيدة ومرتاحة بالابتعاد عنهم ، لكني كنت ارى بأن هذا هو الحل الوحيد ، كان لابد لي من الابتعاد عنهم .. واحمد ربي انهم كانوا موافقين تماما على رحيلي ، معتقدين اني كنت اطمح واحلم بدخول ذاك الاختصاص ..

    ولاانكر طبعا ان هذا كان حلمي طبعا ، لكنه لم يكن السبب الرئيسي لقرار العودة الى الوطن لوحدي.. واود ان اوضح نقطة هنا، اني لحد هذه اللحظة لم اظهر شيئا من احساسي ومشاعري تجاه امي او اهلي او اي احد ، كنت احتفظ بكل ذلك في قلبي، لأنها ليست من طبيعتي و لااقبل على نفسي بأن اظهر ايّا من ذلك لأهلي

    فلم يكونوا قد حسوا بأي شي مني ابدا، وكان كل شئ بيني وبينهم عادي وطبيعي... والحمدلله رب العالمين
    بعد ان اغتربت عن اهلي لسنوات طويلة ، كان الشئ الوحيد الذي يضايقني دائما ، اني لم اكن اشتاق لامي ابدا، كنت اشتاق كثيرا لأبي

    واشتاق اكثر لأخواتي ولأخي الصغير .. انا نفسي لا اتخيل ابدا بأن هناك اي بنت في الكون تبتعد عن امها لسنوات طويلة ولاتشتاق لها ابدا، مهما كانت هناك مشاكل بينهما.. كان ذلك الشعور يقتلني، وكنت اتظاهر احيانا باني اشتاق لها امام اقربائي او صديقاتي لكي لا يحس احد منهم بأني مجنونة او غريبة او عندي اي مشكلة ...

    هذا الشئ يقتلني ويمزقني ويحرقني كل يوم ،بل كل لحظة ، وكلما كتمت في نفسي اكثر كلما زادت حرقتي وزاد تأنيب ضميري ، لكني اعلم جيدا بأني لست انا السبب ، لست أنا ، وانا متأكدة من ذلك ..

    طبعا السنين التي عشتها بعيدا عن اهلي ، كانت هي السنين التي بنيتُ فيها نفسي، وبنيتُ فيها شخصيتي ، وكوّنت ُ فيها افكاري.. نعم، واجهتُ صعابا كثيرة ،ومشاكل كثيرة ، لكني كنتُ اؤمن جيدا بأن الشخص الذي يبني نفسه من الصعاب هو الشخص القوي

    حاولت مرارا ان اترك كل ذكريات الماضي الحزينة ، وان انسى كل اللحظات القاسية، وان افتح صفحة جديدة مع نفسي، مررت بتجارب كثيرة ، وتعرفت على اناس كثيرين ، وكوُنت علاقات كثيرة ، وعشتُ في اماكن كثيرة وفي اجواء مختلفة ، فاكتسبت خبرات كثيرة لم اكن لأتعلمها في اي مكان او ظرف اخر...

    لم اندم يوما على قراري الذي ابتعدتُ فيه عن اهلي، اطلاقا، بل كان اهم قرار وأصح اختيار، عشتُ حياة مستقلة ، تعلمت الكثير ، عرفتُ معنى الاعتماد على النفس، ولاانكر ابدا بأني كنت اشعر احيانا بالوحدة والضياع والتشرد

    لكني لم ادع هذه المشاعر ان تضعف من عزيمتي ،بل بالعكس زادتني قوة واصرار وتحدي، حتى اني تفوقت في دراستي رغم كل الصعاب وحصلت على تقدير عالي ، وحصلت والحمدلله على الشهادة التي كنتُ احلم بها منذ صغري..

    الان وبعد ان اكملت الدراسة ، عدتُ مرة اخرى الى اهلي، اي الى البلد الاجنبي، باعتبار اني ساستقر هناك وان اكمل دراستي ايضا فيه.. طبعا هنا لابد من ذكر هذا الموقف، وهي اني عندما التقيت بأهلي ، اي لحظة اللقاء، كنتُ ابكي بحرقة شديدة لشوقي لهم ،كنتُ اتلهف لرؤيتهم..

    لكن عندما رأيت امي لم احس بشئ اطلاقا ، اطـــــلاقا
    وكأني اقف امام شخص لا اعرفه ولايربطني به اي شئ.. وامي ايضا استقبلتني بشكل عادي وبارد ، ولا كأنها ترى ابنتها التي لم تراها منذ خمس سنين طوال... شعرتُ بشئ واحد فقط.. وهو الاسف .. حزنتُ وقتها جدا ،

    حزنتُ من هذا الحال، حزنتُ من هذه العلاقة ، بل اقصد حزنتُ لأنه لم تكن هناك اي علاقة بيننا.. حزنتُ لأني امي هي امي، حزنتُ لأني لم اشعر يوما بحنان الام، حزنت لأني لااعرف طعم وجود ام في قلبي.. حزنتُ لأني عشتُ بعيدا عنها ولم اشتاق لها يوما، حزنتُ لأن ليس لدي ام ...

    الان مضى على قدومي الى اهلي خمسة اشهر ، الوضع نفسه لم يتغير ابدا، امي على حالها ، بدأت منذ سنوات قليلة بالعمل في شركة عالمية ، اختي الكبرى تزوجت واحسدها لأنها تخلصت من اجواء البيت ، اختي الاخرى واختي الاصغر مني يعيشون في جامعاتهم في الاقسام الداخلية ولايعودون الى البيت الا في العطل والمناسبات

    انا لم ابدأ بدراستي بعد، اي ربة بيت تقريبا، واخي الصغير دخل المرحلة المتوسطة ولكني اشعر بأنه بدأ يشعر بنفس المعاناة، لأنه الشخص الوحيد امام امي ، وامي متفرغة له بالتوبيخات والاعتراضات على كل صغيرة وكبيرة ، فاشعر دائما بأن الشريط نفسه سيُعاد بأخي المسكين

    نفس الاشياء اراها امامي، خروج مع اصدقاء ممنوع، الكرة ممنوعة، اللعب ممنوع، المسبح ممنوع، الركض ممنوع، الرياضة ممنوعة، النيت ممنوع، البلايستيشن ممنوع و و وو و ....فأصبحت اتألم كثيرا عليه، قد لايشعر هو بشئ الان، لكني متأكدة بأن يوما سيأتي وسيشعر بنفس ما اشعر به الان ..

    مايخيفني الان ، هو نفسي، انا الان اصبحتُ اكثر وعيا ونضوجا ، وبدأت ارى الاشياء امامي بشكل مختلف ، اصبحت شخصية لها ارائها وقناعاتها المستقلة وافكارها ومعتقداتها الخاصة .. لم اعد استطيع السكوت على الخطأ ، وما اراه امامي هو اخطاء واخطاء واخطاء، كل شئ في بيتنا خطأ، افكار امي خطأ، وترك امي البيت من اجل العمل هو خطأ

    وعشقها الجنوني لعملها هو الخطأ الاول والاخير الذي ابعدها عن بناتها منذ صغرهم، كنتُ قديما اعتقد بأنها مضطرة للعمل لأسباب قد تكون مادية او انها كانت تعمل لتعين ابي في مصاريف البيت ، لم اكن افهم وقتها ، والان انصدم واتفاجئ بأنها تذهب للعمل لأنها لاتحتمل الجلوس في البيت

    واتفاجئ بأنها تصرف على نفسها فقط من دخل عملها ولاتوجد اي مشاركة في مصروف البيت ، واكتشف بأنها درست واخذت الشهادات فقط ليقال عنها كذا وكذا وليحكي الناس عنها البطولات والتضحيات وووو، كل يوم اكتشف اشياء واشياء لم اكن استوعبها قبل، بل ليتني لم استوعبها ابدا،،

    دائما مشغولة بنفسها وبعملها وباصحاب العمل ،حتى وهي في البيت فلا نسمع سوى احاديث الشركة والعمل ومشاكل العمل واحداث العمل ،اي حديث نفتحه بيننا يصل بالنهاية الى شئ يخص عملها،،، بحيث اتضح عندي الان بأن حياتها هي عملها وفقط، لامكان لديها لبيتها وزوجها واولادها نهائيا ...

    جنتها في شركتها، وجحيمها في بيتها ... بيتها وعائلتها بالنسبة لها اشياء تشغلها عن اشياء اهم، وتثير اعصابها ، وتضيع وقتها... للاسف
    لابد ان اشرح ايضا دور ابي في كل هذا... ابي شخص هادئ جدا ،وبارد الاعصاب الى ابعد حد

    وله قدرة على تحمل الاشياء بشكل عجيب لم ارى مثله في حياتي قط.. وطبعا فهذه نعمة من نعم رب العالمين علينا، لأنه لو كان عصبيا ولو بأقل درجة ممكنة ، لكان البيت جحيما حقيقيا،، دائما امي التي ترتفع اصواتها في البيت

    وهو لايرد عليها ، ويتركها تفرغ شحناتها براحتها دون ان يجيب عليها بأي كلمة ، ليس ضعفا منه ، بل بالعكس ،انا اعتبرها قوة لامثيل لها على تحمّل الشخص المقابل ... ولكن دائما عندما تعلو اصوات امي بسبب وبدون سبب ، وفي كل الاوقات

    اقول في نفسي بأني لو كنتُ مكان أبي لتزوجت عليها، لأني اشعر بأن ابي ليس مرتاحا معها ابدا، مع انه لايُظهر ذلك ، لكن ذلك واضح جدا، ليس بينهم تفاهم اطلاقا في ابسط الاشياء.. حتى اني بدأت ارى بأن زواجهم من الاصل كان اكبر خطأ ، او انهم لم يكونوا يعرفوا عن بعضهم اي شئ.. فكانت هذه هي النتيجة للاسف..

    وبما أني الان بعمر الزواج ، صار هذا الموضوع مشكلة اخرى في حياتي ، فكلما تقدم احد ليخطبني ، ترفضه امي ، لأنه ليس على ذوقها ، وكما ذكرت سابقا فان ذوقي وذوقها لايتفقان ابدا في كل الاشياء منذ قديم الزمان، واحيانا يتقدم اشخاص وترفضهم دون ان تـُعلمني بالموضوع اساسا..

    فبدأت استعد نفسيا للعيش مع شخص لااطيقه ، او للعيش بدون زواج طول حياتي.. وانا اعتبر الزواج بالنسبة لي الان هو الانقاذ الوحيد والحل الامثل للخلاص مما اعيشه في داخلي...

    ولكن الله اعلم انا الان اشعر بأني شخص مكبوت قابل للانفجار باي لحظة، حتى اني بدأت اعترض احيانا على اشياء ، وبدأت اقول ان هذا خطأ وذاك خطأ، لم اعد احتمل ، وطبعا كلما نطقتُ بشئ اواجه جيشا من التوبيخات والكلمات الجارحة وتنهتي المعركة بالسكوت ايضا

    ليس سكوتا لأنتهاء المعركة او لاقتناعي بأني كنت مخطئة بل لأني اقتنعتُ بأنها شخص لايتناقش ولايتفاهم ابدا..اشعر بأن الحياة قد ظلمتني ، اشعر بأني قد حُرمت من اشياء ضرورية كثيرة، اشعر بأني تائهة ولااعرف اين اذهب وماذا افعل

    وللاسف فقد قررت السفر مرة اخرى والعودة الى بلدي العربي لنفس السبب الذي ابعدني عن اهلي في المرة الاولى ، سأسافر بعد اسبوعين (برضا اهلي طبعا ) لااعرف ان كان ماافعله بنفسي هذا صحيحا، وهل سأندم عليه يوما ما؟؟

    لااستطيع العيش في مكان تكون امي فيه، لااستطيع العيش معها، عندما افكر بحياتي الماضية فلا الوم احدا غيرها على تعاسة طفولتي، وشعوري بالحرمان كل الوقت، وضياعي بين البلدين ،والله اعلم ماذا ينتظرني في المستقبل بعد...

    لا اريد ان يتحول كل هذا الذي بداخلي الى كره وحقد وتمرد.. واعرف بأن ابتعادي قد يكون خطأ ايضا، لكن هذا هو الحل الوحيد امامي، لااستطيع البقاء .. لااستطيع العيش معهم ، لااريد ذكريات مؤلمة اكثر من التي احملها في ذاكرتي الان، لااريد الاحتكاك معها

    ولااريد ان اضع نفسي في مواقف لااتحمل السكوت عنها فأضطر لأن اعصيها او اؤذيها او اجرحها ولو بأي كلمة بسيطة ... لأن التفاهم بيني وبينها مستحيل، مستحيل ،مستحيل.. بدأتُ اشعر بأن كتماني لكل هذا سيتحول قريبا الى تصرفات لاارضاها انا ولن يرضاها احد..

    بدأت اخاف من ان يأتي يوم وانفجر بوجه احد بكل ماكنت اخزنه في داخلي من اوجاع .. انا متأكدة بأن من سيقرأ قصتي هذه سيعتقد بأني شخص كئيب وحزين ومنعزل ولايعرف حتى الابتسامة ، قد يكون هذا صحيحا الى حد ما ،لكنه من الداخل فقط ..

    اما في الظاهر فلا احب ان اصف نفسي ، لكن كل من يعرفني جيدا يصفني: بالمرحة، المُضحكة صاحبة النكتة، الجدية، الحريصة،القوية، ورقيقة القلب،الحساسة ، الصبورة، الصريحة ... وبنفس الوقت ايضا يصفوني بالهادئة، الخجولة ، الغامضة ،الكتومة ، متقلبة المزاج، والعصبية في بعض الاوقات ايضا..

    والذي اعرفه عن نفسي فهو ان هناك حزنا عميقا بداخلي يمنعي من التغلب على الصفات السلبية في شخصيتي، حتى اني دائما اميل للافلام الحزينة ، والموسيقى الهادئة ، والالحان الحزينة ،واحب كل القصص الكئيبة والنهايات الحزينة

    واحب ان اقرا اي شئ حزين ،قصيدة او رواية او كلمة ... هذه الاشياء كلها تجعلني ارتاح عندما اراها او اسمعها او اقرأها ، لااعرف لماذا هذا التناقض الكبير بين داخلي وظاهري، ولااحبه ابدا ، ولا اعرف ان كان شيئا جيدا ام انه سيقودني يوما الى الجنون او الاكتئاب...

    لااعرف كيف اختم قصتي الان ، واسفة جدا جدا على الاطالة، ان كنتُ سأختمها بسؤال، فسؤالي هو : هل انا السبب؟؟ كيف احل هذه المشكلة على الاقل مع نفسي ؟؟ كيف استطيع ان انسى ذكرياتي الاليمة التي اتذكرها كل يوم ومع كل موقف ؟؟

    كيف استطيع ان اتحمل كل هذا دون أن يؤثر ذلك سلبا على نفسيتي؟؟ وهل يمكنني ان اتحدث عن معاناتي هذه امام احد بهذا الاسلوب وهذه الطريقة ؟؟ ام انها قلة احترام او (حرام) او تطاول وتجاوز ؟ او تعتبر شيئا من عقوق الوالدين ؟؟

    يعني هل من الممكن ان افضفض عن هذا مع صديقة مقربة اثق بها مثلا؟؟ لااريد ان اكتم شيئا اكثر من هذا بعد الان ، فقد تعبت...

    وان كنتُ ساختم القصة بطلب، فأطلب اولا رأيكم بما سمعتم من قصتي.. وثم اطلب منكم النصيحة أثابكم الله وجزاكم كل خير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2010-01-06

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    حكايتك مثال نموذجي للنظام الأسري المختل الذي تنعكس آثاره على جميع أفراد الأسرة بدرجات مختلفة، ويمثل بؤرة صالحة لنمو كافة أشكال المشكلات النفسية والاجتماعية. فالأم كما تصفينها متسلطة تفرض ما تريده بعصبيتها وانفجاراتها العدوانية ولا ترى في الأسرة تحقيقاً لذاتها وتصب كل طاقتها نحو الخارج (عملها) وتستمد منه قيمتها وتتعامل مع البيت وكأنه معيق لنجاحها المهني والمادي، ومع أفراده كأنهم أداة لتفريغ إحباطاتها الشخصية ووسيلة لفرض سلطتها دون أن تأخذ حاجاتهم النفسية والفردية للحب والتقدير والاعتراف بعين الاعتبار. والأب الذي تصفينه بأنه قوي الشخصية لأنه لا يرد على أمك، شخص ضعيف ومهزوم أمام هذا التسلط وراض عن ذلك ومساهم في هذا الخلل. لقد قامت حياتكم على القمع، قمع الحاجات، وقمع الاعتراف، وقمع التقبل، والنتيجة هي ما تذكرينه من تفاصيل من برود للأحاسيس والمشاعر تجاه أمك بالتحديد وإحساسك بالاختناق من تحكمها بكل شيء، حتى بالطريقة التي عليكم أن تفكروا وتشعروا وتختاروا بها دون الأخذ بعين الاعتبار لحاجات كل شخص ورؤاه وتقييماته وتطلعاته التي يمكن أن تختلف من فرد لآخر حتى ضمن الأسرة الواحدة.

    يبدأ الخلل في النظام الأسري في اللحظة الأولى لبناء الأسرة من خلال الخيارات الخطأ والتوقعات الخطأ من الآخر. فكل فرد (الزوج والزوجة) يأتي الأسرة حاملاً معه تاريخه الطويل من أسرته الأصل من التوقعات والأحلام، وحاملاً معه أوهامه وخيباته ومشكلاته الأسرية والشخصية، وعلى كلا الطرفين أن يطورا القدرات والكفاءات اللازمة للتعامل مع هذه كل هذه الأمور ليصلا إلى صيغة مشتركة تحقق التوازن الإنساني بينهما، لتشكل الأرضية الملائمة للبناء الحقيق للأسرة.

    والأسرة هي مؤسسة استثمارية، إلا أنها لا تشبه غيرها من المؤسسات لأن رأس مالها لايقوم على الموارد المادية بالدرجة الأولى، وإنما على الموارد البشرية وما تحتاجه هو الحب والرحمة والدفء والمودة والتقبل والاعتراف المتبادل بالآخر وحاجاته وتطلعاته فإن غابت هذه الأشياء تصبح الأسرة مجرد أفراد يعيشون إلى جانب بعضهم لاتربطهم رابطة حقيقية وكأنهم سكان فندق يضطر نزلاءه السكن معاً لأنه لايوجد لهم مكان آخر يؤويهم، تحت رحمة صاحب الفندق يتحكم بهم كيفما شاء، أو حتى كالمجندين في معسكر تقوم قوانينه على الطاعة العمياء والانضباط الصارم، لاحق في الاعتراض، ولا حاجة غير تلك التي يراها آمر المعسكر.
    وليس هنا من مجال للبحث عن تفسير هذه العلاقة الأسرية المختلة فهناك أسباب كثيرة تتجاوز مجال المشكلة المطروح هنا، إلا أن الثابت هنا أن الأب والأم معاً مسئولان عن وضع الأسرة الراهن وما وصلت إليه الأمور وما يمكن أن تتطور إليه في المستقبل من خلال استمرار الجمود على هذا النحو وعدم محاولة زعزعة هذا النظام المختل وإعادة توجيهه بطريقة أخرى.

    وكل فرد في ألأسرة يعبر بطريقته عن صراعاته ومشكلاته وطريقته في حل هذه الصراعات، فأبوك يهرب بالسكوت، وسكوته يجعله وكأنه غير موجود في المجال النفسي للأسرة. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يشكل راحة له –السكوت يعني أنه يريح نفسه من مواجهة أمر ما قد يكون عليه أشد ألماً ولا يستطيع تقبله- فسكوته مكسب له مقابل خسارة أقل، وأمك من مواجهة ذاتها وخيبتها إلى تحقيق ذاتها في مجال العمل فتغطي بذلك على صعوباتها بالمبالغة في تسخير نفسها لعملها، ولكنها في الوقت نفسه تعرف أن هذا المجال ليس هو المجال الذي يحقق لها ذاتها كلية، فتنفجر عصبيتها في البيت وتبث توترها الداخلي للخارج لتمنع بهذا كل صوت يمكن أن يحتج عليها فيثير فيها تلك المشاعر بالذنب ويمنع تجديد الصراعات وخيباتها الداخلية الذاتية. وأنت استجبت بالهرب منها قدر ما تستطيعين أثناء دراستك وأخوتك بالبقاء في السكن الداخلي.

    واستمرار الأمر على هذا النحو يجعل الاحتمالات المستقبلية لهذا الأمر ليست جيدة، منها كما تقولين فرض شريك حياة عليك لا تنسجمين معه وتكرر الدائرة في حياتك الأسرية، أو تمرد الأخ الذكر في الأسرة في المراهقة بشكل قد لا تحمد نتيجته، بحيث يتصرف بعكس كل ما تريده أمك ويكره شخصية الأب المستسلمة فيصبح متسلطاً أو جانحاً أو فاشلاً دراسياً...الخ.

    والخيارات الآن بيدك إن كنت تريدين الاستمرار في حياتك على هذا النحو أم تريدين التغيير، فالخوف لن يحصد سوى الخوف لكن المواجهة الصحيحة هي التي تحدث الأثر. فأنت كما تقولين قد كبرت الآن ولم يعد بإمكانك السكوت على الخطأ. وقد أصبحت في عمر يمكنك أن تكوني صديقة لأمك لتعملي على تغيير ما يمكن تغييره. وليس الذنب ذنب أمك في النهاية بل الذنب أنها ربما لم تجد من ينبهها إلى أن أسلوبها خطأ فاعتقدت أنها تقوم بالأشياء بطريقة صحيحة. ويحتاج الأمر إلى صبر وجهد منك في التقرب من أمك أكثر وأكثر ومحاولة لفت نظرها إلى سلوكها ومدى تأثيره السلبي على حياتكم. ولا تستخدمي أسلوب المواجهة المباشرة أو العصبية وإنما استخدمي أسلوباً غير مباشر. كأن تتكلمي معها بداية عن أخيك وعن أن سلوكها معه قد يؤذيه أكثر مما ينفعه، وأن عليها أن تتعامل معه بطريقة أخرى، فيها التشجيع والمديح والقليل من العصبية. وإذا كانت غير قادرة على السيطرة على أعصابها قولي لها أن تترك الأمر لك لمعالجة الأمور مع أخيك. ومن الممكن أيضاً إجراء جلسة هادئة مع أمك تخبرينها بهدوء عما تشعرين به وعما تجدينه من أخطاء ترتكب بحق الأسرة. فإذا كان من الصعب ذلك بسبب عصبيتها كما تقولين، فاكتبي لها رسالة تصفين فيها مشاعرك وأحاسيسك وما ترينه خطأ ولتكن رسالتك مشحونة بالحب ومن دون اتهامات لها، فقط اكتبي ما تحسين به أنت ووجهة نظرك في حياتكم الأسرية. كما يمكنك الحديث مع والدك حول الأمر والبحث عن أسس وأساليب مناسبة لتعديل هذا الوضع. أخبري أمك أنه لا أحد يريد انتزاع عملها منها، والتزامها بأسرتها وتغيير أسلوبها مع أسرتها لن يضر عملها بل على العكس قد تصبح أكثر إبداعاً فيه. أمك لن تتغير بسهولة لأنها مارست هذا السلوك عبر فترة زمنية طويلة دون أن ينبهها إليه أحد وسكت عنه الجميع وهي تعتقد أنه الأسلوب الأمثل، كما أنها بحاجة لوقت لتعلم أسلوب بديل. وواجبك أنت بعد هذه المرحلة من التعليم والوعي أن تساعدي أمك وتقفي معها لتتغير، وليس هذا عقوقاً للوالدين، بل العقوق أن تري الخطأ يحصل فلا تحاورين أمك به. فربما هي لاتعرف أنه خطأ فإذا عرفت واستمرت على هذا فالأمر مسؤوليتها عندئذ ومسؤولية أبيك في سكوته عن هذا.

    المهمة الملقاة على عاتقك صعبة إلا أنها ليست مستحيلة وتستحق بذل الجهد في سبيل إعادة شيء من التوازن للأسرة وتعويض بعض الضرر الذي ألم بك وبأخوتك خصوصاً إذا عرفت مدى الآثار السلبية على الأسرة ككل من خلال استمرار هذا الوضع على هذا النحو.

    مع تمنياتي .

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2010-01-06

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    حكايتك مثال نموذجي للنظام الأسري المختل الذي تنعكس آثاره على جميع أفراد الأسرة بدرجات مختلفة، ويمثل بؤرة صالحة لنمو كافة أشكال المشكلات النفسية والاجتماعية. فالأم كما تصفينها متسلطة تفرض ما تريده بعصبيتها وانفجاراتها العدوانية ولا ترى في الأسرة تحقيقاً لذاتها وتصب كل طاقتها نحو الخارج (عملها) وتستمد منه قيمتها وتتعامل مع البيت وكأنه معيق لنجاحها المهني والمادي، ومع أفراده كأنهم أداة لتفريغ إحباطاتها الشخصية ووسيلة لفرض سلطتها دون أن تأخذ حاجاتهم النفسية والفردية للحب والتقدير والاعتراف بعين الاعتبار. والأب الذي تصفينه بأنه قوي الشخصية لأنه لا يرد على أمك، شخص ضعيف ومهزوم أمام هذا التسلط وراض عن ذلك ومساهم في هذا الخلل. لقد قامت حياتكم على القمع، قمع الحاجات، وقمع الاعتراف، وقمع التقبل، والنتيجة هي ما تذكرينه من تفاصيل من برود للأحاسيس والمشاعر تجاه أمك بالتحديد وإحساسك بالاختناق من تحكمها بكل شيء، حتى بالطريقة التي عليكم أن تفكروا وتشعروا وتختاروا بها دون الأخذ بعين الاعتبار لحاجات كل شخص ورؤاه وتقييماته وتطلعاته التي يمكن أن تختلف من فرد لآخر حتى ضمن الأسرة الواحدة.

    يبدأ الخلل في النظام الأسري في اللحظة الأولى لبناء الأسرة من خلال الخيارات الخطأ والتوقعات الخطأ من الآخر. فكل فرد (الزوج والزوجة) يأتي الأسرة حاملاً معه تاريخه الطويل من أسرته الأصل من التوقعات والأحلام، وحاملاً معه أوهامه وخيباته ومشكلاته الأسرية والشخصية، وعلى كلا الطرفين أن يطورا القدرات والكفاءات اللازمة للتعامل مع هذه كل هذه الأمور ليصلا إلى صيغة مشتركة تحقق التوازن الإنساني بينهما، لتشكل الأرضية الملائمة للبناء الحقيق للأسرة.

    والأسرة هي مؤسسة استثمارية، إلا أنها لا تشبه غيرها من المؤسسات لأن رأس مالها لايقوم على الموارد المادية بالدرجة الأولى، وإنما على الموارد البشرية وما تحتاجه هو الحب والرحمة والدفء والمودة والتقبل والاعتراف المتبادل بالآخر وحاجاته وتطلعاته فإن غابت هذه الأشياء تصبح الأسرة مجرد أفراد يعيشون إلى جانب بعضهم لاتربطهم رابطة حقيقية وكأنهم سكان فندق يضطر نزلاءه السكن معاً لأنه لايوجد لهم مكان آخر يؤويهم، تحت رحمة صاحب الفندق يتحكم بهم كيفما شاء، أو حتى كالمجندين في معسكر تقوم قوانينه على الطاعة العمياء والانضباط الصارم، لاحق في الاعتراض، ولا حاجة غير تلك التي يراها آمر المعسكر.
    وليس هنا من مجال للبحث عن تفسير هذه العلاقة الأسرية المختلة فهناك أسباب كثيرة تتجاوز مجال المشكلة المطروح هنا، إلا أن الثابت هنا أن الأب والأم معاً مسئولان عن وضع الأسرة الراهن وما وصلت إليه الأمور وما يمكن أن تتطور إليه في المستقبل من خلال استمرار الجمود على هذا النحو وعدم محاولة زعزعة هذا النظام المختل وإعادة توجيهه بطريقة أخرى.

    وكل فرد في ألأسرة يعبر بطريقته عن صراعاته ومشكلاته وطريقته في حل هذه الصراعات، فأبوك يهرب بالسكوت، وسكوته يجعله وكأنه غير موجود في المجال النفسي للأسرة. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يشكل راحة له –السكوت يعني أنه يريح نفسه من مواجهة أمر ما قد يكون عليه أشد ألماً ولا يستطيع تقبله- فسكوته مكسب له مقابل خسارة أقل، وأمك من مواجهة ذاتها وخيبتها إلى تحقيق ذاتها في مجال العمل فتغطي بذلك على صعوباتها بالمبالغة في تسخير نفسها لعملها، ولكنها في الوقت نفسه تعرف أن هذا المجال ليس هو المجال الذي يحقق لها ذاتها كلية، فتنفجر عصبيتها في البيت وتبث توترها الداخلي للخارج لتمنع بهذا كل صوت يمكن أن يحتج عليها فيثير فيها تلك المشاعر بالذنب ويمنع تجديد الصراعات وخيباتها الداخلية الذاتية. وأنت استجبت بالهرب منها قدر ما تستطيعين أثناء دراستك وأخوتك بالبقاء في السكن الداخلي.

    واستمرار الأمر على هذا النحو يجعل الاحتمالات المستقبلية لهذا الأمر ليست جيدة، منها كما تقولين فرض شريك حياة عليك لا تنسجمين معه وتكرر الدائرة في حياتك الأسرية، أو تمرد الأخ الذكر في الأسرة في المراهقة بشكل قد لا تحمد نتيجته، بحيث يتصرف بعكس كل ما تريده أمك ويكره شخصية الأب المستسلمة فيصبح متسلطاً أو جانحاً أو فاشلاً دراسياً...الخ.

    والخيارات الآن بيدك إن كنت تريدين الاستمرار في حياتك على هذا النحو أم تريدين التغيير، فالخوف لن يحصد سوى الخوف لكن المواجهة الصحيحة هي التي تحدث الأثر. فأنت كما تقولين قد كبرت الآن ولم يعد بإمكانك السكوت على الخطأ. وقد أصبحت في عمر يمكنك أن تكوني صديقة لأمك لتعملي على تغيير ما يمكن تغييره. وليس الذنب ذنب أمك في النهاية بل الذنب أنها ربما لم تجد من ينبهها إلى أن أسلوبها خطأ فاعتقدت أنها تقوم بالأشياء بطريقة صحيحة. ويحتاج الأمر إلى صبر وجهد منك في التقرب من أمك أكثر وأكثر ومحاولة لفت نظرها إلى سلوكها ومدى تأثيره السلبي على حياتكم. ولا تستخدمي أسلوب المواجهة المباشرة أو العصبية وإنما استخدمي أسلوباً غير مباشر. كأن تتكلمي معها بداية عن أخيك وعن أن سلوكها معه قد يؤذيه أكثر مما ينفعه، وأن عليها أن تتعامل معه بطريقة أخرى، فيها التشجيع والمديح والقليل من العصبية. وإذا كانت غير قادرة على السيطرة على أعصابها قولي لها أن تترك الأمر لك لمعالجة الأمور مع أخيك. ومن الممكن أيضاً إجراء جلسة هادئة مع أمك تخبرينها بهدوء عما تشعرين به وعما تجدينه من أخطاء ترتكب بحق الأسرة. فإذا كان من الصعب ذلك بسبب عصبيتها كما تقولين، فاكتبي لها رسالة تصفين فيها مشاعرك وأحاسيسك وما ترينه خطأ ولتكن رسالتك مشحونة بالحب ومن دون اتهامات لها، فقط اكتبي ما تحسين به أنت ووجهة نظرك في حياتكم الأسرية. كما يمكنك الحديث مع والدك حول الأمر والبحث عن أسس وأساليب مناسبة لتعديل هذا الوضع. أخبري أمك أنه لا أحد يريد انتزاع عملها منها، والتزامها بأسرتها وتغيير أسلوبها مع أسرتها لن يضر عملها بل على العكس قد تصبح أكثر إبداعاً فيه. أمك لن تتغير بسهولة لأنها مارست هذا السلوك عبر فترة زمنية طويلة دون أن ينبهها إليه أحد وسكت عنه الجميع وهي تعتقد أنه الأسلوب الأمثل، كما أنها بحاجة لوقت لتعلم أسلوب بديل. وواجبك أنت بعد هذه المرحلة من التعليم والوعي أن تساعدي أمك وتقفي معها لتتغير، وليس هذا عقوقاً للوالدين، بل العقوق أن تري الخطأ يحصل فلا تحاورين أمك به. فربما هي لاتعرف أنه خطأ فإذا عرفت واستمرت على هذا فالأمر مسؤوليتها عندئذ ومسؤولية أبيك في سكوته عن هذا.

    المهمة الملقاة على عاتقك صعبة إلا أنها ليست مستحيلة وتستحق بذل الجهد في سبيل إعادة شيء من التوازن للأسرة وتعويض بعض الضرر الذي ألم بك وبأخوتك خصوصاً إذا عرفت مدى الآثار السلبية على الأسرة ككل من خلال استمرار هذا الوضع على هذا النحو.

    مع تمنياتي .

    • مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات