كيف أعيد أولادي إلى دينهم ؟

كيف أعيد أولادي إلى دينهم ؟

  • 16193
  • 2009-11-11
  • 2731
  • ام عبدالله


  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...لكم طال انتظاري حتى اتاني الدور لسؤالي ,اخواني اخواتي نحن نعيش في بلد الكفر والالحاد والظروف اجبرتنا فلا يكون باختيار مسلم يعرف دينه ان يعيش واولااده في محاضن الكفر فلاتنسونا بالدعاء

    ويعلم الله كم جاهدنا معهم منذ نعومة اظفارهم على القران والسنة ولم يدخل شئ اخر في تربيتهم الا الضغوط النفسية التي نعانيها انا وابوهم من فراق الاهل والوطن التي تربينا فيها,كل مايشغلني عن اولادي وزوجي تركته وكبروا الاولاد

    واكتشفت الحكومة اننا لاندرس الاولاد دوام كامل لان المدارس العربية 3 ايام بالاسبوع بعدما قفلت المدارس الاسلامية الصباحية بعد اصابتها بالعجز ولانستطيع ان ندخلهم في المدارس الاسلامية الغالية

    واخيرا ادخلناهم في المدارس الكافرة ونحن مضطرين لانهم يعتبرون ذلك مخالف للقانون وبدا التغير في الصغير والكبير منهم مع انهم تاسسوا في المدارس الاسلامية جميعهم

    واضاف الى هذا ظرف اخر زاد الطين بلة في نفس الفترة نوى زوجي الزواج وضرب بكل الظروف التي سوف تواجهني من الاولاد بعرض الحائط,حاولت بكل مااقدر لملمة جرحي والاستمرار مع اولادي كما كنت اسقط تارة واقوم تارة

    وتزوج وتغير مع اولاده وقل اهتمامه باولاده و بعدما اكمل الكبير المصحف وقريب سيلحق الذي بعده والثالث يحفظ الربع والبنات صغار ويحفظون اجزاء, واستمرت الحياة مع نقص الهمة وكثرة الهموم والنسيان

    بدا التغيير في الاولاد تماما قل تعلقهم بالدين وبدات تصدر منهم تصرفات لم يعهدوها وحتى فيما العلاقة بينهم صارت سيئة يكثرون من المعايرة فيما بينهم حتى يكفر بعضهم بعض ياشيعي ويا سيخي ويا تونسي وللبنت يا شنب

    حاولت المعالجة وحدي لتشاغل ابوهم عنهم بكل مااستطيع بالعقاب والحرمان لمن يخطئ والمكافا لمن يحسن ,اشتري لهم مايحبون بلا اسراف ولامن طبعي المعايرة والسب سافرت بهم الى بلدي في الصيف لقضاء العطلة رغم المعاناة وما سالاقي من تعليق على مافعل زوجي <لانه تزوج عن طريق النيت>

    ولم اجد التغيير في سلوكهم الصلاة يقومون اليها بتكاسل والشيخ يذهبون مرة ويتركون اخرى ارى المزايا في بعض سلوكهم من امانة في التعامل مع الناس وحب مساعدة المحتاج والاحظ انهم بالذات الكبير يظهر لي كل مايقلقني

    واحيانا قليلة يظهر الحسن من تصرفاته ومازال القران في صدره ولله الحمد ,ولكن الذي بعده كره الذهاب الى الكتاب والقران ويقول اتروكوني في حالي ولاتجدهم الامع الموبيلات للمراسلة ومع النيت على المسينجر او الفيس بوك ان منعت داخل البيت نجدهم يفعلونه خارجا وياكدون انهم يراسون شباب فقط

    والثالث افضل حال من الاثنين ولكنه كثير التذمر وعدم احترام الاكبرمن اخوانه ويرميه بالكذب وباكفر تارة وابنات اصغر منهم سنا فهم مضطهدات الحقوق مع الاولاد لايحتملونهم ابدا كدت ان اجن معهم صبري قل معهم صرت قليلة الصبر

    واصبت بحالة اكتئاب بعد رجوعنا من بلدي وجدت زوجي ندم على مافعل من زواجه وتقصيره معنا واعتذر ورجع معي افضل من الاول بكثير ولكن لم ارى تغيير في الاولاد لم اخذوا على قلة وجود في حياتهم وعندما رجعوا للمسجد والقران صاروا يتذمرون

    وايضا الان كبوا ويريدوا ان يستقلوا بحياتهم كما يقولون وطبعا هذا مايعلموهم في المدارس حياة الاستقلالية ,الكبير ناهز 17 والثاني 15,والثاث 12,والبنات 11,7 ولدي طفل سنتين ,والبنت الكبيرة عصبية وحساسة ولاتحتمل احد

    وفقط فترة زواج زوجي سنة ونصف, كيف ارجع اولادي كما كانو يستمعون لي ويجلسون معي لقراءة حديث او درس بسيط كما كنا من قبل سنتين وكيف احبب اليهم اخواتهم لانني حاولت ذلك بالاغراء بالمال من الطرفين ولم افلح

    ابوهم طيب ويحبههم ولكن كثير النهر والسب للمخطئ ولو بخطا بسيط , حاولت نصحه للرفق معهم ولم افلح ,واسفة للاطالة

    ولكن جزاكم الله خير لاتتاخروا علي لانني مهمومة على اولادي والتغيير الذي طرا عليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2009-12-12

    أ.د.علي أسعد وطفة


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    الأخت الفاضلة أم عبدالله :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    لقد تضمنت رسالتك جوهر الإشكالية التي يعانيها المغتربون المسلمين في بلاد الغرب حيث تكون الثقافة مختلفة لثقافتنا والقيم متناقضة مع قيمنا الثقافية التي تشربناها ونهلنا من معينها الإنساني. وهذا التناقض يشمل أيضا القيم الدينية والروحية التي نؤمن بها ونحيا على هديها.

    ومن الطبيعي يا سيدتي هنا أن يعاني الأطفال إذا كنا نحن الكبار نعاني كثيرا من التواجد في أطر ثقافية مختلف، فنحن عندما نذهب إلى الغرب للمرة الأولى نصاب بما يسمى بالصدمة الثقافية ، وهذا ناجم عن عملية تصادم بين قيم مختلفة كليا ونوعيا حيث يكون اللقاء بين الثقافيتين كالتصادم بين عاصفتين رعديتين حيث تنقدح الأجواء بومض البرق وتهدر بهدير الرعد القاصف. ونحن عندما نتجاوز هذه الصدمة الأولى نصاب لاحقا بدوار ثقافي دائم وصداع قيمي لا ينفك بحاصرنا ويدمر أنساقا من القيم الأخلاقية في نفوسنا وأعماقنا ، وأخيرا تحاول أن نتكيف مع هذا الصداع الثقافي المزمن لأنه لا يوجد بديل آخر غير التكيف ذاته .

    وإذا كنا نحن الكبار نواجه العاصفة والصدمة فإن الصدمة ستكون أشد وقعا وتأثيرا على الصغار اليافعين وهم في طور النمو والتشكل. والجميع يدرك خطورة هذا الأمر وشدته وعنفه وخطره على العقل والكينونة والوجود الثقافي للأطفال.

    ومن الطبيعي أن تكون شدة الصدمة الثقافية على مقياس التصلب والتشدد والتزمت فكلما كانت الأسرة متشددة متزمتة متصوفة كلما ازداد حجم الخطر واشتدت وطأة المعاناة الإنسانية ، وكلما أدى ذلك إلى ارتفاع مؤشرات الفصام التربوي والتناقض الوجداني.
    ولكن درجة الصدمة تكون أخف وأقل تأثرا بالنسبة للأسر التي تضع مخمدات ثقافية تعتمد فيها على مبدأ المرونة والتكيف والتفاعل والاندماج بطريقة يحافظ فيها المرء على قيمه ومبادئه دون أن يسرف في تبني قيم الآخر ومعادلاته الثقافية.

    سيدتي الفاضلة:

    عدد كبير من الأسر العربية عادت إلى الوطن كي لا تضحي بمستقبل الأطفال وبهويتهم العربية الإسلامية الأصيلة وأنا أريد في هذا القول أن أدلل على حجم القضية وأهميتها وخطورتها في الآن الواحد.

    وسأقول لك أن رسالتك قد أبانت نوعا من التحفظ والتشدد في المحافظة على القيم الدينية والثقافية وأنت من حيث المبدأ محقة في ذلك ولكن هذا التشدد غالبا ما كان محاطا بالخوف الشديد والقلق الشديد الذي أضفى توترا على توتر وقلقا في قلق فازداد حالة التشنج والتشدد وهذا بدوره أدى إلى مزيد من المخاوف والمخاوف إلى التشدد وهكذا دواليك حتى أصبح الوضع لا يطاق ومن حيث المبدأ لا يحتمل.

    سيدتي الفاضلة:

    كان عليك من البداية أن تحسبي وتتحسبي من نتائج هذا التشدد وهذا يعني أنك مطالبة اليوم بمرونة كبيرة جدا وبامتلاك القدرة على التكيف في أجواء ثقافية ممكنة. وحالتك أشبه بحالة الذي يغرق في ماء البحر ليس لأنه لا يجيد السباحة بل لأن خوفه من البحر والماء قد كان سببا في غرقه. تنفسي سيدتي الفاضلة ولا تتصوري أن كل ما في ثقافة الغرب شر مستطير، فكلمات التكفير لم تأت من ثقافة الغرب بل من ثقافتك أنت والمعيارة لم تأت من الشرق (بمعنى شرق وغرب ) بل نبعت من صميم التربية التي توجد في المنزل. والخطر كل الخطر كما أراه في التفكك العائلي وها هو زواج الأب المتعدد عبر الانترنيت مثال خارق لنزوات الشرق ذاته وبؤسه عينه في استخدام التكنولوجيا والإنترنيت فالغرب لم يعلم زوجك أن يلهو ويتزوج وفي عهدته أطفال صغار يحتاجون حمايته ورعايته. وما أعنيه أن ثقافة الغرب ليست دائما هي السبب بل الأسباب قد تكون كامنة في طرائق التربية التي نعتمدها وهي غالبا تتصف بالشدة والسلطة والتشدد .
    أريد أن أقول لك أن التصادم الثقافي بين ثقافة الشرق والغرب مريع ولكن طريقتك في التربية التي تعتمد التخويف والترهيب والتشدد والهروب والانحسار وعدم المواجهة ( كما أسلفت أنك لا ترسلين أطفالك إلى المدارس الغربية ) قد تكون أكثر ترويعا وخطرا من التصادم نفسه ، فأنت ما تفعلينه حالة من الهروب والتأزيم وكل هذا يجد صداه في نفوس الأطفال ويمنعهم من التكيف مع القيم الغربية أو مع القيم الشرقية. وكان يجب عليك أن تواجهي مضامين الحياة الثقافية للمجتمع الذي تعيشين فيه وتألفيها فليست كل القيم الغربية سلبية وإن كانت فيمكنك بكل هدوء وثقة أن تجنبي السلب فيها قدر الإمكان بأدوات ثقافية تعتمد الانفتاح والتكيف والقبول دون الذوبان والانهيار والسقوط والانحلال. ففي ثقافة الغرب ما هو غث وفيها ما هو ثمين فعلينا بالثمين منها وعلينا أن نغفل كل ما لا ينسجم مع ثاقفتنا ومعاييرنا.

    كل ما أريد قوله سيدتي الفاضلة أنه عليك بالاسترخاء الثقافي وعليك أن تقولي مثلا ما الأمور التي أخشاها في المدرسة: أن يشاهد طفلك التقبيل بين الذكور والإناث ، نعن هذا ليس جيدا ولكنه إذا لم ير هذا الأمر في المدرسة سيراه خارجها فكل ما هو معيب في المدرسة موجود وقائم في الشارع، وهذا يعني أن تجنب المدرسة لا يمكن أن يجنب أطفالك هذه المشاهد هنا وهناك في كل ركن من أركان الحياة.

    هناك مثل إسلامي يقول الضرورات تنفي المحظورات ، أحيانا أنت مضطرة وأطفالك للعيش في هذا البلد الغريب وعليك أن تخففي من درجة الرفض لكل ما هو قائم رفضا ساخنا ومطلقا. ما عليك فعله أن تحصني أطفالك باعتدال بالقيم الإسلامية دون تشدد ودون تحفظ ودون خوف أو قلق أو وجل. لأن الخوف والقلق والرهاب من الثقافة الغربية قد أوقعك وأوقع أطفالك في الارتباك شديد ودفع بكم جميعا إلى دائرة الاختناق.

    فالأطفال قد يجدون في التشدد التربوي منطلقا للتمرد وقد يرون فيه مضايقة كبيرة لأنهم يعيشون في دوامة ثقافة طاغية ، فرويدا رويدا أيتها الأم الصابرة.

    لن تستطيعي في النهاية أن تشكلي أطفالك على المقياس الذي ترغبين ، فهم سيتأثرون طبعا ولكن لن يبلغ هذا التأثير ما يجعلهم يتنكرون لهويتهم ودينهم بإذن الله إذا كنت مرنة وذكية وقادرة على التكيف. سأضرب لك مثالا بسيطا علن وضعية التكيف الممكنة : ذهبت لقضاء عطلتي في فرنسا في الصيف الماضي وكان شهر رمضان الفضيل ، وإحدى الأمور التي كانت تقض مضاجعي أنني لا أستطيع أن آكل في مطعم مجرد أنه يقدم لحم الخنزير حيث كنت أشعر بالتقزز والرغبة في الإقياء ، ولم أستطع تناول الطعام في المطاعم حتى الأدوات التي تستخدم كانت تقززني كنت أقول بيني وبين نفسي هذه أدوات استخدمت في طهي لحم الخنزير وتناوله ، وكان علي أن أقضي وقتا وهكذا كان الأمر لا يحتمل ، ولكنني أخيرا رأيت أن الأمر لا يجب أن يصل إلى هذا الحدّ فبدأت بالتخلص من رهاب الخنزير قائلا لنفسي ما شأني وشأن الخنزير هذا ألا يمكن أن أتكيف لأعيش بعض أيام عطلتي ومن ثم حاولت التكيف مع هذه الوضعية إلى أن أصبحت قادرا وبشكل طبيعي على تناول الطعام في أي مطعم دون خوف أو قلق أو رغبة في الإقياء ، أي حاولت أن أتكيف وأن لا أترك نفسي لقمة سائغة دائمة للخوف والقلق الذي يقض المضاجع. وها يعني هنا ضرورة التكيف .

    واعلمي سيدتي أن أغلب أطفالك وأولادك في مرحلة المراهقة وهم يحتاجون لمزيد من العناية في هذه المرحلة وكان الله في عونك وفي حفظك فأنت أم عظيمة تحاولين حماية أطفالك الصغار من كل شر مستطير بارك الله فيك. ولكنني سأقول لك عليك بأمر في غاية الأهمية إذا شئت الاستمرار في الوجود في الغرب عليك يا سيدتي أن تتكيفي وعليك أن تتحرري من الخوف المبالغ على الأولاد فهم في حفظ الله ورعايته خففي من خوفك ومن قلقك وتوترك جدا وحاولي أن تقدمي لا أن تحجمي أن تواجهي لا أن تهربي أن تتقدمي دون خوف أو وجل أن تثقي بنفسك وأطفال وأن تثقي بأن الله سيكون في رعايتهم وحفظهم.

    ما هو مهم أيضا أن التناقضات الثقافية بين ثقافتين ستكون خطرة جدا، فأطفالك يتعلمون شيئا في المدرسة أو في الشارع ويتعلمون نقيضه في المنزل ، وهذا يترك آثارا كبيرة في النفس هذا يؤدي مع الزمن إلى انشطار وانهيار في تكوين الشخصية ويؤدي إلى حالة اغتراب هائلة ، وقد يصيب الأطفال بمقتل ثقافي وروحي، حاولي المحافظة على الجوهري من ثقافتنا واتركي للأطفال حرية كبيرة دون لوم أو تعنيف في تبني بعض القيم التي لا تتناقض كليا مع ثقافتنا. إنهم أطفال صغار وهم يحتاجون إلى التوافق والتنسيق والتكامل بين الداخل والخارج بين الدين والعقل بين المنزل والمدرسة فلا تزيدي في همومهم لا تحاسبيهم على الصغيرة والكبيرة في مجتمع يعطي أفراده حريات كبيرة وواسعة.

    أنت وكل من يعيش في الغرب يعلم أن التوافق والتكيف مع قيم المجتمع المضيف الذي نعيش فيه ضرورة ، وأن الصدام المباشر مع القيم الاجتماعية السائدة قد يؤدي إلى كارثة وصدمة ، فحاولي التكيف مع الحفاظ على القيم الأصيلة في ثقافتنا وانهجي نهج الواثق بنفسه وتربيته لا بنهج الخائف القلق والمتوتر من المواجهة ، فمواجهة أمواج البحر لا تكون بالخوف بل بالاسترخاء والتأمل والأمل والثقة ، حاولي الحصول على معادلة التكيف وانهجي نهج المسلمين الذين حققوا درجة كبيرة من القدرة على مواكبة الغرب دون الذوبان والغرق في لجة أمواجه المتلاطمة ، واعلمي سيدتي أن أطفالك مراهقون يحتاجون إلى كثير من الرعاية والحنان والحب والصداقة والدعم والعون حيث لا يجب أن يكون هناك تشدد أو تصلب أو تزمت أو إكراه والقاعدة كلما ازدادت حدة التناقضات كلما ازددات احتمالات التصدع في العملية التربوية.

    وفقك الله وباركك أيتها الأم الفاضلة.

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2009-12-12

    أ.د.علي أسعد وطفة


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    الأخت الفاضلة أم عبدالله :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    لقد تضمنت رسالتك جوهر الإشكالية التي يعانيها المغتربون المسلمين في بلاد الغرب حيث تكون الثقافة مختلفة لثقافتنا والقيم متناقضة مع قيمنا الثقافية التي تشربناها ونهلنا من معينها الإنساني. وهذا التناقض يشمل أيضا القيم الدينية والروحية التي نؤمن بها ونحيا على هديها.

    ومن الطبيعي يا سيدتي هنا أن يعاني الأطفال إذا كنا نحن الكبار نعاني كثيرا من التواجد في أطر ثقافية مختلف، فنحن عندما نذهب إلى الغرب للمرة الأولى نصاب بما يسمى بالصدمة الثقافية ، وهذا ناجم عن عملية تصادم بين قيم مختلفة كليا ونوعيا حيث يكون اللقاء بين الثقافيتين كالتصادم بين عاصفتين رعديتين حيث تنقدح الأجواء بومض البرق وتهدر بهدير الرعد القاصف. ونحن عندما نتجاوز هذه الصدمة الأولى نصاب لاحقا بدوار ثقافي دائم وصداع قيمي لا ينفك بحاصرنا ويدمر أنساقا من القيم الأخلاقية في نفوسنا وأعماقنا ، وأخيرا تحاول أن نتكيف مع هذا الصداع الثقافي المزمن لأنه لا يوجد بديل آخر غير التكيف ذاته .

    وإذا كنا نحن الكبار نواجه العاصفة والصدمة فإن الصدمة ستكون أشد وقعا وتأثيرا على الصغار اليافعين وهم في طور النمو والتشكل. والجميع يدرك خطورة هذا الأمر وشدته وعنفه وخطره على العقل والكينونة والوجود الثقافي للأطفال.

    ومن الطبيعي أن تكون شدة الصدمة الثقافية على مقياس التصلب والتشدد والتزمت فكلما كانت الأسرة متشددة متزمتة متصوفة كلما ازداد حجم الخطر واشتدت وطأة المعاناة الإنسانية ، وكلما أدى ذلك إلى ارتفاع مؤشرات الفصام التربوي والتناقض الوجداني.
    ولكن درجة الصدمة تكون أخف وأقل تأثرا بالنسبة للأسر التي تضع مخمدات ثقافية تعتمد فيها على مبدأ المرونة والتكيف والتفاعل والاندماج بطريقة يحافظ فيها المرء على قيمه ومبادئه دون أن يسرف في تبني قيم الآخر ومعادلاته الثقافية.

    سيدتي الفاضلة:

    عدد كبير من الأسر العربية عادت إلى الوطن كي لا تضحي بمستقبل الأطفال وبهويتهم العربية الإسلامية الأصيلة وأنا أريد في هذا القول أن أدلل على حجم القضية وأهميتها وخطورتها في الآن الواحد.

    وسأقول لك أن رسالتك قد أبانت نوعا من التحفظ والتشدد في المحافظة على القيم الدينية والثقافية وأنت من حيث المبدأ محقة في ذلك ولكن هذا التشدد غالبا ما كان محاطا بالخوف الشديد والقلق الشديد الذي أضفى توترا على توتر وقلقا في قلق فازداد حالة التشنج والتشدد وهذا بدوره أدى إلى مزيد من المخاوف والمخاوف إلى التشدد وهكذا دواليك حتى أصبح الوضع لا يطاق ومن حيث المبدأ لا يحتمل.

    سيدتي الفاضلة:

    كان عليك من البداية أن تحسبي وتتحسبي من نتائج هذا التشدد وهذا يعني أنك مطالبة اليوم بمرونة كبيرة جدا وبامتلاك القدرة على التكيف في أجواء ثقافية ممكنة. وحالتك أشبه بحالة الذي يغرق في ماء البحر ليس لأنه لا يجيد السباحة بل لأن خوفه من البحر والماء قد كان سببا في غرقه. تنفسي سيدتي الفاضلة ولا تتصوري أن كل ما في ثقافة الغرب شر مستطير، فكلمات التكفير لم تأت من ثقافة الغرب بل من ثقافتك أنت والمعيارة لم تأت من الشرق (بمعنى شرق وغرب ) بل نبعت من صميم التربية التي توجد في المنزل. والخطر كل الخطر كما أراه في التفكك العائلي وها هو زواج الأب المتعدد عبر الانترنيت مثال خارق لنزوات الشرق ذاته وبؤسه عينه في استخدام التكنولوجيا والإنترنيت فالغرب لم يعلم زوجك أن يلهو ويتزوج وفي عهدته أطفال صغار يحتاجون حمايته ورعايته. وما أعنيه أن ثقافة الغرب ليست دائما هي السبب بل الأسباب قد تكون كامنة في طرائق التربية التي نعتمدها وهي غالبا تتصف بالشدة والسلطة والتشدد .
    أريد أن أقول لك أن التصادم الثقافي بين ثقافة الشرق والغرب مريع ولكن طريقتك في التربية التي تعتمد التخويف والترهيب والتشدد والهروب والانحسار وعدم المواجهة ( كما أسلفت أنك لا ترسلين أطفالك إلى المدارس الغربية ) قد تكون أكثر ترويعا وخطرا من التصادم نفسه ، فأنت ما تفعلينه حالة من الهروب والتأزيم وكل هذا يجد صداه في نفوس الأطفال ويمنعهم من التكيف مع القيم الغربية أو مع القيم الشرقية. وكان يجب عليك أن تواجهي مضامين الحياة الثقافية للمجتمع الذي تعيشين فيه وتألفيها فليست كل القيم الغربية سلبية وإن كانت فيمكنك بكل هدوء وثقة أن تجنبي السلب فيها قدر الإمكان بأدوات ثقافية تعتمد الانفتاح والتكيف والقبول دون الذوبان والانهيار والسقوط والانحلال. ففي ثقافة الغرب ما هو غث وفيها ما هو ثمين فعلينا بالثمين منها وعلينا أن نغفل كل ما لا ينسجم مع ثاقفتنا ومعاييرنا.

    كل ما أريد قوله سيدتي الفاضلة أنه عليك بالاسترخاء الثقافي وعليك أن تقولي مثلا ما الأمور التي أخشاها في المدرسة: أن يشاهد طفلك التقبيل بين الذكور والإناث ، نعن هذا ليس جيدا ولكنه إذا لم ير هذا الأمر في المدرسة سيراه خارجها فكل ما هو معيب في المدرسة موجود وقائم في الشارع، وهذا يعني أن تجنب المدرسة لا يمكن أن يجنب أطفالك هذه المشاهد هنا وهناك في كل ركن من أركان الحياة.

    هناك مثل إسلامي يقول الضرورات تنفي المحظورات ، أحيانا أنت مضطرة وأطفالك للعيش في هذا البلد الغريب وعليك أن تخففي من درجة الرفض لكل ما هو قائم رفضا ساخنا ومطلقا. ما عليك فعله أن تحصني أطفالك باعتدال بالقيم الإسلامية دون تشدد ودون تحفظ ودون خوف أو قلق أو وجل. لأن الخوف والقلق والرهاب من الثقافة الغربية قد أوقعك وأوقع أطفالك في الارتباك شديد ودفع بكم جميعا إلى دائرة الاختناق.

    فالأطفال قد يجدون في التشدد التربوي منطلقا للتمرد وقد يرون فيه مضايقة كبيرة لأنهم يعيشون في دوامة ثقافة طاغية ، فرويدا رويدا أيتها الأم الصابرة.

    لن تستطيعي في النهاية أن تشكلي أطفالك على المقياس الذي ترغبين ، فهم سيتأثرون طبعا ولكن لن يبلغ هذا التأثير ما يجعلهم يتنكرون لهويتهم ودينهم بإذن الله إذا كنت مرنة وذكية وقادرة على التكيف. سأضرب لك مثالا بسيطا علن وضعية التكيف الممكنة : ذهبت لقضاء عطلتي في فرنسا في الصيف الماضي وكان شهر رمضان الفضيل ، وإحدى الأمور التي كانت تقض مضاجعي أنني لا أستطيع أن آكل في مطعم مجرد أنه يقدم لحم الخنزير حيث كنت أشعر بالتقزز والرغبة في الإقياء ، ولم أستطع تناول الطعام في المطاعم حتى الأدوات التي تستخدم كانت تقززني كنت أقول بيني وبين نفسي هذه أدوات استخدمت في طهي لحم الخنزير وتناوله ، وكان علي أن أقضي وقتا وهكذا كان الأمر لا يحتمل ، ولكنني أخيرا رأيت أن الأمر لا يجب أن يصل إلى هذا الحدّ فبدأت بالتخلص من رهاب الخنزير قائلا لنفسي ما شأني وشأن الخنزير هذا ألا يمكن أن أتكيف لأعيش بعض أيام عطلتي ومن ثم حاولت التكيف مع هذه الوضعية إلى أن أصبحت قادرا وبشكل طبيعي على تناول الطعام في أي مطعم دون خوف أو قلق أو رغبة في الإقياء ، أي حاولت أن أتكيف وأن لا أترك نفسي لقمة سائغة دائمة للخوف والقلق الذي يقض المضاجع. وها يعني هنا ضرورة التكيف .

    واعلمي سيدتي أن أغلب أطفالك وأولادك في مرحلة المراهقة وهم يحتاجون لمزيد من العناية في هذه المرحلة وكان الله في عونك وفي حفظك فأنت أم عظيمة تحاولين حماية أطفالك الصغار من كل شر مستطير بارك الله فيك. ولكنني سأقول لك عليك بأمر في غاية الأهمية إذا شئت الاستمرار في الوجود في الغرب عليك يا سيدتي أن تتكيفي وعليك أن تتحرري من الخوف المبالغ على الأولاد فهم في حفظ الله ورعايته خففي من خوفك ومن قلقك وتوترك جدا وحاولي أن تقدمي لا أن تحجمي أن تواجهي لا أن تهربي أن تتقدمي دون خوف أو وجل أن تثقي بنفسك وأطفال وأن تثقي بأن الله سيكون في رعايتهم وحفظهم.

    ما هو مهم أيضا أن التناقضات الثقافية بين ثقافتين ستكون خطرة جدا، فأطفالك يتعلمون شيئا في المدرسة أو في الشارع ويتعلمون نقيضه في المنزل ، وهذا يترك آثارا كبيرة في النفس هذا يؤدي مع الزمن إلى انشطار وانهيار في تكوين الشخصية ويؤدي إلى حالة اغتراب هائلة ، وقد يصيب الأطفال بمقتل ثقافي وروحي، حاولي المحافظة على الجوهري من ثقافتنا واتركي للأطفال حرية كبيرة دون لوم أو تعنيف في تبني بعض القيم التي لا تتناقض كليا مع ثقافتنا. إنهم أطفال صغار وهم يحتاجون إلى التوافق والتنسيق والتكامل بين الداخل والخارج بين الدين والعقل بين المنزل والمدرسة فلا تزيدي في همومهم لا تحاسبيهم على الصغيرة والكبيرة في مجتمع يعطي أفراده حريات كبيرة وواسعة.

    أنت وكل من يعيش في الغرب يعلم أن التوافق والتكيف مع قيم المجتمع المضيف الذي نعيش فيه ضرورة ، وأن الصدام المباشر مع القيم الاجتماعية السائدة قد يؤدي إلى كارثة وصدمة ، فحاولي التكيف مع الحفاظ على القيم الأصيلة في ثقافتنا وانهجي نهج الواثق بنفسه وتربيته لا بنهج الخائف القلق والمتوتر من المواجهة ، فمواجهة أمواج البحر لا تكون بالخوف بل بالاسترخاء والتأمل والأمل والثقة ، حاولي الحصول على معادلة التكيف وانهجي نهج المسلمين الذين حققوا درجة كبيرة من القدرة على مواكبة الغرب دون الذوبان والغرق في لجة أمواجه المتلاطمة ، واعلمي سيدتي أن أطفالك مراهقون يحتاجون إلى كثير من الرعاية والحنان والحب والصداقة والدعم والعون حيث لا يجب أن يكون هناك تشدد أو تصلب أو تزمت أو إكراه والقاعدة كلما ازدادت حدة التناقضات كلما ازددات احتمالات التصدع في العملية التربوية.

    وفقك الله وباركك أيتها الأم الفاضلة.

    • مقال المشرف

    قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


    أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات