فقدت الثقة لفراغي العاطفي !

فقدت الثقة لفراغي العاطفي !

  • 15136
  • 2009-08-05
  • 3585
  • المستشير المجهول


  • السلام عليكم ورحمة الله
    في البداية أود أن أشكركم على هذا الموقع الذي يعنى بمشاكل جميع شرائح المجتمع على حد سواء , ولكي لا أطيل المقدمات سأدخل مباشرة في صُلب الموضوع

    قصتي معقده وطويلة قليلاً فأتمنى من المستشار الكريم من بعد إذنه أن يركز قليلاً في أحداث القصه [ أعتذر بسبب ذلك ]

    أولاً أنا شاب أبلغ من العمر 17 عاماً , أنا متفوق دراسياً و على صلة جيدة بربي ولله الحمد , حالياً أنا أعاني من ضعف في الشخصية وإنعدام الثقه بالنفس و الوحده وأشعر بفراغ عاطفي كبير في حياتي

    منذ صغري كنت أتلقى أنواع الإهتمام من والدتي رحمها الله و والدي حفظه الله فقد كنت أبنهم الأكبر و الذكر الوحيد فقدت كنت مدللاً لأبعد الحدود , ويأتي من بعدي 3 أخوات يبلغن من العمر [ 13 , 11 , 10 ] (ملاحظة: كنا نعيش بمحافظة جدة)

    عندما بلغت التاسعة من عمري توفيت والدتي رحمها الله في حادث سير بجدة وأصيب والدي بإصابات متفرقة , منذ ذالك اليوم بدأت حياتي النفسية في التدهور , فبعد أن ماتت والدتي إنتقلت للعيش لدى جدتي وجدي لأمي أنا وأخواتي الثلاث في مدينة تقع بالمنطقة الجنوبية , كون والدي مصاب ولا يستطيع أن يرعانا ,

    بعدها بـ 9 أشهر تزوج والدي إمرأة لا تنجب , ولم أحضر زواجه لا أنا ولا أخوتي فقد كنا غاضبين بسبب زواجة لأنه كان يعدنا بأنه لن يتزوج مهما حصل , بعد أن تزوج والدي جاء لبيت جدتي وجدي ليأخذنا [ كانت أعمارنا ذاك الوقت : 9 , 5 , 3 , 2 ]

    ولكننا رفضنا وبدأنا بالبكاء والصراخ وبدأت جدتي بالبكاء من بعدنا وقالت أنها لن تتخلى عنا مهما حصل ونحن قلنا لن نتخلى عنها أيضاً

    أصبحنا ندرس هناك بالمنطقة الجنوبية لدى جدي وجدتي , وأصبحنا في الإجازات نذهب لزيارة أبي , ولكن أنا وأختى التي تصغرني مباشرة [ سأرمز لها بالرمز (ح) ] أما الصغيرتين فلم يكن يذهبن معنا لوالدي ,

    ظللنا على هذه الحال حتى بلغت من العمر الـ 13 [ الصف الأول المتوسط ] فإنتقلت لأبي وزوجتة في مدينة جده , وبقيت أخواتي في المنطقة الجنوبية برفقة جدتي [ أي أنني أفترقت أنا وأخوتي أنا بجدة وهم بالنطقة الجنوبية ,

    ولكنني كنت أذهب لزيارتهم في الإجازات القصيرة أما الإجازات الكبيره فكانت أختي (ح) تأتي لزيارتنا في جدة وتمكث معنا طوال الإجازة أما إختاي الأصغر منها ظلوا على عادتهم القديمة أي أنهم لا يأتون لزيارتنا في جدة ]

    طبعاً خلال فترة المدرسة المتوسطة إزداد وزني بشكل كبير كوني كنت وحيد لا أجد من ألعب معه أو حتى أتحدث معه وأيضاً كون محافظة جدة مليئة بالمطاعم الفاخرة وحقيقة لم أكن مقصراً فقد كنت ألتهم ما يلتهمه 3 ممن هم في نفس عمري

    [حدث آخر مهم ألا وهو إزدياد وزني بشكل كبير حرمني الثقة في نفسي] , وظل هذا الحال 3 سنوات , أي 3 سنوات من الوحده بلا أخ أو أخت , أما الأصدقاء فلا تربطني بهم سوى المدرسة أي أنه لايوجد لي صديق مقرب جداً نخرج سوية وهكذا ,

    أما عن الأقارب فجميع أقاربي لا يجتمعون إلا في الأعياد أما غيرها فلا نرى بعض البعض وكلهم يكبروني سناً بالنسبة للذكور , ومع الوقت أصبحت لا أعرف أتحدث جيداً مع الناس لأني كنت وحيد ولا أجد من أتكلم معه فأصبح خروجي من البيت أقل بكثير وهذا ما فاقم المشكلة ,

    وفوق كوني وحيداً من ناحية الأخوة والأصدقاء فقد حرمت من الحنان والعطف كون والدتي توفيت وحقيقة أنا لا أتواصل مع عمتي زوجة والدي بشكل كبير فلا نتحدث إلا قليل جداً جداً فإذا أرادت شيء مني تخبر والدي ليقوله لي وأنا نفس الشيء

    طبعاً هذه الفتره فترة مراهقة وأنا حرمت فيها حرمان نفسي كبير ومن كل النواحي وهذا تلخيص لهذه الفتره في نقاط :

    1- أعاني من الوحدة التامه ولا أجد من أتواصل معه سوى تلفاز غرفتي وجهاز الكمبيوتر الخاص بي , لا أخ ولا أخت , لا صديق لا جار ولا قريب .

    2- عانيت من السمنة المفرطة جداً بعد ان كان جسمي متناسق جداً , ففي أول سنة لي بجدة بعد أن أنتقلت لوالدي قفز وزني من 43 إلى 71 كيلو وأنا لم أتخطى سن الثالثة عشر ولازلت في الصف الأول متوسط !!!!!

    3- نتيجة المذكور أعلاه أصبحت لا أجيد التواصل مع الآخرين كوني أخجل من مظهري [ وزني ] وكوني كنت قليل الكلام مع الآخرين بسبب الوحده , وبهذا أصبحت أفضل الإنعزال بنفسي وعدم الخروج والإختلاط بالمجتمع وهذا ما فاقم المشكلة .

    4- والدي كل سنة تتغير معاملته معي من سيء لأسوء , ففي الصف الأول متوسط كان طيباً جداً بشكل غير طبيعي ولكن في السنة اللتي تلتها أصبح أكثر حده ,

    وفي الصف الثالث متوسط تغير تفكيرة ومزاجه وأصبح عصبياً ولا يفكر إلا في الزواج بإمرأة تمنحه السعاده , لربما أنه يمر في أزمة منتصف العمر وهذا ما لا أرجوه .

    5- لم يكن هنالك من يملأني بحنانه وأشكي له همومي وأحس بحبه لي كوني لا أملك أماً ترعاني وتحوطني بدفئها وحنانها , وهذا ما سبب فراغ عاطفي كبير جداً جداً جداً وكان يدفعني بعض الأحيان في التفكير بتكوين علاقة حب مع فتيات في نفس عمري

    لأنني أظن أن هذا سيشبع الفراغ العاطفي فأستطيع قول كلمة أحبك وأستطيع سماع كلمة أحبك وهكذا ولكنني لم أجرأ على ذلك فكنت أعرف أنه من غير المقبول شرعاً ولكنني لا أخفي أنني كنت أفكر ولكنني لم أقدم لأنني أعرف أنه من الخطأ ولكن كل ذلك كان رغبة في إشباع الفراغ العاطفي الكبيييير بداخلي .

    كل هذا عدم الثقة بنفسي وأتعبني نفسياً , وبعد أن دخلت الثانوية حاولت أكثر من مره علاج نفسيتي فبدأت بوزني الذي تخطى الـ 115 كيلو وخسرت ما يعادل الـ 40 كيلو [ بالتحديد 37 ] خلال السنة الأولى من المرحلة الثانوية ,

    وأصبح قوام جسمي رائع فلم أصبح سمينا جداً ولست نحيفاً جداً ولكن معتدل جداً , ولم يعد هناك ما أخجل منه في مظري الخارجي فأنا ولله الحمد شكلي مقبول وجسمي معتدل ولكنني لا زلت لا أجد الثقة داخلي ولا أجيد التحدث مع الآخرين

    فعندما أتحدث معهم أخفض صوتي كأني خائف أو كأن كلامي خاطئ , ولكن بعد أن قابلت أحد الأشخاص الواعين في هذه الأمور نصحني بعدة نصائح منها أنه يجب علي عندما أتحدث أن أرفع صوتي وبالفعل أرى أنه بدأت تفلح قليلاً

    ولكنني لا زلت لا أرى الثقة بداخلي ولا زال الفراغ العاطفي الكبير يجول هائماً بداخلي
    وبعد هذا كله لا زلت أعاني من : (1) ضعف في الشخصية وإنعدام الثقه بالنفس (2) الوحده (3) فراغ عاطفي كبير

    أتمنى ان تساعدوني في حل مشاكلي النفسية كونكم أهل الإختصاص وكوني لا أستطيع مراجعة دكتور نفسي لظروف خاصة , أعتذر مجدداً على الإطالة , بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2009-09-05

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    رسالتك وأسلوبك في الكتابة يدلان على أنك أكبر من 17 سنة بكثير، على مستوى الوعي الذي تتمتع به وقدرتك على فهم ووصف ما تعاني منه.

    فقدت في سن صغيرة من نموك السند والدعم الذي يمنح الإنسان الإحساس بالأمان وانهارت أسرتك فجأة من دون سابق إنذار وتوقع وكنت أنت الكبير بين أخوتك، وكنت كأنك الأب والأم لأخواتك الأصغر منك، فشعرت بمسؤولية كبيرة تجاههن، تحاول منحهن الحب والأمان في وقت كنت أنت نفسك أيضاً بحاجة للحب والحنان والأمان. وبعد فترة وجيزة انهار بالنسبة لكم مصدر الأمان المتبقي، أي الأب، من خلال زواجه بعد أن كان قد وعدكم بعدم الزواج مرة أخرى، وشعرتم بالغضب الشديد منه. وكان غضبكم بسبب الشعور بفقدان السند المتبقي، وبسبب أنه أخل بوعده لكن، وكأنكم قد شعرتم بالخيانة والتخلي.

    منحتكم جدتكم الحنان والأمان الأسري، وعوضت جزءاً مما فقدتموه، إلا أن هذا الأمان كاد أن يتحطم عندما قرر والدك أخذكم للعيش معه. ثم عاد فعدل عن رأيه، وحسناً فعل، إلا أن الشعور بالتهديد ظل قائماً من احتمالية أن يأخذكم في يوم من الأيام.

    في فترة الدراسة المتوسطة انتقلت للعيش مع أبيك، وهي فترة المراهقة. وعلى ما يبدو فإنك لم تكن متكيفاً مع هذا الانتقال، فقد ابتعدت عن أخواتك وجدتك، لتعيش في منزل حلت فيه امرأة أخرى مكان أمك، فعادت ربما بقايا الغضب القديم من والدك لأنه تزوج، ولأنك فقدت المكان الآمن القديم، وبعد أن كنت مسئولا نفسياً عن أخواتك تخليت عن هذه المسؤولية مرغماً، وفي بيت والدك لم تعد صورة أبيك هي تلك الصورة التي كنت تملكها عنه، ولم تحاول زوجة أبيك أن تبني معك علاقة إنسانية مباشرة وتجعلك تشعر بالأمان، فظلت غريبة في نظرك أخذت مكاناً ليس لها من الناحية النفسية. وشعرت بفقدان السيطرة والتحكم عما يدور حولك، وهذا الإحساس بفقدان السيطرة زاد من التوتر والقلق. وقد انعكس هذا في زيادة وزنك. فزيادة الوزن بهذا الشكل وبالطريقة التي وصفتها تدل على أن الإنسان لا يتحكم بحياته، وكأنه يريد أن يدافع عن نفسه ضد الخوف الكامن فيه، عن طريق تطويق نفسه بطبقات من الشحم كرمز نفسي لجدار من الحماية يلفه الإنسان حول نفسه، وكتعبير الحاجة للأمان أيضاً. كما قد يكون تعبيراً عن مشاعر الغضب التي لم تكن قادراً على التعامل معها ولا على التعبير عنها بصورة مباشرة، وكأنك هنا بدأت تفترس غضبك، (الطعام كرمز للغضب أيضاً)، ليتراكم حول جسمك.

    في بيت والدك لم تكن الأمور من الناحية النفسية مريحة، فلم تجد من يحتضنك ويرعاك، ولم تستطع تكوين صداقات مع رفاقك في المدرسة، في وقت كنت بحاجة فيه لرفاق وأصدقاء تلعب معهم وتمارس بعض الأنشطة والهوايات. وكان التواصل في البيت ضمن الحد الأدنى مع عمتك، وإن حصل فهو يحصل عن طريق والدك، فافتقدت في هذه المرحلة إلى تعلم مهارات التواصل الاجتماعي مما ولد لديك فقدان الثقة بالنفس، أضيف إليها مظهرك البدني الذي أصبح عائقاً بينك وبين العالم الخارجي في التواصل.

    لقد أدركت أن جسدك يقف عائقاً أمام ثقتك بنفسك، فعملت على تخفيض وزنك، وحققت إنجازاً كبيراً يحسب لك، مما يعني أن لديك القدرة على التحكم والسيطرة بالأمور أو أنك بدأت تستعيد السيطرة على أمور حياتك، إلا أنك مازلت تشعر بفقدان العطف والحنان. وهذا أمر مفهوم، فأنت فقدت الحنان في مرحلة كنت بحاجة له، وفقدت الحب الأسري وكنت الكبير بين أخواتك فقمت بدور الراشد. وأصبحت هذه الحاجة الطبيعية الآن ملحة، تتوق لسماع كلمة حب إنسانية من شخص ما.

    أنت الآن في المرحلة الثانوية وتستطيع فيها تحقيق الكثير، بوعيك وتفوقك. وشعورك بفقدان الثقة نابع من فقدانك لمهارات التواصل الاجتماعي التي لم تتعلمها منذ طفولتك. ومن هنا فإن فقدان الثقة هذا لا يرجع إلى سبب متأصل –مرضي- وإنما لأنك لم تتعلم مهارات التواصل. وحسناً فعل من نصحك بأن تحاول أن ترفع صوتك في أثناء الحديث، فهذا أحد التمارين المهمة في تنمية مهارات التواصل وتعزيز إحساسك بنفسك أثناء التعبير عما تريد قوله.

    وكما استطعت أن تخفض وزنك فأنت تستطيع أن تنمي مهاراتك التواصلية. ومن النصائح المفيدة في هذا أن تصنع لنفسك مجموعة من الأصدقاء الجيدين الذين تستطيع التواصل معهم وتمارس معهم أنشطة وهوايات مفيدة. عليك أن تتدرب على التعبير عن رأيك وأن تقول لنفسك أن الرأي أو الفكرة التي أطرحها هي مجرد آراء وأفكار، فلا هي صحيحة ولا هي خطأ، فإن كانت صحيحة أو مقبولة من الآخرين فهذا جيد وإن كانت غير مقبولة من الآخرين فإني أكون قد تعلمت أن ما أطرحه من أفكار في هذا الموقف يحتاج إلى توضيح أكثر وتعديل كي يتقبلها الآخرين. وهكذا تنمو الأفكار وتتعدل باستمرار. أما إذا اعتقدنا أن أفكارنا خطأ ولم نعبر عنها فسوف نفقد فرصة للتعلم وتنمية ذاتنا، وفرصة لاختبار مدى صحة أو خطأ أفكارنا بالفعل. تذكر أن الكمال لله وحده وأننا نحن البشر قد تخطئ ولكن الأهم أن نتعلم من الخطأ لتصحيح وتعديل أفكارنا.

    يمكنك التمرن في البيت عندما تكون لوحدك أمام المرآة على التعبير عن أفكارك والكلام بصوت مسموع وواضح. وحاول ألا تفكر في أثناء الحديث في كون فكرتك صح أو خطأ وإنما فكر في كيف أعبر عن فكرتي بالشكل الذي أراه مناسباً. ومن المفيد أن تعيد التفكير بعلاقتك بعمتك، أي أن تبدأ بالحديث معها مباشرة بالطريقة المناسبة عما تريد وألا يكون هذا عن طريق والدك. وما حصل ليس ذنبها، وليس ذنب والدك وإنما قضاء الله وقدره، وربما يعاني والدك أيضاً من هذا ويشعر بالألم لتشتت الأسرة وعدم تمكنه من بناء حياة أسرية مشحونة بالحب كما يتمنى، ويفتقد هو أيضاً مثلك للحب.

    أنت لست بحاجة لطبيب أو معالج نفسي. أنت بحاجة لبناء علاقات اجتماعية وصداقات طيبة مع أشخاص في سنك ومستواك. ومثل هذه الصداقات تمنح الإنسان الإحساس بالراحة النفسية وتنمي قدراته الاجتماعية وتعزز من ثقته بنفسه. والبداية ينبغي أن تكون منك أنت بالاتصال ببعض الأشخاص الذين تعرفهم واللقاء بهم وممارسة أنشطة مفيدة كالرياضة أو أية هواية مشتركة بينكم. كما أنصحك بتنمية مهارة المطالعة لديك، لأنها تنمي من قدراتك الموجودة لديك وتزيد من فهمك لنفسك والعالم من حولك وتطور من أفكارك بشكل إيجابي. ومثل هذه الهوايات والأنشطة تخفف من الإحساس بالفراغ العاطفي في هذه المرحلة، وتمنحك الإحساس بالثقة وتزيد من مهاراتك الاجتماعية، ريثما تنهي تعليمك وتصبح قادراً على تأسيس أسرة تشبع من خلالها حاجتك العاطفية والإنسانية مع إنسانة تحبها وتحبك وتعوض معها ما فقدته من حرمان عاطفي وإحساس بالأمان.

    أتمنى لك التوفيق فيما تسعى إليه وأؤكد مرة أخرى على أن لديك قدرات كبيرة ووعياً ممتازاً يؤهلك لتحقق الكثير من الأمور الإيجابية والخيرة في الحياة.

    مع التقدير والمودة .

  • رد المستشار

    يمكنك التعرف على السيرة الذاتية للمستشار وإستشاراتة السابقة بالضغط على أسم المستشار

  • 2009-09-05

    أ.د. سامر جميل رضوان


    بسم الله الرحمن الرحيم .

    رسالتك وأسلوبك في الكتابة يدلان على أنك أكبر من 17 سنة بكثير، على مستوى الوعي الذي تتمتع به وقدرتك على فهم ووصف ما تعاني منه.

    فقدت في سن صغيرة من نموك السند والدعم الذي يمنح الإنسان الإحساس بالأمان وانهارت أسرتك فجأة من دون سابق إنذار وتوقع وكنت أنت الكبير بين أخوتك، وكنت كأنك الأب والأم لأخواتك الأصغر منك، فشعرت بمسؤولية كبيرة تجاههن، تحاول منحهن الحب والأمان في وقت كنت أنت نفسك أيضاً بحاجة للحب والحنان والأمان. وبعد فترة وجيزة انهار بالنسبة لكم مصدر الأمان المتبقي، أي الأب، من خلال زواجه بعد أن كان قد وعدكم بعدم الزواج مرة أخرى، وشعرتم بالغضب الشديد منه. وكان غضبكم بسبب الشعور بفقدان السند المتبقي، وبسبب أنه أخل بوعده لكن، وكأنكم قد شعرتم بالخيانة والتخلي.

    منحتكم جدتكم الحنان والأمان الأسري، وعوضت جزءاً مما فقدتموه، إلا أن هذا الأمان كاد أن يتحطم عندما قرر والدك أخذكم للعيش معه. ثم عاد فعدل عن رأيه، وحسناً فعل، إلا أن الشعور بالتهديد ظل قائماً من احتمالية أن يأخذكم في يوم من الأيام.

    في فترة الدراسة المتوسطة انتقلت للعيش مع أبيك، وهي فترة المراهقة. وعلى ما يبدو فإنك لم تكن متكيفاً مع هذا الانتقال، فقد ابتعدت عن أخواتك وجدتك، لتعيش في منزل حلت فيه امرأة أخرى مكان أمك، فعادت ربما بقايا الغضب القديم من والدك لأنه تزوج، ولأنك فقدت المكان الآمن القديم، وبعد أن كنت مسئولا نفسياً عن أخواتك تخليت عن هذه المسؤولية مرغماً، وفي بيت والدك لم تعد صورة أبيك هي تلك الصورة التي كنت تملكها عنه، ولم تحاول زوجة أبيك أن تبني معك علاقة إنسانية مباشرة وتجعلك تشعر بالأمان، فظلت غريبة في نظرك أخذت مكاناً ليس لها من الناحية النفسية. وشعرت بفقدان السيطرة والتحكم عما يدور حولك، وهذا الإحساس بفقدان السيطرة زاد من التوتر والقلق. وقد انعكس هذا في زيادة وزنك. فزيادة الوزن بهذا الشكل وبالطريقة التي وصفتها تدل على أن الإنسان لا يتحكم بحياته، وكأنه يريد أن يدافع عن نفسه ضد الخوف الكامن فيه، عن طريق تطويق نفسه بطبقات من الشحم كرمز نفسي لجدار من الحماية يلفه الإنسان حول نفسه، وكتعبير الحاجة للأمان أيضاً. كما قد يكون تعبيراً عن مشاعر الغضب التي لم تكن قادراً على التعامل معها ولا على التعبير عنها بصورة مباشرة، وكأنك هنا بدأت تفترس غضبك، (الطعام كرمز للغضب أيضاً)، ليتراكم حول جسمك.

    في بيت والدك لم تكن الأمور من الناحية النفسية مريحة، فلم تجد من يحتضنك ويرعاك، ولم تستطع تكوين صداقات مع رفاقك في المدرسة، في وقت كنت بحاجة فيه لرفاق وأصدقاء تلعب معهم وتمارس بعض الأنشطة والهوايات. وكان التواصل في البيت ضمن الحد الأدنى مع عمتك، وإن حصل فهو يحصل عن طريق والدك، فافتقدت في هذه المرحلة إلى تعلم مهارات التواصل الاجتماعي مما ولد لديك فقدان الثقة بالنفس، أضيف إليها مظهرك البدني الذي أصبح عائقاً بينك وبين العالم الخارجي في التواصل.

    لقد أدركت أن جسدك يقف عائقاً أمام ثقتك بنفسك، فعملت على تخفيض وزنك، وحققت إنجازاً كبيراً يحسب لك، مما يعني أن لديك القدرة على التحكم والسيطرة بالأمور أو أنك بدأت تستعيد السيطرة على أمور حياتك، إلا أنك مازلت تشعر بفقدان العطف والحنان. وهذا أمر مفهوم، فأنت فقدت الحنان في مرحلة كنت بحاجة له، وفقدت الحب الأسري وكنت الكبير بين أخواتك فقمت بدور الراشد. وأصبحت هذه الحاجة الطبيعية الآن ملحة، تتوق لسماع كلمة حب إنسانية من شخص ما.

    أنت الآن في المرحلة الثانوية وتستطيع فيها تحقيق الكثير، بوعيك وتفوقك. وشعورك بفقدان الثقة نابع من فقدانك لمهارات التواصل الاجتماعي التي لم تتعلمها منذ طفولتك. ومن هنا فإن فقدان الثقة هذا لا يرجع إلى سبب متأصل –مرضي- وإنما لأنك لم تتعلم مهارات التواصل. وحسناً فعل من نصحك بأن تحاول أن ترفع صوتك في أثناء الحديث، فهذا أحد التمارين المهمة في تنمية مهارات التواصل وتعزيز إحساسك بنفسك أثناء التعبير عما تريد قوله.

    وكما استطعت أن تخفض وزنك فأنت تستطيع أن تنمي مهاراتك التواصلية. ومن النصائح المفيدة في هذا أن تصنع لنفسك مجموعة من الأصدقاء الجيدين الذين تستطيع التواصل معهم وتمارس معهم أنشطة وهوايات مفيدة. عليك أن تتدرب على التعبير عن رأيك وأن تقول لنفسك أن الرأي أو الفكرة التي أطرحها هي مجرد آراء وأفكار، فلا هي صحيحة ولا هي خطأ، فإن كانت صحيحة أو مقبولة من الآخرين فهذا جيد وإن كانت غير مقبولة من الآخرين فإني أكون قد تعلمت أن ما أطرحه من أفكار في هذا الموقف يحتاج إلى توضيح أكثر وتعديل كي يتقبلها الآخرين. وهكذا تنمو الأفكار وتتعدل باستمرار. أما إذا اعتقدنا أن أفكارنا خطأ ولم نعبر عنها فسوف نفقد فرصة للتعلم وتنمية ذاتنا، وفرصة لاختبار مدى صحة أو خطأ أفكارنا بالفعل. تذكر أن الكمال لله وحده وأننا نحن البشر قد تخطئ ولكن الأهم أن نتعلم من الخطأ لتصحيح وتعديل أفكارنا.

    يمكنك التمرن في البيت عندما تكون لوحدك أمام المرآة على التعبير عن أفكارك والكلام بصوت مسموع وواضح. وحاول ألا تفكر في أثناء الحديث في كون فكرتك صح أو خطأ وإنما فكر في كيف أعبر عن فكرتي بالشكل الذي أراه مناسباً. ومن المفيد أن تعيد التفكير بعلاقتك بعمتك، أي أن تبدأ بالحديث معها مباشرة بالطريقة المناسبة عما تريد وألا يكون هذا عن طريق والدك. وما حصل ليس ذنبها، وليس ذنب والدك وإنما قضاء الله وقدره، وربما يعاني والدك أيضاً من هذا ويشعر بالألم لتشتت الأسرة وعدم تمكنه من بناء حياة أسرية مشحونة بالحب كما يتمنى، ويفتقد هو أيضاً مثلك للحب.

    أنت لست بحاجة لطبيب أو معالج نفسي. أنت بحاجة لبناء علاقات اجتماعية وصداقات طيبة مع أشخاص في سنك ومستواك. ومثل هذه الصداقات تمنح الإنسان الإحساس بالراحة النفسية وتنمي قدراته الاجتماعية وتعزز من ثقته بنفسه. والبداية ينبغي أن تكون منك أنت بالاتصال ببعض الأشخاص الذين تعرفهم واللقاء بهم وممارسة أنشطة مفيدة كالرياضة أو أية هواية مشتركة بينكم. كما أنصحك بتنمية مهارة المطالعة لديك، لأنها تنمي من قدراتك الموجودة لديك وتزيد من فهمك لنفسك والعالم من حولك وتطور من أفكارك بشكل إيجابي. ومثل هذه الهوايات والأنشطة تخفف من الإحساس بالفراغ العاطفي في هذه المرحلة، وتمنحك الإحساس بالثقة وتزيد من مهاراتك الاجتماعية، ريثما تنهي تعليمك وتصبح قادراً على تأسيس أسرة تشبع من خلالها حاجتك العاطفية والإنسانية مع إنسانة تحبها وتحبك وتعوض معها ما فقدته من حرمان عاطفي وإحساس بالأمان.

    أتمنى لك التوفيق فيما تسعى إليه وأؤكد مرة أخرى على أن لديك قدرات كبيرة ووعياً ممتازاً يؤهلك لتحقق الكثير من الأمور الإيجابية والخيرة في الحياة.

    مع التقدير والمودة .

    • مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      في ضيافة مستشار

    أ. هيفاء أحمد العقيل

    أ. هيفاء أحمد العقيل

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات