ما أشد قبحها في رمضان .
مقال المشرف
ما أشد قبحها في رمضان .




ما أجمل ليالي رمضان ، وما أندى أحاديثها ، إذا تجالس الأحباب ، ونثروا بينهم ورود الود ، وتهادوا رياحين الكلام ، ينتقون أطايبه كما ينتقى أطايب التمر كما يقول الفاروق ، صفت أرواحهم بالصيام ، وطهرت ألسنتهم بالذكر والسلام ، واغتسلت جوارحهم بطول القيام ، تلاقوا كما تتلاقى الغصون في موسم الربيع ، ليس بينهم صخاب ولا سباب ، ولا تشوى بينهم أعراض الخلائق ، بل تتجاذبهم مشاعر الأشقاء ، فينصح بعضهم بعضا ، ويدل أحدهم أخاه على ما يصلح آخرته ودنياه ، فإذا بالمنافع تجنى كما تجنى الثمرات ، وإذا المحبة تطفح على الوجوه بالضحكات والبسمات .

هذه هي الصورة المثلى التي يجب أن تكون عليها مجالسنا في كل حين ، ولاسيما في رمضان شهر الطهارة من فحش القول ، وآفات اللسان .
ولكن هل هذا واقع كل الناس ؟

لعل الجواب سيكون : لا ، وإنما هو حال ثلة منهم ، رأوا أن من تمام صيامهم عن المفطرات ، الصوم عن أعراض الناس والتفكه بها ، منصتين إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ( رواه البخاري ).
ومن أشد الزور في القول نقيصة الغيبة ، التي لم تدع ـ إلا ما رحم ربي ـ مجلسا إلا دنسته ، ولا لسانا إلا زلت به ، ولا طالحا ولا صالحا إلا راودته ، فلم يسلم إلا قليل .

الغيبة ذلك الوحش الضاري ، والعدو الصائل ، ينقض على الحسنات فينهشها ، وعلى اللحوم البشرية فيأكلها ، وعلى المجتمعات الإسلامية فيفرقها .
ألا ترى ـ أخي الصائم ـ كيف تساهل كثيرون في أمرها ، حتى أصبحت كأنها عادة اجتماعية متعارف عليها لا تكاد تنكر ، فبينما كان الصحابة رضي الله عنهم يتلاقون بالبشر ، ويحفظون أعراض بعضهم عند الغيبة ، ويرون ذلك أفضل الأعمال ، ويرون خلافه من عادة المنافقين ، فقد انتشر خلافُ ذلك اليوم ، فها نحن أولاء نرى كيف يلقى أهل المجلس زائرهم بالترحاب ، ويأخذون معه أطراف الأحاديث التي تفوح بالمجاملات ، وما إن يودعهم حتى تبدأ وجبتهم الدسمة بلحمه ، متناسين مثل قول الله تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) .
إن من العجب حقا أن يصوم أحدنا عن الحلال ، ويفطر على الحرام ، والأعجب من ذلك أن نتظاهر بنزاهتنا عن أبواب الغيبة فندخلها من أسوارها ، فالغيبة قد تكون بالإشارة والغمز ، والكتابة والحركة والتمثيل ، بل هو أشد غيبة كأن يمشي المغتاب مثل مشية أخيه يعيبه ، فرسولنا صلى الله عليه وسلم حين حكت له عائشة رضي الله عنها إنسانا قال : ( ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا ) ( رواه أبو داود ).

بل من أعجب الغيبة : أن يذكر عنده أحد الناس ، فيقول : الحمد لله الذي لم يبتلنا بذنبه ، نسأل الله أن يعصمنا من مثل عمله ، وإنما قصد أن يعيبه بصيغة الدعاء ، وربما قدم بمدحه ثم يشير إلى تقصيره ، فيكون مغتابا ، ومرائيا ، ومزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش . أو أن يصغي إلى الغيبة على سبيل التعجب فيزيد من نشاط المغتاب .

أخي الصائم .. ليكن صومنا فرصة لنا لنعالج أنفسنا من هذا الداء ، فننكرها على الآخرين باللسان أو بالقلب عند عدم القدرة ، حتى لا نقع في الإثم العظيم .
وليضع أحدنا نفسه موضع رجل جعله أهل مجلس موقع تندرهم وضحكهم ، فهل يطيق ذلك ، ألا تكره نفوسنا أن نسمع كلمة قيلت فينا تعيبنا ، سواء أكانت حقا أم باطلا ؟ فكذلك الناس ـ أخي الصائم القائم ـ لا يرضونه لأنفسهم ..
وأخيرا هاك هذه الحادثة القصيرة قبل أن أودعك ، روي عن الحسن أن رجلا قال له : إن فلانا قد اغتابك ، فبعث إليه رطبا على طبق ، وقال : قد بلغني أنك أهديت إلي من حسناتك ، فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام .

الغيبة ـ يا أُخيَّ ـ نار فلا تقربها من حسناتك ، لاسيما وأنت تظمئ نهارك ، وتحيي ليلك ، وترخص مالك ؛ لتثقل بها ميزانك ..







تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال

الغيبة مرض مزن نسأل الله العافية



    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات