في شهر الخير .. شاشتنا غير .
مقال المشرف
في شهر الخير .. شاشتنا غير .





يزف الكون كله رمضان، فجأة تغمر البهجة قلوب المسلمين في أقطار الأرض، هل الهلال، تطايرت البركة من فوق الشفاه كالعصافير من أعشاشها في بستان ريان، اشتعلت الرسائل بأبلغ التهاني، وأحر الدعوات، التفتت القلوب يمنة ويسرة فلم تر سوى سن يضحك، وعينين تبسمان.

الكون كله يشترك في الفرحة، الجنة تفتح، والنار تغلق، والشياطين تغل، والخير يهطل، والغفران ينادي المذنب الحيران، والمساجد تفيض بالقرآن، والقلوب تغتسل من لوثات الحياة وشعثها الأغبر.
رمضان شهر الخير، يلبي للإنسان حاجة الروح الملحة؛ تلك التي تظل ظمأى أحد عشر شهرا، حتى يسكب الضيف الكريم ماءه؛ فيرطب الأشداق المتشققة، من طول الهجران، وينبت الريحان على الدروب الولهى.
والضيف يكرم بما يشتهي ويحب، يتطلع فيرى قوما قد أبرموا العهود مع الله أن يراهم حيث يحب، وأملهم أن يرحمهم، فيدلهم على أعلى العبادات شأنا، وأكثرها أجرا، ثم يعينهم على قلوبهم ـ وهو الذي يملكها ـ فينقيها من قذر الرياء كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ثم يقبل أعمالهم بيمينه، فيربيها لهم. إنهم يطمعون أن تعود الصحائف في ختام رمضان بيضاء نقية، كأجمل ما تكون، وأن ترفع الأعمال كأتم ما تكون، ويفرح المؤمنون بالعتق من النيران.

ولكن العجيب المذهل أن إعلام أمة رمضان، ولا سيما المرئي منه يستعد لاستقبال رمضان بجريمة كبرى، تذبح فيها عوائد رمضان على النفس والروح من الوريد إلى الوريد.
لست ممن يستقبل هذا الغثاء في بيته، ولكني اطلعت على عدد من إعلانات الصحف، ومتابعاتها لما ستقدم أمة القرآن لأهل الإسلام، حينما يحل الشهر المعظم عند الله العزيز الجبار.
(في شهر الخير شاشتنا غير) هذا ما تعلنه الفضائيات، وحين نتساءل عن هذا (الغير) الذي مهر بختم (حصريا) لا نجده سوى مسلسلات تتخلع فيه المرأة من حيائها وحجابها، وهوس بأفكار رديئة بالية ألبست أثوابا جديدة؛ لتخطف عيون المشاهدين الكرام من النظر في صفحات الكتاب العزيز، أو حتى من النظر في عيون بعضهم.
يعود رمضان ليؤلف بين قلوب الأسرة الواحدة؛ فتلتقي القلوب قبل أن تلتقي الأكف على مائدة الإفطار، ولكن الحقيقة أن هذه الفضائيات تقتنص قلوب الأسرة واحدا واحدا منذ أول لحظات الإفطار إلى أن تنام.

لقد تمادت هذه الفضائيات فأصبحت لا تتورع عن عروضها التي تلغي فيها كل الأحكام الشرعية، والتي تقوم على الإغراء حتى في تقديم الأخبار والألغاز التي تؤطر أيضا برمضان (فوازير رمضان المبارك)، بل تكاد تبكي حرقة وأنت ترى خبرا صحفيا يقول: المطرب الفلاني يحيي ليالي شهر رمضان المبارك في أكبر مسرح ...!!
الذي يؤلمني أكثر ويؤلم كل غيور على دينه وأمته أن ما تقوم به الفضائيات العربية والمسلمة في هذا الشهر الجليل أصبح عادة سنوية معترفا بها، عرفا إعلاميا يجب التسليم له، فأية حال وصلت إليها أمة يذبح رجالها كل يوم في أصقاع كثيرة، وتنتهك حرماتها، ويشتم رسولها صلى الله عليه وسلم، وهي لا تزال تغني وترقص على الجراح الثخينة، وأين؟ في شهر يعد فرصة العام، ومناخ العباد بين يدي الرحيم الرحمن.

نعم أخشى أن نستوي مع أعداء أمتنا في الذنوب فنهون على الله، فلا يبالي بنا في أي أودية الدنيا نهلك.
إن كل مشاهد يستطيع أن يلجم هذه المواد الإعلامية الساقطة التي تنتهك حرمة الشهر الفضيل، وهو بيته، يلجمها بكفه التي تسجد لله تعالى في صلاة التراويح، بنفس الأصبع الذي يتشهد به، يضغط على الأزرار ليودع هذه الفضلات الفضائية، لتقر عيناه بما هو نافع منها، مما يزيد من حصته من الأجر في شهر البركة.

إنها مسؤولية شخصية أن نشعر هذه الفضائيات التي لا تستحيي من رب رمضان، ولا من أهل رمضان، أننا نستطيع بالإرادة التي رباها فينا رمضان أن نقفل في وجوه البرامج التي تسيء إلى رمضان الأبواب.. أن نرفض .. نعم إننا نملك أن نقول لها: لا.






تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد
ردود على المقال




    مقال المشرف

قنوات الأطفال وتحديات التربية «1»


أكثر من ثلاثين قناة تنطق بالعربية، تستهدف أطفالنا، بعضها مجرد واجهة عربية لمضامين أجنبية، وبعضها أسماؤها أجنبية، وكل ما فيها أجنبي مترجم، ومدبلج بمعايير منخف

    في ضيافة مستشار

د. أيمن رمضان زهران

د. أيمن رمضان زهران

    استطلاع الرأي

هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات